أَوْ بِسِحْرٍ.. فَبِسَيْفٍ، وَكَذَا خَمْرٌ وَلِوَاطٌ فِي الأَصَحِّ،
وكان قد قتل جاريته بذلك، متفق عليه 1، وروى البيهقي مرفوعًا: "مَنْ حَرَّقَ.. حرَّقْنَاهُ، وَمَنْ غَرَّقَ.. غَرَّقْنَاهُ" 2.
وحديث النهي عن المثلة محمول على من وجب قتله 3، لا على وجه المكافأة، ولأن مقصود القصاص التشفي، وإنما يكمل إذا قُتل الفاعل بمثل ما قَتَل.
(أو بسحر.. فبسيف) لأن عمل السحر محرم، ولا شيء مباح يشبهه على أنه لا ينضبط ويختلف تأثيره، وفي الحديث: "حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ" رواه الترمذي لكن صحح وقفه.
نعم؛ صححه الحاكم مع الغرابة 4.
(وكذا خمر) بأن أَوْجره به حتى مات، (ولواط) يقتل منه غالبًا؛ بأن لاط بصغير (في الأصح) لأن ما قتل به محرم الفعل، فتعين السيف، والثاني: أنه في الأولى: يوجَر مائعًا؛ كخل أو ماء، وفي الثانية: يدس في دبره خشبة قريبة من الله، ويقتل بها؛ لقربه من فعله، كذا قالاه 5، وقال ابن الرفعة: ظاهر كلام الجمهور: أنها لا تتقيد بآلته، بل تعمل خشبة تقتل مثل القاتل.
هذا إن توقع موته بالخشبة، أما إذا لم يتوقع وكان يموت به المجني عليه؛ لطفولية ونحوها.. فلا؛ لأن فيه ارتكاب محظور بلا فائدة، فتعين السيف، كذا نقلاه عن المتولي وأقراه، وفي كلام الإمام ما يدل عليه 6، وهذا إنما يجيء على ما قالاه من كون الخشبة قريبة من آلته، أما على ما قاله ابن الرفعة.. فلا فرق.
وفي معنى الخمر: ما لو سقاه بولًا على الأصحِّ في "أصل الروضة"، ولو أوجره ماءً نجسًا.. أوجر ماءً طاهرًا 7.
وَلَوْ جُوِّعَ كَتَجْوِيعِهِ فَلَمْ يَمُتْ زِيدَ، وَفِي قَوْلٍ: السَّيْفُ، وَمَنْ عَدَلَ إِلَى سَيْفٍ.. فَلَهُ. وَلَوْ قَطَعَ فَسَرَى.. فَلِلْوَليِّ حَزُّ رَقَبَتِهِ، وَلَهُ الْقَطْعُ ثُمَّ الْحَزُّ، وَإِنْ شَاءَ.. انْتَظَرَ السِّرَايَةَ. وَلَوْ مَاتَ بِجَائِفَةٍ أَوْ كَسْرِ عَضُدٍ.. فَالْحَزُّ. وَفِي قَوْلٍ: كَفِعْلِهِ،
(ولو جوع كتجويعه فلم يمت.. زيد) في التجويع حتى يموت؛ ليكون قتله بالطريق الذي قتل به، ولا يبالى بزيادة الإيلام؛ كما لو ضرب رقبة إنسان ضربة واحدة ولم تنحز رقبته إلا بضربتين، (وفي قول: السيف) لأن المماثلة قد حصلت، ولم يبق إلَّا تفويت الروح؛ فيجب تفويتها بالأسهل، وهذا ما نص عليه في "الأم" و"المختصر" 1، وقال القاضي: إن الشافعي لم يقل بخلافه، ولم يختلف مذهبه فيه، وجرى عليه جمع من الأصحاب، وصوّبه البُلْقيني وغيره.
(ومن عدل إلى سيف) فيما يجوز فيه التماثل (.. فله) رضي الجاني أم لا؛ لأنه أوحى وأسهل، بل هو أولى؛ للخروج من الخلاف.
(ولو قطع فسرى) إلى النفس (.. فللولي حزّ رقبته) لأنه أسهل على الجاني من القطع ثم الحز، (وله القطع ثم الحز) طلبًا للمماثلة، (وإن شاء.. انتظر السراية) بعد القطع، وليس للجاني أن يقول: (أمهلوني مدة بقاء المجني عليه بعد جنايتي) لثبوت حق القصاص ناجزًا.
(ولو مات بجائفة أو كسر عضد.. فالحز) لأن المماثلة لا تتحقق في هذه الحالة؛ بدليل عدم إيجاب القصاص في ذلك عند الاندمال، فتعيّن السيف، (وفي قول: كفعله) تحقيقا للمماثلة، وهذا ما عليه الأكثرون؛ كما في "الروضة" و"أصلها"، وصححه المصنف في "تصحيح التنبيه" 2.
وما رجحه المصنف تبع فيه "المحرر"؛ فإنه قال: (فهل يستوفى القصاص بمثل ذلك أو بالسيف؟ فيه قولان: رجح كثيرون الثاني) 3.
فَإِنْ لَمْ يَمُتْ.. لَمْ تُزَدِ الْجَوَائِفُ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوِ اقْتَصَّ مَقْطُوعٌ ثُمَّ مَاتَ سِرَايَةً.. فَلِوَليِّهِ حَزٌّ وَلَهُ عَفْوٌ بِنِصْفِ دِيَةٍ،
والظاهر: أنه سبق قلم؛ كما قاله الأَذْرَعي وغيره، وكأنه أراد أن يقول: الأول، فقال: الثاني.
وأفهم كلام الفارقي: أن محل الخلاف عند الإطلاق، أما إذا قال: (أجيفه ثم أقتله إن لم يمت).. فله ذلك قطعًا، ولو أجافه ثم عفا عنه.. عزر على ما فعل، ولم يجبر على قتله، فإن مات.. بأن بطلان العفو له، قاله البغوي، وأقراه 1.
(فإن لم يمت) بعد أن فعل به كفعله (.. لم تزد الجوائف في الأظهر) لاختلاف تأثير الجوائف باختلاف محالها؛ فهي كقطع الأطراف المختلفة، والثاني: نعم؛ ليكون إزهاق الروح قصاصًا بطريق إزهاقه عدوانًا، وهو مخرج من مسألة التجويع والإلقاء في النار ونحوهما.
(ولو اقتص مقطوع) عضو فيه نصف الدية من قاطعه (ثم مات) المقطوع الأول (سراية.. فلوليه حزٌّ) لرقبة الجاني في مقابلة نفس مورثه، (وله عفو بنصف دية) والعضو المستوفى مقابل بالنصف.
وقضية إطلاقه: أنه لو قطعت امرأة يد رجل فاقتص منها ثم مات الرجل فعفا وليه على مال.. أن له نصف الدية، وهو وجه، والأصحُّ: أن له ثلاثة أرباع الدية؛ لأنه استحق دية رجل سقط منها ما استوفاه، وهو يد امرأة ربع دية رجل، كذا صححاه في "الشرح" و"الروضة" في أواخر (باب العفو عن القصاص) وهو مقيد لما أطلقاه هنا 2.
قال المنكت: (وقياس ذلك في عكس المسألة: إذا قطع رجل يد امرأة، فاقتصت ثم ماتت سراية، وعفا وليها على مال.. فعلى الأصحِّ: لا شيء له، وعلى الثاني:
وَلَوْ قُطِعَتْ يَدَاهُ فَاقْتَصَّ ثُمَّ مَاتَ.. فَلِوَليِّهِ الْحَزُّ، فَإِنْ عَفَا.. فَلَا شَيْءَ. وَلَوْ مَاتَ جَانٍ مِنْ قَطْعِ قِصَاصٍ.. فَهَدَرٌ، وَإِنْ مَاتَا سِرَايَةً مَعًا أَوْ سَبَقَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ.. فَقَدِ اقْتَصَّ،
نصف ديتها، قال: ولم أر ذلك مسطورًا) 1.
(ولو قُطِعت يداه فاقتص ثم مات) المجني عليه بالسراية (.. فلوليِّه الحزُّ) بنفس مورثه، (فإن عفا.. فلا شيء) له؛ لأنه استوفى ما يقابل الدية وهو اليدان، فلو قلنا بأخذ الدية.. لجمعنا له بين الدية وبين ما قيمته الدية، وهو لا يجوز، قال الرافعي: وهذه صورة يجب فيها القصاص ولا يستحق الدية بالعفو 2.
ومحله أيضًا: إذا استوت الديتان، أما لو كان الجاني امرأة على رجل.. وجب نصف دية رجل على الأصحِّ.
(ولو مات جان) بالسراية (من قطع قصاص.. فهدر) لأنه مات من قطع مستحق، فلا يتعلق بسرايته ضمان؛ كقطع السارق، (وإن ماتا سراية) بعد الاقتصاص في اليد (معًا أو سبق المجنيّ عليه.. فقد اقتص) أي: حصل قصاص اليد باليد، والسراية بالسراية، ولا شيء على الجاني؛ لأن السراية لمّا كانت كالمباشرة في الجناية.. وجب أن تكون كذلك في الاستيفاء.
قال الرافعي: وهذا هو المشهور، ونسبه ابن كَجٍّ إلى أبي علي الطبري، وحكى عن عامة الأصحاب: أن لولي المجني عليه نصف الدية في تركة الجاني؛ لأن سراية الجاني مهدرة، وسراية المجني عليه مضمونة.
انتهى 3.
وما نقله عن عامة الأصحاب معارض بنقل الماوردي الأول عن الجمهور 4، وصحح البُلْقيني في صورة ما إذا ماتا معًا: أنه لا يقع قصاصًا؛ لأن القصاص إنما يقع بعد وجوبه، فإذا ماتا معًا.. فقد مات الجاني قبل وجوب قصاص نفسه، فالحكم بأنه اقتص منه بعيدٌ.
وَإِنْ تَأَخَّرَ.. فَلَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ مُسْتَحِقُّ يَمِينٍ: (أَخْرِجْهَا)، فَأَخْرَجَ يَسَارًا وَقَصدَ إِبَاحَتَهَا.. فَمُهْدَرَةٌ، وَإِنْ قَالَ: (جَعَلْتُهَا عَنِ الْيَمِينِ وَظَنَنْتُ إِجْزَاءَهَا) فَكَذَّبَهُ.. فَالأَصَحُّ: لَا قِصَاصَ فِي الْيَسَارِ، وَتَجِبُ دِيَةٌ، وَيَبْقَى قِصَاصُ الْيَمِينِ،
(وإن تأخر) موت المجني عليه عن موت الجاني (.. فله نصف الدية) في تركة الجاني (في الأصح) إذا استوت الديتان، لأن القصاص لا يسبق الجناية؛ فإن ذلك يكون في معنى السلم في القصاص، وهو لا يتصور، والثاني: لا شيء له، ويحصل القصاص بذلك؛ لأنه مات بسراية فعل المجني عليه، فحصلت المقابلة.
ومحل الخلاف: في قطع يد مثلًا، فإن كانت الصورة في قطع يدين.. فلا شيء جزمًا.
(ولو قال مستحق يمين: "أخرجها"، فأخرج يسارًا وقصد إباحتها) وهو عاقل حرّ عالم بأنها لا تجزئ عن اليمين (.. فمهدرة) أي: لا قصاص ولا دية وإن علم القاطع بالحال على الأصحِّ، لأن صاحبها بذلها مجانًا.
نعم؛ يعزر العالم، ويبقى قصاص اليمين كما كان، صرح به في "المحرر" 1، واستغنى عنه المصنف بقوله بعدُ: (ويبقى قصاص اليمين) فجعله عائدًا إلى المسألتين، وهو محمول على ما إذا لم يظن القاطع إجزائها، فإن ظن ذلك.. فالأصحُّ: سقوط قصاصها، ويعدل إلى ديتها.
(وإن قال: "جعلتها عن اليمين وظننت إجزاءها"، فكذّبه) القاطع، وقال: (عرفتَ أنها اليسار، وأنها لا تجزئ عن اليمين) (.. فالأصح: لا قصاص في اليسار) لأنا أقمنا ذلك مقام إذنه في القطع، والثاني: نعم؛ لأنه قطع ما لا يستحقه.
