يُسْتَحَبُّ الالْتِقَاطُ لِوَاثِقٍ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ - وَقِيلَ: يَجِبُ - وَلَا يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ وَاتِقٍ، وَيَجُوزُ فِي الأَصَحِّ، وَيُكْرَهُ لِفَاسِقٍ
(كتاب اللُّقَطة)
هي بضم اللام وفتح القاف على المشهور، وحكى ابن مالك فيها أربع لغات: لُقَاطة، ولُقْطة بضم اللام وسكون القاف، ولُقَطة بضم اللام وفتح القاف ولقط بفتح اللام وسكون القاف 1.
قال الأزهري: وهي مختصة بغير الحيوان من الأموال، والحيوان يُسمَّى ضالة 2.
وهي مجمع على جوازها في الجملة.
(يستحب الالتقاط لواثق بأمانة نفسه) لما فيه من البرَّ، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وفي مسلم: "وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ" 3.
(وقيل: يجب) لأن حرمة مال المسلم كدمه، فيجب صونه، وعلى هذا: لو تركه حتى تلفت العين.. أثم ولا ضمانَ، نصّ عليه في "الأم"، وجرى عليه الأئمة 4.
(ولا يستحب لغير واثق) قطعًا؛ خشيةَ التضييع، أو الخيانة، (ويجوز في الأصحِّ) لأن خيانته لم تتحقق، وعليه الاحتراز، والثاني: المنع؛ خشيةَ استهلاكها.
(ويكره لفاسق) كيلا تدعوَه نفسه إلى الخيانة، وهي كراهة تنزيه؛ كما عزاه الرافعي لإطلاق الجمهور، وزعم أن الغزالي تفرّد بالتحريم، واعترض: بأنه ظاهر
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الإِشْهَادُ عَلَى الالْتِقَاطِ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ الْتِقَاطُ الْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ وَالذِّمِّيِّ فِي دَارِ الإِسْلَامِ.
كلام كثير من العراقيين، وبه جزم الشيخ نصر المقدسي، وابن يونس 1.
(والمذهب: أنه لا يجب الإشهاد على الالتقاط) كالوديعة، والثاني: يجب؛ لحديث عِياض بن حِمار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَخَذَ لُقَطَةً.. فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوِي عَدْلٍ وَلَا يَكْتُمْ" رواه أبو داوود بإسناد صحيح، وصححه ابن حبان 2.
والأول: حمله على الاستحباب.
والطريق الثاني: القطع بالأول.
وفي كيفية الإشهاد وجهان: أصحهما في "زيادة الروضة": أنه يشهد على أصلها، ويذكر بعض صفاتها ولا يستوعبها.
وفائدة الإشهاد: أنه ربما طَمِعَ فيها بعد ذلك، فإذا أشهد.. لم يقدر على ذلك، وأيضًا قد يموت قبل مجيء صاحبها فيأخذها الوارث، فإذا أشهد.. أمن.
(وأنه يصحُّ التقاط الفاسق) كاصطياده، والطريق الثاني: تخريجه على أن المغلَّب في اللقطة الاكتسابُ فيصحُّ، أو الولايةُ والأمانةُ فلا يصحُّ.
قال الأَذْرَعي: والمراد بالفاسق: الذي لا يوجب فسفُه حَجْرًا عليه في ماله.
انتهى، وفيه نظر.
(والصبيِّ) لما ذكرناه في الفاسق، والمجنونُ في ذلك كالصبي، نصّ عليه، وجرى عليه العراقيون وغيرهم، وكذا السفيه.
(والذميِّ في دار الإسلام) ترجيحًا لمعنى الاكتساب، والثاني: لا؛ كما أنه لا يحيي فيها مواتًا.
ثُمَّ الأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُنْزَعُ مِنَ الْفَاسِقِ، وَيُوضَعُ عِنْدَ عَدْلٍ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ تَعْرِيفُهُ، بَلْ يُضَمُّ إِلَيْهِ رَقِيبٌ. وَيَنْزِعُ الْوَلِيُّ لُقَطَةَ الصَّبِيِّ
والطريق الثاني: القطع بالأول، قال الرافعي: وربما شرط في التجويز: كونه عدلًا في دينه 1.
(ثم الأظهر: أنه ينزع من الفاسق، ويوضع عند عدل) لأن مال ولده لا يقر في يده، فكيف مال الأجانب؟ ! والثاني: لا؛ لحقّ المتملّك، والأصحُّ على هذا: أنه يضم إليه مشرف.
ومحلُّ الخلاف: إذا لم تكن العين معرّضةً للضَّياع، فإن كان ممن لا تؤمن غائلته وذهابه بالعين.. انتزعت منه قطعًا، قاله في "البسيط".
(وأنه لا يعتمد تعريفه، بل يضم إليه رقيب) عدل؛ خشيةً من التفريط في التعريف، والثاني: يعتمد؛ لأنه الملتقط.
وإذا تم التعريف.. فللملتقط التملك، قال الماوردي: ويشهد عليه الحاكم بغُرْمِها إذا جاء صاحبها 2، فإن لم يتملكها.. كانت في يد الأمين، قال الماوردي: ولو كان الملتقط أمينًا، لكنه ضعيف لا يقدر على القيام بها.. لم تنزع منه، وعضّده الحاكم بأمين 3.
والذميّ في ذلك كالفاسق؛ كما قاله البغوي، وأقراه 4.
(ويَنزع الولي لقطة الصبي) والمجنون والسفيه وجوبًا؛ لحقه وحقِّ المالك، وتكون يدُه نائبةً عنه كما نابت في ماله، ويستقل بذلك اتفاقًا، لكن عبارة الشافعي: ضمها القاضي إلى وليّه، وفعل فيها ما يفعله الملتقط 5، وأوّلت بما إذا رفعت إليه، وقال ابن الرفعة: إنه الأحوط، ولو قيل باشتراطه.. لم يبعد؛ لظاهر النصّ.
وَيُعَرِّفُ وَيَتَمَلَّكُهَا لِلصَّبِيِّ إِنْ رَأَى ذَلِكَ حَيْثُ يَجُوزُ الاقْتِرَاضُ لَهُ، وَيَضْمَنُ الْوَليُّ إِنْ قَصرَ فِي انْتِزَاعِهِ حَتَّى تَلِفَ فِي يَدِ الصَّبِيِّ. وَالأَظْهَرُ: بُطْلَانُ الْتِقَاطِ الْعَبْدِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِتَعْرِيفِهِ، فَلَوْ أَخَذَهُ سَيِّدُهُ مِنْهُ.. كَانَ الْتِقَاطًا.
(ويعرِّف) الولي، ولا يعطى مؤنة التعريف من مال الصبي، بل يراجع الحاكم ليبيع جزءًا من اللقطة.
وأفهم: أنه لا يصحُّ تعريف الصبي، وهو المذهب، وقال الدارمي: يصحُّ إذا كان معه الولي.
(ويتملكها للصبي) ونحوه (إن رأى ذلك؛ حيث يجوز الاقتراض له) لأن تملك اللقطة كالاستقراض، فإن لم ير التملك.. حفظه أمانةً أو دفعه إلى القاضي.
(ويَضمن الولي إن قصر في انتزاعه حتى تلف في يد الصبي) ونحوه؛ لتقصيره؛ كما لو احتطب فتركه حتى تلف أو أتلف.
وأشار بقوله: (قصّر) إلى أنه إذا لم يشعر بها وأتلفها الصبي.. فإن الصبي يضمنها، لا إن تلفت في يده في الأصحِّ.
(والأظهر: بطلان التقاط العبد) إذا لم يأذن له السيد فيه ولم ينهه عنه؛ لأن اللقطة أمانة وولاية ابتداءً، وتمليك انتهاءً، وليس هو أهلًا لذلك، والثاني: يصحُّ؛ كاحتطابه واحتشاشه.
فإن أذن له فيه.. فالأقوى في "الشرح الصغير" صحته قطعًا، وإن نهاه عنه.. فأقوى الطريقين في "الشرح الصغير" و"زيادة الروضة": أنه لا يصحُّ قطعًا 1.
ويستثنى من إطلاق المصنف: التقاطُ العبد نُثَارَ الوليمة؛ فإنه يصحُّ ويملكه سيده، ذكره في "الروضة" آخرَ (الوليمة) 2.
(ولا يُعَتدّ بتعريفه) إذا أبطلنا التقاطه؛ لأنه غير ملتقِط، وهي مضمونة عليه، فإن صححناه.. صحَّ ولو بغير إذن السيد في الأصحِّ؛ لأن له قولًا صحيحًا.
(فلو أخذه سيده منه.. كان التقاطًا) من السيد، فيعرّف ويتملك، ويسقط
قُلْتُ: الْمَذْهَبُ: صِحَّةُ الْتِقَاطِ الْمُكَاتَب كِتَابَةً صَحِيحَةً وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، وَهِيَ لَهُ وَلِسَيِّدِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مُهَايَأَةً.. فَلِصَاحِبِ الَنَّوْبَةِ فِي الأَظْهَرِ، وَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ النَّادِرِ مِنَ الأَكْسَابِ
الضمان عن العبد على الأصحِّ؛ لأن يد العبد إذا لم تكن يدَ التقاط.. كان الحاصلُ في يده ضائعًا بعدُ، والأجنبيُّ في هذا كالسيد؛ كما نقله الرافعي عن أكثر الأصحاب 1.
ولو لم يأخذه السيد منه، بل أقره بيده واستحفظه ليعرّفَه؛ فإن كان أمينًا.. جاز ولا ضمانَ في الأصحِّ، وإلا.. فهو متعد بذلك.
(قلت: المذهب: صحة التقاط المكاتب كتابةً صحيحةً) كالحر؛ لأنه يملك ما بيده ويتصرّف فيه، وله ذمة صحيحة يمكن مطالبته متى شاء المالك، مع أن اللقطة اكتساب يستعين بها على أداء النجوم.
وفي قول: أنه لا يصحُّ التقاطه؛ لأنه يحتاج إلى الحفظ حولًا وإلى التعريف، وذلك تبرّع ناجز، والملك موهوم، وقيل: يصحُّ، وقيل: لا قطعًا، بخلاف القنّ؛ فإن السيد ينزعه منه، ولا ولاية للسيد على مال المكاتب مع نقصانه.
واحترز بالصحيحة: عن الفاسدة؛ فإنه كالقن.
وقيل: تطرد الطرق.
(ومَنْ بعضعه حر) أي: المذهب: صحة التقاطه؛ لأنه كالحر في الملك والتصرف في الذمة، وقيل: على القولين في القنّ، وقيل: يصحُّ في قدر الحرية قطعًا، وفي الباقي الطريقان.
(وهي له ولسيده) بحسب الحرية والرق؛ كحرين التقطا مالًا، فيعرف هو والسيد ويتملكانها.
(فإن كانت مهايأة) بالهمز، وهي: المناوبة (.. فلصاحب النوبة في الأظهر) بناءً على دخول الكسب النادر في المهايأة، والثاني: بناءً على عدم دخوله فيها.
فعلى الأظهر: من وقعت في نوبته.. عرّفها وتملّكَها.
(وكذا حكمُ سائر النادر من الأكساب) كالهبة، والوصية، والصدقة، والرِّكاز،
وَالْمُؤَنِ إِلَّا أَرْشَ الْجِنَايَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فصلٌ [في بيان لقط الحيوان وغيره وتعريفها]
الْحَيَوَانُ الْمَمْلُوكُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ بِقُوَّةٍ كَبَعِيرٍ وَفَرَسٍ، أَوْ بِعَدْوٍ كَأَرْنَبٍ وَظَبْيٍ، أَوْ طَيَرَانٍ كَحَمَامٍ؛ إِنْ وُجِدَ بِمَفَازَةٍ.. فَلِلْقَاضِي الْتِقَاطُهُ لِلْحِفْظِ، وَكَذَا لِغَيْرِهِ فِي الأَصَحِّ،
(و) النادرِ من (المؤن) كأجرة الطبيب والحجّام، ففي دخولها في المهايأة القولان، والأظهر: نعم.
