بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 28-67

فِي الأَصَحِّ. وَفِي الصُّورَتينِ إِنَّمَا يَقْتَصُّ الإِمَامُ بِطَلَبِ الْوَارِثِ. وَالأَظْهَرُ: قَتْلُ مُرْتَدٍّ بِذِمِّيٍّ وَبِمُرْتَدٍّ، لَا ذِمِّيٍّ بِمُرْتَدٍّ. وَلَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِمَنْ فِيهِ رِقٌّ،

لا يسقط القصاص (في الأصح) للتكافئ في حالة الجرح المفضي إلى الهلاك، والثاني: يسقط؛ نظرًا لحالة الزهوق.
والخلاف في قصاص النفس، أما لو قطع طرفًا ثم أسلم القاطع ثم سري.. وجب قصاص الطرف قطعًا.
(وفي الصورتين) وهما إذا طرأ إسلام للقاتل بعد القتل أو بعد الجرح (إنما يقتص الإمام بطلب الوارث) ولا يفوضه إليه تحرزًا من تسليط الكافر على المسلم، اللهم إلا أن يسلم فيفوضه إليه.
(والأظهر: قتل مرتد بذمي) سواء عاد إلى الإسلام أم لا؛ كما قاله في "الأم" 1؛ لاستوائهما في الكفر، فكانا كالذميين، بل المرتد أسوأ حالًا من الذمي؛ إذ لا تحل ذبيحته ولا مناكحته، ولا يقر بجزية، والذمي بخلافه، والثاني: لا؛ لبقاء علقة الإسلام فيه، بدليل قضاء الصوم والصلاة، ويؤيده ما صححه في "الروضة" في (كتاب البيع): أنه لا يباع العبد المرتد للذمي 2. (و) الأظهر: قتل مرتد (بمرتد) لتساويهما؛ كما لو قتل الذمي ذميًّا، والثاني: لا؛ لأن المرتد مباح الدم.
(لا ذميٍّ بمرتد) لأنه مهدر؛ كالحربي، وقتل معصوم بمهدر بعيد، والثاني: نعم؛ لأن الذمي يقتله عنادًا لا تدينًا، فأشبه ما لو قتل مسلمًا، فعلى هذا: يستوفيه الإمام، وقيل: قريبه المسلم الذي كان يرثه لولا الردة.
(ولا يقتل حرٌّ بمن فيه رق) لقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ فاقتضى الحصر ألّا يقتل حرٌّ بعبد، وروى الدارقطني عن ابن عباس مرفوعًا: "لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ" 3،

وَيُقْتَلُ قِنٌّ وَمُدَبَّرٌ وَمُكَاتَبٌ وَأُمُّ وَلَدٍ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. فَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا ثُمَّ عَتَقَ الْقَاتِلُ أَوْ عَتَقَ بَيْنَ الْجُرْحِ وَالْمَوْتِ.. فَكَحُدُوثِ إِسْلَامٍ. وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ لَوْ قَتلَ مِثْلَهُ.. لَا قِصَاصَ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ تَزِدْ حُرِّيَّةُ الْقَاتِلِ.. وَجَبَ

ولأن حرمة النفس أعظم من حرمة الأطراف، ولا يقطع طرف حرٍّ بطرف عبد اتفاقًا، فأولى ألّا يقتل به.
وحديث: "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ.. قَتَلْنَاهُ" 1، قال ابن المنذر: ليس بثابت، وعلى تقدير صحته فهو منسوخ؛ كما قاله البيهقي في "خلافياته".
(ويقتل قنّ ومدبر ومكاتب وأم ولد بعضهم ببعض) لتساويهم في الملك.
ويستثنى من إطلاقه المكاتب: ما لو قتل المكاتب عبده.. فلا يقتل به على المذهب وإن كان رقيقًا مثله؛ لأنه سيده، قال في "زيادة الروضة": وإذا أوجبناه.. استوفاه سيد المكاتب؛ لأنهما عبدان للسيد 2. (فلو قتل عبد عبدًا ثم عتق القاتل، أو عتق بين الجرح والموت.. فكحدوث إسلام) أي: فيما إذا قتل ذمي ذميًّا أو جرحه ثم أسلم، وقد تقدم.
(ومن بعضه حرّ لو قتل مثله.. لا قصاص) قطعًا إن كانت الحرية في القاتل أكثر.
(وقيل: إن لم تزد حرية القاتل.. وجب) سواء تساويا أو كانت حرية المقتول أكثر؛ لتساويهما في الحرية والرق في الصورة الأولى، وأما في الثانية.. فلأن المفضول يقتل بالفاضل، والأصحُّ: المنع؛ لأنه لا يقتل بعضه الحر ببعضه الحر، والرقيق بالرقيق، بل يقتل جميعه بجميعه، ولهذا لو كان القتل خطأً أو حصل العفو تفريعًا على وجوب القصاص ووجب نصف الدية، ونصف القيمة مثلًا.. لا نقول: نصف الدية في مال القاتل، ونصف القيمة في رقبته، بل يجب ربع الدية وربع القيمة في ماله، وربع الدية وربع القيمة في رقبته، وهذا متفق عليه، فلو وقع الاستيفاء شائعًا.. لزم قتل جزء الحر بجزء من الرقيق، وشبه هذا بما إذا باع شقصًا وسيفًا قيمة

وَلَا قِصَاصَ بَيْنَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ وَحُرٍّ ذِمِّيٍّ، وَلَا بقَتْلِ وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ وَلَا لَهُ، وَيُقْتَلُ بِوَالِدِيهِ. وَلَوْ تَدَاعَيَا مَجْهُولًا فَقَتَلَهُ أَحَدُهُمَا؛ فَإِنْ أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِالآخَرِ.. اقْتَصَّ، وَإِلَّا.. فَلَا

كل واحد عشرة بعبد وثوب قيمة كل واحد عشرة.. فإنا لا نجعل الشقص مثلًا في مقابلة العبد أو الثوب، بل المقابل له النصف من هذا، والنصف من ذاك.
(ولا قصاص بين عبد مسلم وحر ذمي) بأن قتل عبد مسلم حرًّا ذميًّا أو عكسه، وكذا إذا قتل كافر ابنه المسلم أو عكسه؛ لأنه لو وجب القصاص.. لقتلنا الكامل بالناقص، والفضائل لا تتقابل؛ ولهذا لا يقتل المبعض بمثله.
(ولا بقتل ولد وإن سفل) لحديث: "لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ" أخرجه الترمذي، وقال البيهقي في "المعرفة": إسناده صحيح، وصححه الحاكم 1، ولأن الوالد سبب لوجوده؛ فلا يكون الولد سببًا لإعدامه، وشمل كلامه الأب والأم والأجداد والجدات وإن علوا من قبل الأب والأم جميعًا.
(ولا له) أي: كما لا يقتل الوالد بولده لا يقتل له بطريق الأولى؛ كما لو قتل زوجته وله منها ولد أو قتل زوجة ابنه.
(ويقتل بوالديه) لأن سقوط القصاص عن الوالد للنص، وحرمة الولد ليست كذلك، وكذا سائر المحارم يقتل بعضهم ببعض، وقد صرح به في "المحرر" وأسقطه المصنف؛ لأنه مفهوم مما ذكره 2. ويستثنى من إطلاق المصنف: ما إذا اشترى المكاتب أباه وتكاتب عليه.. فإنه لا يقتل به على الأصحِّ في "أصل الروضة" 3. (ولو تداعيا مجهولًا فقتله أحدهما؛ فإن ألحقه القائف بالآخر.. اقتص) الملحق به؛ لثبوت أبوته وانقطاع نسبه عن القاتل، (وإلا.. فلا) أي: وإن لم يلحقه

وَلَوْ قَتلَ أَحَدُ الأَخَوَيْنِ الأَبَ وَالآخَرُ الأُمَّ مَعًا.. فَلِكُلٍّ قِصَاصٌ، ويُقَدَّمُ بِقُرْعَةٍ، فَإِنْ اقْتَصَّ بِهَا، أَوْ مُبَادِرًا.. فَلِوَارِثِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ قَتْلُ الْمُقْتَصِّ إِنْ لَمْ نُوَرِّثْ قَاتِلًا بِحَقٍّ، وَكَذَا إِنْ قَتَلَا مُرَتَّبًا وَلَا زَوْجِيَّةَ، وَإِلَّا.. فَعَلَى الثَّانِي فَقَطْ

بالآخر.. لم يقتص؛ لعدم ثبوت الأبوة.
وأورد عليه: ما لو ألحقه بغيرهما.. فإنه يجب القصاص مع أنه يصدق أنه لم يلحقه بالآخر، وهو صحيح إن قرئ (اقتص) بضم الهمزة، فإن قرئ بكسرها.. فلا يرد 1. (ولو قتل أحد أخوين) شقيقين مستغرقين (الأب، والآخر الأم معًا.. فلكل قصاص) على أخيه؛ لأنه قتل مورثه، فإن عفى أحدهما.. فللمعفو عنه أن يقتص من العافي، والاعتبار في المعية والترتيب بزهوق الروح لا بالجرح.
(ويقدم) للقصاص (بقرعة)، (فإن اقتص بها) أي: بالقرعة (أو مبادرًا) أي: قبل القرعة (.. فلوارث المقتص منه فتل المقتص إن لم نورث قاتلًا بحق) (وهو الأصحُّ؛ لثبوته عليه، فإن ورثناه، ولم يكن ثم من يحجبه.. سقط القصاص عنه؛ لأنه ورث القصاص المستحق على نفسه، فإن كان ثم من يحجبه؛ كأن يكون لذلك الأخ ابن.. فلوارث المقتص منه قتل المقتص وإن ورثنا القاتل بحق.
(وكذا إن قتلا مرتبًا، ولا زوجية) بين الأبوين فلكل واحد منهما حق القصاص على الآخر، وقضيته: أنه يقدم بالقرعة لكن رجح في "زوائد الروضة": أنه يبدأ بالقاتل الأول، ونقله الإمام عن الأصحاب 2. (وإلا) أي: وإن كانت الزوجية باقية بين الأبوين (.. فعلى الثاني فقط) (وسقط القصاص عن الأول؛ لأنه ورث من استحق قسطًا من قصاصه وهو الآخر، فإذا قتل أحدهما أباه أولًا ثم قتل الثاني أمه.. فلا قصاص على قاتل الأب؛ لأن قصاصه ثبت للأخ وللأم؛ لها ثمنه، وللأخ سبعة أثمانه، فإذا قتل الآخر أمه.. انتقل ما كان للأم إلى قاتل الأب؛ لأن قاتل الأم لا يرث منها، فينتقل إليه ثمن دمه، فيسقط القصاص

وَيُقْتَلُ الْجَمْعُ بِوَاحِدٍ، وَلِلْوَليِّ عَفْوٌ عَنْ بَعْضِهِمْ عَلَى حِصَّتِهِ مِنَ الدِّيَةِ بِاعْتِبَارِ الرُّؤُوسِ. وَلَا يُقْتَلُ شَرِيكُ مُخْطِئٍ وَشِبْهِ الْعَمْدِ،

في الجميع؛ لأنه لا يتبعض، ويجب عليه في ماله لأخيه سبعة أثمان الدية، ويرث جميع دم الأم، وله قتل أخيه الذي هو قاتل الأم، فلو قتل أحدهما الأم أولًا ثم قتل الثاني الأب.. انعكس الحكم، فيجب القصاص على قاتل الأب، ويسقط عن قاتل الأم.
(ويقتل الجمع بواحد) إذا كان فعلُ كلٍّ منهم لو انفرد.. لقَتَل، سواء قتلوه بمثقل أو بمحدد أو بغيرهما؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ أي: بالقصاص، ولأن عمر رضي الله عنه قتل نفرًا خمسة أو سبعة برجل قتلوه غيلة، وقال: (لو تمالأ عليه أهل صنعاء.. لقتلتهم جميعًا) رواه مالك 1، ولم ينكر عليه فصار إجماعًا، وعن القديم: أنه يقتل واحدًا منهم، ويأخذ حصة الباقين من الدية، ولا يقتل الجميع، ويكفي في الزجر كون كل واحد منهم خائفًا من القتل.
(وللولي عفو عن بعضهم على حصته من الدية باعتبار الرؤوس) سواء كانت جراحة بعضهم أفحش أو أكثر أو لا؛ لأن الجراحات لا تنضبط، وقد تزيد نكاية الجرح الواحد على جراحات كثيرة.
ويستثنى من إطلاقه اعتبار الرؤوس: ما إذا كان الضرب بالسياط أو العصي الخفيفة، وكانت ضربات كل واحد منهم قاتلة لو انفردت.. فالأظهر: أن التوزيع على عدد الضربات لا الرؤوس.
والفرق بينها وبين الجراحات: أنها تلاقي الظاهر ولا يعظم فيها التفاوت، بخلاف الجراحات.
(ولا يقتل شريك مخطئ وشبه عمد) لأن الزهوق حصل بفعلين: أحدهما يوجبه، والآخر ينفيه، فغلب المسقط، كما إذا قتل المبعض رقيقًا.