(وتجب دية) لليسار؛ لأن الباذل بذلها على أن تكون عوضًا عن اليمين، والقاطع قطعها على اعتقاد ذلك، فإذا لم يصح العفو وتلف العضو.. وجب بدله؛ كمن اشترى سلعة بثمن فاسد وتلفت عنده.
(ويبقى قصاص اليمين) كما كان على الوجهين؛ لأنه لم يستوفه ولم يعف عنه،
وَكَذَا لَوْ قَال: (دُهِشْتُ فَظَنَنْتُهَا الْيَمِينَ)، وَقَال الْقَاطِعُ: (ظَنَنْتُهَا الْيَمِينَ).
فَصْلٌ [في موجب العمد وفي العفو]
مُوجَبُ الْعَمْدِ الْقَوَدُ، وَالدِّيَةُ بَدَل عِنْدَ سُقُوطِهِ، وَفِي قَوْلٍ: أَحَدُهُمَا مُبْهَمًا،
وما ذكره ليس مطابقًا لما في "المحرر" ولا "الروضة" و"أصلها"، وعبارة "المحرر": (ولو قال: "قصدت إيقاعها عن اليمين وظننتها تجزئ عنها"، وقال القاطع: "عرفت أن المخرج اليسار، وأنها لا تجزئ".. فلا قصاص في الأصحِّ) 1، ومراده: (عرفتُ) بضم التاء للمتكلم، فظن المصنف أنها بفتح التاء للخطاب، فعبّر عنه بالتكذيب، وليس الصورةُ التي في "المنهاج" مذكورة في "الروضة" في أحوال المسألة؛ كما نبه عليه شيخنا في "نكته"، وبسط ذلك فليراجع.
وقال الأَذْرَعي: قول "المنهاج": (فكذبه) يفهم أنه إذا صدقه.. يجب قصاص اليسار، ولم أر ذلك، ولم يقله في "المحرر"، ولا يمكن القول به على الإطلاق.
(وكذا لو قال: "دهشت فظننتها اليمين"، وقال القاطع: "ظننتها اليمين") أي: فلا قصاص في اليسار على الأصحِّ؛ لأن هذا الاشتباه قريب، وتجب ديتها، ويبقى قصاص اليمين، لما سبق.
(فصل: موجب العمد القود) في النفس والأطراف (والدية بدل عند سقوطه) لتعذر الاستيفاء بموت ونحوه، وليست أصلًا بنفسها؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، وفي الحديث: "مَنْ قُتِلَ عَمْدًا.. فَهُوَ قَوَدٌ" رواه أبو داوود والنسائي وغيرهما بإسناد صحيح 2، ولأنه بدل متلف فتعين جنسه 3؛ كسائر المتلفات، (وفي قول: أحدهما مبهمًا) (وإنما يتعين بالاختبار، لحديث: "مَنْ قُتِلَ
وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لِلْوَليِّ عَفْوٌ عَلَى الدِّيَةِ بِغَيْرِ رِضَا الْجَانِي، وَعَلَى الأَوَّلِ لَوْ أَطْلَقَ الْعَفْوَ. فَالْمَذْهَبُ: لَا دِيَةَ،
لهُ قَتِيلٌ.. فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ يُودَى، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ" متفق عليه من حديث أبي هريرة 1.
والتخيير بين شيئين يقتضي اشتراط استوائهما في الرقبة؛ كخصال الكفارة.
ويستثنى من محل الخلاف: كل موضع وجب فيه القود ولا دية فيه؛ كقتل المرتد مرتدًا.. ففيه القود ولا دية في الأصحِّ، وكذا إذا قطع يدي رجل فاقتص منه، ثم مات المجني عليه بالسراية؛ كما سبق 2.
قال المنكت: (إذا قتل الوالد ولده، أو المسلم الذمي.. فهل نقول: الواجب الدية عينًا عكس القاعدة أو هو كغيره، فيجب القود عينًا في الأصح ويعدل إلى الدية؛ لأن الأبوة وشرف الدين مسقط؟ لم أر من تعرض له، وللنظر فيه مجال 3، وحكاه شيخنا عنه وأقره، وهو عجب؛ فقد صرح بذلك الشيخان في "الشرح" و"الروضة" في موضعين في الكلام على (تغليظ الدية في قتل العمد)، وفي الكلام على (العاقلة)، وجزما بالاحتمال الأول، فقالا: وسواء كان العمد موجبًا للقصاص فعفي على الدية أو لم يوجبه؛ كقتل الوالد ولده 4.
(وعلى القولين: للولي عفو على الدية بغير رضا الجاني) لإطلاق الحديث السابق؛ ولأن الجاني محكوم عليه؛ فلا يحتاج إلى رضاه، (وعلى الأول) (وهو الأظهر (لو أطلق العفو) عن القود ولم يتعرض للدية بنفي ولا إثبات (.. فالمذهب: لا دية) لأن القتل لم يوجب الدية على هذا القول، والعفو إسقاط ثابت لا إثبات معدوم، والثاني: تجب؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: اتباع المال، وذلك يشعر بوجوب المال بالعفو، ولأنه سقط
وَلَوْ عَفَا عَنِ الدِّيَةِ.. لَغَا، وَلَهُ الْعَفْوُ بَعْدَهُ عَلَيْهَا. وَلَوْ عَفَا عَلَى غَيْرِ جِنْسِ الدِّيَةِ.. ثَبَتَ إِنْ قَبِلَ الْجَانِي، وَإِلَّا.. فَلَا، وَلَا يَسْقُطُ الْقَوَدُ فِي الأَصَحِّ. وَلَيْسَ لِمَحْجُورِ فَلَسٍ عَفْوٌ عَنْ مَالٍ إِنْ أَوْجَبْنَا أَحَدَهُمَا، وَإِلَّا؛ فَإِنْ عَفَا عَلَى
القصاص بالعفو، فيعدل إلى بدله؛ كما لو مات الجاني.
وأجاب الأول: بحمل الآية على ما إذا عفا على الدية.
ونفيه الدية يفهم: أنه لو اختار الدية بعد العفو.. لا يثبت، لكن نقل في "أصل الروضة" عن ابن كَجٍّ - وأقرّه - ثبوتها، ويكون اختيارها بعد العفو كالعفو عليها، ثم قال: وحكي عن النص أن هذا الاختيار ينبغي أن يكون عقب العفو، وعن بعض الأصحاب: أنه يجوز فيه التراخي 1.
قال البُلْقيني: وهذا المحكي عن بعض الأصحاب ذكره الماوردي قولًا للشافعي.
(ولو عفا عن الدية.. لغا) العفو؛ لأنه عفو عمّا لم يجب (ولى العفو) عن القصاص (بعده عليها) أي: على الدية؛ لأن الأول كان لاغيًا، وحقه في القود باق.
(ولو عفا على غير جنس الدية.. ثبت) على القولين وإن كان أكثر من الدية (إن قبل الجاني، وإلا.. فلا) أي: وإن لم يقبل الجاني.. لم يثبت المال؛ لأنه اعتياض، فاشترط رضاهما.
(ولا يسقط القود في الأصح) لأنه رضي به على عوض ولم يحصل له، والثاني: يسقط؛ لأنه رضي به حيث أقدم على الصلح وطلب العوض، وإذا قلنا بهذا.. فهل تثبت الدية؟ قال البغوي: هو كما لو عفا مطلقًا، وأقراه 2.
(وليس لمحجور فلس عفو عن مال إن أوجبنا أحدهما) أي: أحد الأمرين؛ للتفويت على الغرماء، (وإلا) أي: وإن قلنا: الواجب: القود عينًا (فإن عفا على
الدِّيَةِ.. ثَبَتَتْ، وَإِنْ أَطْلَقَ.. فَكَمَا سَبَقَ، وَإِنْ عَفَا عَلَى أَنْ لَا مَالَ.. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَالْمُبَذِّرُ فِي الدِّيَةِ كَمُفْلِسٍ، وَقِيلَ: كَصَبِيٍّ. وَلَوْ تَصَالَحَا عَنِ الْقَوَدِ عَلَى مِئَتَيْ بَعِيرٍ.. لَغَا إِنْ أَوْجَبْنَا أَحَدَهُمَا، وَإِلَّا.. فَالأَصَحُّ: الصِّحَّةُ
الدية.. ثبتت) قطعًا كغيره، (وإن أطلق.. فكما سبق) في أن العفو مطلقًا هل يوجب الدية؟ فإن أوجبها.. ثبتت، وإلا.. فلا.
(وإن عفا على أن لا مال.. فالمذهب: أنه لا يجب شيء) لأن العفو مع نفي المال لا يقتضي مالًا؛ فلو كلفنا المفلس أن يعين المال.. كان ذلك تكليفًا بأن يكتسب، وليس على المفلس أن يكتسب.
وأشار بقوله: (فالمذهب) إلى ذكر طريقين، وبيان ذلك: أنا إن قلنا: إن مطلق العفو لا يوجب المال.. فالمقيد بالنفي أولى، وإلا.. فوجهان: أصحهما: هذا، والثاني: الوجوب؛ لأنه لو أطلق العفو.. لوجب المال، فالنفي كالإسقاط لما له حكم الوجوب.
وقد اقتضى كلام المصنف في (باب التفليس): الجزم بالصحة، فإنه قال: (يصح اقتصاصه وإسقاطه)، ومقتضاه: بأنه لا فرق في الإسقاط بين أن يكون مجانًا أو على مال.
(والمبذر في الدية كلمفلس) في حكمه الذي ذكرناه، (وقيل: كصبي) فلا يصح عفوه عن المال بحال، لأنا وإن قلنا: مطلق العفو لا يوجب المال، فإذا تصدى له مال.. لم يجز له تركه؛ كما لو وهب له شيء أو وصي له بشيء فلم يقبل.. فوليّه يقبل عنه، بخلاف المفلس لا يقبل الغرماء عنه ولا الحاكم؛ لأنهم لا يجب لهم إلا ما ثبت في ملكه.
(ولو تصالحا عن القود على مئتي بعبر.. لغا) الصلح (إن أوجبنا أحدهما) يعني: القصاص أو الدية؛ لأنه زيادة على الواجب نازل منزلة الصلح من مئة على مئتين، (وإلا) أي: وإن قلنا بالأصحِّ، وهو: أن الواجب القود عينًا، والدية بدل عند سقوطه (.. فالأصح: الصحة) لأنه مال يتعلق باختيار المستحق والتزام الجاني، فلا معنى لتقديره، كبدل الخلع، والثاني: لا يصح، لأن الدية هي التي تخلف
وَلَوْ قَالَ رَشِيدٌ: (اقْطَعْنِي) فَفَعَلَ.. فَهَدَرٌ، فَإِنْ سَرَى أَوْ قَالَ: (اقْتُلْنِي).. فَهَدَرٌ، وَفِي قَوْلٍ: تَجِبُ دِيَةٌ، وَلَوْ قُطِعَ فَعَفَا عَنْ قَوَدِهِ وَأَرْشِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْرِ.. فَلَا شَيْءَ،
القصاص عند سقوطه، فلا يزاد عليها.
(ولو قال رشيد: "اقطعني" ففعل.. فهدر) لا قصاص ولا دية؛ كما لو أذن في إتلاف ماله.. لم يجب الضمان.
وقضية كلامه: أن السفيه ليس كذلك مع أنه لا فرق فيه بين الرشيد والسفيه، والذي لا تأثير لإذنه هو الصبي، وكذا العبد في إسقاط المال، وفي إسقاط القصاص وجهان: رجح البُلْقيني سقوطه.
ولو قال: (حرّ مكلف).. لوفى بالمقصود، وعبارة "المحرر": (المالك لأمره) 1، وهي معنى عبارة "الكتاب".
(فإن سرى) القطع (أو قال: ) ابتداءً ("اقتلني") ففعل (.. فهدر، وفي قول: تجب دية) الخلاف مبني على أن الدية تثبت للميت في آخر جزء من حياته ثم يتلقاها الوارث، أو تثبت للوارث ابتداءً عقب هلاك المقتول؛ فإن قلنا بالأول -وهو الأصحُّ-.. لم يجب، وإلا.. وجبت، وحكاية المصنف الخلاف في الدية يقتني القطع بنفي القصاص، وهو أشهر الطريقين، وقيل: بطرد الخلاف فيه.
وقوله: (فهدر) ليس على عمومه؛ فإن الكفارة تجب على الأصحِّ؛ لحق الله تعالى.