(إلا أرشَ الجناية، والله أعلم) فإنه لا يدخل، فلو جنى المبعض في نوبة أحدهما.. لم يختص بوجوب الأرش؛ لأن الأرش يتعلق بالرقبة، وهي مشتركة، ونقل الإمام في (باب صدقة الفطر): اتفاقَ العلماء عليه 1.
(فصل: الحيوان المملوك المُمْتَنِع من صغار السباع) كالذئب والنمر والفهد؛ كما ذكره الجرجاني وغيره (بقوةٍ؛ كبعير وفرس) وبقر وبغل وحمار، (أو بعَدْو؛ كأرنب وظبي، أو طيرانٍ؛ كحمام: إن وُجِد بمفازة.. فللقاضي) أو منصوبه (التقاطهُ للحفظ) لأن له ولايةً على مال الغائبين، وكان لعمر رضي الله عنه حظيرة يحفظ فيها الضوال، رواه مالك 2.
وتعبيره بـ (المملوك): يخرج الكلب المقتنى، والصحيح: جواز التقاطه، ويعرف كونه مملوكًا: بآثار الملك؛ من كونه موسومًا، أو مُقَرَّصًا ونحوه.
والمفازة: هي المهلكة، قيل: سمّيت به على القَلْبِ؛ تفاؤلًا، وأنكره ابن القطاع وقال: إنما سمّيت به من فاز: إذا هلك، فعلى هذا: هي مفعلة من الهلاك.
(وكذا لغيره) من الآحاد (في الأصحِّ) المنصوص؛ صيانةً لها عن الخونة، والثاني: لا؛ إذ لا ولاية للآحاد على مال الغير.
وَيَحْرُمُ الْتِقَاطُهُ لِلتَّمَلُّكِ، وَإِنْ وُجِدَ بِقَرْيَةٍ.. فَالأَصَحُّ: جَوَازُ الْتِقَاطِهِ لِلتَّمَلُّكِ. وَمَا لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا كَشَاةٍ يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ لِلتَّمَلُّكِ فِي الْقَرْيَةِ وَالْمَفَازَةِ.
وجعل الماوردي محلَّ الخلاف: إذا لم يَعرِف مالكَه، فإن عرفه.. كان له أخذه قطعًا ليرده عليه، ويكون أمانة في يده، نقله عنه في "الكفاية" وأقره 1.
ومحلُّه أيضًا: في زمن الأمن، أما زمنُ النهب.. فيجوز التقاطها قطعًا.
(ويحرم التقاطه للتملك) لقوله صلى الله عليه وسلم في ضالة الإبل: "مَا لَكَ وَلَهَا، دَعْهَا" 2، وقيس الباقي عليها بجامع إمكان عيشه في البر بلا راعٍ.
والمعنى فيه: أن من أضلّ شيئًا.. طلبه حيث ضيّعه، فلو أخذه للتملك.. ضَمِنه، ولا يبرأ بردّه إلى موضعه، فإن دفعه إلى القاضي.. برئ على الأصحِّ في "الشرح" و "الروضة" 3.
ويستثنى من إطلاقه: زمن النهب والفساد، فيجوز أخذها للتملّك قطعًا في الصحراء وغيرها، قاله المتولي، وأقراه 4.
(وإن وُجد بقرية) أو بموضع قريب منها أو ببلد (.. فالأصحُّ: جواز التقاطه للتملّك) لأنها في العمارة تضيع بأخذ الخونة، بخلاف المفازة؛ فإن طُروقها لا يعمّ، والثاني: المنع؛ كالمفازة؛ لإطلاق الحديث.
وللأول أن يقول: سياقه يقتضي: المفازة؛ بدليل: "دَعْهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ" 5.
(وما لا يمتنع منها) أي: من صغار السباع (كشاة)، وعجل، وفصيل، وكسير الإبل والخيل (.. يجوز التقاطه للتملك في القرية والمفازة) سواء القاضي وغيره؛ صونًا لها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الشاة: "هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ" 6.
وَيَتَخَيَّرُ آخِذُهُ مِنْ مَفَازَةٍ؛ فَإِنْ شَاءَ.. عَرَّفَهُ وَتَمَلَّكَهُ، أَوْ بَاعَهُ وَحَفِظَ ثَمَنَهُ وَعَرَّفَهَا ثُمَّ تَمَلَّكَهُ، أَوْ أَكَلَهُ وَغَرِمَ قِيمَتَهُ إِنْ ظَهَرَ مَالِكُهُ. فَإِنْ أَخَذَ مِنَ الْعُمْرَانِ.. فَلَهُ الْخَصْلَتَانِ الأُولَيَانِ لَا الثَّالِثَةُ فِي الأَصَحِّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَلْتَقِطَ عَبْدًا لَا يُمَيزُ،
(ويتخير آخذه من مفازة، فإن شاء.. عرَّفه وتملّكه، أو باعه) بإذن الحاكم إن أمكن استئذانه على الأصحِّ (وحفظ ثمنه وعرَّفها ثم تملّكه، أو أكله وغرم قيمته إن ظهو مالكه) أما في الأولى.. فبالقياس على غيرها، وأما الثانية.. فلأنه إذا جاز الأكل.. فالبيع أولى، وأما الثالثة.. فبالإجماع؛ كما حكاه ابن عبد البر 1.
وقوله: (عرَّفها) يعني: عرف اللقطة، ولم يقل: (عرفه) لئلا يتوهم عوده إلى الثمن، وقوله: (ثم تملّكه) أي: الثمنَ، وقوله: (أو أكله) يعني: الشيءَ الملتقَطَ.
وظاهر كلامه: استواء الخصال الثلاث، لكن الخصلة الأولى أولى من الثانية، والثانية أولى من الثالثة.
(فإن أخذ من العُمران.. فله الخصلتان الأوليان، لا الثالثةُ في الأصحِّ) لسهولة البيع، بخلاف الصحراء، ولمشقة نقلها إلى العمران، والثاني: له الأكل أيضًا؛ كما في الصحراء.
وهذا في المأكول، أما الجحش الصغير ونحوه مما لا يؤكل.. فكالمأكول في الإمساك والبيع، ولا يجوز تملكه في الحال في الأصحّ، بل يعرّفه سنة كغيره.
وحكايةُ الخلاف وجهين تبَع فيه "المحرر"، والذي في "الشرح" و"الروضة" قولان 2.
(ويجوز أن يلتقط عبدًا لا يميّز) كسائر الأموال، فإن ميّز والوقتُ آمنٌ.. فلا يجوز التقاطه؛ لأنه يستدل على سيده، وإن كان زمنَ نهب.. جاز.
والأمةُ في ذلك كالعبد، إلا أن الأمة لا تُلتَقط للتملك إلا إذا كانت لا يحل له وطؤها؛ كالمجوسيّة والمَحْرَم، فإن حلّت.. امتنع على الأظهر، كما أنه لا يجوز له تملُّكُها بالقرض.
وَيَلْتَقِطَ غَيْرَ الْحَيَوَانِ؛ فَإِنْ كَانَ يَسْرُعُ فَسَادُهُ؛ كَهَرِيسَةٍ؛ فَإِنْ شَاءَ.. بَاعَهُ وَعَرَّفَهُ لِيَتَمَلَّكَ ثَمَنَهُ، وَإِنْ شَاءَ.. تَمَلَّكَهُ فِي الْحَالِ وَأَكَلَهُ، وَقِيلَ: إِنْ وَجَدَهُ فِي عُمْرَانٍ.. وَجَبَ الْبَيع. وَإِنْ أَمْكَنَ بَقَاؤُهُ بِعِلَاجٍ كَرُطَبٍ يَتَجَفَّفُ؛ فَإنْ كَانَتِ الْغِبْطَةُ فِي بَيْعِهِ.. بِيعَ، أَوْ فِي تجْفِيفِهِ وَتبَرَّعَ بِهِ الْوَاجدُ.. جَفَّفَهُ، وَإِلَّا.. بِيعَ بَعْضُهُ لِتَجْفِيفِ الْبَاقِي. وَمَنْ أَخَذَ لُقَطَةً لِلْحِفْظِ أَبَدًا.. فَهِيَ أَمَانَةٌ،
(ويلتقطَ غير الحيوان) من الجمادات؛ كالنقود وغيرها؛ لئلا يضيع بتركه (فإن كان يَسرُع فساده؛ كهريسة؛ فإن شاء.. باعه) بإذن الحاكم؛ كما مر (وعرّفه ليتملك ثمنه، وإن شاء.. تملّكه في الحال وأكله) لأنه مُعرَّض للهلاك، فيتخير فيه؛ كالشاة، ولا يجيء الإمساك هنا؛ لتعذره.
(وقيل: إن وجده في عمران.. وجب البيع) لتيسره، والأصحُّ: المنع؛ كما لو وجده في الصحراء.
(وإن أمكن بقاؤه بعلاج؛ كرطب يتجفّف؛ فإن كانت الغِبطة في بيعه.. بيع) جميعُه بإذن الحاكم (أو في تجفيفه وتَبرّع به الواجد.. جففه، وإلا.. بيع بعضُه لتجفيف الباقي) طلبًا للأحظ، ويُخالِف الحيوانَ حيث يباع جميعه؛ لأن نفقته تتكرر فتستوعبه.
وقوله: (الواجد): ليس بقيد، بل غيره في معناه.
والمراد بالبعض: ما يساوي مؤنة التجفيف.
ولا يشترط كون الملتَقَط مملوكًا، فلو التقط كلبًا.. اختص بالانتفاع به بعد التعريف، وكذا الخمر المحترمة.
ويشترط في اللقطة شروطٌ أخرُ: أن يكون شيئًا ضاع من مالكه بسقوط أو غفلة، ونحوهما؛ ليخرج ما إذا ألقت الريح ثوبًا في حِجْره، وأن يوجد في موات أو شارع أو مسجد؛ ليخرج ما إذا وجد في أرض مملوكة؛ فإنها للمالك، وهكذا إلى أن تنتهي إلى المحيي، فإن لم يدَّعه.. فحينئذ تكون لقطة، وأن يكون في دار الإسلام أو دار الحرب وفيها مسلمون، أما إذا لم يكن فيها مسلم.. فما يوجد فيها غنيمةٌ، خمسها لأهل الخمس، والباقي للواجد.
(ومن أخذ لقطة للحفظ أبدًا) وهو أهل للالتقاط (.. فهي أمانة) أبدًا، وكذا
فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى الْقَاضِي.. لَزِمَهُ الْقَبُولُ، وَلَمْ يُوجِب الأَكْثَرُونَ التَّعْرِيفَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَلَوْ قَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ خِيَانَةً.. لَمْ يَصرْ ضَامِنًا فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ أَخَذَ بِقَصْدِ خِيَانَةٍ.. فَضامِنٌ، وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَهُ أَنْ يُعَرِّفَ وَيَتَمَلَّكَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
درُّها ونسلها؛ لأنه يحفظها لمالكها، فأشبه المودَع.
(فإن دفعها إلى القاضي.. لزمه القَبول) لأنه ينقلها من أمانة إلى أمانةٍ أوثقَ منها، بخلاف الوديعة من غير ضرورة لا يلزمه القَبول على الأصحِّ؛ لأنه قادر على الردِّ إلى المالك.
(ولم يوجب الأكثرون التعريفَ والحالةُ هذه) لأن الشرع إنما أوجبه لِما جعل له التملك بعده، وصحح الإمام والغزالي وغيرهما وجوبه 1؛ لئلا يفوت الحقُّ بالكتمان، وقال في "الروضة": إنه الأقوى والمختار، وفي "شرح مسلم": إنه الأصحُّ 2، قال السبكي: ولك أن تقول: الكتمان إنما يكون إذا طلب فكتم، وبدونه لا يكون كتمانًا.
(فلو قصد بعد ذلك) أي: بعد أخذها للحفظ (خيانةً.. لم يصر ضامنًا في الأصحِّ) بمجرد القصد؛ كالمودَع، فإن انضم إلى القصد استعمالٌ أو نقلٌ من مكان إلى مكان.. صار ضامنًا؛ كالوديعة، والثاني: يصير ضامنًا؛ إذ سبب أمانته مجرد نيته، وإلا.. فأخْذُ مال الغير بغير إذنه ورضاه مقتضٍ للضمان، بخلاف المودَع؛ فإنه مسلَّط مؤتمن من جهة المالك.