ويُقْتَلُ شَرِيكُ الأَبِ، وَعَبْدٌ شَارَكَ حُرًّا فِي عَبْدٍ، وَذِمِّيٌّ شَارَكَ مُسْلِمًا فِي ذِمِّيٍّ، وَكَذَا شَرِيكُ حَرْبِيٍّ وَقَاطِعٍ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا، وَشَرِيكُ النَّفْسِ وَدَافِعِ الصَّائِلِ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ عَمْدًا وَخَطَأً وَمَاتَ بِهِمَا، أَوْ جَرَحَ حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا ثُمَّ أَسْلَمَ وَجَرَحَهُ ثَانِيًا فَمَاتَ.. لَمْ يُقْتَلْ

وعلم من نفيه القتل: أنه لو كان جرح المتعمد مما يقتص فيه لو لم يسر؛ كقطع اليد.. أنه يجب عليه قصاصها، وبه جزم في "أصل الروضة" 1. (ويقتل شريك الأب، وعبد شارك حرًّا في عبد، وذمي شارك مسلمًا في ذمي) لأن كل واحد من الأجنبي والعبد والذمي لو انفرد.. اقتص منه، فإذا شاركه في العمدية من لا يقتص منه لمعنى فيه.. وجب أيضًا؛ كما لو كانا عامدين فعفا الولي عن أحدهما، وليس شريك الأب كشريك الخاطئ؛ لأن الخطأ شبهة في فعل الخاطئ، والفعلان مصادفان محلًّا واحدًا، وشبهة الأبوة في نفس الأب لا في الفعل، وذات الأب متميزة عن ذات الأجنبي، فلا تؤثر شبهة في حقه.
(وكذا شريك حربي وقاطع قصاصًا أو حدًّا، وشريك النفس) أي: شريك جارح نفسه.
(ودافع الصائل في الأظهر) لحصول الزهوق بفعلين عمدين، وامتناع القصاص على الآخر لمعنى يخصه، فصار كشريك الأب، والثاني: لا يجب، بل عليه نصف الدية؛ لأن من لا يضمن أخف حالًا من الخاطئ الذي فعله مضمون بالدية، فإذا لم نوجب القصاص على شريكه.. فههنا أولى، ويفارق شريك الأب؛ لأن فعله مضمون، بخلافه هنا.
(ولو جرحه) (واحد (جرحين عمدًا وخطأً ومات بهما، أو جرح حربيًّا أو مرتدًّا ثم أسلم) المجروح (وجرحه ثانيًا فمات.. لم يقتل) أما في الأولى.. فلأن الزهوق لم يحصل بالعمد المحض، وأما في الثانية.. فلأن الموت حصل بمضمون وغير مضمون، ويجب في الأولى: نصف دية مغلظة في ماله، ونصف دية مخففة على

وَلَوْ دَاوَى جُرْحَهُ بِسُمٍّ مُذَفِّفٍ.. فَلَا قِصَاصَ عَلَى جَارِحِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ غَالِبًا.. فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ قَتَلَ غَالِبًا وَعَلِمَ حَالَهُ.. فَشَرِيكُ جَارِحِ نَفْسِهِ، وَقِيلَ: شَرِيكُ مُخْطِئٍ. وَلَوْ ضَرَبُوهُ بِسِيَاطٍ فَقَتَلُوهُ وَضَرْبُ كُلِّ وَاحِدٍ غَيْرُ قَاتِلٍ.. فَفِي الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ أَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: يَجِبُ إِنْ تَوَاطَؤُوا

عاقلته، ويجب في الثانية: موجب الجراحة الواقعة في حال العصمة من القصاص، أو الدية المغلظة.
(ولو داوى جرحه بسم مذفف) (وهو ما يقتل في الحال (.. فلا قصاص على جارحه) لأن التذفيف يقطع حكم السراية، فصار كما لو جرحه رجل فذبح هو نفسه.
نعم؛ يجب عليه الجراحة إن اقتضت القصاص، وإلا.. فأرشها.
ولو قال: (فلا ضمان في النفس).. لكان أحسن؛ ليعلم انتفاء الدية أيضًا.
وعلم من إطلاقه: أنه لا فرق بين أن يعلم بحال السم أو لا، وبه صرح الماوردي والرودائي 1. (وإن لم يقتل غالبًا.. فشبه عمد) فلا قصاص في النفس، بل عليه نصف الدية المغلظة، أو القصاص في الطرف إن اقتضته.
(وإن قتل غالبًا وعلم) المجروح (حاله.. فشريك جارح نفسه) فيجب القود على الأظهر؛ تنزيلًا لفعل المجروح منزلة العمد، (وقيل: شريك مخطئ) لأنه قصد التداوي فأخطأ.
واحترز بقوله: (وعلم حاله): عما إذا لم يعلم.. فلا قصاص جزمًا؛ لأنه شريك مخطئ.
(ولو ضربوه بسياط فقتلوه، وضرب كل واحد غير قاتل) لو انفرد (.. ففي القصاص عليهم أوجه: أصحها: يجب إن تواطؤوا) على أن يضربوه تلك الضربات، ولا يجب إن وقع اتفاقًا، ويخالف الجراحات حيث لا يشترط فيها التواطؤ؛ لأن نفس الجرح يقصد به الإهلاك، بخلاف الضرب بالسوط الخفيف.. لا يظهر فيه قصد

وَمَنْ قَتَلَ جَمْعًا مُرَتَّبًا.. قُتِلَ بِأَوَّلِهِمْ، أَوْ مَعًا.. فَبالْقُرْعَةِ، وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَاتُ.
قُلْتُ: فَلَوْ قَتَلَهُ غَيْرُ الأَوَّلِ.. عَصَى وَوَقَعَ قِصَاصًا، وَلِلأَوَّلِ دِيَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ [في تغير حال المجروح بحرية أو عصمة أو إهدار أو بمقدار للمضمون به]

جَرَحَ حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا أَوْ عَبْدَ نَفْسِهِ فَأَسْلَمَ وَعَتَقَ ثُمَّ مَاتَ بِالْجُرْحِ.. فَلَا ضَمَانَ، وَقِيلَ:

الإهلاك إلا بالموالاة من واحد، والمواطأة من جماعة، والثاني: لا قصاص على واحد منهم؛ لأن فعل كل واحد شبه عمد، قال الإمام: فعلى هذا: تجب الدية قطعًا 1، والثالث: يجب القصاص على الجميع مطلقًا؛ كيلا يصير ذريعة إلى القتل.
واحترز بقوله: (وضرب كل واحد غير قاتل): عما لو كان قاتلًا لو انفرد.. فعليهم القصاص جزمًا، وإذا آل الأمر إلى الدية.. وزّعت على عدد الضربات على الأصحِّ؛ كما سبق.
(ومن قتل جمعًا مرتبًا.. قتل بأولهم) لسبق حقه، فلو عفا الأول قتل بالثاني (أو معًا) بأن هدم عليهم جدارًا أو جرحهم وماتوا جميعًا (.. فبالقرعة) (وجوبًا؛ قطعًا للنزاع، وقيل: استحبابًا.
(وللباقين الديات) في الصورتين؛ لتعذر القصاص عليهم؛ كما لو مات، ولو أشكل الحال فلم يعلم أقتلهم معًا أو مرتبًا.. جعل كما لو قتلهم معًا؛ فيقرع، (قلت: فلو قتله غير الأول) بأن بادر وأقدم على ذلك (.. عصى) (ويعزر لإبطال حق غيره (ووقع قصاصًا) لأن حقه متعلق به، بدليل ما لو عفا ولي الأول.. فإنه ينتقل إلى من بعده، (وللأول دية، والله أعلم) لتعذر القصاص بغير اختياره.

(فصل: جرح) مسلم أو ذمي (حربيًّا أو مرتدًّا أو عبد نفسه فأسلم) الحربي والمرتد (وعتق) العبد (ثم مات بالجرح.. فلا ضمان) لأن الجراحة والحالة هذه غير مضمونة، فالسراية كذلك؛ كقطع يد السارق إذا سرى إلى النفس، (وقيل:

تَجِبُ دِيَةٌ. وَلَوْ رَمَاهُمَا فَأَسْلَمَ وَعَتَقَ.. فَلَا قِصَاصَ، وَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ دِيَةِ مُسْلِمٍ مُخَفَّفَةٍ عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَلَوْ ارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ.. فالنَّفْسُ هَدَرٌ، وَيَجِبُ قِصَاصُ الْجُرْحِ فِي الأَظْهَرِ،

تجب دية) مخففة على العاقلة اعتبارًا بحالة استقرار الجناية، والمراد: دية حرٍّ مسلم.
(ولو رماهما) أي: رمى مرتدًا أو حربيًّا، أو رمى السيد عبده (فأسلم وعتق.. فلا قصاص) لعدم المكافأة في أول أجزاء الجناية.
(والمذهب: وجوب دية مسلم) اعتبارًا بحالة الإصابة؛ لأنها حالة اتصال الجناية، والرمي كالمقدمة التي يتسبب بها إلى الجناية، وقيل: لا تجب؛ اعتبارًا بحالة الرمي، وقيل: يجب في المرتد دون الحربي؛ لأن قتل الحربي جائز لكل أحد، بخلاف المرتد؛ فإنه مفوض للإمام.
ويجري الخلاف فيما إذا رمى إلى عبد نفسه ثم عتق قبل الإصابة، وأولى بالضمان؛ لأن العبد معصوم مضمون بالكفارة.
(مخففة على العاقلة) كما لو رمى إلى صيد فأصاب آدميًّا، وهذا ما جزم به في "المحرر"، وحكى في "الشرح" في (الديات) فيه ثلاثة أوجه: دية عمد، دية شبه عمد، دية خطأ 1. (ولو ارتد المجروح ومات بالسراية.. فالنفس هدر) لا قود، ولا دية، ولا كفارة؛ لأنه لو قتله مباشرة في هذه الحالة.. لم يجب شيء، فبالسراية أولى.
(ويجب قصاص الجرح في الأظهر) إن كان مما يوجب القصاص؛ كالموضحة وقطع الطرف؛ لأن القصاص في الطرف ينفرد عن القصاص في النفس، ويستقر فلا يتغير بما يحدث بعده، ألا ترى أنه لو قطع طرفه وجاء آخر وحزَّ رقبته.. يجب على الأول قصاص الطرف وإن لم يجب عليهما قصاص النفس، والثاني: المنع؛ لأن الجراحة قد صارت نفسًا بسرايتها، والنفس مهدرة، فكذا الطرف؛ كما لو قطع طرف

فَيَسْتَوْفِيهِ قَرِيبُهُ الْمُسْلِمُ، وَقِيلَ: الإِمَامُ، وَإِنْ اقْتَضَى الْجُرْحُ مَالًا.. وَجَبَ أَقَل الأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِهِ وَدِيَةٍ، وَقِيلَ: أَرْشُهُ، وَقِيلَ: هَدَرٌ

إنسان، فمات منه، فعفى وليه عن القصاص.. لم يكن له أن يقتص في الطرف.
(فيستوفيه قريبه المسلم) 1 الذي كان يرثه لولا الردة؛ لأن القصاص للتشفي، وذلك يتعلق بالقريب دون الإمام، فإن كان ناقصًا.. انتظر كماله ليستوفي، (وقيل: الإمام) لأنه لا وارث للمرتد، فيستوفيه الإمام كما يستوفي قصاص من لا وراث له، وادعى ابن كج والماوردي: أن الأكثرين عليه، وأن الإصطخري انفرد بالأول، لكن الأول حكاه الشيخان تبعًا لصاحبي "التهذيب" و"البيان" عن الأكثرين، وحكاه الروياني في "التجربة" عن نص "الأم" 2. (وإن اقتضى الجرح مالًا) 3 لا قصاصًا؛ كالجائفة والهاشمة (.. وجب أقل الأمرين من أرشه) أيمما: الجرح (ودية) للنفس، فإن كان الأرش أقل كالجائفة وقطع اليد الواحدة.. لم يزد بالسراية في الردة شيء، وإن كانت دية النفس أقل؛ كما إذا قطع يديه ورجليه فارتد ومات.. لم يجب أكثر منها؛ لأنه لو مات بالسراية مسلمًا.. لم يجب أكثر منها، فههنا أولى، (وقيل: أرشه) أي: أرش الجرح بالغًا ما بلغ، فيجب فيما إذا قطع يديه ورجليه ديتان؛ لأن الأرش إنما يندرج في الدية إذا وجب ضمان النفس بتلك الجراحة، والنفس هنا مهدرة، فلو أدرجنا.. لأهدرنا، فجلعت الردة قاطعة للإدراج قائمة مقام الاندمال، وعلى كل حال: فالواجب فيءٌ لا يأخذ القريب منه شيئًا، (وقيل: هدر) لا يوجب شيئًا؛ لأن الجراحة إذا سرت.. صارت قتلًا، وصارت الأطراف تابعة للنفس، والنفس مهدرة، فكذلك ما يتبعها.
والأصح: وجوب المال؛ لأنه وجب بالجناية أرش، والردة تمنع وجوب شيء بعدها، ولا تسقط ما وجب قبلها، وهذا كما لو قطع أطراف رجل وقتل الرجل