(ولو قطع) عضوًا من غيره (فعفا) المجني عليه (عن قوده وأرشه؛ فإن لم يسرِ.. فلا شيء) أي: لا قصاص ولا دية؛ لأن المستحق أسقط الحق بعد ثبوته فيسقط.
وظاهر كلام المصنف: تصوير هذه الحالة بما إذا عفا عن مجموع الأمرين، وكأنه احترز عمّا إذا قال: (عفوت عن هذه الجناية) (ولم يزد.. فإنه عفو عن القود دون الأرش على النص في "الأم".
وَإِنْ سَرَى.. فَلَا قِصَاصَ. وَأَمَّا أَرْشُ الْعُضْوِ: فَإِنْ جَرَى لَفْظُ وَصِيَّةٍ كَـ (أَوْصَيْتُ لَهُ بِأَرْشِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ).. فَوَصِيَّةٌ لِقَاتِلٍ، أَوْ لَفْظُ إِبْرَاءٍ أَوْ إِسْقَاطٍ، أَوْ عَفْوٍ سَقَطَ، وَقِيلَ: وَصِيَّةٌ. وَتَجِبُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ إِلَى تَمَامِ الدِّيَةِ، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ تَعَرَّضَ فِي عَفْوِهِ لِمَا يَحْدُثُ مِنْهَا.. سَقَطَتْ،
(وإن سرى) إلى النفس (.. فلا قصاص) كما لا يجب في الطرف؛ لأن السراية تولدت من معْفُوّ عنه، فصارت شبهة دافعة للقصاص، وقيل: يجب في النفس، لأن العفو عن الطرف دون النفس.
(وأما أرش العضو: فإن جرى لفظ وصية، كـ "أوصيت له بأرش هذه الجناية".. فوصية لقاتل) أي: والأظهر: صحتها؛ كما مر في (الوصية)، فإن خرج الأرش من الثلث.. سقط، وإلا.. نفذت الوصية في قدر الثلث، وإن أبطلناها.. لزمه أرش العضو.
(أو) جرى (لفظ إبراء أو إسقاط أو عفو.. سقط) قطعًا، ولا يأتي القولان في الوصية؛ لأنه إسقاط حق ناجز، والوصية تتعلق بحال الموت، (وقيل: وصية) لقاتل، بدليل الاعتبار من الثلث، فيأتي فيه الخلاف في الوصية للقاتل، وهذا هو المنصوص عليه في "الأم" 1 (وقال البُلْقيني: إنه الحق؛ إذ لا فرق بين أن يوصي للقاتل أو يهبه أو يعفو عن دين له عليه؛ كما لا يفترق حال الوارث في ذلك.
(وتجب الزيادة عليه) أي: على أرش العضو (إلى تمام الدية، وفي قول: إن تعرض في عفوه لما يحدث منها.. سقطت) ما سبق هو في إرش العضو فقط، وأما الزيادة عليه إلى تمام الدية.. فواجبة إن اقتصر على العفو عن موجب الجناية ولم يقل: وما يحدث منها، فإن قال: وما يحدث منها.. نظر؛ إن قاله بلفظ الوصية.. بني على الخلاف في الوصية للقاتل، ويأتي جميع ما سبق في أرش العضو، وإن قاله بلفظ العفو أو الإبراء أو الإسقاط.. ففي تأثيره فيما يحدث قولان: أظهرهما: لا، فيلزمه ضمانه؛ لأن إسقاط الشيء قبل ثبوته غير منتظم، والثاني: نعم، ولا يلزمه ضمان
فَلَوْ سَرَى إِلَى عُضْوٍ آخَرَ وَانْدَمَلَ.. ضَمِنَ دِيَةَ السِّرَايَةِ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ لَهُ قِصَاصُ نَفْسٍ بسِرَايَةِ طَرَفٍ لَوْ عَفَا عَنِ النَّفْسِ.. فَلَا قَطْعَ لَهُ أَوْ عَنِ الطَّرَفِ.. فَلَهُ حَزُّ الرَّقَبَةِ فِي الأَصَحِّ
ما يحدث؛ لأن الجناية على الطرف سبب لفوات النفس، وهما القولان في الإبراء عمّا لم يجب وجرى سبب وجوبه.
ومحل ما ذكره من التفصيل في الأرش: إذا كان دون الدية، أما إذا قطع يديه فعفا عن أرش الجناية وما يحدث منها؛ فإن لم نصحح الوصية.. وجبت الدية بكمالها، وإن صححناها.. سقطت بكمالها إن وفى بها الثلث، سواء صححنا الإبراء عمّا لم يجب أو لم نصححه؛ لأن أرش اليدين دية كاملة؛ فلا يزيد بالسراية شيء.
(فلو سرى إلى عضو آخر واندمل) كما إذا قطع الإصبع فتآكل باقي اليد ثم اندمل (.. ضمن دية السراية في الأصح) لأنه عفا عن موجب الجناية الحاصلة في الحال، فيقتصر عليه، والثاني: المنع؛ لأنه إذا سقط الضمان بالعفو.. صارت الجناية غير مضمونة، وإذا كانت الجناية غير مضمونة.. كانت السراية أيضًا غير مضمونة؛ كما إذا قال لغيره: (اقطع يدي)، فقطعها وسرى القطع إلى عضو آخر.
وأفهم كلامه: أنه لا قود ولا أرش للعضو المعفو عنه، وهو كذلك، ولا قصاص في المتآكل، وهو كذلك أيضًا؛ بناء على نفي القصاص في الأجسام بالسراية.
ومحل الخلاف الذي ذكره المصنف: ما إذا اقتصر على العفو عن موجب الجناية، فأما إذا قال: (عفوت عن هذه الجناية وما يحدث منها)، فسرى قطع الإصبع إلى قطع الكف؛ فإن لم نوجب ضمان السراية إذا أطلق.. فهنا أولى، وإن أوجبناه.. فيخرج هنا على الإبراء عما لم يجب وجرى سبب وجوبه.
(ومن له قصاص نفس بسراية طرف) بأن كان الجاني قد قطع يد المجني عليه ومات بالسراية (لو عفا عن النفس.. فلا قطع له) لأن المستحق هو القتل، والقطع طريقه وقد عفا عن المستحق له.
(أو عن الطرف.. فله حزّ الرقبة في الأصح) لأن كلًّا منهما مقصود في نفسه؛ كما لو تعدد المستحق، والثاني: المنع؛ لأنه استحق القتل بالقطع الساري وقد تركه.
وَلَوْ قَطَعَهُ ثُمَّ عَفَا عَنِ النَّفْسِ مَجَّانًا، فَإِنْ سَرَى الْقَطْعُ.. بَانَ بُطْلَانُ الْعَفْوِ، وَإِلَّا.. فَيَصِحُّ. وَلَوْ وَكَّلَ ثُمَّ عَفَا فَاقْتَصَّ الْوَكِيلُ جَاهِلًا.. فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ دِيَةٍ، وَأَنَّهَا عَلَيْهِ لَا عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْعَافِي
(ولو قطعه) الولي بسبب القطع الساري (ثم عفا عن النفس مجانًا؛ فإن سرى القطع.. بأن بطلان العفو) لفوات محله.
وقوله: (مجانًا) ليس بقيد، بل العفو على مال كذلك، ويتبين بأنه غير مستحق.
(وإلا) أي: وإن لم يسرِ بل اندمل (.. فيصح) العفو، ولا يلزم الولي بقطع اليد شيء؛ لأنه حين فعله كان مستحقًّا لجملته التي المقطوع بعضها، فهو مستوف لبعض حقه، وعفوه مُنْصَبٌّ لما وراء ذلك، وكذا الحكم فيما لو قتله بغير القطع وقطع الولي يده متعديًا ثم عفا عنه.
(ولو وكل) في استيفاء القصاص (ثم عفا فاقتص الوكيل جاهلًا.. فلا قصاص عليه) على المذهب؛ لأنه معذور.
وخرج بقوله: (جاهلًا): ما إذا علم بالعفو.. فعليه القصاص قطعًا.
(والأظهر: وجوب دية) مغلظة، وقيل: مخففة؛ لأنه بأن أنه قتله بغير حق، والثاني: المنع؛ لأنه عفا بعد خروج الأمر من يده، فوقع لغوًا.
(وأنها عليه لا على عاقلته) لأنه عامد في فعله، وإنما سقط القصاص؛ للشبهة، فتجب حالّة لا مؤجلة على الأصحِّ من "زوائد الروضة" 1، والثاني: عليهم؛ لأنه فعله جاهلًا بالحال، فكان كالمخطئ.
وقضية عطفه: أن الخلاف قولان، لكنه عبر في "الروضة" بـ (الأصحِّ) 2.
(والأصح: أنه لا يرجع) الوكيل الغارم (بها) أي: بالدية (على العافي) لأنه محسن بالعفو غير مغرر، والثاني: يرجع؛ لأنه غرّه، وهو آلة له، لا سيما إذا كان
وَلَوْ وَجَبَ قِصاصٌ عَلَيْهَا فَنَكَحَهَا عَلَيْهِ.. جَازَ وَسَقَطَ، فَإِنْ فَارَقَ قَبْلَ الْوَطْءِ.. رَجَعَ بِنِصْفِ الأَرْشِ، وَفِي قَوْل كـ: بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ.
قد استأجره للاستيفاء؛ إذ عليه القيام بما استؤجر عليه.
(ولو وجب قصاص عليها) بأن جنت على شخص (فنكحها عليه) هو أو وارثه، (.. جاز) النكاح والصداق، أما النكاح.. فواضح، وأما الصداق.. فلأن ما جاز الصلح عنه.. جاز جعله صداقًا (وسقط) القصاص؛ لملكها قصاص نفسها.
(فإن فارق قبل الوطء.. رجع بنصف الأرش) لأنه المسمَّى في العقد وفات، (وفي قول: بنصف مهر مثل) هذا الخلاف شبيه بما إذا أصدقها عبدًا فظهر حرًّا هل ترجع عليه بالمهر أو بقيمة العبد؟
كتابُ الدِّيات فِي قَتْلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِئَةُ بَعِيرٍ مُثَلَّثَةٌ فِي الْعَمْدِ: ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً - أَي: حَامِلًا - وَمُخَمَّسَةٌ فِي الْخَطَأِ: عِشْرُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَكَذَا بَنَاتُ لَبُونٍ وَبَنُو لَبُونٍ وَحِقَاقٌ وَجِذَاعٌ،
﴿كتاب الديات﴾
هي جمع دية، اسم للمال الواجب بالجناية على الحر في نفس أو طرف، وأصلها: ودية، مشتقة من الودي، وهو: دفع الدية كالزنة من الوزن، والعدة من الوعد، وجمعها باعتبار النفس والأطراف، أو باعتبار الأشخاص.
(في قتل الحر المسلم) الذكر المَحقون الدم (مئة بعير) بالإجماع؛ كما نقله ابن عبد البر 1، فخرج بـ (الحر): العبد، فهو مضمون بالقيمة لا بالدية، وبـ (المسلم): الكافر، وبالذكر: الأنثى، وبالمحقون الدم: الزاني المحصن، وتارك الصلاة، والصائل ونحوهم، وروى ابن قتيبة: أن أول من قضى بأنها مئة أبو سيارة، وقيل: عبد المطلب فجاءت الشريعة مقررة لها.
(مثلثة في العمد: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة؛ أي: حاملًا) لحديث: "مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا.. دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ؛ فَإِنْ شَاؤُوا.. قَتَلُوا، وَإِنْ شَاؤُوا.. أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً" رواه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال: حسن غريب 2.
ولأن العمد كبيرة فناسب التغليظ، والتغليظ بالنسبة إلى السن، لا بالنسبة إلى زيادة في القدر، وسواء في ذلك كان العمد موجبًا للقصاص أو لم يوجبه؛ كقتل الوالد ولده.
(ومخمسة في الخطأ: عشرون بثت مخاض، وكذا بنات لبون وبثو لبون وحقاق وجذاع) لإجماع الصحابة على ذلك؛ كما قاله الماوردي 3.