(وإن أخذ بقصد خيانة.. فضامن) عملًا بقصده المقارنِ لفعله، (وليس له بعده أن يُعرّف ويتملكَ على المذهب) نظرًا للابتداء؛ كالغاصب 3، قال في "أصل الروضة": وهذا ما قطع به الجمهور 4.
والطريق الثاني: فيه وجهان، وعليهما اقتصر الرافعي في "الشرح الصغير"؛
وَإِنْ أَخَذَ لِيُعَرِّفَ وَيَتَمَلَّكَ.. فَأَمَانَةٌ مُدَّةَ التَّعْرِيفِ، وَكَذَا بَعْدَهَا مَا لَمْ يَخْتَرِ التَّمَلُّكَ فِي الأَصَحِّ. وَيَعْرِفُ جِنْسَهَا وَصِفَتَهَا وَقَدْرَهَا وَعِفَاصهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ يُعَرِّفُهَا
أحدُهما: هذا، والثاني: أن له التملّكَ؛ لوجود صورة الالتقاط والتعريف.
(وإن أخذ ليُعرّف ويتملكَ) بعد التعريف (.. فأمانة مدةَ التعريف) كالمودع، (وكذا بعدها ما لم يختر التملّكَ في الأصحِّ) كما قبلَ: مدة التعريف، هذا ما ذكره الأصحاب، وقال الإمام والغزالي: تصير مضمونة عليه إذا كان عزمُ التملّك مطردًا وإن لم تجر حقيقته 1؛ لأنه صار ممسكًا لنفسه؛ كالمستام.
وما تقدم مبنيّ على أنها لا تملك بمضي السنة، فإن قيل به فتلفت.. تلفت من ضمانه لا محالةَ.
(ويَعرِف) هو بفتح الياء من المعرفة، وهو العلم، وذلك عَقِبَ الأخذ، قاله المتولي وغيره (جِنسَها) أَذَهَبٌ هي أم غيرُه، ونوعَها؛ أهروية أم مروية (وصفَتها) صحيحة أم مكسّرة، ورقة الثوب وصفاقَته (وقَدْرَها) بعدٍّ أو كيل أو وزن، أو ذَرْع (وعفاصَها) وهو: الوعاء من جلد وغيره (ووكاءها) وهو: ما تشدّ به من خيط أو غيره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا" 2.
وقيس الباقي عليه؛ ليعرف ما يتميّزُ به ويعرف صدق واصفها، ولئلا تختلط بماله.
ومعرفة هذه الأمور مستحبة لا واجبةٌ على الصحيح، ويستحبُّ تقييدها بالكتابة؛ خوفَ النسيان.
(ثم يُعرّفها) بضم الياء، وهذا التعريف واجب إن قصد التمليك قطعًا، وإلا.. فعلى ما سبق.
وله تعريفها بنفسه وبمأذونه، لكن لا يسلمها له إلا بإذن الحاكم.
ويشترط: أن يكون المعرِّف مأمونًا غيرَ معروف بالخلاعة والمجون.
وقوله: (ثم يُعرّفها): قد يُفهم: أنه لا يجب المبادرة إلى التعريف عَقِبَ
فِي الأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا سَنَةً عَلَى الْعَادَةِ؛ يُعَرِّفُ أَوَّلًا كُلَّ يَوْمٍ طَرَفَيِ النَّهَارِ، ثُمَّ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، ثُمَّ كُلَّ أُسْبُوعٍ، ثُمَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ، وَلَا تَكْفِي سَنَةٌ مُتمَرِّقَةٌ فِي الأَصحِّ.
الالتقاط، وهو الأصحّ في "أصل الروضة" 1، بل المعتبر: تعريف سنة متى كان.
(في الأسواق وأبواب المساجد) عند خروج الناس منها؛ لأنه أقرب إلى وجود صاحبها.
وقد يفهم: أنه لا يجوز تعريفها داخل المساجد، وبه صرح القاضي الحسين والماوردي، وحكى فيه الاتفاق، لكن استثنى الماوردي المسجد الحرام؛ فإنه يجوز فيه التعريف على الأصحِّ؛ اعتبارًا بالعرف وأنه مَجمَع الناس، لكن في "شرح المهذب" في (باب الغسل) ذكر: أن تعريفها في المسجد مكروه 2، فاقتضى الجواز.
(ونحوِها) من المجامع والمحافل؛ لما ذكرناه من كونه أقربَ إلى وجود صاحبها.
(سنةً) لحديث زيد بن خالد في ذلك، والمعنى فيه: أن السنة لا تتأخر فيها القوافل، وتمضي فيها الفصول الأربعة.
ولو وجد اثنان لقطة.. هل يعرفانها سنةً؛ أحدُهما نصفَها والآخرُ نصفَها، أو يُعرِّف كلٌّ منهما سنةً؛ لأنه في النصف كلقطة كاملة؟ فيه احتمالان لابن الرفعة، قال: والأشبه: الثاني، وقال السبكي: إن الأشبه: الأول؛ لأن قسمتها تكون عند التملك لا قبله، فتكون في يدهما، ويعرفانها سنة.
(على العادة) فلا يشترط استيعاب السنة كلِّها، ولا يعرف ليلًا ولا وقتَ الهواجر (يعرف أولًا كلَّ يوم طرفَي النهار، ثم كلَّ يوم مرة، تم كلَّ أسبوع) مرةً أو مرتين، (ثم في كلِّ شهر) مرةً بحيث إنه لا ينسى أنه تكرار لما مضى، وإنما جعل التعريفُ في الأزمنة الأُوَلِ أكثرَ؛ لأن تَطلّبَ المالك فيها أكثر.
(ولا تكفي سنة متفوقة في الأصحِّ) بأن يعرف شهرًا ويتركَ شهرًا؛ كما صوّرها
قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَكْفِي، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَذْكُرُ بَعْضَ أَوْصَافِهَا وَلَا تلزَمُهُ مُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ إِنْ أَخَذَ لِحِفْظٍ،
بعضهم، أو اثني عشر شهرًا من اثنتي عشرة سنةً؛ كما صورها آخرون؛ لأن المفهوم من السنة في الخبر: التوالي 1؛ كما لو حلف لا يكلم زيدًا سنة، ولأن القصد بلوغ الخبر إلى المالك، وبالتفريق يختل هذا القصد.
وعبارة "المحرر": (الأحسن)، ولم يصرح في "الشرحين" بترجيح، بل نقل هذا عن الإمام ومقابلَه عن العراقيين 2.
(قلت: الأصحُّ: تكفي، والله أعلم) لإطلاق الخبر، وكما لو نذر صوم سنة؛ فإنه يجوز تفريقها، ولا بدَّ على هذا: أن يبيّن في التعريف زمان الوِجدان حتى يكون ذلك في مقابلة ما جرى من التأخير، ذكره الإمام، قال: وتساهل بعض الأصحاب فجعل ذكر التاريخ مستحبًا 3 هذا كلُّه في الموجود في دار الإسلام.
أما الموجود في دار الحرب؛ فإن أمكن كونه لمسلم.. وجب تعريفه، ثم بعده هو غنيمة وقيل: هو للواجد، وأما صفة التعريف.. فقال الشيخ أبو حامد: يُعرّف يومًا أو يومين، ويَقرُب منه قول الإمام: يكفي بلوغ الأخبار إلى الأجناد إذا لم يكن هناك مسلم سواهم، ولا ينظر إلى احتمال مرور التجار، وفي "المهذب" و"التهذيب": يعرف سنة، ذكره الشيخان كلَّه في (باب السير) 4.
(ويذكر بعض أوصافها) في التعريف؛ لأنه أقرب إلى الظَّفَر بالمالك، وهذا مستحب لا شرط في الأصحِّ.
واحترز بقوله: (بعض أوصافها) عن كلِّها؛ فإنه لا يستوعبها ولا يبالغ فيها؛ لئلا يعتمدها الكاذب، فإن فعل.. ضمن على الأصحِّ من "زوائد الروضة" 5.
(ولا تلزمه مؤنة التعريف إن أخذ لحفظ) وقلنا: يجب التعريف؛ إذ الحظّ لمالكها
بَلْ يُرَتِّبُهَا الْقَاضِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ يَقْتَرِضُ عَلَى الْمَالِكِ، وَإِنْ أَخَذَ لِتَمَلُّكٍ.. لَزِمَتْهُ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَتَمَلَّكْ.. فَعَلَى الْمَالِكِ. وَالأَصحُّ: أَنَّ الْحَقِيرَ لَا يُعَرَّفُ سَنَةً، بَلْ زَمَنًا يُظَنُّ أَنَّ فَاقِدَهُ يُعْرِضُ عَنْهُ غَالِبًا
فقط، (بل يرتّبها القاضي من بيت المال) قرضًا؛ كما قاله ابن الرفعة، فظاهرُ كلام المصنف: خلافه، (أو يقترضُ على المالك)، أو يأمر الملتقط به ليرجع، كما في هرب الجمال، وإذا قلنا: لا يجب التعريف والحالة هذه؛ فإن عرّف.. فهو متبرع.
(وإن أخذ للتملك.. لزمته) لأن الحظ له، (وقيل: إن لم يتملك.. فعلى المالك) لعود الفائدة إليه، ولو قصد الأمانة أوّلًا ثم قصد التملك.. ففيه الوجهان؛ نظرًا إلى منتهى الأمر ومستَقَرّه.
وظاهر كلامه تبعًا لـ "أصله" 1 أنه إذا تملك ثم ظهر المالك ورجع فيها.. لم يجئ هذا الوجه، وتعبير "الشرحين" و"الروضة": بـ (ظهور المالك) 2: يشمل ظهوره بعد التملك، قال السبكي: وهو أحسن؛ فإنه متى ظهر قبل التملك أو بعده.. رجع بها على هذا الوجه، قال: فلو قال "المنهاج": (وقيل: إن ظهر المالك فعليه).. لكان أخلص 3.
(والأصحُّ: أن الحقير لا يُعرَّف سنة) لأن فاقده لا يدوم على طلبه سنةً، بخلاف الخطير، والثاني: يعرف سنة كالخطير؛ لإطلاق الحديث 4، واختاره السبكي وقال: إنه المشهور في المذهب، وقال الأَذْرَعي: إنه المذهب المنصوص وقول الجمهور.
(بل) الأصحُّ: تعريفه (زمنًا يُظَن أن فاقده يعرض عنه غالبًا) ويختلف ذلك باختلاف المال، قال الروياني: فدانقُ الفضة يُعرَّف في الحال، ودانق الذهب يُعرَّف يومًا أو يومين أو ثلاثة.
فصلٌ [في تملك اللقطة وغرمها وما يتبعها]
إِذَا عَرَّفَ سَنَةً.. لَمْ يَمْلِكْهَا حَتَّى يَخْتَارَهُ بِلَفْظٍ كَتَمَلَّكْتُ، وَقِيلَ: تَكْفِي النّيَّةُ، وَقِيلَ: يَمْلِكُ بِمُضِيِّ السَّنَةِ.
وتعبيره يقتضي: أن التعريف في زمن إعراض الفاقد، وليس كذلك، وإنما هو في زمن فقد الإعراض، فإذا جاء زمن الإعراض.. انتهى التعريف.
وعبارة "الشرحين" و"الروضة": مدةً يُظَن في مثلها طلبُ فاقده له، فإذا غلب على الظن إعراضه.. سقط 1، فكان ينبغي للمصنف أن يقول: (إلى زمن يظن أن فاقده يعرض عنه)، فيجعل ذلك الزمن غايةً ليترك التعريف، لا ظرفًا للتعريف.
ومقابل الأصحِّ: يكفي مرة؛ لأنه يخرج بها عن حدِّ الكتمان، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: لا يجب تعريف القليل أصلًا.
وكلُّ هذا إذا لم يبلغ في القلة إلى حدٍّ لا يتمول، فإن بلغ ذلك؛ كحبة بُرّ وزبينة.. لم يجب تعريفه، ويستبدّ به واجده.
نعم؛ هل يزول ملك صاحبه عنه إذا وقع منه؟ فيه وجهان في "الوافي".
والأصحُّ في ضابط الحقير: أنه لا يتقدر، بل ما غلب على الظن أن صاحبه لا يكثر أسفه عليه ولا يطول طلبه له غالبًا.