وَلَوِ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ.. فَلَا قِصَاصَ، وَقِيلَ: إِنْ قَصُرَتِ الرِّدَّةُ.. وَجَبَ وَتَجِبُ الدِّيَةُ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفُهَا. وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فَأَسْلَمَ أَوْ حُرٌّ عَبْدًا فَعَتَقَ وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ.. فَلَا قِصَاصَ، وَتَجِبُ دِيَةُ مُسْلِمٍ، وَهِيَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ، فَإِنْ زَادَتْ عَلَى قِيمَتِهِ.. فَالزِّيَادَةُ

نفسه.. فإنه لا يسقط ضمان الأطراف، وهذا كله إذا طرأت الردة بعد الجرح، فلو طرأت بعد الرمي وقبل الإصابة.. فلا ضمان بالاتفاق؛ فإنه مرتد حين تأثر الجناية، وبحث الرافعي في مجيء وجه 1. (ولو ارتد) المجروح (ثم أسلم فمات بالسراية.. فلا قصاص) لأنه انتهى إلى حالة لو مات فيها.. لم يجب القصاص، فصار شبهة دارئة للقصاص، (وقيل: إن قصرت الردة) بحيث لا يظهر للسراية أثر فيها (.. وجب) لعدم ظهور أثر السراية فيها (وتجب الدية) تفريعًا على أنه لا قصاص؛ لوقوع الجرح والموت في حال العصمة، وهي في ماله، (وفي قول: نصفها) توزيعًا على العصمة والإهدار، وفي قول ثالث: أنه يجب ثلثاها توزيعًا على الأحوال الثلاث: حالتي العصمة، وحالة الإهدار.
وقضية إطلاقه: جريان الخلاف في قصر المدة وطولها، وهو ما حكاه الإمام، لكن نقل الرافعي عن الأكثرين: أن الخلاف فيما إذا طالت، فإن قصرت.. وجب تكملة الدية قطعًا، أما إذا قلنا: يجب القصاص.. فيجب تمام الدية جزمًا، نبه عليه ابن الرفعة، ورّد ما نقلاه عن الإمام من طرد الخلاف 2. (ولو جرح مسلم ذمِّيًّا فأسلم، أو حرٌّ عبدًا فعتق ومات بالسراية.. فلا قصاص) لأنه لم يقصد بالجناية من يكافئه، (وتجب دية مسلم) أو حرٍّ لأنه كان مضمونًا في الابتداء، وهو في الانتهاء مسلم أو حر، فوجب اعتباره، وهي مغلظة حالة في ماله.
(وهي لسيد العبد) في صورة العبد إن كانت مثل قيمته أو أقل؛ لأنه قد استحق هذا القدر بالجناية الواقعة في ملكه، (فإن زادت) الدية (على قيمته.. فالزيادة

لِوَرَثتَهِ. وَلَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ فَعَتَقَ ثُمَّ مَاتَ بسِرَايَةٍ.. فَلِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ مِنَ الدِّيَةِ الْوَاجِبَةِ وَنصْفِ قِيمَتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: الأَقَلُّ مِنَ الدِّيَةِ وَقِيمَتِهِ. وَلَوْ قَطَعَ يَدَهُ فَعَتَقَ فَجَرَحَهُ آخَرَانِ وَمَاتَ بِسِرَايَتِهِمْ.. فَلَا قِصَاصَ عَلَى الأَوَّلِ إِنْ كَانَ حُرًّا، وَيَجِبُ عَلَى الآخَرَيْنِ

لورثثه) لأنها وجبت بسبب الحرية.
(ولو قطع يد عبد) أو فقأ إحدى عينيه (فعتق ثم مات بسراية) أوجبنا كمال الدية، وحينئذ (.. فللسيد الأقل من الدية الواجبة ونصف قيمته) (وهو أرش الطرف المزال في ملكه لو اندملت الجراحة؛ لأن السراية لم تحصل في الرق حتى يعتبر فيها حق السيد، فإن كان كل الدية أقل.. فلا واجب غيره، وإن كان نصف القيمة أقل.. فهو أرش الجناية الواقعة في ملكه.
(وفي دول: الأقل من الدية وقيمته) أي: للسيد الأقل من كل الدية وكل القيمة؛ لأن السراية حصلت بجناية مضمونة للسيد، وقد اعتبرنا السراية حيث أوجبنا دية النفس، فلا بد من النظر إليها في حق السيد، فيقدر موته رقيقا وموته حرًّا، ونوجب للسيد أقل العوضين، فإن كانت الدية أقل.. فليس على الجاني غيرها ومن إعتاق السيد جاء النقصان، وإن كانت القيمة أقل.. فالزيادة وجبت بسبب الحرية، فليس للسيد إلا قدر القيمة الذي كان يأخذه لو مات رقيقًا.
(ولو قطع يده فعتق فجرحه آخران ومات بسرايتهم.. فلا قصاص على الأول إن كان حرًّا) لعدم المكافأة حال الجناية (ويجب على الآخرين) في الجرح إن كان مما فيه قصاص؛ لوجود المكافأة، وكذا في النفس على المذهب؛ لأنهما كفئان، وسقوطه عن الأول لمعنى فيه، فأشبه شريك الأب.
وسكت المصنف عن الدية، وتجب دية حرّ موزعة على الجنايات الثلاث كل واحد ثلثها؛ لأن جرحهم صار قتلًا بالسراية.
ولا حق للسيد فيما يجب على الآخرين، وإنما يتعلق بما يؤخذ من الجاني عليه في الرق؛ لأنه الجاني على ملكه، والآخران جنيا على حرّ، وفي ما يستحقه منه القولان في الصورة المذكورة قبلها؛ فعلى الأول: أقل الأمرين من ثلث الدية وأرش الجناية في ملكه، وهو نصف القيمة، وعلى الثاني: أقل الأمرين من ثلث الدية وثلث القيمة،

فَصْلٌ [في شروط القصاص في الأطراف والجراحات والمعاني]

يُشْتَرَطُ لِقِصَاصِ الطَّرَفِ وَالْجُرْحِ مَا شُرِطَ لِلنَّفْسِ. وَلَوْ وَضَعُوا سَيْفًا عَلَى يَدِهِ وَتَحَامَلُوا عَلَيْهِ دَفْعَةً فَأَبَانُوهَا.. قُطِعُوا

وقد وقع هنا لابن الملقن في "شرحيه" وهم فليحذر 1.

(فصل: يشترط لقصاص الطرف والجرح) والمنفعة (ما شرط للنفس) من العمدية، والمكافأة، وكون القاطع مكلفًا ملتزمًا، ومن العصمة في المقطوع والمجروح، وكون الجاني غير أصل المجني عليه ونحو ذلك؛ فلا يجب القصاص فيما إذا وقعت الجراحة خطأً، أو شبه عمد، ومن لا يقتل به.. لا يقطع بطرفه.
نعم؛ يستثنى: جناية المكاتب على عبده الذي تكاتب عليه؛ فإنه لا يقتص منه في النفس، ويقتص في الطرف، لأن الكتابة تبطل بقتله، فيموت على ملك السيد، ولا تبطل بقطع طرفه، وأرشه كسب له فيجب ذلك، ولا نظير لهذه المسألة.
ولا يشترط في قصاص الطرف التساوي في البدل؛ فيقطع العبد بالعبد، والمرأة بالرجل، وبالعكس، والذمي بالمسلم، والعبد بالحر، ولا عكس فيهما.
(ولو وضعوا سيفًا على يده وتحاملوا عليه دفعة فأبانوها.. قطعوا) كما في النفس، ويخالف ما لو سرق رجلان نصابًا واحدًا.. فإنه لا يجب القطع؛ لأنه حق الله، بخلافه.
واحترز بقوله: (فأبانوها) عما لو أبان كل منهم بعض الطرف، أو أبان واحد منهم بعضه، واشترك الباقون في إبانة باقيه، أو تعاونوا على قطع بمنشار وجرّه بعضهم في الذهاب، وآخرون في العود.. فإنه لا قود على واحد منهم في جملة العضو، ولا في بعضه.

وَشِجَاجُ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ عَشْرٌ: حَارِصَةٌ، وَهِيَ مَا شَقَّ الْجِلْدَ قَلِيلًا، وَدَامِيَةٌ تُدْمِيهِ، وَبَاضِعَةٌ تَقْطَعُ اللَّحْمَ، وَمُتَلَاحِمَةٌ تَغُوصُ فِيهِ، وَسِمْحَاقٌ تَبْلُغُ الْجِلْدَةَ الَّتِي بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ، وَمُوضِحَةٌ تُوضِحُ الْعَظْمَ،

قال الرافعي: (ولو تميز فعل الشركاء؛ بأن قطع هذا من جانب، وهذا من جانب حتى التقت الحديدتان، أو قطع أحدهما بعض اليد، وأبانها الآخر.. فلا قصاص على واحد منهما، ويلزم كل واحد منهما حكومة تليق بجنايته، وينبغي أن يبلغ مجموع الحكومتين دية اليد، وعن صاحب "التقريب" حكاية قول: أنه يقطع من كل واحد منهما بقدر ما قطع إن أمكن ضبطه، والمشهور: الأول 1. انتهى.
(وشجاج الرأس والوجه عشر) كما سيأتي، والشجاج بكسر الشين: جمع شجة بفتحها (حارصة) بمهملات (وهي ما شقّ الجلدَ قليلًا) نحو الخدش، مأخوذة من قولهم: حرص القصار الثوب: إذا شقه، (ودامية تدميه) أي: تدمي موضعها من الشق.
وقد يقتضي كلامه: أنه لا يشترط فيها سيلان الدم، وهو ما نقلاه عن الشافعي وأهل اللغة، قال أهل اللغة: فإن سال منها دم.. فهي الدامعة بالعين المهملة 2. وشرط الإمام والغزالي سيلان الدم في الدامية، قال في "أصل الروضة": وهو خلاف الصواب 3. (وباضعة تقطع اللحم) أي: تشقه شقّأ خفيفًا؛ لأن البضع الشق، (ومتلاحمة تغوص فيه) أي: في اللحم، ولا تبلغ الجلدة التي بين اللحم والعظم، (وسمحاق) بكسر السين (تبلغ الجلدة التي بين اللحم والعظم) سميت بذلك؛ لأن تلك الجلدة تُسمَّى سمحاق الرأس، مأخوذة من سماحيق البطن، وهو الشحم الرقيق.
(وموضحة توضح العظم) أي: تكشفه بحيث يقرع بالمرود وإن كان العظم غير مشاهد لأجل الدم الذي ستره، ولو غرز إبرة في رأسه ووصلت إلى العظم.. فالأصحُّ: أنه إيضاح.