فَإِنْ قَتَلَ خَطَأً فِي حَرَمِ مَكَّةَ أَوِ الأَشْهُرِ الْحُرُمِ: ذِي الْقَعْدَةِ وَذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ وَرَجَبٍ، أَوْ مَحْرَمًا ذَا رَحِمٍ.. فَمُثَلَّثَةٌ
(فإن قتل خطأ في حرم مكة، أو الأشهر الحرم: ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، ورجب، أو محرمًا ذا رحم.. فمثلثة) لأن الصحابة رضوان الله عليهم غلظوا في هذه الأحوال الثلاث وان اختلفوا في كيفية التغليظ، ولم ينكر ذلك أحد منهم، فكان إجماعًا منهم، وسواء كان المقتول والقاتل في الحرم أو أحدهما، والحق به في "المطلب" ما إذا جرحه، والمجروح في الحرم فخرج إلى الحل ومات فيه.
وخرج بـ (حرم مكة): حرم المدينة، فإنه لا يغلظ بالقتل فيه على الصحيح، لأن صيده غير مضمون على الجديد، ولا يغلظ بالقتل في الإحرام على الأصحِّ، لأن حرمته عارضة، بخلاف المكان، ولم يرد أيضًا من التغليظ ما ورد في القتل في الحرم.
وخرج بـ (الأشهر الحرم): رمضان؛ فإنه لا يغلظ بالقتل فيه وإن كان عظيمًا.
وقوله: (محرمًا ذا رحم) يُخرج صورتين: إحداهما: ما إذا انفردت المحرمية عن الرحم؛ كما في المصاهرة، والرضاع.. فلا يتغلظ بها القتل قطعًا، والثانية: أن تنفرد الرحمية عن المحرم؛ كأولاد الأعمام والأخوال، فلا تغليظ فيهم على الأصحِّ؛ لما بينهما من التفاوت في القرابة.
لكن يرد عليه مالو قتل ابن عم هو أخ من الرضاع، أو قتل بنت عم هي أم زوجته.. فلا تغلظ فيه الدية مع أنه رحم محرم؛ لأن المحرمية ليست من الرحم، فكان حقه تقييد المحرمية بذلك.
وهذا الترتيب الذي ذكره المصنف في عد الأشهر الحرم هو الصواب الذي تظافرت عليه الأحاديث الصحيحة، كما قاله في "شرح مسلم"، وغيره 1، وقال الكوفيون: الأدب في عدها أن يقال: المحرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة في سنة واحدة.
وَالْخَطَأُ وَإِنْ تَثَلَّثَ.. فَعَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةٌ، وَالْعَمْدُ عَلَى الْجَانِي مُعَجَّلَةٌ، وَشِبْهُ الْعَمْدِ مُثَلَّثَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةٌ. وَلَا يُقْبَلُ مَعِيبٌ وَمَرِيضٌ إِلَّا بِرِضَاهُ. وَيَثْبُتُ حَمْلُ الْخَلِفَةِ بِأَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَالأَصَحُّ: إِجْزَاؤُهَا قَبْلَ خَمْسِ سِنِينَ،
قال ابن دحية الحافظ: وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا نذر صيامها.. فعلى الأول: يبتدئ بذي القعدة، وعلى الثاني: بالمحرم.
(والخطأ وإن تثلث) كما في التغليظ بالأسباب المذكورة (.. فعلى العاقلة مؤجلة) كما سيأتي في بابه.
(والعمد على الجاني معجلة) تغليظًا؛ كبدل المتلفات (وشبه العمد مثلثة على العاقلة مؤجلة) أما كونها مثلثة.. فلقوله عليه السلام: "عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ" رواه أبو داوود ولم يضعفه 1، وأما كونها على العاقلة ومؤجلة.. فلما سيأتي في بابها إن شاء الله تعالى.
(ولا يقبل معيب ومريض) (وإن كانت إبله كذلك؛ قياسًا على سائر أبدال المتلفات، بخلاف الزكاة؛ لتعلقها بعين المال، والدية بالذمة؛ فيعتبر في المؤدى السلامة كالمسلم فيه.
والمراد بالعيب هنا: الذي يرد به في البيع، بخلاف عيب الكفارة والأضحية حيث اعتبر في كل منهما ما يؤثر مقصوده؛ لعدم ملاحظة البدلية فيهما.
وعطفه المريض على المعيب من عطف الخاص على العام.
(إلا برضاه) أي: برضا المستحق إن كان أهلًا للتبرع؛ لأن له إسقاط الأصل فكذا الصفة.
(ويثبت حمل الخلفة بأهل الخبرة) عند إنكار المستحق؛ فيرجع فيه إلى عدلين منهم.
(والأصح: إجزاؤها قبل خمس سنين) لأنه ليس في الخبرة إلا اعتبار الخلفة، والثاني: المنع؛ لأن الحمل قبل خمس سنين مما يندر، والخلاف إذا لم يرض بأخذها، فإن رضي.. جاز كالبيع.
وَمَنْ لَزِمَتْهُ وَلَهُ إِبلٌ.. فَمِنْهَا - وَقِيلَ: مِنْ غَالِبِ إِبلِ بَلَدِهِ - وَإِلَّا.. فَغَالِبِ بَلَدِهِ، أَوْ قَبِيلَةِ بَدَوِيٍّ، وَإِلَّا.. فَأَقْرَبِ بِلَادٍ، وَلَا يَعْدِل إِلَى نَوْعٍ وَقِيمَةٍ إِلَّا بِتَرَاضٍ،
(ومن لزمته) يعني: الدية من العاقلة أو الجاني (وله إبل.. فمنها) تيسيرًا للأمر عليه، ولا يكلف غيره.
وظاهر قوله: (فمنها) تعيينها، وأنه لا يلزمه قبول غيرها وإن كان من نوعها مثلها أو أشرف منها، وليس كذلك ففي "الروضة": لو دفع نوعا غير ما في يده.. أجبر المستحق على قبوله إذا كان غالب إبل البلد والقبيلة كذلك، وحكاه الرافعي عن "التهذيب" 1.
(وقيل: من غالب إبل بلده) لأنها عوض متلَف، واعتباره بملك المتلِف بعيد.
(وإلا) أي: وإن لم يكن له إبل (.. فغالب) إبل (بلده، أو قبيلة بدوي) إن كان بدويًّا؛ لأنها بدل متلَف، فوجب فيها البدل الغالب في قيمة المتلفات، (وإلا) أي: وإن لم يكن في البلد أو القبيلة إبل بصفة الإجزاء (.. فأقرب بلاد) أو قبائل إلى موضع المؤدي، ويلزمه النقل إن قربت المسافة؛ فإن بعدت وعظمت المؤنة والمشقة.. لم يلزمه، وسقطت المطالبة بالإبل.
قالا: وأشار بعضهم إلى ضبط البعيد بمسافة القصر، وقال الإمام: لو زادت مؤنة إحضارها على قيمتها في موضع العزة.. لم يلزمه تحصيلها، وإلا.. فيلزمه 2، قال البُلْقيني: وإجراء هذا على ظاهره متعذر، وتأويله: أنه إذا زادت بمؤنة إحضارها على قيمتها في موضع العزة.. فلا بد من إدخال (الباء) على (مؤنة) ليستقيم المعنى.
(ولا يعدل إلى نوع وقيمة إلا بتراض)، كسائر أبدال المتلفات، فظاهر إطلاقه: أنه لا فرق بين أن يعدل إلى نوع مثلها أو دونها أو فوقها، وبه صرح الرافعي 3، لكن نص الشافعي رضي الله عنه على الإجبار في الأعلى، وجرى عليه الماوردي،
وَلَوْ عُدِمَتْ.. فَالْقَدِيمُ: أَلْفُ دِينَارٍ أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَالْجَدِيدُ: قِيمَتُهَا
وسليم، والبَنْدَنيجي وغيرهم؛ كما نقله في "المطلب"، وأطلق المصنف جواز العدول إلى القيمة بالتراضي؛ تبعًا للأصحاب، قال صاحب "البيان": وليكن مبنيًّا على جواز الصلح عن إبل الدية، حكاه عنه الشيخان، وأقراه 1، وجزما به قبل ذلك بأربعة أوراق، ومقتضاه: تصحيح المنع، فإن الأصحَّ: منع الصلح عن إبل الدية بلفظ الصلح، وبلفظ البيع جميعًا.
وحمل ابن الرفعة ما أطلقوه هنا من الجواز على ما إذا كانت معلومة القدر والسن والصفات، والمنع على ما إذا كانت مجهولة.
(ولو عدمت) الإبل في الموضع الذي يجب تحصيلها منه، أو وجدت ولكن بأكثر من ثمن المثل (.. فالقديم: ألف دينار) لقوله صلى الله عليه وسلم: "وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ" صححه ابن حبان والحاكم من حديث عمرو بن حزم 2.
(أو اثنا عشر ألف درهم) لما رواه الأربعة من حديث ابن عباس: (أنه عليه السلام جعل الدية اثني عشر ألفًا)، لكن صوب النسائي وغيره إرساله 3.
وقضية كلامه: تخيير الجاني بين الذهب والدراهم، وهو رأي الإمام، والجمهورُ - كما قاله في "الروضة" -: على أن على أهل الذهب الذهب، وعلى أهل الورق الورق 4.
(والجديد: قيمتها) أي: الإبل بالغة ما بلغت؛ لما رواه أبو داوود، والنسائي، وابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم الإبل على أهل القرى، فإذا غلت.. رفع في قيمتها، وإذا هانت.. نقص من قيمتها) 5.
بِنَقْدِ بَلَدِهِ، وَإِنْ وُجِدَ بَعْضٌ.. أُخِذَ وَقِيمَةَ الْبَاقِي. وَالْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى كَنِصْفِ رَجُلٍ نَفْسًا وَجُرْحًا، وَيَهُودِيٌّ وَنَصْرَانِيٌّ ثُلُثُ مُسْلِمٍ، وَمَجُوسِيٌّ ثُلُثَا عُشْرِ مُسْلِمٍ،
(بنقد بلده) الغالب؛ لأنه بدل متلف، وتراعى صفتها في التغليظ إن كانت مغلظة هذا هو المشهور، وفي "فتاوى القفال": الدنانير في أرش الجناية يجب أن تكون ذهبًا خالصًا دون نقد البلد، بخلاف العوض في العقد؛ لأن تقدير الأرش من الشارع، وقد كان الذهب خالصًا، فينصرف إليه أرش كل جناية.
(وإن وجد بعض) من الإبل (.. أخذ) الموجود (وقيمة الباقي) كما لو وجب له على إنسان مثل، ووجد بعض المثل.. فإنه يأخذه وقيمة الباقي.
(والمرأة والخنثى كنصف رجل نفسًا وجرحًا) أما النفس.. فاحتج الشافعي فيه بالإجماع، وأما الأطراف والجراحات.. فبالقياس على النفس، وروي عن عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ" كذا رواه الرافعي، قال ابن جماعة: وهو غريب، ورواه البيهقي مرفوعًا من حديث معاذ، وضعفه 1، وأما الخنثى المشكل.. فلأن الزيادة مشكوك فيها، والمحقق النصف.
(ويهودي ونصراني ثلث) دية (مسلم) نفسًا وجرحًا؛ اتباعًا لقضاء عمر وعثمان رضي الله عنهما بذلك 2، هذا فيمن تحل مناكحته، فمن لا يعرف دخول أصوله في ذلك الدين قبل النسخ أو بعده، أو قبل التحريف أو بعده.. ففيه دية مجوسي.
(ومجوسي) له أمان (ثلثا عشر) دية (مسلم) (وهي: ستة أبعرة، وثلثا بعير؛ لأثر عمر رضي الله عنه 3، والمعنى فيه: أن لليهودي والنصراني خمس فضائل: حصول كتاب، ودين كان حقًّا بالإجماع، وتحل مناكحتهم وذبائحهم، ويقرون بالجزية، وليس للمجوسي من هذه الخمسة إلا التقرير بالجزية، فكانت ديته خمس دية اليهود والنصارى.
وَكَذَا وَثنَيٌّ لَهُ أَمَانٌ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الإِسْلَامُ إِنْ تَمَسَّكَ بِدِينٍ لَمْ يُبَدَّلْ.. فَدِيَةُ دِينِهِ، وَإِلَّا.. فَكَمَجُوسيٍّ.
فَصْلٌ [في موجب ما دون النفس من جرح أو نحوه]
فِي مُوضِحَةِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ،
(وكذا وثني له أمان) يجب فيه دية مجوسي؛ لأنه كافر لا يحل لمسلم مناكحة أهل دينه، وكذا عباد الشمس والقمر إذا دخلوا إلينا بأمان؛ كما صرح به في "المحرر" 1، وكذا الزنديق، ودية نسائهم على النصف من دية رجالهم، ويراعى في دياتهم التغليظ والتخفيف.