(فصل: إذا عَرّف سنة) أو دونها في الحقير (لم يملكها حتى يختاره بلفظ؛ كـ"تملكت") ونحوه؛ لأنه تمليك مال ببدل، فافتقر إلى ذلك؛ كالشفيع، (وقيل: تكفي النية) أي: تجديدُ قصد التملك؛ إذ اللفظ إنما يعتبر حيث يكون إيجابٌ، (وقيل: يملك بمضي السنة) بعد التعريف؛ لما في "مسلم": "فَإِنْ جَاءَ صاحِبُهَا.. فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ، وَإِلَّا.. فَهِيَ لَكَ" 2.
فَإِنْ تَمَلَّكَ فَظَهَرَ الْمَالِكُ وَاتَّفَقَا عَلَى رَدِّ عَيْنِهَا.. فَذَاكَ، وَإِنْ أَرَادَهَا الْمَالِكُ وَأَرَادَ الْمُلْتَقِطُ الْعُدُولَ إِلَى بَدَلِهَا.. أُجِيبَ الْمَالِكُ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ تَلِفَتْ.. غَرِمَ مِثْلَهَا أَوْ قِيمَتَهَا يَوْمَ التَّمَلُّكِ، وإِنْ نَقَصَتْ بِعَيْبٍ.. فَلَهُ أَخْذُهَا مَعَ الأَرْشِ فِي الأَصَحِّ. وإِذَا ادَّعَاهَا رَجُلٌ وَلَمْ يَصِفْهَا وَلَا بَيِّنَةَ.. لَمْ تُدْفَعْ إِلَيْهِ،
ومحلُّ هذا الوجه: إذا قصد بالأخذ في الابتداء التملك بعد المدة، فإن قصد الحفظ واستمر حتى انقضت المدة.. لم يملك به قطعًا؛ كما صرح به صاحب "التقريب" والماوردي وغيرهما 1، قال الإمام: ولو أطلق الالتقاط.. احتمل أن يملك إن غلّبنا الكسب 2.
(فإن تملك فظهر المالك واتفقا على رد عينها.. فذاك) إذ الحقُّ لا يعدوهما، (وإن أرادها المالك وأراد الملتقط العدول إلى بدلها.. أجيب المالك في الأصحّ) كالقرض، وفي "الصحيحين": "فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ.. فَأَدِّهَا إِلَيْه" 3، والثاني: يجاب الملتقط؛ لأنه ملكها؛ كما قيل به في القرض.
(فإن تلفت.. غرم مثلَها) 4 إن كانت مثلية (أو قيمتَها) إن كانت متقومة؛ لأنه تملُّك يتعلق به العوض، فأشبه البيع (يومَ التملك) لأنه وقت دخولها في ضمانه.
(وإن نقصت بعيب) طرأ بعد التملك (.. فله أخذها مع الأرش في الأصحِّ) للأصل المقرر: أن ما ضُمِن كلُّه بالتلف.. ضُمِن بعضُه عند النقص، والثاني: يقنع بها بلا أرش؛ لأن النقصان حصل في ملكه، فلا يضمنه.
(وإذا ادعاها رجل ولم يصفها ولا بينةَ) يثبت بها المال ولو شاهدًا ويمينًا (.. لم تُدفَع إليه) لحديث: "لَوْ أعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ... " الحديث 5.
نعم؛ لو علم الملتقِط أنها له.. لزمه الدفع إليه.
وإِنْ وَصَفَهَا وَظَنَّ صِدْقَهُ.. جَازَ الدَّفْعُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَإِنْ دَفَعَ فَأَقَامَ آخَرُ بَيَّنَةً بِهَا.. حُوِّلَتْ إِلَيْهِ، فَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ.. فَلِصاحِبِ الْبيِّنَةِ تَضْمِينُ الْمُلْتَقِطِ وَالْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ، وَالْقَرَارُ عَلَيْهِ. قُلْتُ: لَا تَحِلُّ لُقَطَةُ الْحَرَمِ لِلتَّمَلُّكِ عَلَى الصَّحِيحِ،
(وإن وصفها وظن صدقه.. جاز الدفع) عملًا بظنه.
هذا إذا كان الواصف واحدًا، فإن وصفها جماعة.. قال أبو الطيب: أجمعنا على أنها لا تسلم لهم.
(ولا يجب على المذهب) لأنه مدعٍ فيحتاج إلى بينة، كغيره، وقيل: فيه وجهان؛ أحدهما: هذا، والثاني: يجب؛ لأن إقامة البينة عليها قد تعسر.
واحترز بقوله: (فظن صدقه) عما إذا لم يغلب على الظن صدقه؛ فإنه لا يجب الدفع اتفاقًا، وكذا لا يجوز على المشهور.
(فإن دفع) بالوصف (فأقام آخرُ بها بينة.. حولت إليه) لأن البينة حجة توجب الدفع، فقدمت على الوصف المجرد، (فإن تلفت عنده.. فلصاحب البينة تضمين الملتقط) لأنه سلّم ما لم يكن له تسليمُه، هذا إذا دفعه بنفسه، فإن ألزمه به حاكم يراه.. فلا ضمانَ عليه؛ لعدم تقصيره، (والمدفوعِ إليه) لأنه أخذ ما لم يكن له أخذهُ، (والقرارُ عليه) أي: على المدفوع إليه؛ لتلفه في يده.
نعم؛ لو كان الملتقط قد أَقَرّ للواصف بالملك ثم غرم.. لم يرجع على المدفوع إليه؛ لأنه يزعم أن المدعي ظلمه، فلا يظلم الغير، وتوقف فيه ابن أبي الدم.
(قلت: لا تحل لقطة الحرم للتملك على الصحيح) بل للحفظ أبدًا، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ، لَا تلتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا" متفق عليه 1.
وفي رواية للبخاري: "لَا تَحِلُّ لُقَطَته إِلَّا لِمُنْشِدٍ" 2، قال الشافعي: أي:
وَيَجِبُ تَعْرِيفهَا قَطْعًا، وَاللهُ أَعْلَمُ.
لمعرِّف، ولم يوقت في التعريف سنة كغيرها، فدلَّ على أنه أراد التعريف على الدوام، وإلا.. فلا فائدة في التخصيص، وقد أخرج عليه الصلاة والسلام هذا الكلام في سياق تفضيل الحرم، وبذلك يحصل التمييز بينه وبين سائر البلاد.
والمعنى فيه: أن حرم مكة -شرفها الله تعالى- مثابةٌ للناس يعودون إليه مرةً بعد أخرى، فربما يعود من أضلها أو يبعث في طلبها؛ فكأنه جعل ماله بها محفوظًا عليه؛ كما غلظ الدية فيها.
والثاني: تحلُّ؛ لأنها نوع كسب، فاستوى فيه الحلُّ والحرم؛ كغيرها.
والمراد بالخبر: أنه لا بدَّ من التعريف، كسائر البلاد؛ لئلا يُتَوّهم الاكتفاء بتعريفها في الموسم فقط؛ لكثرة الناس وبعد العود في طلبها من الآفاق.
وعلى الأول: ففي لقطة عرفة ومسجد إبراهيم عليه السلام وجهان في "الحاوي"، أحدهما: أنها كلقطة الحرم؛ لأنها مجمع الحاج، والثاني -وصححه في "الانتصار"-: أنها ليست كلقطة الحرم؛ لأن ذلك من خصائص الحرم 1.
(ويجب تعريفها قطعًا، والله أعلم) ولا يجيء فيها الوجه المارُّ فيمن التقط للحفظ؛ للحديث 2، ونقل في "الروضة" عن الأصحاب: أنه يلزمه الإقامة للتعريف أو دفعها للحاكم 3.
كتابُ اللَّقيط الْتِقَاطُ الْمَنْبُوذِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَيَجِبُ الإِشْهَادُ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الالْتِقَاطِ لِمُكَلَّفٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ عَدْلٍ رَشِيدٍ
﴿كتاب اللقيط﴾
هو اسم للطفل الذي يوجد مطروحًا في شارع ونحوه وليس ثَمّ من يدّعيه.
ولقيط: بمعنى ملقوط فعيل بمعنى مفعول؛ كجريح، وقتيل.
واستأنسوا له بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
وقد كان معروفًا في الأمم الماضية، قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
(التقاط المنبوذ) أي: المطروحِ (فرض كلفاية) صيانةً للنفس المحترمة عن الهلاك، قال بعضهم: ومن تركه.. فهو داخل في قتل النفس.
وكلامه قد يفهم: اختصاصه بغير المميز وأن المميز لا يُلتَقط؛ فإن المنبوذ هو الذي نُبذ دون التمييز، لكن قال الرافعي: الأوفق لكلام الأصحاب: أنه يلتقط؛ لحاجتهَ إلى التعهد والتربية 1، قال السبكي: والبالغ المجنون في ذلك كالصبي.
(ويجب الإشهاد عليه في الأصحِّ) لئلا يضيع نسبه، والثاني: لا بل يستحب؛ اعتمادًا على الأمانة؛ كاللقطة.
وفرق الأول: بأن اللقطة يشيع أمرها بالتعريف ولا تعريفَ في اللقيط.
والثالث: إن كان الملتقط ظاهرَ العدالة.. لم يجب، وإلا.. وجب.
ومحلُّ الخلاف: إذا قلنا: لا يجب الإشهاد على اللقطة، وإلا.. وجب هنا قطعًا، قاله صاحب "المعين".
(وإنما تثبت ولاية الالتقاط لمكلف حر مسلم عدل رشيد) لأنها ولاية تثبت على
فَلَوِ الْتَقَطَ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ.. انْتُزِعَ مِنْهُ، فَإِنْ عَلِمَهُ فَأَقَرَّهُ عِنْدَهُ أَوِ الْتَقَطَ بإِذْنِهِ.. فَالسَّيِّدُ الْمُلْتَقِطُ. وَلَوِ الْتَقَطَ صَبِيٌّ أَوْ فَاسِقٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ أَوْ كَافِرٌ مُسْلِمًا.. انْتُزِعَ. وَلَوِ ازْدَحَمَ اثْنَانِ عَلَى أَخْذِهِ.. جَعَلَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ
الغير بالاختيار، فاعتبر فيها الأوصاف المذكورة؛ كولاية القضاء.
وخرج بالمكلف: الصبي والمجنون، وبالحرِّ وما بعده: أضدادُهما، وكأن لفظ العدالة يغني عن التكليف.
وقد أنكر على المصنف: اشتراطه الرشدَ بعد العدالة، وهل ثَم عدل وليس برشيد؟ !
وأجيب: بأنه يتصور بالمبذر؛ فإنه ليس بمؤتمن شرعًا وإن كان عدلًا.
(فلو التقط عبد بغير إذن سيده.. انتزع منه) 1 لأن ذلك تبرّع، وليس هو من أهله، (فإن علمه فأقره عنده أو التقط بإذنه.. فالسيد الملتقط) وهو نائبه في الأخذ والتربية؛ إذ يده كيده، وسواء في ذلك القن، والمدبر، والمعلق عتقه، وأم الولد، وكذا المكاتب على المشهور، والمبعّضُ إذا أخذ في نوبته.. ففي استحقاقه كفالتَه وجهان، قال الأَذْرَعي: أصحهما: المنع.
(ولو التقط صبي أو فاسق أو محجور عليه) بسفه (أو كافر مسلمًا.. انتُزع) لعدم أهلية الصبي والمحجور عليه، وتهمةِ الفاسق، وعدمِ ولاية الكافر على المسلم.
وخرج بالمسلم: المحكوم بكفره، فله التقاطه ولا ينزع منه؛ لأنه أهل لحضانته إذا كان عدلًا في دينه.
وقضيته: جواز التقاط اليهودي للنصراني وعكسِه وإن قلنا: لا يتوارثان، كما يلتقط المسلمُ الكافرَ وإن لم يرثه، قال ابن الرفعة: ولم أره منقولًا، قال الزركشي: ويشبه أنه إذا خالفه في الدين.. لا يقر بيده إذا منعنا من تهوّد النصراني وعكسِه، وهو المذهب.