وَهَاشِمَةٌ تَهْشِمُهُ، وَمُنَقِّلَةٌ تَنْقُلُهُ، وَمَأْمُومَةٌ تبلُغُ خَرِيطَةَ الدِّمَاغِ، وَدَامِغَةٌ تَخْرِقُهَا. وَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْمُوضِحَةِ فَقَطْ، وَقِيلَ: وَفِيمَا قَبْلَهَا سِوَى الْحَارِصَةِ. وَلَوْ أَوْضَحَ فِي بَاقِي الْبَدَنِ أَوْ قَطَعَ بَعْضَ مَارِنٍ أَوْ أُذُنٍ وَلَمْ يُبِنْهُ.. وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الأَصَحِّ

(وهاشمة تهشمه) أي: تكسر العظم، سواء أوضحته أم لا، (ومُنَقِّلة تنقله) أي: العظم من موضع إلى موضع، (ومأمومة تبلغ خريطة الدماغ) المحيطة به، وهي أمّ الرأس.
(ودامغة تخرقها) أي: تخرق خريطة الدماغ، وتصل الدماغ، وهي مذففة، وجميع هذه الشجاج تفرض في الجبهة كما تفرض في الرأس، ويتصور ما سوى المأمومة والدامغة في الخد وقصبة الأنف واللحي الأسفل.
(ويجب القصاص) من هذه العشرة (في الموضحة فقط) لتيسر ضبطها، واستيفاء مثلها، وأما غيرها.. فلا تؤمن الزيادة والنقصان في طول الجراحة وعرضها، ولا يوثق باستيفاء المثل؛ ولذلك لا يجب القصاص في كسر العظام.
(وقيل: وفيما قبلها سوى الحارصة) (وهي الدامية، والباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق، لإمكان الوقوف على نسبة المقطوع في الجملة.
واستثناء الحارصة من زيادات الكتاب على "المحرر"، قال في "الدقائق": (ولا بد منه؛ فإن الحارصة لا قصاص فيها قطعًا، وإنما الخلاف في غيرها).
انتهى، وفي "الكفاية": أن كلام جماعة يفهم خلافًا فيها، وقال في "المطلب": إن كلام الشافعي في "المختصر" يقتضي القصاص فيها 1. (ولو أوضح في باقي البدن، أو قطع بعض مارن أو أذن ولم يبنه.. وجب القصاص في الأصح) أما في الأولى -وهي فيما إذا أوضح في بقية بدنه سوى الرأس والوجه كما إذا أوضح عظم الصدر أو العنق أو الساعد أو الأصابع-: فوجه عدم الوجوب: القياس على الأرش، فإنه لا أرش فيه مقدر، ووجه الوجوب وهو الأصحُّ: تيسر استيفاء

وَيَجِبُ فِي الْقَطْعِ مِنْ مَفْصِلٍ حَتَّى فِي أَصْلِ فَخِذٍ وَمَنْكِبٍ إِنْ أَمْكَنَ بِلَا إِجَافَةٍ، وَإِلَّا.. فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَجِبُ فِي فَقْءِ عَيْنٍ وَقَطْعِ أُذُنٍ وَجَفنٍ وَمَارِنٍ وَشَفَةٍ وَلِسَانٍ وَذَكَرٍ وَأُنْثَيَيْنِ، وَكَذَا أَلْيَانِ وَشُفْرَانِ فِي الأَصَحِّ

المثل؛ لأنه ينتهي إلى عظم يؤمن معه الحيف؛ كالرأس والوجه، ولا يعتبر القصاص بالأرش، ألا ترى أن الإصبع الزائدة يقتص بمثلها وليس لها أرش مقدر؛ وكذلك الساعد بلا كف، وهذا عكس الجائفة؛ فإن لها أرشًا مقدرًا ولا قصاص فيها.
وأما في الثانية -وهي ما إذا قطع بعض مارن أو أذن من غير إبانة-: فوجه وجوب القصاص: تيسر اعتبار المماثلة، ويقدر المقطوع بالجزئية كالثلث والربع ونحوهما، ويستوفي من الجاني مثله، ولا يقدر بالمساحة، بخلافه في الموضحة، ووجه مقابله: القياس على المتلاحمة.
و(المارن): ما لان من الأنف، وفضل عن القصبة.
وقوله: (ولم يبنه): يفهم أنه إذا أبانه.. لا يكون كذلك، وليس كذلك، بل الصحيح: الوجوب.
(ويجب) القصاص (في القطع من مفصل) لانضباطه، وذلك في الأعضاء المنتهية إلى مفاصل أو حدود؛ كالأنامل تنتهي إلى مفاصل وهي عقد الأصابع، والكف ينتهي إلى مفصل وهو الكوع، (حتى في أصل فخذ ومنكب إن أمكن بلا إجافة) أي: فيقتص؛ لإمكان المماثلة.
(وإلا) أي: وإن لم يمكن إلا بإجافة (.. فلا على الصحيح) لأن الجوائف لا تنضبط ضيقًا وسعة، وتأثيرًا ونكاية؛ ولذلك امتنع فيها القصاص، والثاني: أنه يقتص إذا كان الجاني قد أجاف وقال أهل النظر: يمكن أن يقطع ويجاف مثل تلك الجائفة، ووجهه: أن الجائفة ههنا تابعة غير مقصودة.
(ويجب) القصاص (في فقء عين، وقطع أذن وجفن ومارن وشفة ولسان وذكر وأنثيين) وإن لم يكن مفصل؛ لأن لها نهايات مضبوطة، فهي بمنزلة الأعضاء التي لها مفاصل؛ كاليد والرجل.
(وكذا أليان وشفران في الأصح) لأن لها نهاية ينتهي إليها، والثاني: لا؛ لأنه

وَلَا قِصَاصَ فِي كَسْرِ الْعِظَامِ، وَلَهُ قَطْعُ أَقْرَبِ مَفْصلٍ إِلَى مَوْضِعٍ الْكَسْرِ وَحُكُومَةُ الْبَاقِي. وَلَوْ أَوْضَحَهُ وَهَشَمَ.. أَوْضَحَ وَأَخَذَ خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ. وَلَوْ أَوْضحَ وَنَقَّلَ.. أَوْضَحَ وَلَهُ عَشَرَةُ أَبْعِرَةٍ. وَلَوْ قَطَعَهُ مِنَ الْكُوعِ.. فَلَيْسَ لَهُ الْتِقَاطُ أَصَابِعِهِ،

لا يمكن الاستيفاء إلا بقطع غيره.
و(الأليان): تثنية ألية، وهما اللحمان الناتئان بين الظهر والفخذ.
و(الشفران) بضم الشين: طرفا ناحيتي الفرج.
(ولا قصاص في كسر العظام) لعدم الوثوق بالمماثلة؛ لأن الكسر لا يدخل تحت الضبط.
(وله قطع أقرب مفصل إلى موضع الكسر، وحكومة الباقي) أما القطع.. فلأن فيه تحصيل استيفاء بعض الحق، والميسور لا يسقط بالمعسور، وأما أخذ الحكومة.. فلأنه لم يأخذ عوضًا عنه؛ فلو قطع ذراعه.. اقتص في الكف وأخذ أرش ما زاد.
(ولو أوضحه وهشم.. أوضح) لإمكان القصاص في الموضحة، فأشبه قطع اليد من وسط الساعد، فإن له أن يقتص في الكف، (وأخذ خمسة أبعرة) لتعذر القصاص في الهشم، وهذا المأخوذ هو أرش ما بين الهاشمة والموضحة.
(ولو أوضح ونقَّل.. أوضح وله عشرة أبعرة) (وهي أرش ما بين الموضحة والمنقلة، وهكذا لو أوضح وأمَّ.. فله أن يوضح ويأخذ ما بين أرش الموضحة والمأمومة، وهو ثمانية وعشرون بعيرًا وثلث؛ فإن في المأمومة ثلث الدية.
(ولو قطعه من الكوع 1.. فليس له التقاط أصابعه) ويترك الكف؛ لأنه قادر على محل الجناية، ومهما أمكن المماثلة لا يعدل عنها.
وقد يوهم كلامه: أنه لو طلب قطع إصبع واحدة.. مكّن، وليس كذلك، بل قال الإمام: لو طلب قطع أنملة واحدة.. لا تجب قطعًا 2، ومحل منع الالتقاط: إذا كان

فَإِنْ فَعَلَهُ.. عُزِّرَ وَلَا غُرْمَ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ قَطْعَ الْكَفِّ بَعْدَهُ. وَلَوْ كَسَرَ عَضُدَهُ وَأَبَانَهُ.. قُطِعَ مِنَ الْمِرْفَقِ، وَلَهُ حُكُومَةُ الْبَاقِي، فَلَوْ طَلَبَ الْكُوعَ.. مُكِّنَ فِي الأَصَحِّ.

كف المجني عليه كاملة، فلو كانت ناقصة إصبعًا مثلًا.. لم تقطع السليمة بها، وله أن يلتقط أربع أصابع منها؛ كما ذكره المصنف في الباب الآتي.
(فإن فعله) أي: لقط الأصابع (عُزِّر) لعدوله عن المستحق (ولا غرم) لأنه يستحق إتلاف الجملة، فلا يلزمه بإتلاف البعض غرم؛ كما أن مستحق النفس لو قطع يد الجاني.. لا غرم عليه.
(والأصح: أن له قطع الكف بعده) كما أن مستحق النفس لو قطع يد الجاني.. له أن يعود ويحز رقبته، والثاني: المنع؛ لأن فيه زيادة ألم آخر.
(ولو كسر عضده وأبانه.. قُطع من المرفق) لأنه أقرب مفصل إلى محل الجناية.
و(العضد): من مفصل المرفق إلى الكتف.
(وله حكومة الباقي) لتعذر القصاص فيه، وهذه الصورة كانت تعلم من قوله قبلُ: (وله قطع أقرب مفصل إلى موضع الكسر وحكومة الباقي).
(فلو طلب الكوع.. مُكِّن في الأصح) لأنه عاجز عن القطع في محل الجناية، وهو بالعدول تارك بعض حقه فلا يمنع منه، والثاني: المنع؛ لعدوله عمّا هو أقرب إلى محل الجناية، ورجحه في "الشرح الصغير"، وكلام "الكبير" يقتضي ترجيحه، ولم يصرح في "الروضة" بترجيح 1. وإذا قلنا: ليس له القطع من الكوع فقطع ثم أراد القطع من المرفق.. لم يمكن.
قاله الرافعي 2. قال الزركشي تبعًا للمنكت: ويحتاج إلى الفرق بينه وبين مسألة التقاط الأصابع؛ فإن له قطع الكف بعده على الأصحِّ؛ كما سبق.
انتهى.
وقد يفرق: بأن هناك يعود إلى محل الجناية، وههنا يعود إلى غير محل الجناية، وجوزنا قطع ما دونه للضرورة، فإذا قطع مرة.. لم يكرره.

وَلَوْ أَوْضَحَهُ فَذَهَبَ ضَوْءُهُ.. أَوْضَحَهُ، فَإِنْ ذَهَبَ الضَّوْءُ وَإِلَّا.. أُذْهِبَ بِأَخَفِّ مُمْكِنٍ؛ كَتَقْرِيبِ حَدِيدَةٍ مُحْمَاةٍ مِنْ حَدَقَتِهِ. وَلَوْ لَطَمَهُ لَطْمَةً تُذْهِبُ ضَوْءَهُ غَالِبًا فَذَهَبَ.. لَطَمَهُ مِثْلَهَا، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ.. أُذْهِبَ. وَالسَّمْعُ كالْبَصَرِ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيهِ بِالسِّرَايَةِ،

(ولو أوضحه فذهب ضوءه) أي: ضوء عينيه (.. أوضحه) طلبًا للمماثلة.
(فإن ذهب الضوء) فذاك (وإلا) أي: وإن لم يذهب بذلك (.. أذهب بأخف ممكن 1؛ كتقريب حديدة محماة من حدقته) أو طرح كافور ونحوه ممّا يذهب الضوء، هذا إذا أمكن إذهاب الضوء مع بقاء الحدقة، فإن لم يمكن ذلك إلا بإذهاب الحدقة.. سقط القصاص ووجبت الدية، قاله المتولي وغيره، قال الأَذْرَعي: وهو متعين.
(ولو لطمه لطمة تذهب ضوءه غالبًا فذهب.. لطمه مثلها) طلبًا للمماثلة (فإن لم يذهب) باللطمة (.. أذهب) بالطريق الممكن مع بقاء الحدقة؛ لإمكان الاستيفاء من غير حيف، وهذا ما نقلاه عن النص، ونسبه في "المهذب" إلى بعض الأصحاب ثم قال: ويحتمل ألا يقتص باللطمة؛ لأنه لا يمكن اعتبار المماثلة فيها؛ ولهذا لو انفردت عن إذهاب الضوء.. لم يجب فيها قصاص، ولا يستوفى به القصاص؛ كما لا يقتص إذا هشمه فذهب ضوءه بالهاشمة، واستحسنه الرافعي، وجعله البغوي وجهًا وصححه 2. ثم محل القصاص بها: ما إذا ذهب من العينين، فلو ذهب من أحدهما.. لم يلطم؛ لاحتمال أن يذهب منهما، بل يذهب بالمعالجة إن أمكن، وإلا.. فالدية.
قاله ابن الرفعة، وهو قضية قول المصنف وغيره: (تذهب ضوءه فذهب).
(والسمع كالبصر يجب القصاص فيه بالسراية) لأن له محلًّا مضبوطًا، وقيل: لا يجب القصاص فيه؛ لأنه في غير محل الجناية.

وَكَذَا الْبَطْشُ وَالذَّوْقُ وَالشَّمُّ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَطَعَ إِصْبَعًا فَتَأَكَّلَ غَيْرُهَا.. فَلَا قِصَاصَ فِي الْمُتَأَكِّلِ.

(وكذا البطش والذوق، والشم في الأصح) أي: إذا ذهب بالجناية على اليد أو الرجل، أو على الفم أو الأنف؛ لأن لها محالًّا مضبوطة، ولأهل الخبرة طرق في إبطالها، والثاني: المنع: أما في البطش.. فلأنه عسر الإزالة، وأما الباقي.. فلأنها في غير محل الجناية، فلا يمكن القصاص فيها.
وترجيح الأول تبع فيه الرافعي 1، والرافعي لم ينقل عن أحد، وإنما رآه تفقهًا.
نعم؛ نقله في "التتمة" عن القاضي الحسين في البطش، والذي عليه الجمهور ترجيح المنع؛ كما قاله في "المطلب" فقال: وإيجاب القصاص بالسراية في البصر دون ما سواه من المعاني هي الطريقة الراجحة عند الجمهور.
(ولو قطع إصبعًا فتأكل غيرها.. فلا قصاص في المتأكل) لعدم تحقق العمدية.