(والمذهب: أن من لم يبلغه الإسلام إن تمسك بدين لم يبدل) من الدين المبدل (.. فدية دينه) فإن كان كتابيًّا.. فدية كتابي، وإن كان مجوسيًّا.. فدية مجوسي؛ لأنه متمسك بدين منسوخ فلم يثبت له حكم الإسلام، وقيل: دية مسلم؛ لأنه ولد على الفطرة، ولم يظهر منه عناد، والنسخ لا يثبت قبل بلوغ الخبر.
(وإلا) أي: وإن لم يتمسك بدين لم يبدل، بل بدين مبدل، ولم يبلغه ما يخالفه (.. فكمجوسي) أي: يجب بقتله دية مجوسي، وقيل: تجب دية أهل دينه، وقيل: لا يجب به شيء؛ لأنه ليس على دين حق، ولا عهد له ولا ذمة.
والسامرة والصابئة: إن كفرهما أهل ملتهما.. فهم كمن لا كتاب له، وإلا.. فكهم.
(فصل: في موضحة الرأس والوجه لحر مسلم) ذكر (خمسة أبعرة) لحديث عمرو بن حزم: "وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ" صححه ابن حبان والحاكم 2. وهذا القدر هو نصف عشر ديته، فتراعى هذه النسبة في حق غيره من المرأة واليهودي وغيرهما، ففي موضحة المرأة: بعيران ونصف، واليهودي: بعير وثلثان، والمجوسي: ثلث بعير.
وَهَاشِمَةٍ مَعَ إِيضاحِ عَشَرَةٌ، وَدُونَهُ خَمْسَةٌ - وَقِيلَ: حُكُومَةٌ - وَمُنَقِّلَةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَمَأْمُومَةٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَلَوْ أَوْضحَ فَهَشَمَ آخَرُ، وَنَقَّلَ ثَالِثٌ، وَأَمَّ رَابِعٌ.. فَعَلَى كُلٍّ مِنَ الثَّلَاثَةِ خَمْسَةٌ،
(وهاشمة مع إيضاح عشرة) اتباعًا لزيد بن ثابت ولم يخالَف 1، (ودونه) أي: دون إيضاح (خمسة) لأن العشرة في مقابلة الإيضاح والهشم، وأرش الموضحة خمسة، فتعين أن الخمسة الباقية في مقابلة الهشم فوجبت عند انفراده، (وقيل: حكومة) لأنه كسر عظم بلا إيضاح، فأشبه كسر سائر العظام، فعلى هذا: هل تبلغ الحكومة خمسًا من الإبل؛ فيه تردد للقاضي، وفي "أصل الروضة" عن "الرقم" للعبادي: (أن موضع الوجهين: ما إذا لم يحوج الهشم إلى بط وشق لإخراج العظم، أو تقويمه؛ فإن أحوج إليه.. فالذي أتى به هاشمة تجب فيها عشر من الإبل) 2.
قال البُلْقيني: وله وجه؛ لأن جنايته هي السبب في الإيضاح، ويحتمل أن يقال: هو من فعل المجروح، فلا يضمنه الجاني، وهذا أرجح.
انتهى.
(ومنقلة) مع إيضاح (خمسة عشر) بالإجماع، كما حكاه في "الأم" 3، أما إذا نقل من غير إيضاح.. ففيه الخلاف الذي ذكره فيما إذا هشم ولم يوضح.
(ومأمومة ثلث الدية) لحديث عمرو بن حزم، صححه ابن حبان والحاكم 4، وتجب في الدامغة ما تجب في المأمومة على الأصحِّ، وقيل: يزاد حكومة، وقيل: تمام الدية.
(ولو أوضح فهشم آخر) في محل الإيضاح (ونقل ثالث، وأم رابع.. فعلى كل من الثلاثه خمسة) ما مر فيما إذا اتحد الجاني، فإن تعدد كالمثال المذكور.. فعلى الأول: القصاص، أو خمس من الإبل، وعلى الثاني: خمس من الإبل؛ لأنه الزائد عليها من دية الهاشمة، وعلى الثالث: خمسة؛ لأنه الزائد عليها من وجه المنقلة.
وَالرَّابِعِ تَمَامُ الثُّلُثِ. وَالشِّجَاجُ قَبْلَ الْمُوضِحَةِ إِنْ عُرِفَتْ نِسْبَتُهَا مِنْهَا.. وَجَبَ قِسْطٌ مِنْ أَرْشِهَا، وَإِلَّا.. فَحُكُومَةٌ كَجُرْحِ سَائِرِ الْبَدَنِ. وَفِي جَائِفَةٍ ثُلُثُ دِيَةٍ، وَهِيَ:
(والرابع تمام الثلث) وهو ثمانية عشر بعيرًا وثلث بعير، وهو ما بين المنقلة والمأمومة.
(والشجاج) بكسر الشين (قبل الموضحة) (وهي الحارصة، والدامية، والباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق (إن عرفت نسبتها منها) بأن كان على رأسه موضحة إذا قيس بها الباضعة مثلًا.. عرف أن المقطوع ئك أو نصف في عمق اللحم (.. وجب قسط من أرشها) أي: الموضحة بالنسبة؛ فإن شككنا في قدرها من الموضحة.. أوجبنا اليقين، قال الأصحاب: ويعتبر مع ذلك الحكومة، فيجب أكئر الأمرين من الحكومة وما يقتضيه التقسيط؛ لأنه وجد سبب كل واحد منهما، كذا قاله في "أصل الروضة" 1، وهو خلاف ما يقتضيه إطلاق "الكتاب".
(وإلا) أي: وإن لم تعرف نسبتها منها (.. فحكومة) لا تبلغ أرش موضحة، وهذا التفصيل قال الرافعي: هو قول الأكثرين، قال: ومنهم من أطلق أن الواجب فيها الحكومة؛ أي: لأن التقدير يعتمد التوقيف ولا توقيف 2، قال ابن الملقن: (وهذا ما نسبه الماوردي إلى ظاهر النص، وإلى الجمهور، فاختلف النقل إذن عن الجمهور) 3 (كجرح سائر البدن (فإنه ليس في إيضاح عظامه ولا هشمها ولا نقلها أرش مقدر، بل فيها الحكومة فقط نص عليه 4؛ لأنه لم يرد فيها توقيف، مع أن الجراحات في البدن أكثر منها في الرأس والوجه، فلو كانت مقدرة.. لكان الاعتناء بذكرها أولى، والفرق: أن الخطر فيهما أعظم، وشينهما أفحش.
(وفي جائفة ثلث دية) لثبوت ذلك في حديث عمرو بن حزم 5 (وهي) يعني:
جُرْحٌ يَنْفُذُ إِلَى جَوْفٍ كَبَطْنٍ وَصدْرٍ وَثُغْرَةِ نَحْرٍ وَجَبينٍ وَخَاصرَةٍ، وَلَا يَخْتَلِفُ أَرْشُ مُوضحَةٍ بِكِبَرِهَا. وَلَوْ أَوْضحَ مَوْضِعَيْنِ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ وَجِلْدٌ، قِيلَ: أَوْ أَحَدُهُمَا.. فَمُوضِحَتَانِ،
الجائفة (جرح ينفذ إلى جوف) قوته محيلة للغذاء والدواء (كبطن، وصدر، وثغرة نحر، وجبين وخاصرة) بخلاف جوف الذكر، وداخل الفم والأنف بهشم الخد والقصبة وغيرهما، أو إلى بيضة العين من الجفن، فليس بجائفة في الأصحِّ.
وظاهر كلامه: الاقتصار على ثلث الدية.
ويستثنى منه: ما إذا لذع الحديد كبده أو طحاله، وما إذا نفذت الجراحة من غير الضلع وكسرت الضلع.. فتجب الحكومة مع الئلث، فلو نفذت من نفس الضلع.. دخلت حكومته في دية الجائفة، قاله الماوردي 1، واعتمده البُلْقيني، وكذا لو وضع السكين على الكتف أو الفخذ، وجرها حتى بلغ البطن فأجاف.. فإنه تجب الحكومة مع الثلث أيضًا؛ بخلاف ما لو وضعها على الصدر وجرها حتى أجاف في البطن، أو ثغرة النحر.. فإنه يجب الثلث بلا حكومة؛ لأن جميعه محل الجائفة، قاله في "أصل الروضة" 2.
(ولا يختلف أرش موضحة بكبرها) (ولا بصغرها لاتباع الاسم، والجائفة كذلك، حتى لو غرز فيه إبرة فوصلت الجوف.. فهي جائفة.
(ولو أوضح موضعين بينهما لحم وجلد، قيل: أو أحدهما.. فموضحتان) لتعدد الاسم، فلو عاد الجاني فرفع الحاجز بين موضحتيه قبل الاندمال.. عاد الأرشان إلى واحد على الأصحِّ، وكان كما لو أوضح في الابتداء موضحة واسعة، ولو تآكل الحاجز بينهما.. فكذلك.
وأشار بقوله: (قيل: أو أحدهما) إلى أنه إذا وجد الحاجز باللحم دون الجلد أو
وَلَوِ انْقَسَمَتْ مُوضِحَتُهُ عَمْدًا وَخَطَأً أَوْ شَمِلَتْ رَأْسًا وَوَجْهًا.. فَمُوضِحَتَانِ، وَقِيلَ: مُوضِحَةٌ. وَلَوْ وَسَّعَ مُوضِحَتَهُ.. فَوَاحِدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ غَيْرُهُ.. فَثِنْتَانِ. وَالْجَائِفَةُ كَمُوضِحَةٍ فِي التَّعَدُّدِ،
عكسه.. فقيل: يتعدد أيضًا؛ اتباعًا للصورة، والأصحُّ: عدم التعدد؛ لأنه بإزالة أحدهما أثبت الجناية على الموضع كله.
(ولو انقسمت موضحته عمدًا وخطأً، أو شملت رأسًا ووجهًا.. فموضحتان) أما الأولى.. فلاختلاف الحكم، وأما في الثانية.. فلاختلاف المحل، (وقيل: موضحة) أما في الأولى.. فلاتحاد الصورة والجاني والمحل، وأما في الثانية.. فلأن الجبهة والرأس محل الإيضاح.
(ولو وسع موضحته.. فواحدة على الصحيح) كما لو أوضح أولًا كذلك، والثاني: ثنتان؛ لأن التوسيع إيضاح ثانٍ، وكما لو وسع غيره، (أو غيره.. فثنتان) فيجب على الثاني أرش كامل قطعًا وإن كانت الموضحة واحدة في الصورة؛ لأن فعل غير الجاني لا ينبني على فعل الجاني؛ كما إذا قطع يديه، وحز رقبته آخر قبل الاندمال.. وجبت ديتان.
وقوله: (غيره) هو بفتح الراء، وكسرها؛ كما ضبطه المصنف بخطه، والتقدير فيهما: وسع موضحة غيره، لكن على الكسر أبقي المضاف إليه على حاله، وعلى الفتح حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ويجوز فيها الرفع أيضًا على تقدير وسعها غيره.
(والجائفة كموضحة في التعدد) أي: يتعدد الأرش بعددها، حتى لو أجاف ثنتين ثم رفع الحاجز بينهما، أو تآكل ما بينهما، أو رفعه آخر.. فعلى ما سبق في الصور التي ذكرها في الإيضاح.
وقضية إطلاقه: أنه إذا وسعها غيره.. إيجاب جائفتين مطلقًا، وفيه تفصيل ذكره الأصحاب، فقالوا: إن أدخل السكين في جائفة غيره ولم يقطع شيئًا.. فلا ضمان عليه، ويعزر، وإن قطع شيئًا من الظاهر دون الباطن، أو بالعكس.. فعليه حكومة؛ لأنه جرح لم يكمل جائفة، وإن قطع من جانب بعض الظاهر، ومن جانب بعض
وَلَوْ نَفَذَتْ فِي بَطْنٍ وَخَرَجَتْ مِنْ ظَهْرٍ.. فَجَائِفَتَانِ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ أَوْصَلَ جَوْفَهُ سِنَانًا لَهُ طَرَفَانِ.. فَثِنْتَانِ، وَلَا يَسْقُطُ الأَرْشُ بِالْتِحَامِ مُوضِحَةٍ وَجَائِفَةٍ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ فِي الأُذُنَيْنِ دِيَةً لَا حُكُومَةً،
الباطن.. ففي "التتمة": أنه ينظر في ثخانة اللحم والجلد، ويقسط أرش الجناية على المقطوع من الجانبين، وقد يقتضي التقسيط تمام الأرش؛ بأن يقطع نصف الظاهر من جانب، ونصف الباطن من جانب، ولو لم يقطع من أطراف الجائفة شيئًا، ولكن زاد في غورها، أو كان قد ظهر عضو باطن، كالكبد فغرز السكين فيه.. فعليه الحكومة.