(ولو ازدحم اثنان على أخذه) فقال كلُّ واحد: أنا آخذه (.. جعله الحاكم عند
مَنْ يَرَاهُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَإِنْ سَبَقَ وَاحِدٌ فَالْتَقَطَهُ.. مُنِعَ الآخَرُ مِنْ مُزَاحَمَتِهِ، وَإِنِ الْتَقَطَاهُ مَعًا وَهُمَا أَهْلٌ.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ غَنِيٌّ عَلَى فَقِيرٍ، وَعَدْلٌ عَلَى مَسْتُورٍ، فَإِنِ اسْتَوَيَا.. أُقْرِعَ.
من يراه منهما، أو من غيرهما) لأنه لا حقَّ لهما قبل الأخذ فيفعل الأحظ له.
(وإن سبق واحد فالتقطه.. منع الآخر من مزاحمته) عملًا بالسبق.
واحترز بقوله: (فالتقطه): عما لو سبقه إلى الوقوف على رأسه ولم يأخذه؛ فإنه لا حقَّ له في الأصحِّ.
(وإن التقطاه معًا وهما أهل) للحضانة (.. فالأصحُّ: أنه يقدم غني على فقير) لأنه أرفق بالطفل، فربما يواسيه بماله، وقطع به جماعة، والثاني: يستويان، لأن نفقة اللقيط لا تجب على ملتقطه، فلا فرق بين الغني والفقير، ولا عبرةَ بتفاوتهما في الغنى على الأصحِّ في "زيادة الروضة" 1.
(وعدل على مستور) احتياطًا للقيط، والثاني: هما سواء؛ لأن المستور لا يسلم مزية الآخر، ويقول: لا أترك حقي بأن لم تعرفوا حالي.
(فإن استويا) في الصفات المعتبرة وتشاحّا (.. أقرع) على النصِّ 2؛ إذ ليس أحدهما أولى من الآخر، وتركه في يدهما مشق، والمهايأة تضر الطفل؛ لتبدّل الأيدي عليه.
وقد كانت القرعة في الكفالة في شرع مَنْ قبلَنا في قصة مريم، قال الله تعالى ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾؛ أي: اقترعت الأحبار على كفالتها بإلقاء أقلامهم، ولم يرد في شرعنا ما يخالفه.
ومن الصفات المقدِّمة: أن يكون محل إقامة أحدهما أرفقَ بالطفل من محلّ الآخر، ويتساوى المسلم والذمي في اللقيط المحكوم بكفره على الأصحِّ.
والمراد بالحضانة هنا: حفظه وحفظ ماله وتربيته، لا الأعمالُ المتقدمة في الإجارة.
وَإِذَا وَجَدَ بَلَدِيٌّ لَقِيطًا بِبَلَدٍ.. فَلَيْسَ لَهُ نَقْلُهُ إِلَى بَادِيَةٍ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ نَقْلَهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، وَأَنَّ لِلْغَرِيبِ إِذَا الْتَقَطَ بِبَلَدٍ أَنْ يَنْقُلَهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ بِبَادِيَةٍ.. فَلَهُ نَقْلُهُ إِلَى بَلَدٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَدَوِيٌّ بِبَلَدٍ.. فَكَالْحَضَرِيِّ، أَوْ بِبَادِيَةٍ.. أُقِرَّ بِيَدِهِ،
(إذا وجد بلدي لقيطًا ببلد.. فليس له نقلُه إلى بادية) لخشونة عيشها، وتفويته العلمَ والصنعة، وقيل: لضياع النسب؛ فإن ظهور نسبه في موضع التقاطه أغلب، فلو قَرُبت البادية من البلد بحيث يحصل ما يراد منها؛ فإن عللنا بخشونة العيش.. لم يمنع، وإن عللنا بضياع النسب؛ فإن كان أهل البلد يخالطون أهلَ ذلك الموضع.. لم يمنع، وإلا.. منع، وحينئذ، فيجب استثناء هذه الصورة من إطلاق المصنف، وكذا ليس له نقله من مدينة إلى قرية ولا من قرية إلى بادية.
(والأصحُّ: أن له) أي: الملتقطِ (نقلَه إلى بلد آخرَ) بناءً على العلة الصحيحة، وهي مراعاة المعيشة، والثاني: يمتنع، بناءً على الثانية؛ كما لو نقله إلى بادية.
ومحلُّ الجواز: عند أمن الطريق وتواصل الأخبار، وإلا.. لم يجز قطعًا.
(وأن للغريب إذا التَقَطَ ببلد أن ينقله إلى بلده) للمعنى الأول، والثاني: لا؛ للمعنى الثاني.
والخلاف في غريب عُرِفت أمانته، أما من جهل حاله.. لم يقر بيده قطعًا، ولا حاجة لذكره هذه المسألةَ؛ لدخولها في المسألة قبلها، وحيث منعناه.. نزعنا اللقيط من يده، قال الأَذْرَعي: كذا أطلقوه؛ اكتفاءً بظاهر حاله وأنه مسافر لا إقامة له، فلو التزم الإقامة ووثق به.. فالوجه: عدم نزعه.
(وإن وجده) البلدي (ببادية.. فله نقله إلى بلد) وإلى قرية، لأنه أرفق به، وقيل: وجهان، بناءً على المعنيين.
(وإن وجده بدوي ببلد.. فكالحضري) فإن أراد المقام به.. أقر في يده، وإن أراد نقله إلى بادية أو إلى بلد آخر.. فعلى ما تقدّم في البلدي، (أو ببادية.. أُقر بيده) 1 لأنها في حقِّه كبلدة أو قرية، هذا إذا كان من أهل حلة مقيمين بموضع
وَقِيلَ: إِنْ كَانُوا يَنْتَقِلُونَ لِلنُّجْعَةِ.. لَمْ يُقَرَّ. وَنَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ الْعَامِّ كَوَقْفٍ عَلَى اللُّقَطَاءِ، أَوِ الْخَاصِّ؛ وَهُوَ: مَا اخْتَصَّ بِهِ؛ كَثيَابٍ مَلْفُوفَةٍ عَلَيْهِ وَمَفْرُوشَةٍ تَحْتَهُ وَمَا فِي جَيْبِهِ مِنْ دَرَاهِمَ وَغَيْرِهَا وَمَهْدِهِ وَدَنَانِيرَ مَنْثُورَةٍ فَوْقَهُ وَتَحْتَهُ. وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارٍ.. فَهِيَ لَهُ.
راتب، وقيده الإمام: بما إذا تواصلت أخبار الحلتين 1، فإن لم تتواصل.. فوجهان؛ كالبلدين.
(وقيل: إن كانوا ينتقلون للنُّجْعة)، وهي الانتقال في طلب المرعى وغيره (.. لم يقر) لأن فيه تضييعًا لنسبه، والأصحُّ: أنه يقر؛ لأن أطراف البادية كمحالّ البلدة الواسعة.
(ونفقتُه في ماله) كغيره (العامِّ؛ كوقف على اللقطاء) والوصية لهم، (أو الخاصِّ، وهو ما اختص به؛ كثياب ملفوفة عليه) وملبوسة له (ومفروشة تحته)، وما هو مغطىً به، ودابة عِنانُها بيده، (وما في جيبه من دراهم وغيرها ومهده، ودنانير منثورة فوقه وتحته) لأن له يدًا واختصاصًا؛ كالبالغ، والأصل: الحرية ما لم يعرف غيرها 2.
(وإن وجد في دار) لا يعرف لها مستحق وليس فيها غيره (.. فهي له) لليد ولا مزاحم.
وفي معنى الدار: الحانوت والخيمة، وفي البستان وجهان طردهما صاحب "المستظهري" في الضَّيعة 3، واستبعده في "زيادة الروضة" وقال: ينبغي القطع بأنه لا يحكم له بها 4.
فلو كان معه في الدار غيره.. هل يمنع من ثبوت يده على شيء منها أو يشتركان فيها؟ لم يتعرضوا له، قال الزركشي: والظاهر: الثاني، وقال الأَذْرَعي: لا شكّ أنا لو وجدنا بها منبوذَين.. كانت لهما باليد.
وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ مَدْفُونٌ تَحْتَهُ وَكَذَا ثِيَابٌ وَأَمْتِعَةٌ مَوْضُوعَةٌ بِقُرْبِهِ فِي الأَصَحِّ. فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ.. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ،
(وليس له مال مدفون تحته) لأنه لا يقصد بالدفن الضم إلى الطفل.
وقضية إطلاقه: أنه لا فرق بين أن يكون معه رُقْعة مكتوب فيها: أن تحته دفينًا له أو لا، وهو كذلك، كما لو رأينا رقعة مع البالغ؛ فإنه لا يحكم له به، وصحح الغزالي: أنه له؛ لقرينة المكتوب 1.
(وكذا ثياب وأمتعة موضوعة بقربه في الأصحِّ) -أي: حيث يضع الكبير متاعه في العادة- كالبعيدة، ويفارق البالغ؛ لأن له رعايةً، والثاني: أنها له، لأن مثل هذا يثبت اليد والاختصاص في حقِّ البالغ، ألا ترى أن الأمتعة الموضوعة في السوق بقرب الشخص تجعل له.
وعكس الماوردي ذلك؛ فحكم بأن ما يقرب البالغَ ليس له، بخلاف الصبي؛ لأن الكبير يمكنه إمساك ما يقربه، فإذا لم يفعل.. ارتفعت يده عنه، بخلاف الصبي، فجاز أن ينسب إلى ملكه وأنه حكم ما في يده 2.
قال المصنف في "نكته": ومحلُّ الخلاف في المال: إذا لم يكن في دار، فإن كان في دار.. حكمنا له بها، فهو له، ونقله الأَذْرَعي عن تصريح الدارمي.
(فإن لم يُعرف له مال) خاصّ ولا عامّ (.. فالأظهر: أنه ينفق عليه من بيت المال) مجّانًا من سهم المصالح؛ لأن عمر استشار الصحابة في ذلك، فأجمعوا على أنها في بيت المال 3، وسواء المحكوم بإسلامه وكفره على الأصحِّ؛ إذ لا وجه لتضييعه.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ.. قَامَ الْمُسْلِمُونَ بِكِفَايَتِهِ قَرْضًا، وَفِي قَوْلٍ: نَفَقَةً. وَلِلْمُلْتَقِطِ الاسْتِقْلَالُ بِحِفْظِ مَالِهِ فِي الأَصَحِّ، وَلَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ إِلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي قَطْعًا
والقول الثاني: يستقرض له الإمام من بيت المال أو من آحاد الناس، فإن تعذّر.. جمع الأغنياء وعدّ نفسه منهم وقسّطها عليهم؛ لأن مال بيت المال يصرف إلى ما لا وجه له سواه، واللقيط يجوز أن يكون رقيقًا، فنفقته على سيده، أو حرًّا له مال أو قريب، فنفقته في ماله أو على قريبه.
(فإن لم يكن) في بيت المال شيء، أو كان ثَمّ ما هو أهم منه؛ كسد ثغر يعظم ضرره لو ترِك (.. قام المسلمون بكفايته) إذ لا يحلّ تضييعه (قرضًا) كما يُبذَل الطعام للمضطر بالعوض، فإن بان رقيقًا.. رجعوا على سيده، أو حرًّا وله مال أو قريب.. فالرجوع عليه، فإن لم يكن له قريب ولا مال ولا كسب.. قضى الإمام حقّهم من بيت المال من سهم الفقراء والمساكين والغارمين كما يراه، كذا قاله الرافعي، قال في "زيادة الروضة": اعتباره القريبَ غريبٌ قلَّ من ذكره، وهو ضعيف؛ فإن نفقة القريب تسقط بمضي الزمان 1.
قال الأَذْرَعي: وهذا الاعتراض ضعيف جدًّا، والرجوع على القريب الموسر بالقرض صحيح؛ فإنه في نفس الأمر اقتراض عليه وإنفاق عنه؛ كما في حقِّ السيد، فلا سقوط.
وممن صرح بالرجوع أصحاب "الحاوي" و"البحر" و"المهذب" و"البيان" 2، وعزي للقاضي الحسين، ولا أحسب فيه خلافًا.
(وفي قول: نفقةً) لأنه محتاج عاجز؛ كالمجنون والصغير والزمِن.