بابُ كيفيَّة القصاص ومستوفيه والاختلاف فيه

لَا تُقْطَعُ يَسَارٌ بِيَمِينٍ، وَلَا شَفَةٌ سُفْلَى بِعُلْيَا وَلَا عَكْسُهُ، وَلَا أَنْمُلَةٌ بِأُخرَى، وَلَا زَائِدٌ بِزَائِدٍ فِي مَحَلٍّ آخَرَ. وَلَا يَضُرّ تَفَاوُتُ كِبَرٍ وَطُولٍ وَقُوَّةِ بَطْشٍ فِي أَصْلِيٍّ،

(باب: كيفية القصاص ومستوفيه والاختلاف فيه) والعفو عنه (لا تقطع يسار بيمين) سواء اليد والرجل والجفن والأذن وغيرها.
(ولا شفة سفلى بعليا وعكسه) لاختلاف المنافع، واختلاف تأثير المحال بالجراحات؛ كما لا يقطع الإبهام بالسبابة، والخنصر بالبنصر.
وقوله: (لا يقطع) فيه قصور، ولو قال: (لا يؤخذ).. لكان أحسن؛ ليدخل فيه فقء إحدى العينين، وإذهاب ضوئها وغير ذلك.
(ولا أنملة بأخرى) أي: لا يقطع أصبع بأنملة أخرى من تلك الإصبع؛ لاختلاف المنافع.
(ولا زائد بزائد في محل آخر) بأن كانت زائدة المجني عليه بجنب الخنصر، وزائدة الجاني بجنب الإبهام؛ كما لا تقطع أصلية بأصلية؛ كالسبابة والوسطى، بل تؤخذ في الزائد الحكومة.
وأفهم كلامه: أنه يقطع الزائد بالزائد عند اتحاد المحل، وهو كذلك، لكن يستثنى: ما لو كانت زائدة الجاني أتمّ؛ بأن كان لإصبعه الزائدة مثلًا ثلاث مفاصل، ولزائدة المجني عليه مفصلان.. فلا قطع بها، نقله الأصحاب عن النص؛ لأن هذا أعظم من تفاوت المحل.
(ولا يضرّ تفاوت كبر وطول ودوَّة بطش في أصليٍّ) قطعًا؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ وكما لا تعتبر مماثلة النفوس في هذه الأمور حتى يؤخذ العالم بالجاهل، والصغير بالكبير، فتقطع اليد الصغيرة بالكبيرة نظرًا إلى الصورة الخلقية؛ فإن المماثلة في ذلك لا تكاد تتفق، فلو اعتبرت.. لتعطلت حكمة القصاص غالبًا.
وما أطلقه من أنه لا يضر التفاوت في الأصل شامل لما إذا كان النقص بآفة سماوية

وَكَذَا زَائِدٌ فِي الأَصَحِّ. وَيُعْتَبَرُ قَدْرُ الْمُوضِحَةِ طُولًا وَعَرْضًا

أو بجناية، لكن ذكرا بعدُ بنحو ورقتين عن الإمام: أنه لو كان النقص بجناية؛ بأن ضرب رجل يده فنقص بطشها وألزمناه الحكومة، ثم قطع تلك اليد كامل البطش.. أنه لا قصاص، ولا تجب دية كاملة على الأصحِّ، وأقرّاه، لكن حكى الإمام عن الأصحاب في (باب الديات) الوجوب، وبسط الكلام 1، قال الزركشي: وهو الصواب، وحينئذٍ: فإطلاق "الكتاب" صحيح على ذلك.
(وكذا زائد) كالإصبع والسن الزائدتين (في الأصح) كما في الأصلية، والثاني: يضر، ونقله في "البيان" عن أكثر الأصحاب؛ لأن القصاص إنما يجب في العضو الزائد بالاجتهاد، فإن كان عضو الجاني أزيد.. كانت حكومته أكثر؛ فلا يجب أخذه بالذي هو أنقص منه، بخلاف الأصلي؛ فإن القصاص ثبت فيه بالنص، فلا يعتبر التساوي فيه، وهذا هو المنصوص 2. انتهى، قال الأَذْرَعي: فإذًا هو المذهب لا ما رجحاه.
فعلى هذا: إن كانت زائدة الجاني أكبر.. لم يقتص منه، وإن كانت زائدة المجني عليه أكبر.. اقتص، وأخذ حكومة قدر النقصان، قال الشيخان: ثم الخلاف فيما رأى الإمام فيما إذا لم يؤثر تفاوت الحجم في الحكومة، فإن أثر.. فلا قصاص 3، قال الأَذْرَعي: وجرى عليه في "البسيط"، وقال: إنه مقطوع به.
وأطلق المصنف الزائد، وصور الرافعي وصاحب "البيان" مسألة الوجهين بالإصبع والسن الزائدتين، ثم قال الرافعي: ومنهم من خصّ الخلاف بالسن وسكت عنه في الإصبع 4. (ويعتبر قدر الموضحة طولًا وعرضًا) لأجل المماثلة؛ فلا تقابل ضيقة بواسعة، ولا يقنع بضيقة عن واسعة، بل يوضح من رأس الجاني بقدر ما أوضح من رأس المجني عليه.

وَلَا يَضُرُّ تَفَاوُتُ غِلَظِ لَحْمٍ وَجِلْدٍ. وَلَوْ أَوْضَحَ كُلَّ رَأْسِهِ وَرَأْسُ الشَّاجِّ أَصْغَرُ.. اسْتَوْعَبْنَاهُ وَلَا نُتِمُّهُ مِنَ الْوَجْهِ وَالْقَفَا، بَلْ نَأْخُذُ قِسْطَ الْبَاقِي مِنْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ لَوْ وُزِّعَ عَلَى جَمِيعِهَا. وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَكْبَرَ.. أُخِذَ قَدْرُ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ فَقَطْ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الاخْتِيَارَ فِي مَوْضِعِهِ إِلَى الْجَانِي

(ولا يضر تفاوت غلظ لحم وجلد) لأن اسم الموضحة يتعلق بانتهاء الجراحة إلى العظم، والتساوي في قدر العوض قلّ ما يتفق فيقطع النظر عنه؛ كما يقطع النظر عن الصغر والكبر في الأطراف.
(ولو أوضح كل رأسه ورأس الشاج أصغر.. استوعبناه) لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ولا يكتفى به.
(ولا نتمه من الوِجه والقفا) لأنهما غير محل الجناية (بل نأخذ قسط الباقي من أرش الموضحة لو وزِّع على جميعها) لتعيّنه طريقًا، فيمسح رأس المشجوج والشاج؛ فإذا كانت بقدر الثلثين.. أوجبنا عند إيضاح المشجوج جميع رأس الشاج ثلث أرش الموضحة.
والفرق بين الموضحة واليد ونحوها حيث يكتفي فيها بالصغيرة عن الكبيرة: أن المرعي في اليد ونحوها الاسم، وهنا المساحة؛ ولهذا لو كانت يد الجاني أكبر.. قطعت، ولو كان رأسه أكبر.. لا يستوعب قطعًا.
(وإن كان رأس الشاج أكبر.. أُخذ قدر رأس المشجوج فقط) لحصول المساواة.
(والصحيح: أن الاختيار في موضعه إلى الجاني) لأن جميع رأسه محل الجناية، كذا علله الرافعي وحكياه عن الأكثرين 1، والثاني: إلى المجني عليه، ونقله الماوردي عن جمهور الأصحاب 2، قال الأَذْرَعي وغيره: وهو الذي أورده العراقيون والمراوزة خلا الإمام ومن تبعه، ونص عليه في "الأم" نصًّا صريحًا، وهو الصواب نقلًا ومعنى؛ أما النقل.. فما سبق، وأما المعنى.. فما علل به الرافعي بأن جميع رأسه محل الجناية؛ فإنه يقتضي تخيير المشجوج لا الشاج؛ إذ المرعي جانب

وَلَوْ أَوْضَحَ نَاصِيَةً وَنَاصِيَتُهُ أَصْغَرُ.. تُمِّمَ مِنْ بَاقِي الرَّأْسِ. وَلَوْ زَادَ الْمُقْتَصُّ فِي مُوضِحَةٍ عَلَى حَقِّهِ.. لَزِمَهُ قِصَاصُ الزِّيَادَةِ، فَإِنْ كَانَ خَطَأً أَوْ عَفَا عَلَى مَال.. وَجَبَ أَرْشٌ كَامِلٌ، وَقِيلَ: قِسْطٌ

المستحق في القود، وهو الذي جميع رأسه محل الجناية، فأيّ موضع طلبه من رأس الشاج فقد جنى على مثله من رأسه، فلا وجه لمنعه أصلًا؛ إذ لم يطلب أزيد من حقه، وليست هذه كالدين 1؛ لأنه مسترسل في الذمة، والحق هنا متعلق بمحل معين، وفي ثبوت ما رجحه المصنف وجهًا شاذًا نظر.
انتهى.
وفي وجه ثالث: أنه يبتدئ من حيث ابتدأ الجاني، ويذهب في الجهة التي ذهب إلى استكمال قدر جنايته.
(ولو أوضح ناصيةً وناصيتُه) يعني: الجاني (أصغر.. تُمِّم من باقي الرأس) لأن الرأس كله عضو واحد، فلا فرق بين مقدمه -وهو الناصية- ومؤخره، ويخالف ما سبق في الوجه والرأس، فإنهما عضوان.
(ولو زاد المقتص في موضحة على حقه) أي: عمدًا حيث صار له الاستيفاء بنفسه برضا المجني عليه، وإلا.. فالمستحق ليس له استيفاء الطرف بغير رضا المجني عليه (.. لزمه قصاص الزيادة) (ويكون بعد اندمال الموضحة التي جنى عليهما الجاني، وحكمها حكم موضحة منفردة، وإلا.. فسيأتي أن المستحق لا يمكّن من استيفاء الطرف بنفسه.
(فإن كان خطأ) بأن اضطربت يده (أو عفا على مال.. وجب أرش كامل) لأن حكم الزيادة يخالف حكم الأصل، فالأصل عمد ومستحق، والزيادة خطأ وغير مستحقة، وتغاير الحكم كتعدد الجاني، (وقيل: قسط) للزيادة بعد توزيع الأرش عليهما؛ لاتحاد الجارح والجراحة، وهذا كما ذكرنا أنه يجب القسط فيما إذا كان رأس الشاج أصغر، ومحل الضمان: ما إذا لم تكن الزيادة باضطراب الجاني، فإن كانت باضطرابه.. فلا ضمان، فلو قال: (تولدت باضطرابك) (وأنكر.. ففي

وَلَوْ أَوْضَحَهُ جَمْعٌ.. أَوْضحَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِثْلَهَا، وَقِيلَ: قِسْطُهُ. وَلَا تُقْطَعُ صَحِيحَةٌ بِشَلَّاءَ وَإِنْ رَضِيَ الْجَانِي،

المصدق منهما وجهان بلا ترجيح في "الروضة" 1، ورجح البُلْقيني تصديق المقتص منه، ورجح الأَذْرَعي تصديق الجاني وعلّله بأنه منكر العمدية.
(ولو أوضحه جمع) بأن تحاملوا على الآلة وجرّوها معًا (.. أوضح من كل واحد مثلها) أي: مثل جميعها؛ كالشركاء في القطع، (وقيل: قسطه) فيوزع عليهم ويوضح من كل واحد قدر حصته، لإمكان التجزئة، كإتلاف المال، بخلاف الطرف.
واعلم: أن هذا وما قبله أبداهما الإمام احتمالين لنفسه، وحكياهما عنه في "الشرح" و"الروضة" بلا ترجيح، ونقلا عن البغوي القطع بالأول 2، قال الزركشي: وهو ما جزم به الماوردي، وصاحب "البيان"، ونص عليه في "الأم"، وقال الإمام: إنه الأقرب، وقال الجاجرمي: الأصحُّ.
وقد يوهم كلام المصنف: ترجيح وجوب دية موضحة كاملة على كل واحد إذا آل الأمر إلى الدية، وهو الأقرب عند الإمام، وقطع البغوي بإيجاب القسط 3، وصوبه البُلْقيني وحكاه عن قطع الماوردي، وقال: إنه مقتضى نص "الأم"؛ فإنه جعله كالنفس، والنفس لا تتعدد ديتها، فكذلك الموضحة، وقال الأَذْرَعي: إنه المذهب.
(ولا تقطع صحيحة بشلاء وإن رضي الجاني) لأن الشلاء مسلوبة المنفعة، فلا يؤخذ بها كاملة، كما لا تؤخذ العين البصيرة بالعمياء وإن رضي الجاني.
وما أطلقه محمول على اليد والرجل، أما الذكر.. فقد صرح به بعد ذلك، وأما الأنف والأذن.. فالأظهر: أنه يؤخذ الصحيح منهما بالمستحشف -وهو الأشل-؛ لبقاء منفعتهما من جمع الصوت والريح، وقد صرح بذلك في "التنبيه"، وأقرّه في