(ولو نفذت في بطن وخرجت من ظهر.. فجائفتان في الأصح) لأنه جرحه جراحتين نافذتين إلى الجوف، والثاني: واحدة، لأن الثانية نفذت إلى الظاهر من الباطن، والجائفة عكس ذلك، لكن تجب معها حكومة على الأصحِّ، لأجل النفوذ من الجانب الآخر.
(ولو أوصل جوفه سنانًا له طرفان) والحاجز بينهما سليم (.. فثنتان) لأن كل طرف منه واصل إلى الجوف، فيصدق اسم الجائفة على كل واحد منهما.
وكان ينبغي أن يقول: (ولو طعن جوفه بسنان له طرفان) لأن عبارته تصدق بما إذا أوصله من منفذ مفتوح.
(ولا يسقط الأرش بالتحام موضحة وجائفة) لأن مبنى الباب على اتباع الاسم وقد وجد، وسواء بقي شين أم لا على الصحيح.
(والمذهب: أن في الأذنين) قطعًا وقلعًا (دية لا حكومة) لحديث عمرو بن حزم: "وفِي الأُذُنِ خَمْسُونَ مِنَ الإبِلِ" رواه الدارقطني والبيهقي 1.
ولأنهما عضوان فيهما جمال ومنفعة، فوجب أن تكمل فيهما الدية كاليدين، وفي وجه أو قول مخرج: تجب فيهما الحكومة كالشعور.
ومحل الاقتصار على الدية: إذا لم يحصل مع استئصالهما إيضاح، فلو أوضح العظم.. وجب مع الدية أرش موضحة.
وَبَعْضٌ بقِسْطِهِ، وَلَوْ أَيْبَسَهُمَا.. فَدِيَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: حُكُومَةٌ، وَلَوْ قَطَعَ يَابِسَتَيْنِ.. فَحُكُومَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: دِيَةٌ. وَفِي كُلِّ عَيْنٍ نِصْفُ دِيَةٍ وَلَوْ عَيْنَ أَحْوَلَ وَأَعْمَشَ وَأَعْوَرَ، وَكَذَا مَنْ بِعَيْنِهِ بَيَاضٌ لَا يَنْقُصُ الضَّوْءَ،
(وبعض بقسطه) لأن ما وجبت فيه الدية وجب في بعضه بالقسط كالإصبع، ويقدر بالمساحة.
وشمل قوله: (بعض) ما لو قطع إحداهما، وما لو قطع البعض من إحداهما، فلهذا لم يحتج أن يقول: وفي إحداهما نصفها؛ كما قاله في "المحرر" 1.
(ولو أيبسهما) بالجناية عليهما (.. فدية) كما لو ضرب يده فشلت، (وفي قول: حكومة) لأنه ليست المنفعة في حركة الأذن كالمنفعة في حركة اليد، وإنما منفعتها جمع الصوت، ومنع دخول الماء والهوام، وهي باقية.
(ولو قطع يابستين.. فحكومة، وفي قول: دية) هذا مبني على الخلاف قبلها؛ فإن قلنا هناك: تجب الدية [.. وجب الحكومة، كقطع اليد الشلاء، وإن قلنا: تجب الحكومة.. وجب هنا الدية] 2، لأن المنفعة المرعية إنما بطلت بالقطع.
(وفي كل عين نصف دية) لحديث عمرو بن حزم، صححه ابن حبان والحاكم 3، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع 4 (ولو عين أحول، وأعمش، وأعور) ونحوها؛ كأخفش، وأجهر، لشمول الخبر، ولبقاء المنفعة، ولا نظر إلى تفاوتها؛ كما لا نظر إلى قوة البطش والمشي، وضعفهما.
وقوله: (وأعور) قد يوهم أن العين العوراء فيها نصف الدية، وليس كذلك، وإنما هو في الأخرى السليمة، واحترز بذلك: عمن يقول: في عين الأعور كل الدية.
(وكذا من بعينه بياض لا ينقص الضوء) في كل عين له نصف دية، ويكون كالثآليل
فَإِنْ نَقَصَ.. فَقِسْطٌ، فَإِنْ لَمْ يَنْضَبطْ.. فَحُكُومَةٌ. وَفِي كُلِّ جَفْنٍ رُبعٌ دِيَةٍ وَلَوْ لِأعْمَى، وَمَارِنٍ دِيَةٌ. وَفِي كُلٍّ مِنْ طَرَفَيْهِ والْحَاجِزِ ثُلُثٌ، وَقِيلَ: فِي الْحَاجِزِ حُكُومَةٌ، وَفِيهِمَا دِيَةٌ
في اليد والرجل، وسواء على بياض الحدقة وسوادها، (فإن نقص) الضوء وأمكن ضبط النقص بالاعتبار بالصحيحة التي لا بياض فيها (.. فقسط) أي: يجب من الدية بقسط ما بقي، (فإن لم ينضبط.. فحكومة) بخلاف عين الأعمش.
والفرق: أن البياض نقص الضوء الذي كان في أصل الخلقة، وعين الأعمش لم ينقص ضوؤها عما كان في الأصل.
(وفي كل جفن ربع دية) لأن في الكل الدية؛ لأن فيها جمالًا ومنفعة؛ لصيانة العين عما يؤذيها، ففي الواحد ربعها (ولو لأعمى) لأن له بها منفعة وجمالًا وإن كانت منفعة البصير بها أعم.
(ومارن دية) لحديث عمرو بن حزم: "وَفِي الأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ.. الدِّيَةُ" صححه ابن حبان والحاكم 1، وحمل على المارن؛ لما روى الشافعي عن طاووس أنه قال: عندي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: "وَفِي الأَنْفِ إِذَا قُطِعَ مَارِنُهُ.. مِئَةٌ مِنَ الإبِلِ" 2، والمارن: ما لان من الأنف وخلا من العظم، فيشمل الطرفين والحاجز بينهما.
(وفي كل من طرفيه والحاجز ثلث) توزيعًا للدية على المنخرين والحاجز، (وقبل: في الحاجز حكومة، وفيهما دية) لأن الجمال وكمال المنفعة فيهما دون الحاجز، وهذا ما حكياه عن النص، وابن سُريج، وأبي اسحاق، وتصحيح البغوي 3، ولو قطع المارن وبعض القصبة.. اندرجت الحكومة في الدية على الصحيح في "الروضة"، لكن قال في "المهمات": إن الشافعي نص في "الأم" على إيجاب الحكومة، وإن الفتوى عليه 4.
وَكُلِّ شَفَةٍ نِصْفٌ، وَلِسَانٍ وَلَوْ لِألْكَنَ وَأَرَتَّ وَأَلْثَغَ وَطِفْلٍ دِيَةٌ، وَقِيلَ: شَرْطُ الطِّفْلِ ظُهُورُ أَثَرِ نُطْقٍ بِتَحْرِيكِهِ لِبُكَاءٍ وَمَصٍّ، وَلِأخرَسَ حُكُومَةٌ،
(وكل شفة نصف) سواء العليا والسفلى؛ لحديث عمرو بن حزم، صححه ابن حبان والحاكم 1.
وفي بعض نسخ الكتاب: (وهي في عرض الوجه إلى الشدقين، وفي طوله ما يستر اللثة على الأصحِّ)، وكذا قاله في "المحرر" 2، وعن نسخة المصنف أنه ذكرها ثم ضرب عليها.
(ولسان) ناطق (ولو لألكن، وأرت، والثغ، وطفل دية) لإطلاق حديث عمرو بن حزم: "وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ" صححه ابن حبان والحاكم 3.
وقضيته: وجوب الدية ولو كان فاقد الذوق، لكن جزم الماوردي بالحكومة كالأخرس 4.
(وقيل: شرط الطفل ظهور أثر نطق بتحريكه لبكاء ومص) فإن لم يظهر؛ لقطعه ساعة ولادته.. فحكومة؛ لأن سلامته غير متيقنة، والأصل براءة الذمة، قال الرافعي: (وحكى الإمام قطع الأصحاب به، والذي يوجد في كتب عامة الأصحاب: وجوب الدية؛ أخذًا بظاهر السلامة؛ كما تجب الدية في يده ورجله وإن لم يكن بطش في الحال).
انتهى 5، وقد جزم الرافعي في (باب القصاص) بأنه يقطع لسان المتكلم بلسان الرضيع إن ظهر فيه أثر النطق بالتحريك عند البكاء وغيره، وإلا.. لم يقطع، قال: وإن بلغ أوان التكلم ولم يتكلم.. لم يقطع به لسان المتكلم 6.
(ولأخرس حكومة) لأن فيه جمالًا بدون منفعة يحتفل بها؛ إذ أعظم منافعه التعبير عما في القلب وهو مفقود، فأشبه اليد الشلاء، وهذا إذا لم يذهب بقطعه الذوق، أو
وَكُلِّ سِنٍّ لِذَكَرٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ، سَوَاءٌ كَسَرَ الظَّاهِرَ مِنْهَا دُونَ السِّنْخِ أَوْ قَلَعَهَا بِهِ. وَفِي سِنٍّ زَائِدَةٍ حُكُومَةٌ، وَحَرَكَةُ السِّنِّ إِنْ قَلَّتْ.. فَكَصَحِيحَةٍ،
كان ذاهب الذوق، فأما إذا قطع لسان أخرس فذهب ذوقه.. وجبت الدية؛ لذهاب الذوق.
(وكل سن) أصلية (لذكر حر مسلم خمسة أبعرة) لحديث عمرو بن حزم: "وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ" صححه ابن حبان والحاكم 1.
وخرج بالذكر: المرأة؛ ففي سنها بعيران ونصف، وبالحر: العبد؛ فيجب في سنه نصف عشر قيمته، وبالمسلم: الكافر، ففي سنه نصف عشر دية صاحبه.
ولو عبر المصنف بنصف عشر دية صاحبه.. لتناول جميع الصور، واستفيد به التغليظ والتخفيف.
ويستثنى من إطلاقه: ما لو انتهى صغر السن إلى الا يصلح للمضغ.. فليس فيها إلا حكومة.
(سواء كسر الظاهر منها دون السنخ، أو قلعها به) لأنه تابع فأشبه الكف مع الأصابع.
والسنخ: بكسر السين، ثم نون ساكنة، ثم خاء معجمة: أصل السن المستتر باللحم.
وقضيته: أنه لو تحركت السليمة وهي باقية في موضعها، ولكن أذهبت الجناية جميع منافعها.. عدم وجوب الدية، لكن صرح الماوردي بوجوب الدية بذلك 2، وذهاب جميع منافعها مع بقائها مستبعد؛ فإن منفعة الجمال، وحبس الطعام والريق موجودة مع بقائها.
(وفي سن زائدة حكومة) كالإصبع الزائدة، (وحركة السن إن قلت.. فكصحيحة) في وجوب القصاص والأرش.
وَإِنْ بَطَلَتِ الْمَنْفَعَةُ.. فَحُكُومَةٌ، أَوْ نَقَصَتْ.. فَالأَصَحُّ: كَصَحِيحَةٍ. وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ صَبِيٍّ لَمْ يُثْغَرْ فَلَمْ تَعُدْ وَبَانَ فَسَادُ الْمَنْبتِ.. وَجَبَ الأَرْشُ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ.. فَلَا شَيْءَ، وَأَنَّهُ لَوْ قَلَعَ سِنَّ مَثْغُورٍ فَعَادَتْ.. لَا يَسْقُطُ الأَرْشُ، وَلَوْ قُلِعَتِ الأَسْنَانُ.. فَبِحِسَابِهِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَزِيدُ عَلَى دِيَةٍ إِنِ اتَّحَدَ جَانٍ وَجِنَايَةٌ
(وإن بطلت المنفعة.. فحكومة) فقط، للشين، ولعل المراد: منفعة المضغ لا كل منفعة؛ إذ إبطال كل المنافع مع بقائها بعيد كما مر، (أو نقصت.. فالأصح: كصحيحة) فيجب الأرش؛ لبقاء الجمال، وأصل النفع بها في المضمغ، وحفظ الطعام، ورد الريق، ولا أثر لضعفها؛ كضعف البطش والمشي، والثاني: لا، بل الواجب الحكومة؛ لنقصان المنفعة؛ كاليد الشلاء.