(وللملتقطِ الاستقلال بحفظ ماله في الأصحِّ) لأنه مستقل بحفظ المالك، فمالُه أولى، والثاني: لا بدّ من إذن القاضي؛ لعدم ولايته عليه.
(ولا ينفق عليه منه إلا بإذن القاضي قطعًا) لأن ولاية المال لا تثبت للقريب غير الأب، والجد، فالأجنبي أولى، فإن أنفق بغير إذنه.. ضمن.
فصلٌ [في الحكم بإسلام اللقيط]
إِذَا وُجِدَ لَقِيطٌ بِدَارِ الإِسْلَامِ وَفِيهَا أَهْلُ ذِمَّةٍ، أَوْ بدَارٍ فَتَحُوهَا وَأَقَرُّوهَا بِيَدِ كُفَّارٍ صُلْحًا أَو بَعْدَ مِلْكِهَا بِجِزْيَةٍ وَفِيهَا مُسْلِمٌ.. حُكِمَ بِإِسْلَامِ اللَّقِيطِ. وَإِنْ وُجِدَ بِدَارِ كُفَّارٍ.. فَكَافرٌ إِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا مُسْلِمٌ،
وما ادعاه من القطع أشار إليه في "المحرر" تبعًا للإمام، لكن حكى الرافعي فيه خلافًا في (الدعاوى) في (مسألة الظفر) واستغربه، وصرح الماوردي بحكايته هنا 1. والصورة: حيث أمكنه مراجعة الحاكم، وإلا.. أنفق بنفسه بشرط الإشهاد.
(فصل: إذا وجد لقيط بدار الإسلام وفيها أهل ذمة، أو بدار فتحوها) أي: المسلمون (وأقروها بيد كفار صلحًا أو بعد ملكها بجزية وفيها مسلم) يمكن أن يولد له ذلك اللقيط (.. حكم بإسلام اللقيط) تغليبًا للدار والإسلام، وفي "مسند الإمام أحمد": "الإسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى" 2.
وقوله: (وفيها أهل ذمة): ليس بقيد، لكنه يفهم منه الحكم بإسلامه إذا لم يكن فيها من بابٍ أولى، ولو قال: (ولو كان فيها أهل ذمة).. لكان أوضح.
واحترز بقوله: (وفيها مسلم): عما إذا لم يكن فيها مسلم؛ فإنه كافر على الأصحِّ.
(وإن وجد بدار كفار.. فكافر إن لم يسكنها مسلم) إذ لا مسلم يحتمل إلحاقه به.
وَإِنْ سَكَنَهَا مُسْلِمٌ كَأَسِيرٍ وَتَاجِرٍ.. فَمُسْلِمٌ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِالدَّارِ فَأَقَامَ ذِمِّيٌّ بَيِّنَةً بِنَسَبهِ.. لَحِقَهُ وَتبَعَهُ فِي الْكُفْرِ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى المدَّعْوَى.. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَتْبَعُهُ فِيَ الْكُفْرِ، وَيُحْكَمُ بإِسْلَامِ الصبِيِّ بِجِهَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ لَا تُفْرَضَانِ فِي لَقِيطٍ: إِحْدَاهُمَا: الْوِلَادَةُ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمًا وَقْتَ الْعُلُوقِ.. فَهُوَ مُسْلِمٌ،
واحترز بقوله: (يسكنها): عن المجتاز؛ فلا أثر له، وقال الفُوراني: إذا اجتاز بها مسلم.. فهو مسلم، فإن أنكره.. قبل في نسبه دون إسلامه.
(وإن سكنها مسلم؛ كأسير وتاجر.. فمسلم في الأصحِّ) تغليبًا للإسلام، والثاني: كافر؛ تغليبًا للدار.
قال الإمام: ويشبه أن يكون الخلاف فيمن ينتشر إلا أنه ممنوع من الخروج من البلدة، أما المحبوس في مطمورة.. فيتجه أنه لا أثر له؛ كما لا أثر للمجتاز 1.
وتعبيره بالسكنى هنا ولم يعتبر السكنى فيما سبق، بل كونه فيها.. ظاهره: أنه لا فرق بين أن يكون المسلم ساكنًا مستوطنًا، أو مقيمًا لم يرد الاستيطان، أو مجتازًا، قال شيخنا: وهو الظاهر؛ تغليبًا لحرمة دار الإسلام.
(ومن حكم بإسلامه بالدار فأقام ذمي بينةً بنسبه.. لحقه وتبعه في الكفر) وارتفع ما ظنناه من إسلامه، لأن الدار حكم باليد، والبينة أقوى من اليد المجردة.
(وإن اقتصر على الدعوى) أي: استلحقه من غير بينة (.. فالمذهب: أنه لا يتبعه في الكفر) ونسبه ثابت اتفاقًا؛ لأنا قد حكمنا بإسلامه، فلا يغير بمجرد دعوى كافر.
والطريق الثاني فيه: قولان؛ أحدهما: هذا، والثاني: يتبعه فيه؛ تبعًا لنسبه.
(ويحكم بإسلام الصبي بجهتين أُخريين لا تفرضان في لقيط) وإنما ذُكرتا في (باب اللقيط) استطرادًا.
(إحداهما: الولادة، فإذا كان أحد أبويه مسلمًا وقتَ العُلوق.. فهو مسلم) بالإجماع؛ لأنه جزء من مسلم، وتغليب الإسلام واجب، قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ
فَإِنْ بَلَغَ وَوَصَفَ كُفْرًا.. فَمُرْتَدٌّ، وَلَوْ عَلِقَ بَيْنَ كَافِرَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا.. حُكِمَ بِإَسْلَامِه،
بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ}، ولا يضر ما يطرأ بعد العلوق منهما من ردة، (فإن بلغ ووصف كفرًا.. فمرتد) لأنه كان مسلمًا ظاهرًا وباطنًا.
(ولو عَلِق بين كافرين ثم أسلم أحدهما) قبل بلوغه (.. حكم بإسلامه) في الحال؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ 1، ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى.
ومن بلغ مجنونًا كالطفل في التبعية، وكذا من جُنّ بعد بلوغه على الأصحِّ.
وذكر ابن حزم الظاهري: أن ولد الكافرة الحربية والذمية من زنا أو إكراه.. مسلم ولا بدّ؛ لأنه وُلِد على الإسلام وليس له أبوان يخرجانه منه 2، ولم يذكر في ذلك خلافًا عن أحد.
وكلام المصنف قد يوهم قصره على الأبوين، وليس كذلك، بل إسلام أحد الأجداد والجدات كذلك، سواء الوارث وغيره؛ كأب الأم إن لم يكن الأب حيًّا، وكذا إن كان على الأقرب في "الرافعي" والأصحِّ في "الروضة"، وقال الشيخ أبو حامد: إنه الأشبه؛ لأن سبب التبعية القرابة، ولا يختلف بحياة الأب وموته كسقوط القصاص، وحد القذف 3، ورجح ابن الرفعة والسبكي مقابله، وهو ما نقله القاضي الحسين عن المذهب وجزم به الحَليمي وغيره، وقال القاضي تقي الدين بن رَزِين: إنه الحق وإنّ كلام الرافعي خارج عن المذهب؛ لأن الجد لا ولاية له في حياة الأب 4.
فَإِنْ بَلَغَ وَوَصَفَ كُفْرًا.. فَمُرْتَدٌّ، وَفِي قَوْلٍ: كَافِر أَصْلِيٌّ. الثَّانِيَةُ: إِذَا سَبَى مُسْلِمٌ طِفْلًا.. تبَعَ السَّابِيَ فِي الإِسْلَامِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ،
وهذا كله في ولد موجود قبل إسلام الجد، وكذا فيما انعقد بعد إسلامه؛ كما قاله القاضي الحسين، أما إذا مات الجد والأب حي ثم حدث له بعد ذلك ولد.. قال السبكي: لم أر في المسألة نقلًا، وقد يقال: بعدم الاستتباع؛ لأن الاستتباع يليق بالحي لا بالميت، وقد يقال: بالاستتباع، وتمكين من يحتمل إسلامه من الكفر صعب.
(فإن بلغ ووصف كفرًا.. فمرتد) لسبق الحكم بإسلامه، فأشبه من أسلم بنفسه ثم ارتد، (وفي قول: كافر أصلي) لأنه كان محكومًا بكفره أوّلًا وأزيل ذلك بالتبعية، فإذا استقل.. انقطعت التبعية، ووجب اعتباره بنفسه.
ومحلُّ الخلاف: ما إذا لم يصدر منه بعد البلوغ وصفُ الإسلام، فإن وصفه ثم وصف الكفر.. فمرتد قطعًا.
(الثانية: إذا سبى مسلم طفلًا) أو مجنونًا (.. تبع السابي في الإسلام إن لم يكن معه أحد أبويه) لأنه صار تحت ولايته؛ كالأبوين، وسواء كان السابي بالغًا أم لا، عاقلًا أو مجنونًا؛ كما نقلاه في (باب قسم الغنيمة) عن البغوي، وجزم به القاضي في "فتاويه" 1.
واحترز بقوله: (إن لم يكن معه أحد أبويه): عما إذا كان أحدهما معه؛ فإنه لا يحكم بإسلامه قطعًا؛ فإن تبعيتهما أقوى من تبعية السابي، وصرح به في "المحرر" 2، وعن المزني: أنه مسلم وإن سبي مع الأبوين.
وعلى الأصحِّ: لو مات أبواه بعد سبيه معهما.. استقر كفره ولم نحكم بإسلامه؛ لأن التبعية إنما تثبت في ابتداء السبي.
ومعنى كونه معه أحدُ أبويه: أن يكونا في جيش واحد وغنيمة واحدة، ولا يشترط كونهما في ملك رجل واحد، فإن كانا في عسكرين.. تبع السابي.
وَلَوْ سَبَاهُ ذِمِّيٌّ.. لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ إِسْلَامُ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ اسْتِقْلَالًا عَلَى الصَّحِيحِ.
وقوله: (إن لم يكن معه أحد أبويه): قد يقتضي: أن الأجداد ليسوا كذلك، لكن صرح ابن الرفعة بإلحاق الجد بالأب إذا قلنا: يتبعه في الإسلام 1.
(ولو سباه ذمي.. لم يحكم بإسلامه في الأصحِّ) لأن كونه من أهل الدار لم يؤثر فيه ولا في أولاده الإسلام، فغيره أولى، والثاني: يحكم بإسلامه تبعًا للدار.
وعلى الأول: لو سبي أبواه ثم أسلما.. لم يصر مسلمًا بإسلامهما، قاله الحليمي 2.
وينتظم منه لغز فيقال: طفل محكوم بكفره أسلم أبواه ولم يتبعهما في الإسلام.
(ولا يصحُّ إسلام صبي مميز استقلالًا على الصحيح) لأنه غير مكلف، فأشبه غير المميز والمجنون، والثاني: أنه يصحُّ إسلامه، حتى يرثُ من قريبه المسلم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم دعا عليًّا إلى الإسلام قبل بلوغه فأجابه 3.
وأجاب الأول عن قصة إسلام علي رضي الله عنه: بأن الأحكام إنما صارت متعلقة بالبلوغ بعد الهجرة؛ كما قاله البيهقي في "المعرفة" 4، وقد روى القاضي أبو الطيب عن الإمام أحمد أن عليًّا كان بالغًا.
والثالث: أنه موقوف، فإن بلغ واستمر على كلمة الإسلام تبينَّا كونه مسلمًا من يومئذ، وإن وصف الكفر.. تبينَّا أنه كان لغوًا، وقد يعبر عن هذا بصحة إسلامه ظاهرًا لا باطنًا، والرابع: أنه لا يصحُّ ظاهرًا ويصحُّ باطنًا إذا أضمره.
وعلى الأول: الأصحِّ: يحال بينه وبين أبويه الكافرين؛ استحبابًا، وقيل: وجوبًا؛ لئلا يفتناه، فإن بلغ ووصف الكفر.. هدد وطولب بالإسلام، فإن أصر.. ردَّ إليهم.