فَلَوْ فَعَلَ.. لَمْ يَقَعْ قِصَاصًا، بَلْ عَلَيْهِ دِيَتُهَا، فَلَوْ سَرَى.. فَعَلَيْهِ قِصَاصُ النَّفْسِ. وَتُقْطَعُ الشَّلَّاءُ بِالصَّحِيحَةِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: (لَا يَنْقَطِعُ الدَّمُ)، وَيَقْنَعُ بِهَا مُسْتَوْفِيهَا

"التصحيح"، وصرح به أيضًا في "أصل الروضة" 1 لكن في الأذن خاصة.
وما ذكره المصنف من منع القطع وإن رضي الجاني محله: عند وقوف القطع، فإن سرى إلى النفس.. فالأظهر عند الأكثرين: قطعها بها، ذكراه في (الطرف الثالث في كيفية المماثلة).
(فلو فعل) أي: خالف وقطع الصحيحة (.. لم يقع قصاصًا) لأنها غير مستحقة له (بل عليه ديتها، فلو سرى.. فعليه قصاص النفس) لتفويتها بغير حق، هذا إذا لم يأذن الجاني، فإن أذن في قطعها فسرى إلى النفس.. فلا قصاص في النفس، قالا: ثم ينظر فإن قال الجاني: (اقطع يدي) (وأطلق.. جعل المجني عليه مستوفيًا لحقه ولم يلزمه شيء، وإن قال: (اقطعها عوضًا عن يدك أو قصاصًا).. فوجهان: أحدهما: وبه أجاب البغوي أن على المجني عليه نصف الدية، وعلى الجاني الحكومة؛ لأنه لم يبذلها مجانًا، والثاني: لا شيء على المجني عليه، وكأنّ الجاني أدى الجيد عن الرديء وقبضه المستحق 2. (وتقطع الشلاء بالصحيحة) لأنها دون حقه (إلا أن يقول أهل الخبرة: "لا ينقطع الدم") بل تنفتح أفواه العروق ولا تنسد بحسم النار ولا غيره؛ فلا تقطع بها وإن رضي الجاني؛ لما فيه من تفويت النفس بالطرف، وللمجني عليه دية يده، فإن قال أهل الخبرة: (تنقطع).. فله قطعها قصاصًا؛ كقتل الذمي بالمسلم، والعبد بالحر.
(ويقنع بها مستوفيها) (وليس له أن يطلب بسبب الشلل أرشًا؛ لأنهما استويا في الجرم، وإنما اختلفا في الصفة، والصفة المجردة لا تقابل بالمال، وكذلك إذا قتل الذمي بالمسلم، والعبد بالحر.. لم يجب لفضيلة الإسلام والحرية شيء.

وَيُقْطَعُ سَلِيمٌ بِأَعْسَمَ وَأَعْرَجَ، وَلَا أَثَرَ لِخُضْرَةِ أَظْفَارٍ وَسَوَادِهَا، وَالصَّحِيحُ: قَطْعُ ذَاهِبَةِ الأَظْفَارِ بِسَلِيمَتِهَا دُونَ عَكْسِهِ

وتقطع الشلاء بالشلاء في الأصحِّ إن استويا في الشلل، أو كان شلل يد القاطع أكثر ولم يخف نزف الدم.
والمراد بالشلل في اليد والرجل: زوال الحس والحركة، قاله الشيخ أبو محمد، وقال الإمام: لا يشترط زوال الحس بالكلية، وإنما الشلل بطلان العمل، ورجحه ابن الرفعة 1. (ويقطع سليم باعسم وأعرج) لأنه لا خلل في اليد والرجل.
و (الأعسم) بالعين والسين المهملتين هو: يبس مفصل الرسغ حتى يعوج الكف والقدم، قاله الجوهري 2. (ولا أثر لخضرة أظفار وسوادها) فتقطع ذات الأظفار البيض بذات الأظفار السود أو الخضر؛ فإن هذه الأحوال علة ومرض في الظفر، والظفر السليم يستوفى بالعليل.
(والصحيح: قطع ذاهبة الأظفار بسليمتها دون عكسه) أما الأولى.. فلأنها بعض حقه، وأما عكسه.. فلأنها نقصان خلقة، فلا يؤخذ الكامل بالناقص.
وقد انتقد كلام المصنف من وجهين: أحدهما: اقتضاؤه: أن في المسألتين وجهين، وليس كذلك؛ فإن الأولى: لا خلاف فيها، والثانية: فيها احتمال للإمام لا وجه 3.

وَالذَّكَرُ صِحَّةً وَشَلَلًا كالْيَدِ، وَالأَشَلُّ: مُنْقَبضٌ لَا يَنْبَسِطُ وَعَكْسُهُ، وَلَا أَثَرَ لِلاِنْتِشَارِ وَعَدَمِهِ، فَيُقْطَعُ فَحْلٌ بِخَصِيٍّ وَعِنينٍ، وَأَنْفٌ صَحِيحٌ بِأَخْشَمَ، وَأُذُنُ سَمِيعٍ بِأَصَمَّ، لَا عَيْنٌ صَحِيحَةٌ بِحَدَقَةٍ عَمْيَاءَ، وَلَا لِسَانٌ نَاطِقٌ بِأَخْرَسَ

الثاني: تعبيره بـ (ذاهبة الأظفار) يقتضي زوالها بعد وجودها، والذي صوّره في "الشرح" و"الروضة" فيما إذا لم يخلق له ظفر، وفيه خرج الإمام القصاص 1، وعليه ينطبق التعليل السابق.
(والذّكر صحة وشللًا كاليد) الصحيحة مع الشلاء فيما تقدم جميعه.
(و) الذكر (الأشل: منقبض لا يثبسط، وعكسه) أي: يلزم حالة واحدة من انتشار أو انقباض ولا يتحرك أصلًا، هذه عبارة الجمهور، وقيل: هو الذي لا يتقلص في البرد، ولا يسترسل في الحر، وهو بمعنى الأول.
(ولا أثر للانتشار وعدمه، فيقطع فحل بخصيٍّ وعنين) أما العنين.. فلأنه لا خلل في العضو، وتعذر الانتشار لضعف في القلب أو الدماغ، كذا قال الرافعي: (في القلب)، قال ابن الملقن: ولعله: (في الصلب) كما قاله أبو الطيب 2. وأما الخصي.. فلأن الخصاء ليس آفة في الذكر؛ لسلامته وقدرته على الإيلاج، فهو آكد من ذكر العنين.
(وأنف صحيح) وهو الشامّ (بأخشم) (وهو الذي لا يشم شيئًا؛ لأن النقص في قوة الشم لا في الجِرْم، والقوة في الدماغ.
(وأذن سميع بأصم) (وكذا بالعكس؛ لأن السمع ليس في جِرْم الأذن، وإنما هي آلة السمع.
(لا عين صحيحة بحدقة عمياء) لأن النظر في العين؛ فهي أكثر من حقه، وفي العكس تؤخذ إن رضي المجني عليه؛ لأنه دون حقه، (ولا لسان ناطق بأخرس) لأنه يأخذ أكثر من حقه؛ إذ الخرس نقص في اللسان، ويجوز العكس برضا المجني عليه.

وَفِي قَلْعِ السِّنِّ قِصَاصٌ، لَا فِي كَسْرِهَا، وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ صَغِيرٍ لَمْ يُثْغَرْ.. فَلَا ضَمَانَ فِي الْحَالِ، فَإِنْ جَاءَ وَقْتُ نَبَاتِهَا؛ بِأَنْ سَقَطَتِ الْبَوَاقِي وَعُدْنَ دُونَهَا، وَقَالَ أَهْلُ الْبَصَرِ: (فَسَدَ الْمَنْبِتُ).. وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَلَا يُسْتَوْفَى لَهُ فِي صِغَرِهِ

(وفي قلع السِّنِّ قصاص) للآية (لا في كسرها) بناء على ما سبق من أنه لا قصاص في كسر العظام، وفي قول: إنه يقتص إن أمكن أن يكسر من الجاني مثله، وقطع به في "المهذب"، وقال البُلْقيني: إنه المذهب، وصوّر ابن يونس الإمكان: بأن يكسر نصفه طولًا.
(ولو قلع) مثغور (سن صغير لم يثغر.. فلا ضمان في الحال) لأنه لم يتحقق إتلافها؛ لأنها تعود غالبًا فأشبه الشعر.
وقوله: (يثغر) هو بمثناة من تحت مضمومة، ثم مثلثة ساكنة، ثم غين معجمة مفتوحة، ومعناه: لم تسقط أسنانه الرواضع، فإذا نبتت بعد ذلك.. قيل: اتغر بتشديد التاء المثناة من فوق، وإن شئت.. قلت: اثّغر بالمثلثة المشددة، قاله المصنف في "التحرير" 1. (فإن جاء وقت نباتها؛ بأن سقطت البواقي وعدن دونها، وقال أهل البصر: "فسد المنبت".. وجب القصاص) لأنه بان بالآخر أنه أفسد المنبت، فيقابل بمثله، أما إذا قالوا: يتوقع نباتها إلى وقت كذا.. توقعناه، فإن مضت ولم تنبت.. وجب القصاص.
(ولا يستوفى له في صغره) بل ينتظر بلوغه فيستوفى، فإن مات قبل البلوغ.. اقتص وارثه في الحال أو أخذ الأرش، وإن مات قبل حصول اليأس وقبل تبين الحال.. فلا قصاص، وفي الأرش وجهان يأتيان في (الديات).
وسكت المصنف عما إذا نبتت لوضوحه؛ فإنه لا قصاص ولا دية.
نعم؛ إن نبتت وبها شين أو نقص.. فعليه الحكومة، فإن لم يكن بها شين ولا نقصان منفعة.. ففي إيجاب الحكومة وجهان.

وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ مَثْغُورٍ فَنَبَتَتْ.. لَمْ يَسْقُطِ الْقِصَاصُ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ نَقَصَتْ يَدُهُ إِصْبَعًا فَقَطَعَ كَامِلَة.. قُطِعَ وَعَلَيْهِ أَرْشُ إِصْبَعٍ، وَلَوْ قَطَعَ كَامِلٌ نَاقِصَةً، فَإِنْ شَاءَ الْمَقْطُوعُ.. أَخَذ دِيَةَ أَصَابِعِهِ الأَرْبَعِ، وَإِنْ شَاءَ.. لَقَطَهَا، وَالأَصَحُّ: أَنَّ حُكُومَةَ مَنَابِتِهِنَّ تَجِبُ إِنْ لَقَطَ لَا إِنْ أَخَذَ دِيَتَهُنَّ، وَأَنَّهُ تَجِبُ فِي الْحَالَيْنِ حُكُومَةُ خُمُسِ الْكَفِّ

(ولو قلع) مثغور (سنّ مثغور فنبتت.. لم يسقط القصاص في الأظهر) لأن عودها نادر، والنابت نعمة جديدة، والثاني: يسقط؛ كالصغير إذا عادت سنهُ، وعلى القولين: لا ينتظر العود، بل للمجني عليه أن يقتص أو يأخذ الدية في الحال.
(ولو نقصت يده إصبعًا فقطع كاملة.. قطع وعليه أرش إصبع) لأنه قد قطع منه إصبعًا لم يستوف قصاصها، وله أن يأخذ دية اليد ولا يقطع.
(ولو قطع كامل ناقصة؛ فإن شاء المقطوع.. أخذ دية أصابعه الأربع، وإن شاء.. لقطها) لأنها داخلة في الجناية، ويمكن استيفاء القصاص فيها، وليس للمجني عليه قطع اليد الكاملة، لما فيه من استيفاء الزيادة.
(والأصح: أن حكومة منابتهن تجب إن لقط) أي: إذا لقط الأصابع الأربع.. فقد استبقى كف الجاني مع استيفائه كفه، فهل يجب له حكومة أربعة أخماس الكف التي هي منبت ما استوفاه من الأصابع؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تجب وتدخل تحت قصاص الأصابع؛ كما تدخل في ديتها؛ فإنه أحد موجبي الجناية، وأصحهما: الوجوب؛ لأن الحكومة من جنس الدية؛ فلا يبعد دخولها فيها، بخلاف القصاص.
(لا إن أخذ ديتهن) بل تدخل تحت دية الأصابع؛ كما أن حكومة جميع الكف تندرج تحت دية الأصابع، فإن الواجب في لقط الخمس خمسون من الإبل، وفي القطع من الكوع لا يجب إلا ذلك، وإذا كان كذلك.. وجب تبعية البعض للبعض؛ إلحاقًا للبعض بالكل، وقيل: لا تدخل وتختص قوة الاستتباع بالكل.
(وأنه تجب في الحالين) أي: في حالة أخذ الدية، وحالة لقط الأصابع (حكومة خمس الكف) وهي: ما يقابل منبت إصبعه الباقية؛ أما في حالة لقط الأصابع..