وكان ينبغي التعبير: بالأظهر؛ كما في "الروضة" و"أصلها"؛ فإن الخلاف قولان منصوصان في "الأم" 1.
(ولو قلع سن صبي لم يثغر فلم تعد) بعد أوان العود (وبان فساد المنبت.. وجب الأرش) كسن المثغور، فلو عادت.. لم يجب الأرش، بل الحكومة إن بقي شين، وإلا.. فلا، (والأظهر: أنه لو مات قبل البيان) أي: قبل تبين حال طلوعها وعدمه (.. فلا شيء) لأن الأصل براءة الذمة، والظاهر: أنه لو عاش.. لعادت، والثاني: يجب الأرش؛ لتحقق الجناية، وا لأصل عدم العود، وعلى الأول: تجب الحكومة، خلافًا لما يوهمه كلام "الكتاب".
(وأنه لو قلع سن مثغور فعادت.. لا يسقط الأرش) لأن العائد نعمة جديدة، والثاني: نعم؛ لأن متعلق الأرش فساد المنبت مع القلع، وقد بأن أنه لم يفسد.
(ولو قلعت الأسنان.. فبحسابه) فيجب لكل سن خمس من الإبل؛ للحديث السابق 2، وهي تزيد غالبًا على قدر الدية، فتجب مئة وستون بعيرًا إذا كان كامل الأسنان، وهي اثنان وثلاثون سنًّا، (وفي قول: لا يزيد على دية إن اتحد جان وجناية) لأن الأسنان جنس متعدد من الأجزاء والأطراف فأشبهت الأصابع وسائر الأعضاء.
وَكُلِّ لَحْيٍ نِصْفُ دِيَةٍ، وَلَا يَدْخُلُ أَرْشُ الأَسْنَانِ فِي دِيَةِ اللَّحْيَيْنِ فِي الأَصَحِّ
وفرق الأول: بأنا إنما اعتبرنا الأسنان في أنفسها وإن زاد أرشها على الدية؛ لأنها يختلف نباتها ويتقدم ويتأخر، فاحتيج إلى اعتبارها في أنفسها، بخلاف الأصابع؛ فإنها متساوية متفقة في النبات، فقسطت الدية عليها.
واحترز بقوله: (إن اتحد) عما لو تعدد الجاني؛ بأن قلع عشرين، وقلع آخر الباقي.. لزم الأول مئة، والثاني ستون قطعًا.
وإن تعددت الجناية؛ بأن قلع البعض ثم عاد وقلع الباقي بعد الاندمال؛ أي: بأن برأت اللثة وزال الالم.. لزمه مئة وستون قطعًا، وإن قلع الباقي قبل الاندمال.. فعلى القولين.
وقضية إطلاق المصنف: أنه لو زادت الأسنان على اثنين وثلاثين.. يجب لكل سن خمس من الإبل.
وفي المسألة وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: لا تجب للزائد إلا حكومة، ولم يرجحا شيئًا.
(وكل لحي نصف دية) أي: ففي اللحيين الدية؛ لأن فيهما جمالًا ومنفعة، فوجبت فيهما الدية، وفي أحدهما نصفها؛ كالأذنين.
واللحيان: هما العظمان اللذان ينبت عليهما الأسنان السفلى، ويجتمع مقدمهما في الذقن، ومؤخرهما في الأذن.
(ولا يدخل أرش الأسنان في دية اللحيين في الأصح) إذا كان عليهما الأسنان، بل تجب دية اللحيين وأرش الأسنان؛ لأن كل واحد من العضوين مستقل برأسه، لكل واحد منهما بدل مقدر، فلا يدخل أحدهما في الآخر؛ كالأسنان واللسان، والثاني: يدخل، كما تدخل حكومة الكف في دية الأصابع.
وفرق الأول: بأن اسم اليد يشمل الكف والأصابع، ولا يشمل اسم اللحيين الأسنان؛ ولأن اللحيين كاملان في الخلق قبل الأسنان بدليل الطفل، بخلاف الكف مع الأصابع؛ لأنهما كالعضو الواحد.
وَكُلِّ يَدٍ نِصْفُ دِيَةٍ إِنْ قَطَعَ مِنْ كَفٍّ، وَإِنْ قَطَعَ فَوْقَهُ.. فَحُكُومَةٌ أَيْضًا، وَكُلِّ إِصبَعٍ عَشَرَةُ أَبْعِرَةٍ، وَأَنْمُلَةٍ ثُلُثُ الْعَشَرَةِ، وَأَنْمُلَةِ إِبْهَامٍ نِصْفُهَا، وَالرِّجْلَانِ كَالْيَدَيْنِ. وَفِي حَلَمَتَيْهَا دِيَتُهَا،
(وكل يد نصف دية إن قطع من كف) لحديث عمرو بن حزم: "وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ" رواه أبو داوود 1، ونقل ابن المنذر فيه الإجماع 2، وإنما حملنا اليد في الخبر على الكف؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وقطع عليه الصلاة والسلام من مفصل الكف، فدل على أنها اليد لغة وشرعًا.
(وإن قطع فوقه) أي: الكف (.. فحكومة أيضًا) مع دية اليد؛ لأنه تجاوز القدر فيضمن بدله؛ كما لو انفرد بالقطع؛ ولأن ما فوق الكف ليس بتابع، وليس فيه أرش مقدر، بخلاف الكف مع الأصابع؛ لأنهما كالعضو الواحد.
(وكل إصبع) من اليد من صاحب الدية الكاملة (عشرة أبعرة) لحديث عمرو بن حزم، صححه ابن حبان والحاكم 3.
(وأنملة ثلث العشرة) بالإجماع؛ كما نقله ابن المنذر 4، (وأنملة إبهام نصفها) عملًا بالتقسيط.
(والرجلان كاليدين) فيما سبق، ففيهما كمال الدية، وفي أحدهما: نصفها؛ لحديث عمرو بن حزم، صححه ابن حبان والحاكم 5.
وتكمل ديتهما بالتقاط أصابعهما، والقدم كالكف، والساق كالساعد، والفخذ كالعضد، وأناملهما كأنامل أصابع اليدين.
(وفي حلمتيها) وهما رأس ثدييها (ديتها) وفي إحداهما نصفها؛ لما فيهما من منفعة الإرضاع وجمال الثدي؛ كما أن منفعة اليد بالأصابع، وسواء ذهبت منفعة الإرضاع أم بقيت.
وَحَلَمَتَيْهِ حُكُومَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: دِيَةٌ، وَفِي أُنْثَيَيْنِ دِيَةٌ، وَكَذَا ذَكَرٌ وَلَوْ لِصَغِيرٍ وَشَيْخٍ وَعِنِّينٍ. وَحَشَفَةٌ كَذَكَرٍ، وَبَعْضُهَا بِقِسْطِهِ مِنْهَا، وَقِيلَ: مِنَ الذَّكَرِ،
(وحلمتيه حكومة) لأنه ليس فيه منفعة الرضاع، فهو إتلاف جمال فقط، (وفي قول: دية) أي: دية رجل، للقاعدة: أن كل ما وجب فيه الدية من المرأة.. وجبت فيه من الرجل؛ كاليدين، قال الروياني: وليس للرجل ثدي وإنما هي قطعة لحم من صدره.
(وفي أنثيين دية، وكذا ذكر) لحديث عمرو بن حزم: "وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ" صححه ابن حبان والحاكم 1.
(ولو لصغير، وشيخ، وعنين) وخصي، لإطلاق الخبر المذكور، ولأن ذكر الخصي سليم، وهو قادر على الإيلاج، وإنما الفائت الإيلاد، وأيضًا العنة عيب في غير الذكر، لأن الشهوة في القلب، والمني في الصلب، وليس الذكر بمحل لأحدهما، فكان سليمًا من العيب، بخلاف الأشل.
(وحشفة كذكر) فتجب فيها دية، لأن ما عداها من الذكر تابع لها، كالكف مع الأصابع، فمعظم منافع الذكر وهو لذة المباشرة تتعلق بها، وأحكام الوطء تدور عليها، (وبعضها بقسطه منها) لأن الدية تكمل بقطعها، فقسطت على أبعاضها، (وقيل: من الذكر) لأنه المقصود بكمال الدية، فإن كان المقطوع نصفها وهو سدس الذكر.. وجب نصف الدية على الأول، وسدسها على الثاني.
هذا إذا لم يختل مجرى البول، فإن اختل.. فعليه أكثر الأمرين من قسط الدية وحكومة فساد المجرى، نقلاه عن المتولي، وأقراه 2، وقاله البَنْدَنيجي أيضًا، قال الأَذْرَعي: وفي "البيان" عن النص ما يوافقه، ونقله الزركشي عن نص "الأم"، وتعقبه البُلْقيني بأن القطعة من الحشفة التي لها الحصة المعلومة لا تدخل في الحكومة، بل يجب أرشها بالنسبة على ما سبق، وتجب لفساد المجرى حكومة.
وَكَذَا حُكْمُ بَعْضِ مَارِنٍ وَحَلَمَةٍ، وَفِي الأَلْيَيْنِ الدِّيَةُ، وَكَذَا شُفْرَاهَا، وَكَذَا سَلْخُ جِلْدٍ إِنْ بَقِيَ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وَحَزَّ غَيْرُ السَّالِخِ رَقَبَتَهُ.
فَرْعٌ [في موجب إزالة المنافع]
فِي الْعَقْلِ دِيَةٌ،
(وكذا حكم بعض مارن وحلمة) أي: والأصحّ: التوزيع على الحلمة والمارن فقط، ومقابله: على الأنف والثدي.
(وفي الأليين الدية) وفي إحداهما نصفها؛ لما فيهما من الجمال والمنفعة في الركوب، والقعود، وسواء في ذلك الرجل والمرأة، وحدّهما ما أشرف على الظهر والفخذين.
(وكذا شفراها) لما فيهما من الجمال والمنفعة؛ إذ بهما يقع الالتذاذ بالجماع، وهما اللحم المحيط بالفرج إحاطة الشفتين بالفم، وقد عبر الشافعي عنهما بالإسكتين 1، وفرق الأزهري بينهما بأن الإسكتين ناحيتا الفرج، والشفرين طرفا الناحيتين 2.
(وكذا سلخ جلد) تجب فيه الدية؛ لأن في بقائه جمالًا ومنفعة ظاهرة، فهو كالشيء الذي ليس في البدن منه إلا واحدًا؛ كاللسان، والذكر (إن بقي حياة مستقرة وحز غير السالخ رقبته) أو مات بسبب آخر، فإن مات بسبب السلخ، أو حز السالخ رقبته.. فالواجب: دية النفس إن عفا عن القود.
(فرع) في إزالة المنافع، ويشتمل على ثلاثة عشر شيئًا؛ كما تقف عليه.
(في العقل دية) بالإجماع؛ كما حكاه ابن المنذر 3؛ ولأنه أشرف الحواس، ولا يجب القصاص فيه على المذهب؛ لاختلاف الناس في محله هل هو القلب، أو
فَإِنْ زَالَ بِجُرْحٍ لَهُ أَرْشٌ أَوْ حُكُومَةٌ.. وَجَبَا، وَفِي قَوْلٍ: يَدْخُلُ الأَقَلُّ فِي الأَكْثَرِ،
الدماغ، أو مشترك بينهما؟ والأكثرون على الأول، وقيل: مسكنه الدماغ، وتدبيره في القلب.
وأطلق العقل، وقال الماوردي: إنما تجب الدية في العقل الغريزي الذي يتعلق به التكليف، وهو العلم بالمدركات الضرورية، فأما العقل المكتسب الذي هو حسن التقدير، وإصابة التدبير.. فلا دية فيه مع بقاء العقل الغريزي، بل فيه حكومة لا تبلغ بها دية الغريزي 1.
وإنما تجب الدية في العقل إذا قال أهل الخبرة: لا يعود، أما إذا توقعوا عوده.. فإنه يوقف، فإن مات قبل العود.. ففي الدية وجهان؛ كما إذا قلع سن مثغور فمات قبل أن يعود، كذا نقلاه عن المتولي، وأقراه 2.