فصلٌ [في بيان حرية اللقيط ورقه واستلحاقه وتوابع ذلك]
إِذَا لَمْ يُقِرَّ اللَّقِيطُ بِرِقٍّ.. فَهُوَ حُرٌّ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ أَحَدٌ بيِّنَةً بِرِقِّهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِشَخْصٍ فَصَدَّقَهُ.. قُبِلَ إِنْ لَمْ يَسْبِقْ إِقْرَارُهُ بِحُرِّيَّةٍ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَلَّا يَسْبقَ تَصَرُّف يَقْتَضي نُفُوذُهُ حُرِّيَّةً كَبَيعٍ وَنكَاحٍ، بَلْ يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي أَصْلِ الرِّقِّ وَأَحْكَامِهِ الْمُسْتَقْبَلَةِ لَا الْمَاضِيَةِ الْمُضِرَّةِ بِغَيْرِهِ فِي الأَظْهَرِ،
(فصل: إذا لم يقر اللقيط برق.. فهو حر) بالإجماع؛ كما حكاه ابن المنذر 1؛ لأن الغالب في الناس الحرية، (إلا أن يقيم أحد بينة برقه) فيعمل بها؛ كما سيأتي.
(وإن أقر به) أي: بالرقّ (لشخص فصدقه.. قبل إن لم يَسبق إقراره بحرية) كسائر الأقارير، وفي قول: لا يقبل؛ للحكم بحريته بالدار، فلو كذبه.. لم يثبت الرقُّ، ولو صدقه بعد ذلك؛ فإن سبق إقراره بالحرية بعد البلوغ.. لم يقبل إقراره بعده على الأصحِّ؛ لأنه بالإقرار الأول التزم أحكام الأحرار، فلم يملك إسقاطها.
(والمذهب: أنه لا يشترط) في صحة إقراره بالرقِّ (ألا يسبق تصرف يقتضي نفوذه حريه؛ كبيع ونكاح، بل يقبل إقراره في أصل الرق وأحكامه المستقبلة) فيما له وعليه، أما فيما عليه.. فلأنه أقرّ بحقٍّ عليه فيؤاخذ به؛ كسائر الأقارير، وأما فيما له.. فقياسًا على إقرار المرأة بالنكاح؛ فإنه يصحُّ على الجديد وإن تَضَمَّن ثبوت حقٍّ لها.
وأشار بالتعبير بـ (المذهب): إلى طريقين: أحدهما: القطع بثبوت أحكام الأرقاء في المستقبل، وثانيهما: فيه قولان؛ ثانيهما: أنه يبقى على أحكام الحرية مطلقًا.
(لا الماضيةِ المضرة بغيره في الأظهر) كما لا يقبل الإقرار على الغير بدين ونحوه، والثاني: يقبل؛ لأن الإقرار لا يتجزأ، ويصير إقراره كقيام البينة.
ولو قامت بينة برقه.. قبلت مطلقًا، أما المضرة به.. فتقبل قطعًا.
فَلَوْ لَزِمَهُ دَينٌ فَأَقَرَّ بِرِقٍّ وَفِي يَدِهِ مَالٌ.. قُضِيَ مِنْهُ، وَلَوِ ادَّعَى رِقَّهُ مَنْ لَيْسَ فِي يَدِهِ بِلَا بيِّنَةٍ.. لَمْ يُقْبَلْ، وَكَذَا إِنِ ادَّعَاهُ الْمُلْتَقِطُ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ رَأَيْنَا صَغِيرًا مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَهُ فِي يَدِ مَنْ يَسْتَرِقُّهُ وَلَمْ يُعْرَفِ اسْتِنَادُهَا إِلَى الْتِقَاطٍ.. حُكِمَ لَهُ بِالرِّقِّ، فَإِنْ بَلَغَ وَقَالَ: (أَنَا حُرٌّ).. لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الأَصَحِّ إلَّا بِبيِّنَةٍ. وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِرِقِّهِ.. عُمِلَ بِهَا، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تتعَرَّض الْبيِّنَةُ
(فلو لزمه دين فأقر برق وفي يده مال.. قضي منه) ولا يجعل للمقر له بالرقِّ إلا ما فضل عن الدين، فإن بقي من الدين شيء.. اتبع به إذا عتق، وهذا تفريع على عدم القبول فيما يضر غيره، أما إذا قبلناه مطلقًا.. فالمال لمن أقر له بالرقِّ والدينُ في ذمته.
(ولو ادعى رقه من ليس في يده بلا بينة.. لم يقبل) إذ الظاهر الحرية، فلا تترك إلا بحجة، بخلاف النسب؛ فإن قبوله مصلحة للصبي وثبوت حقٍّ له.
(وكذا إن ادعاه الملتقط في الأظهر) لأن الأصل الحريةُ، فلا يزال بمجرد الدعوى، والثاني: يقبل؛ كما لو التقط مالًا وادّعاه ولا منازعَ له.
وفرق الأول: بأن المال مملوك وليس في دعواه تغييرُ صفة له، واللقيط حرٌّ ظاهرًا وفي دعواه تغيير صفته.
(ولو رأينا صغيرًا مميزًا أو غيره في يد من يسترقه) أي: يدعي رقَّه، (ولم يعرف استنادها إلى التقاط.. حكم له بالرق) على الأصحِّ؛ عملًا باليد والتصرف، وقيل: لا؛ كاللقيط، فعلى الأول: لا يؤثر تكذيب المميز على الأصحِّ.
نعم؛ يحلف المدعي وجوبًا، وقيل: ندبًا.
(فإن بلغ وقال: "أنا حر".. لم يقبل قوله في الأصحِّ إلا ببينة) لأنا قد حكمنا برقه في صغره فلا نرفعه إلا بحجة، لكن له تحليف السيد؛ كما نقلاه عن البغوي وأقراه، وقاله الماوردي أيضًا 1، والثاني: يقبل؛ لأنه الآن من أهل القول، ولا نظر إلى ما حكمنا به من قبلُ.
(ومن أقام بينة برقه.. عُمل بها) لظهور فائدتها، (ويشترط أن تتعوض البينة
لِسَبَبِ الْمِلْكِ، وَفِي قَوْلٍ: يَكْفِي مُطْلَقُ الْمِلْكِ. وَلَوِ اسْتَلْحَقَ اللَّقِيطَ حُرٌّ مُسْلِمٌ.. لَحِقَهُ وَصَارَ أَوْلَى بِتَرْبِيَتِهِ، وَإِنِ اسْتَلْحَقَهُ عَبْدٌ.. لَحِقَهُ، وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُ سَيِّدِهِ، وَإِنِ اسْتَلْحَقَتْهُ امْرَأَةٌ.. لَمْ يَلْحَقْهَا فِي الأَصَحِّ،
لسبب الملك) من إرث وشراء وغيرهما؛ لئلا يعتمد ظاهر يده وتكون عن التقاط، (وفي قول: يكفي مطلق الملك) كسائر الأموال.
(ولو استلحق اللقيطَ حرٌّ مسلم) ذكر (.. لحقه) أي: بالشروط السابقة في الإقرار؛ لأنه أقر له بحقٍّ لا ضرر فيه على غيره، فأشبه ما لو أقر له بمال، وحكى الإمام فيه الإجماع 1.
وقوله: (مسلم): لا مفهوم له، فإن للكافر استلحاقَه، ولا يتبعه في كفره؛ كما سبق.
(وصار أولى بتربيته) من اللاقط؛ لأن كفالة الأجنبي للضياع، وقد زالت بوجود الأب.
(وإن استلحقه عبد.. لحقه) لأنه كالحرِّ في أمر النسب؛ لإمكان حصوله منه بنكاح أو وطء شبهة، لكن لا يسلم اللقيط إليه، لأنه لا يتفرغ، ولا نفقة عليه؛ إذ لا مال، فيقر بيد الملتقط وينفق عليه من بيت المال، (وفي قول: يشترط تصديق سيده) لما فيه من قطع الإرث المتوهم على تقدير عتقه.
وأجاب الأول: بأنه لا عبرة بهذا؛ لأن من استلحق ابنًا وكان له أخ.. يقبل استلحاقه.
(وإن استلحقته امرأة.. لم يلحقها في الأصحِّ) لإمكان إقامة البينة بالولادة من طريق المشاهدة، بخلاف الرجل، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع 2، والثاني: يلحقه؛ لأنها أحد الأبوين، فصارت كالرجل، والثالث: يلحق بالخليّة دون المزوَّجة؛ لتعذر الإلحاق بها دونه، وإذا لحقها ولها زوج.. لم يلحقه على المذهب.
أَوِ اثنانِ.. لَمْ يُقَدَّمْ مُسْلِمٌ وَحُرٌّ عَلَى ذِمِّيٍّ وَعَبْدٍ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ.. عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ فَيَلْحَقُ مَنْ أَلْحَقَهُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَائِفٌ، أَوْ تَحَيَّرَ، أَوْ نَفَاهُ عَنْهُمَا، أَوْ أَلْحَقَهُ بِهِمَا.. أُمِرَ بِالانْتِسَابِ بَعْدَ بُلُوغِهِ إِلَى مَنْ يَمِيلُ طَبْعُهُ إِلَيْهِ مِنْهُمَا، وَلَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ مُتَعَارِضَتَيْنِ.. سَقَطَتَا في الأَظْهَرِ
(أو) استلحقه (اثنان.. لم يقدم مسلم وحر على ذمي وعبد) لأن كلَّ واحد منهما لو انفرد.. كان أهلًا، فأشبه المسلمَين أو الحرَّين.
وكان الأحسن أن يقول: (كافر) لئلا يوهم قصر الحكم على الذمي.
(فإن لم تكن) لواحد منهما (بينة) أو كان لكلِّ واحد منهما بينة (.. عرض على القائف فيلحق من ألحقه به) لأن لها أثرًا في الأنساب عند الاشتباه؛ كما سيأتي بيانه، حيث ذكره المصنف في آخر (الدعوى والبينات) إن شاء الله تعالى، فإن كان لأحدهما بينة.. قضى بها.
(فإن لم يكن قائف) في البلد أو دون مسافة القصر؛ كما نقله الرافعي في (العدد) عن الروياني وأقره، وسبقه إليه الماوردي 1، وفسره الفوراني بألا يوجد في الدنيا 2، (أو) وجد ولكن (تحيّر، أو نفاه عنهما، أو ألحقه بهما.. أمر بالانتساب بعد بلوغه إلى من يميل طبعه إليه منهما) بحكم الجبلة لا بمجرد التشهي؛ لأن طباع الولد تميل إلى والده وتَجذِبُه.
وقوله: (بعد بلوغه): هو الصحيح، وقيل: بعد تمييزه ولا يعتبر البلوغ؛ كالحضانة، وهو ظاهر إطلاق "المحرر"، وهو من زيادة الكتاب على "المحرر"، وكذا قوله: (أو ألحقه بهما) 3.
(ولو أقاما بينتين متعارضتين.. سقطتا في الأظهر) لما سيأتي في (باب الدعوى والبينات).
..................................
وتعبيره بـ (الأظهر): لا يستقيم؛ فإن مقابل التساقط في غير هذا الباب: تستعملان، وفيه أقوال الوقف، القسمة، القرعة، ولا مجيء للأولين هنا قطعًا، ولا للثالث على الأصحِّ؛ لأن القائف أولى من القرعة.
وعبارة "الروضة": (أقام كلُّ واحد بينة بنسبه وتعارضتا، ففي التعارض في الأموال قولان؛ أظهرهما: التساقط، فعلى هذا: تسقطان أيضًا هنا على الصحيح، ويرجع إلى قول القائف، وقيل: لا تسقطان وترجح إحداهما بقول القائف، ولا يختلف المقصود على الوجهين) 1.
كتابُ الجعالة هِيَ كَقَوْلهِ: (مَنْ رَدَّ آبِقِي.. فَلَهُ كَذَا)، وَيُشْتَرَطُ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْعَمَلِ بِعِوَضٍ مُلْتَزَمٍ،
﴿كتاب الجعالة﴾
هي مثلثة الجيم؛ كما قاله ابن مالك في "مثلثته"، واقتصر المصنف في "تحريره" و"تهذيبه" على الكسر 1، وهي ما يجعل للإنسان على شيء يفعله.