وَلَوْ قَطَعَ كَفًّا بِلَا أَصَابِعَ.. فَلَا قِصَاصَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ كَفُّهُ مِثْلَهَا، وَلَوْ قَطَعَ فَاقِدُ الأَصَابِعِ كَامِلَهَا.. قَطَعَ كَفَّهُ وَأَخَذَ دِيَةَ الأَصَابِعِ.
وَلَوْ شَلَّتْ إِصْبَعَاهُ فَقَطَعَ يَدًا كَامِلَةً؛ فَإِنْ شَاءَ.. لَقَطَ الثَّلَاثَ السَّلِيمَةَ وَأَخَذَ دِيَةَ إِصْبَعَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ.. قَطَعَ يَدَهُ وَقَنِعَ بِهَا.

فَصْلٌ [في اختلاف مستحق الدم والجاني]

قَدَّ مَلْفُوفًا وَزَعَمَ مَوْتَهُ.. صُدِّقَ الْوَليُّ بِيَمِينِهِ فِي الأَظْهَرِ

فجزمًا؛ كما في "الروضة" و"أصلها" 1، وأمّا في أخذ الدية.. فعلى الأصحِّ، وقيل: بالمنع، وكل إصبع تستتبع الكف؛ كما تستتبعها كل الأصابع، ونازع البُلْقيني في إيجاب حكومة خمس الكف وقال: الواجب: خمس الحكومة، لا حكومة الخمس؛ لأن حكومة خمس الكف أقل من خمس الحكومة.
(ولو قطع كفًّا بلا أصابع.. فلا قصاص إلا أن يكون كفه مثلها) لفقد المساواة في الأولى، ووجودها في الثانية، (ولو قطع فاقد الأصابع كاملها.. قطع كفه وأخذ دية الأصابع) ليصل إلى حقه.
(ولو شلّت إصبعاه فقطع يدًا كاملة؛ فإن شاء.. لقط الثلاث السلمية) لأنها مساوية لأصابعه (وأخذ دية إصبعين) لتعذر الوصول إلى تمام حقه.
(وإن شاء.. قطع يده وقنع بها) (وليس له طلب أرش الإصبعين؛ لأنه لو كانت يده شلاء بجملتها.. لا يستحق شيئًا مع قطعها، ففي البعض أولى.

(فصل: قد ملفوفًا) في ثوب نصفين (وزعم موته.. صدق الولي بيمينه في الأظهر) لأن الأصل استمرار الحياة، وأيضًا: فإنه كان مضمونًا، والأصل استمرار تلك الحالة، فأشبه ما إذا قتل مسلمًا وادعى ردته، ووجه مقابله: أن الأصل براءة الذمة، وهو ما عليه الجمهور، وقال الماوردي: نص عليه الشافعي في أكثر كتبه 2، بل قضية كلامه: أن تصديق الولي من تخريج الربيع لا نقله.

وَلَوْ قَطَعَ طَرَفًا وَزَعَمَ نَقْصَهُ.. فَالْمَذْهَبُ: تَصْدِيقُهُ إِنْ أَنْكَرَ أَصْلَ السَّلَامَةِ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ، وَإِلَّا.. فَلَا

وظاهر كلام المصنف: إيجاب القود إذا صدقنا الولي، وهو قضية كلام "الروضة" في (باب القسامة) 1، لكن قال في "زيادة الروضة" هنا: تجب الدية دون القصاص، ذكره المَحاملي والبغوي، وقال المتولي: هو على الخلاف في استحقاقه بالقسامة؛ أي: والأصحُّ: المنع 2. وتصويره بالملفوف قد يوهم: أنه لو لم يكن ملفوفًا بل كان لابسًا؛ كالحي.. أن المصدق الولي قطعًا، قال الأَذْرَعي: والظاهر: أنه لا فرق؛ ولهذا جعل الشافعي القولين في "الأم" فيما لو هدم عليهم بيتًا وزعم موتهم، والوليُّ حياتهم.
انتهى وقال البُلْقيني: محل الخلاف: فيما إذا عهدت للملفوف حياة، وإلا.. فالمصدق الجاني قطعًا؛ كالسقط.
وظاهر قول المصنف: (بيمينه) الاكتفاء بيمين واحدة، وبه صرح ابن الصباغ، قال البُلْقيني: وليس كذلك، بل لا بد من خمسين يمينًا.
(ولو قطع طرفًا وزعم نقصه) كشلل في اليد والرجل، وخرس في اللسان وأنكره المجني عليه (.. فالمذهب: تصديقه) أي: الجاني (إن أنكر أصل السلامة في عضو ظاهر) كاليد والرجل واللسان والعين؛ لأن الأصل عدم وجوب القصاص، وأنه لم يفوت ما يدعيه المجني عليه، والمجني عليه متمكن من إقامة البينة على السلامة التي يدعيها؛ لظهور العضو.
(وإلا.. فلا) أي: وإن لم ينكر أصل السلامة، بل وافق على أنه كان سليمًا وادعى حدوث النقص.. فالأظهر: تصديق المجني عليه؛ لأن الأصل استمرار السلامة التي كانت، ووجه مقابله: أن الأصل البراءة عن القصاص.
وإن كان العضو باطنًا.. فالأظهر: تصديق المجني عليه أيضًا؛ لأن الأعضاء

أَوْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَمَاتَ وَزَعَمَ سِرَايَةً، وَالْوَليُّ انْدِمَالًا مُمْكِنًا أَوْ سَبَبًا.. فَالأَصَحُّ: تَصْدِيقُ الْوَليِّ، وَكَذَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ وَزَعَمَ سَبَبًا وَالْوَليُّ سِرَايَةً

الباطنة لا يطلع عليها، فتعسر إقامة البينة على سلامتها، وسواء أنكر الجاني أصل السلامة أو سلمه وادعى زوالها.
والمراد بالباطن: ما يعتاد ستره مروءة، وقيل: ما يجب، وهو العورة، والظاهر: ما سواه.
وإذا صدقنا الجاني.. احتاج المجني عليه إلى بينة بالسلامة، ثم الأصحُّ: أنه يكفي قول الشهود: كان صحيحًا، ولا يشترط تعرّضهم لوقت الجناية.
(أو) قطع (يديه ورجليه فمات وزعم) الجاني موته (سراية، والولي اندمالًا ممكنًا أو سببًا) كقوله: (قتل نفسه)، أو (قتله آخر).. فالواجب: ديتان).. فالأصح: تصديق الولي) بيمينه، وهو ما قطع به الأكثرون؛ لأن الأصل بقاء الديتين الواجبتين، والأصل عدم المسقط.
والثاني: يصدق الجاني؛ لاحتمال ما يقوله، والأصل براءة ذمته، وهذا الوجه خرّجه أبو الطيب ابن سلمة، ولم يحكياه في "الروضة" و"أصلها"، والثالث: إن كان احتمال الاندمال مع إمكانه بعيدًا.. صدِّق الجاني، وإلا.. فا لولي، وادعى الإمام اتفاق الأصحاب عليه واعترض 1. ومقابله في الصورة الثانية -وهي ما إذا قال: (مات بسبب آخر) -: وجه فقط، وهو تصديق الجاني؛ لأصل براءة ذمته.
واحترز بقوله: (اندمالًا ممكنًا) عما إذا لم يمكن الاندمال في تلك المدة؛ لقصرها؛ كيوم أو يومين.. فإن القول قول الجاني بلا يمين، وقيل: بيمين، وهو ضعيف.
(وكذا لو قطع يده وزعم) الجاني (سببًا) مات به؛ من قتل أو شرب سمّ مُوَحٍّ حتى لا يلزمه إلا نصف دية، (و) زعم (الولي) موته (سراية) فعليه كل الدية، فالأصحُّ: تصديق الولي؛ لأن الأصل أنه لم يوجد سبب آخر، ووجه مقابله: أن الأصل براءة الذمة.

وَلَوْ أَوْضَحَ مُوضِحَتَيْنِ وَرَفَعَ الْحَاجِزَ وَزَعَمَهُ قَبْلَ انْدِمَالِهِ.. صُدِّقَ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا.. حُلِّفَ الْجَريحُ وَثَبَتَ أَرْشَانِ، وَقِيلَ: وَثَالِثٌ.

فَصْلٌ [في مستحق القود ومستوفيه وما يتعلق بهما]

الصَّحِيحُ: ثبُوتُهُ لِكُلِّ وَارِثٍ، وَيُنْتَظَرُ غَائِبُهُمْ وَكَمَالُ صَبِيِّهِمْ وَمَجْنُونِهِمْ،

(ولو أوضح موضحتين ورفع الحاجز) بينهما، والجميع عمدٌ أو خطأ ونحوه، (وزعمه قبل اندماله) فليس عليه إلا أرش موضحة واحدة، وقال المجني عليه: (بل بعده؛ فعليك أرش ثلاث موضحات (.. صدق) الجاني بيمينه (إن أمكن) عدم الاندمال، بأن قصر الزمان، (وإلا) أي: وإن لم يمكن، بأن طال الزمان).. حُلِّف الجريح وثبت أرشان) عملًا بالظاهر في الحالين، (وقيل: وثالث) 1 لأنه ثبت رفع الحاجز باعترافه، وثبت الاندمال بيمين المجني عليه، فقد حصلت موضحة ثالثة، والأصحُّ: لا يثبت ويصدق فيه الجاني؛ لأنه يقول: (رفعت الحاجز حتى لا يلزمني أرشان)، بل يعود الأولان إلى واحد، فإذا لم يقبل قوله في الاتحاد.. وجب ألا يقبل في الثالث الذي لم يثبت موجبه.
قال الغزي: وعبارة المصنف مستدركة؛ لأن قوله: (وإلا) أي: وإن لم يمكن أن يكون رفع الحاجز قبل الاندمال، وحينئذ: فيصدق المجني عليه، ويجب أرش ثالث قطعًا؛ لأنه إذا كان الفرض أن ذلك عند عدم إمكان ذلك قبل الاندمال.. تعين أن يكون بعده انتهى وأصله للأَذْرَعي.

(فصل: الصحيح: ثبوته) يعني: القصاص (لكلّ وارث) على حسب الميراث؛ لأنه حق موروث، فكان على الفرائض؛ كالمال، والثاني: يثبت للعصبة خاصة؛ لأن القصاص لدفع العار، فاختص بهم؛ كولاية النكاح، والثالث: يستحقه الوارثون بالنسب دون السبب؛ لانقطاعه بالموت؛ فلا حاجة إلى التشفي.
(وينتظر غائبهم) إلى أن يحضر أو يراجع (وكمال صبيهم ومجنونهم) لأن

وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ وَلَا يُخَلَّى بِكَفِيلٍ، وَلْيَتَّفِقُوا عَلَى مُسْتَوْفٍ، وَإِلَّا.. فَقُرْعَةٌ يَدْخُلُهَا الْعَاجِزُ وَيَسْتَنِيبُ، وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُ

القصاص للتشفي، فحقه التفويض إلى خيرة المستحق، ولا يحصل ذلك باستيفاء الولي.
(ويحبس القاتل) إلى أن يحضر الغائب، ويكمل الصبي والمجنون؛ لأنه استحق قتله، وفيه إتلاف نفس ومنفعة، فإذا تعذر استيفاء نفسه.. أتلفنا منفعته بالحبس، ومحل الحبس: في غير قاطع الطريق، أما فيه.. فالقصاص متحتم بشرطه؛ فلا يؤخر.
(ولا يخلى بكفيل) لأنه قد يهرب فيفوت الحق، ويحبسه الحاكم إذا ثبت عنده القتل من غير توقف على طلب الولي.
قاله الماوردي 1. (وليتفقوا على مستوف) إذا كان القصاص لجماعة حاضرين مكلفين؛ لأن في اجتماعهم على قتله تعذيبًا له، فلا بد من اتفاقهم على مستوف ولو أجنبيًّا، (وإلا) أي: وإن لم يتفقوا ورام كل منهم الاستيفاء (.. فقرعة) لعدم المزية، فمن خرجت قرعته.. تولاه بإذن الباقين، فلو منعه غيره.. امتنع؛ لأن حقه من الاستيفاء لا يسقط بخروجها لغيره، بدليل صحة إبرائه منه والعفو عنه على مال، قال الروياني: وهذا الإقراع واجب على المذهب.
قال شيخنا: ومحل الإقراع: ما إذا كان القصاص بجارح أو مثقل يحصل باجتماعهم عليه زيادة تعذيبه، فإن كان بإغراق أو تحريق أو رمي صخرة.. فللورثة الاجتماع عليه ولا حاجة للقرعة.
(يدخلها العاجز) عن الاستيفاء؛ كالشيخ والمرأة؛ لأنه صاحب حق، (ويستنيب) إذا خرجت القرعة له من يصلح للاستيفاء، (وقيل: لا يدخل) لأنه ليس أهلًا للاستيفاء، والقرعة إنما تجري بين المستويين في الأهلية، وهذا هو الأصحُّ عند الأكثرين؛ كما في "أصل الروضة"، ونقل الرافعي في "الشرح الكبير" تصحيحه عن