وقولهما: (سن مثغور) صوابه: غير مثغور، وعبارة "التتمة": سن من لم يثغر.
هذا في زواله بالكلية، فلو زال بعضه؛ فإن أمكن الضبط بالزمان وغيره؛ كأن صار يجن يومًا ويفيق يومًا.. وجب قسط الزائل، فيجب نصف الدية، وإلا.. فحكومة.
(فإن زال) العقل (بجرح له أرش) مقدر؛ كالموضحة، واليد، والرجل (أو حكومة.. وجبا) أي: دية العقل، وأرش الجناية أو حكومتها، ولا يندرج الأرش في دية العقل؛ لأنها جناية أبطلت منفعة غير حالة في محل الجناية، فصار كما لو أوضحه فذهب بصره، (وفي قول: ) قديم (يدخل الأقل في الأكثر) فإن كانت دية العقل أكثر؛ كأن أوضحه فزال عقله.. دخل فيها أرش الموضحة، وإن كان أرش الجناية أكثر؛ بأن قطع يديه ورجليه فزال عقله.. دخل فيه دية العقل؛ لأن ذهابه يعطل منافع سائر الأعضاء، فأشبه ذهاب الروح، كذا علله الرافعي 3.
وَلَوِ ادُّعِيَ زَوَالُهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَظِمْ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ فِي خَلَوَاتِهِ.. فَلَهُ دِيَةٌ بِلَا يَمِينٍ. وَفِي السَّمْعِ دِيَةٌ، وَمِنْ أُذُنٍ نِصْفٌ،
وكان مقتضى التشبيه بالروح: دخول الأرش في دية العقل.
وإن كان الأرش أكثر، حتى لو قطع يديه ورجليه فذهب عقله.. لا تجب إلا دية واحدة؛ كما لو مات.
وأفهم كلام المصنف: أنه لو زال بما لا أرش فيه ولا حكومة؛ كاللطمة.. تجب دية العقل فقط، وهو كذلك.
نعم؛ يعزر على الأصحِّ.
(ولو ادُّعي زواله) وأنكر الجاني ونسبه إلى التجانن (فإن لم ينتظم قوله وفعله في خلواته.. فله دية بلا يمين) لأنه لا تجانن في الخلوات، ولأن يمينه تثبت جنونه، والمجنون لا يحلف.
نعم؛ لو كان الاختلاف فيمن يجن وقتًا ويفيق وقتًا.. حلفناه في زمن إفاقته؛ كما ذكره في "الكفاية" 1، وإن انتظم قوله وفعله.. صدق الجاني بيمينه، وإنما يحلف؛ لاحتمال أنهما صدرا اتفاقًا، أو جريًا على عادته.
وقول المصنف: (ولو ادعي زواله) ينبغي أن يقرأ منيبًا لما لم يسم فاعله؛ أي: ادعى ذلك من له ولاية الدعوى، وهو الولي، لكن في "العجالة" بعد قول المصنف: (ولو ادعى) يعني: المجني عليه 2، ولا يصح ذلك؛ إذ كيف يدعي وهو مجنون؛ لأن المجنون لا تصح دعواه.
(وفي السمع دية) لأنه من أشرف الحواس، فكان كالبصر، بل قيل: إنه أفضل منه؛ لأن به يدرك الفهم، وقيل: عكسه؛ لأن به يدرك الأعمال، ونقل عن أكثر المتكلمين، هذا إذا ذهب، فلو لم يذهب ولكن ارتتق بالجناية داخل الأذن ارتقاقًا لا وصول إلى زواله.. فالأصحُّ: وجوب حكومة لا دية.
(ومن أذن نصف) أي: نصف دية، لا لتعدد السمع، ولكن ضبط النقصان
وَقِيلَ: قِسْطُ النَّقْصِ، وَلَوْ أَزَال أُذُنَيْهِ وَسَمْعَهُ.. فَدِيَتَانِ، وَلَوِ ادَّعَى زَوَالَهُ وَانْزَعَجَ لِلصِّيَاحِ فِي نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ.. فَكَاذِبٌ، وَإِلَّا.. حَلَفَ وَأَخَذَ دِيَةً، وَإِنْ نَقَصَ.. فَقِسْطُهُ إِنْ عُرِفَ،
بالمنفذ أولى وأقرب من ضبطه بغيره، (وقيل: قسط النقص) من الدية فيعتبر ما نقص من السمع بحالة الكمال على ما سيأتي، قال الرافعي: (وقد يقال: تجب فيه حكومة، وذلك؛ لأن السمع واحد، وإنما التعدد في المنفذ، بخلاف ضوء البصر؛ فإن تلك اللطيفة متعددة، ومحلها الحدقة) 1.
(ولو أزال أذنيه وسمعه.. فديتان) لأن محل السمع غير محل القطع، فلم يتداخلا؛ كما لو أوضحه فعمي.
(ولو ادعى زواله، وانزعج للصياح في نوم وغفلة.. فكاذب) لأن ذلك يدل على التصنع، ويجب مع ذلك تحليف الجاني: إن سمعه لَباقٍ؛ لاحتمال أن يكون انزعاجه اتفاقًا، أو بسبب آخر، ولا يكفيه أن يحلف: إن سمعه لم يذهب بجنايته؛ لأن الحلف في ذهاب السمع وبقائه، لا في ذهابه بجناية غيره، ولا يختص الانزعاج بالصياح، بل الرعد وطرح شيء له صوت من علو كذلك، وقيد الماوردي الصياح بصوت مزعج مهول يتضمن إنذارًا وتحذيرًا، قال: ويكرر ذلك من جهات، وفي أوقات الخلوات حتى يتحقق زوال السمع بها 2.
(وإلا) أي: وإن لم يظهر أثر (.. حلف وأخذ دية) لأن السمع لا يرى، ولا يعلم ذهابه، وليس للبينة فيه مدخل، فتعين المصير إلى ما ذكرناه؛ لأن به يعرف وجوده من عدمه، وإذا ثبت زواله.. قال الماوردي: يراجع عدول الأطباء؛ فإن نفوا عوده.. وجبت الدية في الحال، وإن جوزوا عوده إلى مدة معينة.. انتظرت؛ فإن عاد فيها.. لم تجب الدية، وإلا.. وجبت 3، ولو ادعى ذهاب سمع إحدى أذنيه.. حشيت السليمة، وامتحن في الأخرى على ما سبق.
(وإن نقص) سمعه (.. فقسطه إن عرف) قدر ما ذهب؛ بأن كان يسمع من
وَإِلَّا.. فَحُكُومَةٌ بِاجْتِهَادِ قَاضٍ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ سَمْعُ قَرْنِهِ فِي صِحَّتِهِ، وَيُضْبَطُ التَّفَاوُتُ. وَإِنْ نَقَصَ مِنْ أُذُنٍ.. سُدَّتْ وَضُبِطَ مُنْتَهَى سَمَاعِ الأُخْرَى ثُمَّ عُكِسَ وَوَجَبَ قِسْطُ التَّفَاوُتِ. وَفِي ضَوْءِ كُلِّ عَيْنٍ نِصفُ دِيَةٍ، فَلَوْ فَقَأَهَا.. لَمْ يَزِدْ، وَإِنِ ادَّعَى زَوَالَهُ.. سُئِلَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ،
موضع فصار يسمع من دونه، وطريق معرفته: أن يحدثه شخص ويتباعد إلى أن يقول: لا أسمع، فيعلي الصوت قليلًا، فإن قال: أسمع.. عرف صدقه، ثم يعمل كذلك من جهة أخرى؛ فإن اتفقت المسافتان.. ظهر صدقه، ثم ينسب ذلك من مسافة سماعه قبل الجناية إن عرفت، ويجب بقدره من الدية.
(وإلا) أي: وإن لم يعرف مقدار الذاهب، ولكن نقص سمعه وثقل (.. فحكومة باجتهاد قاض) لأنه لا يمكن تقديره، (وقيل: يعتبر سمع قرنه) بفتح القاف وسكون الراء: من له مثل سنه (في صحته، ويضبط التفاوت) (وطريقه؛ بأن يجلس إلى جانب المجني عليه، ويؤمر من يرفع صوته، ويناديهما من مسافة بعيدة لا يسمعه واحد منهما، ثم يقرب المنادي شيئًا فشيئًا إلى أن يقولط السليم: (سمعت)، فيعلم على الموضع، ثم يديم المنادي ذلك الحد من رفع الصوت، ويقرب إلى أن يقول المجني عليه: (سمعت)، فيضبط ما بينهما من التفاوت، وإنما قدر النقصان بالمسافة؛ لأنه لا سبيل إلى إلغاء قول المجني عليه مع وجود الجناية، ولا إلى قبول قوله مع إمكان طريق يغلب على الظن صدقه.
(وإن نقص من أذن.. سدت وضبط منتهى سماع الأخرى، ثم عكس، ووجب قسط التفاوت) أي: يضبط ما بينهما من التفاوت، ويؤخذ قسطه من الدية، فإن لم ينضبط.. فالواجب: الحكومة.
(وفي ضوء كل عين نصف دية) لأن منفعة العين النظر، فذهابه كالشلل في اليد.
(فلو فقأها.. لم يزد) كما لو قطع يده، بخلاف ما لو قطع أذنه فذهب سمعه، والفرق: أن السمع ليس في الأذنين، وإنما مقره الرأس، بخلاف البصر.
(وإن ادعى) المجني عليه (زواله) أي: زوال البصر وأنكر الجاني (.. سئل أهل الخبرة) فإنهم إذا وقفوا الشخص في مقابلة عين الشمس، ونظروا في عينه..
أَوْ يُمْتَحَنُ بِتَقْرِيبِ عَقْرَبٍ أَوْ حَدِيدَةٍ مِنْ عَيْنِهِ بَغْتَةً، وَنُظِرَ هَلْ يَنْزَعِجُ؟ وَإِنْ نَقَصَ.. فَكَالسَّمْعِ. وَفِي الشَّمِّ دِيَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي الْكَلَامِ دِيَةٌ،
عرفوا أن الضوء ذاهب أم موجود، بخلاف السمع لا يراجعون فيه؛ إذ لا طريق لهم إليه.
(أو يمتحن بتقريب عقرب أو حديدة من عينه بغتة، ونظر هل ينزعج؟ ) فإن انزعج.. صدق الجاني بيمينه، وإلا.. فالمجني عليه.
وقضية كلامه - تبعًا لـ "المحرر" -: التخيير بين الأول والثاني، وبه قال المتولي، وجعل ذلك في "أصل الروضة" خلافًا فقال: وجهان، أحدهما -وهو نصه في "الأم"-: يراجع أهل الخبرة... إلى آخره، والثاني: يمتحن بتقريب حديدة... إلى آخره 1، قال الأَذْرَعي: وقضية كلام الرافعي: ترجيح الأول، وبه أجاب العراقيون، وهو المذهب.
(وإن نقص.. فكالسمع) فإن عرف قدره؛ بأن كان يرى الشيء من مسافة فصار لا يراه إلا من بعضها.. وجب القسط من الدية، وإن لم يعرف.. وجبت حكومة، وإن نقص من عين.. فيمتحن ويجب القسط.
(وفي الشم دية على الصحيح) لأنه من الحواس النافعة، فكملت فيه الدية؛ كالسمع، والثاني: لا، بل حكومة دون الدية؛ لأنه ضعيف النفع، فإن منفعته إدراك الروائح والأنتان أكثر من الطيبات، فيكون التأذي أكثر من التلذذ، وعلى الصحيح: ففي ذهابه من أحد المنخرين نصف الدية، ولو نقص الشم.. وجب بقسطه من الدية إن أمكن معرفته، وإلا.. فالحكومة، ولو أنكر الجاني زواله.. امتحن المجني عليه في غفلاته بذي ريح حاد؛ فإن هش للطيب، وعبس للمنتن.. صدق الجاني بيمينه، وإلا.. فالمجني عليه، ولو قطع أنفه فذهب شمه.. فديتان؛ كما في السمع؛ لأن الشم لا يحل الأنف.
(وفي الكلام دية) لأن اللسان عضو مضمون بالدية، وأعظم منافعه النطق فضمن بها؛ كالبطش في اليد، وإنما تؤخذ الدية إذا قال أهل الخبرة: لا يعود نطقه؛ فإن