والأصل فيها: قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، وكان حمل البعير معلومًا عندهم؛ كالوَسْق، وقد ورد في شرعنا تقريره، وهو حديث رُقية اللديغ على قطيع من الغنم، متفق عليه 2، ولأن الحاجة تدعو إليها في ردّ ضالة وآبق وعمل لا يقدر عليه ولا يجد من يتطوع بردِّه، ولا تصحُّ الإجارة على ردِّه؛ للجهالة بمكانه، فجاز بالجعالة؛ كالإجارة والقِراض.
(هي كقوله) أي: قولِ مطلق التصرف: ("من رد آبقي) أو دابتي الضالةَ (.. فله كذا") وإن لم يكن فيه خطاب لمعيّن؛ للآية، واحتمل إبهام العامل؛ لأنه ربما لا يهتدي إلى تعيين الراغب في العمل، وإذا صحَّ مع إبهام العامل.. صحَّ مع تعيينه من بابٍ أولى؛ كقوله: (إن رددت عبدي.. فلك كذا)، و (إن رد زيد آبقي.. فله كذا) فإنه يستحقُّ الجعل بردِّه قطعًا.
ويشترط في المجعول له: أهلية العمل فقط؛ كما جزم به الرافعي، حتى يشملُ الصبي والعبد، وبه صرح الماوردي هنا، لكنه خالفه في (السير) فقال: لا يستحقّ الصبي إذا ردَّه، وكذا العبد بغير إذن السيد 3.
(ويشترط: صيغة تدل على العمل بعوض) معلوم مقصود (مُلتزَم) لأنها معاوضة، فافتقرت إلى صيغة تدلُّ على المطلوب وقدر المبذول.
فَلَوْ عَمِلَ بِلَا إِذْنٍ أَوْ أَذِنَ لِشَخْصٍ فَعَمِلَ غَيْرُهُ.. فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَلَوْ قَالَ أَجْنَبِيٌّ: (مَنْ رَدَّ عَبْدَ زَيْدٍ.. فَلَهُ كَذَا).. اسْتَحَقَّهُ الرَّادُّ عَلَى الأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ قَالَ: (قَالَ زَيْدٌ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي.. فَلَهُ كَذَا) -وَكَانَ كَاذِبًا-.. لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى زَيْدٍ. وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ الْعَامِلِ وَإِنْ عَيَّنَهُ. وَتَصحُّ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ، وَكَذَا مَعْلُومٌ فِي الأَصَحِّ.
(فلو عمل بلا إذن أو أذن لشخص فعمل غيره.. فلا شيء له)، أما الأول.. فلأنه لم يلتزم له المالك عوضًا، فيقع عمله تبرعًا، وسواء عُرِف بردِّ الضوال أم لا، وأما الثاني.. فلأنه لم يلتزم لغير المعين شيئًا.
نعم؛ لو ردَّه عبده.. استحق؛ لأن يد عبده كيده.
(ولو قال أجنبي: "من ردَّ عبدَ زيد.. فله كذا".. استحقه الرادُّ على الأجنبي) لأنه الجاعل.
(وإن قال: "قال زيد: من ردَّ عبدي.. فله كذا" -وكان كاذبًا-.. لم يستحق عليه) أي: على الفضولي؛ لعدم التزامه، (ولا على زيد) إن كذبه؛ لأنه لم يلتزم له شيئًا، فإن صدقه.. استحقَّ عليه، قاله البغوي، قال الرافعي: وكأنّ هذا فيما إذا كان المخبر ممن يعتمد خبرُه، وإلا.. فهو كما لو ردّ غيرَ عالم بإذنه والتزامه 1.
(ولا يشترط قبول العامل) لفظًا (وإن عينه) لما فيه من التضييق، بل يكفى الإتيان بالعمل.
(وتصحُّ على عمل مجهول) لأن الجهالة في العمل إذا احتملت في القِراض توصلًا إلى الربح ولا ضرورة.. فهنا أولى.
وأطلق الشيخان صحتها على المجهول، وخصّه ابن الرفعة تبعًا للقاضي حسين: بما إذا لم يمكن الضبط 2، فإن سهل.. تعين، ففي بناء حائط: يذكر موضعه وطوله وسمكه وارتفاعه وما يبنى به، وفي الخياطة: يعتبر وصف الثوب والخياطة، وفي "شرح التعجيز" لمصنفه نحوه.
(وكذا معلوم) كالخياطة والبناء ونحوهما (في الأصحِّ) لأنه إذا جاز مع
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْجُعْلِ مَعْلُومًا، فَلَوْ قَالَ: (مَنْ رَدَّهُ.. فَلَهُ ثَوْبٌ أَوْ أُرْضِيهِ).. فَسَدَ الْعَقْدُ وَلِلرَّادِّ أُجْرَةُ مِثْلِهِ
الجهالة.. فمع العلم أولى، والثاني: المنع؛ للاستغناء بالإجارة.
ويشترط في العمل: كونه فيه كلفة، غير واجب عليه، ولا توقيت فيه.
فخرج بالقيد الأول: ما لو قال: (من ردَّ مالي.. فله كذا)، فرده من كان في يده، فإن كان في ردِّه كلفة؛ كالآبق.. استحقَّ الجعل، وإن لم يكن؛ كالدراهم والدنانير.. فلا؛ لأن ما لا كلفة فيه لا يقابل بالعوض.
وبالقيد الثاني: ما لو قال: (من دلني على مالي.. فله كذا)، فدلَّه مَنِ المالُ في يده.. لم يستحق شيئًا؛ لأن ذلك واجب عليه شرعًا، فلا يأخذ عليه عوضًا، وإن كان في يد غيره فدلَّه عليه.. استحقَّ، لأن الغالب أنه تلحقه مشقة بالبحث عنه.
وبالقيد الثالث: ما لو قال: (من ردَّ آبقي إلى شهر.. فله كذا) فإنه لا يصحُّ؛ كما نقلاه عن القاضي أبي الطيب وأقراه 1.
(ويشترط) لصحة العقد (كون الجُعل معلومًا) لأنه عقد جُوّز للحاجة، ولا حاجة لجهالة العوض، بخلاف العمل.
(فلو قال: "من رده.. فله ثوب أو أُرضيه") ونحوه (.. فسد العقد) لجهالة العوض، (وللراد أجرة مثله) كما في الإجارة الفاسدة، ويستثنى مسألتان:
الأولى: مسألة العلج؛ وهي ما لو قال الإمام: (من دلَّني على قلعة كذا.. فله منها جارية) فإنه يصحُّ، وسيأتي في (السير).
الثانية: ما إذا قال: (حُجّ عني وأعطيك نفقتك) فإنه جائز على ما ذكراه في (كتاب الحج)، لكن نصَّ الشافعي في "الأم" على البطلان 2.
ومنع بعضهم استثناء الثانية وإن قلنا بالجواز، لأن هذا إرزاق لا جعالة، وإنما يكون جعالة إذا جعله عوضًا فقال: (حُجّ عني بنفقتك)، وقد صرح الماوردي في
فَلَوْ قَالَ: (مِنْ بَلَدِ كَذَا) فَرَدَّهُ مِنْ أَقْرَبَ مِنْهُ.. فَلَهُ قِسْطُهُ مِنَ الْجُعْلِ. وَلَوِ اشْتَرَكَ اثنانِ فِي رَدِّهِ.. اشْتَرَكَا فِي الْجُعْلِ. وَلَوِ الْتَزَمَ جُعْلًا لِمُعَيَّنٍ فَشَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي الْعَمَلِ؛ إِنْ قَصَدَ إِعَانتَهُ.. فَلَهُ كُلُّ الْجُعْلِ،
(كتاب الحج) في هذه الصيغة: بأنها جعالة فاسدة؛ لجهالة العوض 1.
(فلو قال: "مِن بلد كذا" فرده من أقرب منه.. فله قسطه من الجُعل) 2 إذا صححنا الجعالة على العمل المعلوم، وهو الأصحُّ؛ لأنه جعل كلَّ الجعل في مقابلة العمل، فبعضه في مقابلة البعض، فإن رده من نصف الطريق.. استحق نصف الجعل؛ كذا أطلقوه، ويجب فرضه فيما إذا تساوت الطريق في السهولة والحُزُونة؛ كما أشار إليه ابن الرفعة 3، أما لو تفاوتت؛ بأن كانت أجرةُ النصف في المسافة ضعفَ أجرة النصف الآخر.. فيقابله ثلثا الجعل.
ولو ردَّه من أبعد منه.. لم يستحق زيادة؛ لعدم الالتزام.
(ولو اشترك اثنان في رده.. اشتركا في الجُعل) لحصول الردِّ منهما، ويقسم بالسوية وإن تفاوت عملهما؛ لأن العمل لا ينضبط حتى يقعَ التوزيع عليه، ولو قال: (أيُّ رجل ردَّ عبدي.. فله درهم)، فردَّه رجلان.. فالظاهر: الاشتراك.
(ولو التزم جُعلًا لمعين) كقوله: (إن رددت آبقي.. فلك دينار)، (فشاركه غيره في العمل؛ إن قصد إعانته) مجّانًا أو بعوض منه (.. فله كلُّ الجُعل) أي: لذلك المعين؛ لأن ردَّ الغير بقصد الإعانة له واقع عنه، ومقصود المالك ردُّ العبد بأي وجه أمكن، فلا يحمل لفظه على قصر العمل على المخاطب، ولا شيء لذلك الغير على المعين إلا أن يَلتزم له أجرَه ويستعينَ به.
واستنبط السبكي من هذا: جواز الاستنابة في الإمامة ونحوِها بشرط: أن يستنيب مثله أو خيرًا منه، ويستحقّ كلّ المعلوم، قال: وإن أفتى ابن عبد السلام والنووي بعدم استحقاق واحد منهما، أما النائب.. فلعدم ولايته إلا أن يأذن له الناظر في
وَإِنْ قَصَدَ الْعَمَلَ لِلْمَالِكِ.. فَلِلأَوَّلِ قِسْطُهُ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُشَارِكِ بِحَالٍ. وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الْفَسْخُ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ، فَإِنْ فُسِخَ قَبْلَ الشُّرُوعِ أَوْ فَسَخَ الْعَامِلُ بَعْدَ الشُّرُوعِ.. فَلَا شَيْءَ لَهُ،
المباشرة، ولأنه لم ينصبه الواقف، وأما المستنيب.. فلأنه لم يأت بالشرط.
قال الزركشي: ومدركهما في ذلك: أن الريع ليس من (باب الإجارة) ولا (الجعالة) لأن شرطهما: أن يقع العمل منهما للمستأجر والجاعل، والعملُ هنا لا يمكن وقوعه للجاعل، فلم يبق إلا الإباحة بشرط الحضور، ولم يوجد، فلا يصحُّ إلحاقه بهذه المسألة.
(وإن قصد العمل للمالك.. فللأول قسطه، ولا شيء للمشارك بحال) لأن المالك لم يلتزم له شيئًا.
(ولكلٍّ منهما) أي: من المالك والعامل (الفسخ قبل تمام العمل) لأنه عقد جائز من الطرفين، أما من جهة الجاعل.. فمن حيث إنها تعليق استحقاق بشرط، فأشبهت الوصية، وأما من جهة العامل.. فلأن العمل فيها مجهول، وما كان كذلك لا يتصف باللزوم؛ كالقِراض.
وإنما يتصور الفسخ ابتداءً في العامل المعين، أما غير المعين.. فلا يتصور الفسخ منه إلا بعد الشروع في العمل.
واحترز بقوله: (قبل تمام العمل) عما بعده؛ فإنه لا أثر للفسخ؛ لأن الجعل قد لزم واستقر.
(فإن فُسخ قبل الشروع أو فسخ العامل بعد الشروع.. فلا شيء له) أما في الأولى.. فلأنه لم يعمل شيئًا، وسواء فيه فسخه وفسخ المالك، وأما في الثانية.. فلأن الجعل يستحق بتمام العمل، وهو فوّت عمله باختياره ولم يحصل غرض المالك.
ويستثنى: ما إذا زاد الجاعل في العمل ففسخ العامل لأجل ذلك؛ فإنه يستحق أجرة المثل؛ لأن الجاعل ألجأه إلى ذلك، قاله الرافعي في آخر (المسابقة)، قال في "المهمات": وقياسه: أن يكون كذلك إذا نقص من الجعل 1.