وَلَوْ بَدَرَ أَحَدُهُمْ بِقَتْلِهِ.. فَالأَظْهَرُ: لَا قِصَاصَ، وَللْبَاقِينَ قِسْطُ الدِّيَةِ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنَ الْمُبَادِرِ، وَإِنْ بَادَرَ بَعْدَ عَفْوِ غَيْرِهِ.. لَزِمَهُ الْقِصَاصُ. وَقِيلَ: لَا إِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَيحْكُمْ قَاضٍ بِهِ

ابن كَجٍّ وأبي الفرج والإمام، ونقل تصحيح مقابله عن البغوي فقط، وصحح في "الشرح الصغير": أنه لا يدخل، وبه قطع بعضهم، ونص عليه في "الأم" 1. (ولو بدر أحدهم) أي: الورثة (بقتله 2 بغير إذن الباقين (.. فالأظهر: لا قصاص) لأن له حقًّا في قتله، فصار شبهة دارئة للقصاص، ولأن من علماء المدينة أو أكثرهم من ذهب إلى أنه يجوز لكل منهم الانفراد وإن عفا الباقون، ويقال: إنه رواية عن مالك، واختلاف العلماء شبهة في الإباحة، والثاني: يجب؛ لأنه استوفى أكثر من حقه، فلزمه القصاص فيه؛ كما لو استحق طرفًا فاستوفى نفسًا.
ومحل القولين: ما إذا قتله عالمًا بالتحريم، فإن جهل.. فلا قصاص قطعًا، وكذا فيما إذا كان قبل حكم الحاكم، فإن كان بعد حكمه بالمنع منه.. وجب القود قطعًا، وإن كان بعد حكم الحاكم باستقلاله بالقود.. فلا قود قطعًا، قاله البُلْقيني، قال: وفي كلام الماوردي ما يقتضي طرد وجه فيهما.
(وللباقين قسط الدية) لفوات القصاص بغير اختيارهم (من تركته) أي: تركة الجاني؛ لأن القاتل فيما وراء حقه كالأجنبي، ولو قتله أجنبي.. أخذت الورثة الدية من تركة الجاني لا من الأجنبي، فكذا هنا، (وفي قول: من المبادر) (وهو الأخ المبادر مثلًا؛ لأنه أتلف ما يستحقه هو وأخوه، فلزمه ضمان حق أخيه؛ كما لو كانت لهما وديعة فأتلفها أحدهما.
وفرق الأول: بأن الوديعة غير مضمونة، والنفس هنا مضمونة؛ فإنها لو تلفت بآفة سماوية.. وجبت الدية.
(وإن بادر بعد عفو غيره.. لزمه القصاص) لارتفاع الشبهة؛ لأن حقه يسقط بعفو غيره، (وقيل: لا إن لم يعلم ويحكم قاض به) أي: بالعفو؛ لشبهة اختلاف العلماء

وَلَا يُسْتَوْفَى قِصَاصٌ إِلَّا بِإِذْنِ الإِمَامِ، فَإِنِ اسْتَقَلَّ.. عُزِّرَ، وَيَأْذَنُ لِأهْلٍ فِي نَفْسٍ،

فيه، أما إذا حكم القاضي به وعلمه.. فيلزمه القصاص قطعًا، وإن علم العفو ولم يحكم به.. لزمه أيضًا على المذهب، وإن جهله؛ فإن قلنا: لا قصاص إذا علمه.. فهنا أولى، هذه عبارة "الروضة" 1، ولا يؤخذ منها ترجيح في حالة الجهل بالعفو إذا لم يحكم به، وإطلاق "الكتاب" يقتضي: أن الأصحَّ: وجوب القصاص 2. (ولا يستوفى قصاص إلا بإذن الإمام) أو نائبه لخطره، وظاهر كلامه: أنه لا يشترط حضوره، بل يكفي إذنه، لكن كلام "الأم" يقتضي حضوره، وبه جزم في "التنبيه" و"البيان" 3. ويستثنى من اعتبار الإذن صور: إحداها: السيد؛ فإنه يقيم القصاص على عبده؛ كما هو مقتضى تصحيح الشيخين من أنه يقيم عليه حد السرقة والمحاربة، ثم قالا: وأجرى جماعة منهم ابن الصباغ الخلاف المذكور في القتل والقطع قصاصًا 4، ثانيها: إذا كان المستحق مضطرًّا.. فله قتله قصاصًا وأكله، قاله الرافعي في بابه 5، ثالثها: إذا انفرد بحيث لا يرى.. قال الشيخ عز الدين في آخر "قواعده": ينبغي ألَّا يمنع منه ولا سيما إذا عجز عن إثباته 6، رابعها: القاتل في الحرابة لكل من الإمام والولي الانفراد بقتله ذكره الماوردي، وفيه نظر.
(فإن استقل) باستيفائه (.. عزر) لافتئاته على الإمام، (ويأذن لأهل) في الاستيفاء بنفسه (في نفس) ليكمل التشفي، وخرج بالأهل: الشيخ والزمن والمرأة؛ فإن الإمام يأمره أن يستنيب، ويخرج أيضًا: ما لو قتل ذمي ذميًّا ثم أسلم القاتل.. فإنه لا يمكن الوارث الذمي من الاقتصاص؛ لئلا يتسلط الكافر على المسلم، ومنه يعلم

لَا طَرَفٍ فِي الأَصحِّ، فَإِنْ أَذِنَ فِي ضَرْبِ رَقَبَةٍ فَأَصَابَ غَيْرَهَا عَمْدًا.. عُزِّرَ وَلَمْ يَعْزِلْهُ، وَإِنْ قَالَ: (أَخْطَأْتُ) (وَأَمْكَنَ.. عَزَلَهُ وَلَمْ يُعَزَّرْ. وَأُجْرَةُ الْجَلَّادِ عَلَى الْجَانِي عَلَى الصَّحِيحِ،

امتناع توكيل المسلم ذميًّا في الاستيفاء من المسلم، وبه صرح الرافعي في (كتاب البغاة)، والحق به الشيخ عز الدين عدو الجاني؛ لما يخشى منه من الحيف 1. وخالف ما نحن فيه الجلد في القذف؛ فإنه لا يفوض إلى المقذوف؛ لأن تفويت النفس مضبوط، والجلدات يختلف موقعها، والتعزير كحد القذف.
(لا طرف في الأصح) لأنه لا يؤمن أن يردد الحديدة، ويزيد في الإيلام، والثاني: يأذن له كالنفس؛ لأن إبانة الطرف مضبوطة.
(فإن أذن) الإمام للولي (في ضرب رقبة فأصاب غيرها عمدًا.. عُزِّر) لتعديه، وتعرف العمدية باعترافه، أو بادعاء الخطأ فيما لا يخطئ بمثله؛ كضرب رجليه أو وسطه، (ولم يعزله) لوجود الأهلية وإن تعدى بفعله؛ كما لو جرحه قبل الارتفاع إلى الحاكم.. لا يمنع من الاستيفاء.
(وإن قال: "أخطأت" وأمكن) الخطأ؛ بأن ضرب كتفه أو رأسه مما يلي الرقبة (.. عزله) لأن حاله يشعر بعجزه وخوفه، قال الإمام: وينبغي تخصيص هذا بمن لم يعرف مهارته في ضرب الرقاب، فأما الماهر.. فينبغي ألّا يعزل لخطأ اتفق له، وأقرّاه، وكلام الماوردي يفهمه 2، وجزم به صاحب"الكافي"، (ولم يعزر) والحالة هذه، وذلك إذا حلف؛ كما قيداه في "الروضة" و"أصلها" 3. (وأجرة الجلاد على الجاني على الصحيح) إذا لم ينصب الإمام جلادًا؛ لأن الحق عليه، فيلزمه أجرة الاستيفاء؛ كما يلزم البائع أجرة الكيال، والمشتري أجرة الوزان، والثاني: أنها على المقتص، والواجب عليه التمكين لا التسليم؛ كما أن أجرة نقل الطعام المشترى على المشتري.

وَيَقْتَصُّ عَلَى الْفَوْرِ، وَفِي الْحَرَمِ وَالْحَرِّ وَالْبَردِ وَالْمَرَضِ. وَتُحْبَسُ الْحَامِلُ فِي قِصَاصِ النَّفْسِ أَوِ الطَّرَفِ حَتَّى تُرْضِعَهُ اللِّبَأَ وَيَسْتَغْنِيَ بِغيْرِهَا، أَوْ فِطَامٍ لِحَوْلَيْنِ،

وكلامه قد يفهم: أنه لو قال الجاني: (أنا أقتص من نفسي ولا أؤدي الأجرة).. لا يقبل منه، وهو الأصحُّ، لفقد التشفي، وقيل: يقبل، كما في قطع السارق.
وفرق الأول: بأن الغرض من القطع التنكيل، وهو يحصل بذلك، بخلاف القصاص؛ فإن الغرض فيه التشفي.
(ويقتص على الفور) قتلًا وقطعًا؛ لأن القصاص موجب الإتلاف فيتعجل؛ كقيم المتلفات (وفي الحرم) لأنه قتل لو وقع في الحرم.. لم يوجب ضمانًا، فلم يمنع منه؛ كقتل الحية والعقرب.
نعم؛ لو التجأ إلى المسجد الحرام أو غيره من المساجد.. لا يقتل فيه على الأصحِّ، بل يخرج ويقتل؛ لأنه تأخير يسير؛ صيانة للمسجد، وقيل: تبسط الأنطاع ويقتل فيه، ولو التجأ إلى الكعبة أو إلى ملك إنسان.. أخرج قطعًا؛ كما قاله في "زيادة الروضة" 1. (والحرِّ والبرد والمرض) وإن كان مخطرًا، وإطلاقه: يتناول قصاص النفس والطرف، وبه قطع الغزالي والبغوي وغيرهما، ونقل الروياني في "جمع الجوامع": أنه نص في "الأم" على أنه يؤخر قطع الطرف لهذه الأسباب؛ كذا قالاه في "الشرح" و"الروضة" 2، قال الأَذْرَعي: فهو المذهب إلا أن يثبت للشافعي نص يخالفه، وقال البُلْقيني: ما نقله الروياني موجود في "الأم" وهو المعتمد.
قالا: وكذا لا يؤخر الجلد في القذف، بخلاف القطع والجلد في حدود الله تعالى، لبنائها على المساهلة، بخلاف حق الآدمي 3. (وتحبس الحامل في قصاص النفس، أو الطرف حتى ترضعه اللبأ ويستغني بغيرها، أو فطام لحولين) هذا كالمستثنى من فورية القصاص؛ أما تأخيرها إلى

وَالصَّحِيحُ: تَصْدِيقُهَا فِي حَمْلِهَا بِغَيْرِ مَخِيلَةٍ. وَمَنْ قَتَلَ بِمُحَدَّدٍ أَوْ خَنْقٍ أَوْ تَجْوِيعٍ وَنَحْوِهِ.. اقْتُصَّ بِهِ،

الوضع.. فهو إجماع في النفس، وأما في الطرف.. فلأن فيه إجهاض الجنين وهو متلف له، وأما تأخيرها؛ لإرضاع اللبأ -وهو اللبن أول النتاج-.. فلأن الولد لا يعيش إلا به غالبًا أو محققًا، وأما التأخير للاستغناء بغيرها.. فلأجل حياة الولد أيضًا، فإن لم يوجد ذلك الغير ولو بهيمة.. يحل له تناول لبنها حتى ترضعه حولين؛ كما قاله المصنف.
وأفهم كلام "الكتاب": أن ما ذكره مختص بالقصاص، وهو كذلك؛ فالرجم وسائر حدود الله تعالى لا تحبس فيها على الصحيح، ولا تستوفى وإن وجدت مرضعة، بل ترضعه إلى أن يوجد كافل بعد انقضاء الإرضاع؛ لأنها مبنية على المساهلة والتخفيف.
نعم؛ الجلد في القذف كالقصاص، وسواء في ذلك الحامل من زنًا أو غيره [وسواء وجبت العقوبة قبل الحمل أو بعده، حتى إن المرتدة لو حملت من زنًا أو غيره، 1 بعد الردة لا تقتل حتى تضع.
(والصحيح: تصديقها في حملها بغير مخيلة) مع اليمين؛ كما صرح به الماوردي 2؛ لأنها مؤتمنة على ما في رحمها، وقد رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى قول الغامدية 3، والثاني: المنع؛ لأن الأصل عدمه وهي متهمة.
(ومن قتل بمحدد أو خنق أو تجويع ونحوه) كتغريق أو تحريق أو إلقاء من شاهق أو قتل بمثقل (.. اقتص به) أي: بمثله؛ فإن المماثلة معتبرة في الاستيفاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، ولأنه صلى الله عليه وسلم رضّ رأس يهودي بين حجرين

جارٍ التحميل