وَفِي بَعْضِ الْحُرُوفِ قِسْطُهُ، وَالْمُوَزَّعُ عَلَيْهَا ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَقِيلَ: لَا يُوَزَّعُ عَلَى الشَّفَهِيَّةِ وَالْحَلْقِيَّةِ، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِهَا خِلْقَةً أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ.. فِدِيَةٌ، وَقِيلَ: قِسْطٌ،
أخذت فعاد.. استردت، (وفي بعض الحروف قسطه) فإن الكلام يتركب منها، وسواء ما خف منها على اللسان وما ثقل.
(والموزع عليها ثمانية وعشرون حرفًا في لغة العرب) فلكل سبع ربع الدية، وزافى الماوردي (لا) فيها 1، وأسقطها الجمهور؛ لدخولها في الألف واللام، وجماعة من النحاة عدوها تسعة وعشرين، وزادوا (الهمزة)، ولم يعدوا المركب من الألف واللام.
ويختبر المجني عليه؛ بأن يستنطق بحروف المعجم حرفًا حرفًا، ويحكم له بالدية بقسط ما ذهب منها، قاله سليم وغيره.
واحترز بـ (لغة العرب): عن غيرها؛ فإن كانت لغته غيرها.. وزع على حروف لغته وإن كانت أكثر حروفًا.
(وقيل: لا يوزع على الشفهية) (وهي (الباء)، و (الفاء)، و (الميم)، و (الواو)، (والحلقية) (وهي (الهمزة)، و (الهاء)، و (العين)، و (الغين)، و (الحاء)، و (الخاء)، وإنما التوزيع على الحروف الخارجة من اللسان، وهي ما عداها فتكون ثمانية عشر على هذا؛ لأن منفعة اللسان هي النطق بها، فيكون التوزيع عليها، وتكمل الدية فيها، وأجاب من قال بالأول: بأن الحروف وإن كانت مختلفة المخارج إلا أن الاعتماد في جميعها على اللسان، وبه يستقيم النطق ويكمل.
(ولو عجز عن بعضها) أي: الحروف، كالأرت، والألثغ الذي لا يتكلم إلا بعشرين حرفًا (خلقة أو بآفة سماوية.. فدية) لأنه ناطق، وله كلام مفهوم، إلا أن في منطقه ضعفًا، وضعف منفعة العضو لايقدح في كمال الدية؛ كضعف البطش والبصر، (وقيل: قسط) أي: قسط الدية من جميع الحروف؛ لأن النطق مقدر بالحروف، بخلاف البطش.
أَوْ بِجِنَايَةٍ.. فَالْمَذْهَبُ: لَا تُكُمَّلُ دِيَةٌ، وَلَوْ قَطَعَ نِصْفَ لِسَانِهِ فَذَهَبَ رُبُعُ كَلَامِهِ أَوْ عَكَسَ.. فَنِصْفُ دِيَةٍ. وَفِي الصَّوْتِ دِيَةٌ، فَإِنْ بَطَلَ مَعَهُ حَرَكَةُ لِسَانٍ فَعَجَزَ عَنِ التَّقْطِيعِ وَالتَّرْدِيدِ.. فَدِيَتَانِ، وَقِيلَ: دِيَةٌ
(أو) أي: عجز عن بعضها (بجناية.. فالمذهب: لا تكمل دية) لئلا يتضاعف الغرم في القدر الذي أبطله الجاني الأول.
وتعبيره بالمذهب يقتضي: إثبات طريقين، وليس في "الروضة" و"أصلها" غير خلاف مرتب على الوجهين في المسألة قبلها 1.
(ولو قطع نصف لسانه، فذهب ربع كلامه، أو عكس.. فنصف دية) لأن اللسان مضمون بالدية، وكذا الكلام، ولو لم تؤثر الجناية إلا في أحدهما.. لوجبت الدية، فإذا أثرت فيهما.. وجب أن ينظر إلى الأكثر؛ لأنه لو انفرد.. لوجب قسطه 2.
(وفي الصوت دية) لأن السنة مضت بذلك؛ كما رواه البيهقي عن زيد بن أسلم 3، قال البُلْقيني: ووجوب الدية في الصوت لم يذكره غير الإمام، وهو مردود، ويكاد أن يكون خرقًا للإجماع.
انتهى، وقول زيد بن أسلم: محمول على أنه أراد به الكلام؛ كما ذكره الرافعي وغيره عنه 4، وكلام المتولي مصرح بأنه أراد ذلك.
(فإن بطل معه) أي: الصوت (حركة لسان فعجز عن التقطيع والترديد.. فديتان) لأنهما منفعتان مختلفتان في كل واحدة منهما إذا أفردت بالتفويت كمال الدية، فإذا فوتتا.. وجب ديتان، (وقيل: دية) لأن المقصود الكلام، لكنه يفوت بطريقين: بانقطاع الصوت، وعجز اللسان عن الحركة، وقد يجتمع الطريقان، وقد يوجد
وَفِي الذَّوْقِ دِيَةٌ، وَتُدْرَكُ بِهِ حَلَاوَةٌ وَحُمُوضَةٌ وَمَرَارَةٌ وَمُلُوحَةٌ وَعُذُوبَةٌ، وَتُوَزَّعُ عَلَيْهِنَّ، فَإِنْ نَقَصَ.. فَحُكُومَةٌ. وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْمَضْغِ،
أحدهما خاصة، وما رجحه تبع فيه "المحرر"، والرافعي إنما حكى ترجيحه عن اقتضاء نظم "الوجيز"، لكن في "الروضة" أطلق ترجيحه 1، وقال الأَذْرَعي: لم أر حكاية ما رجحه في "الكتاب" في غير "النهاية"، ولم أر ترجيحه إلا في "الوجيز"، والذي فهمته من كلام الأصحاب تصريحا وتلويحًا الثاني، وهو ما يقتضيه كلامهم قطعًا.
(وفي الذوق دية) لأنه أحد الحواس الخمس فأشبه الشم.
وصور المسألة الجمهور: بأن يجني على لسانه فيفقد لذة ذوقه، والتمييز بين الطعوم الخمسة الآتية، واعترضه ابن الصباغ، بأن الشافعي رضي الله عنه قد نص على أن في لسان الأخرس الحكومة، مع أن الذوق يذهب بذهابه، فدل على أن في الذوق الحكومة، قال ابن الرفعة: وهو حسن.
نعم؛ لو صح ما قاله المتولي: أن محل الذوق طرف الحلق.. لاندفع الإشكال.
(وتدرك به) أي: بالذوق (حلاوة، وحموضة، ومرارة، وملوحة، وعذوبة، وتوزع) الدية (عليهن) فلو أبطل إدراك واحد منها.. وجب خمس الدية، وهكذا.
(فإن نقص) نقصانًا لا يتقدر؛ بأن يحس بمذاق الخمس، لكنه لا يدركها على كمالها (.. فحكومة) تختلف بقوة النقصان وضعفه، وإذا اختلفا في ذهاب الذوق.. جرب بالأشياء المرة، أو الحامضة الحادة، فإن ظهر منه تعبيس وكراهة.. صدق الجاني بيمينه، وإلا.. فالمجني عليه.
(وتجب الدية في المضغ) لأن المنفعة العظمى للأسنان المضغ، والأسنان مضمونة بالدية، فكذلك منفعتها؛ كالبصر مع العين، والبطش مع اليد.
وصورة ذهاب المضغ: أن يجني على أسنانه فتخدر وتبطل صلاحيتها للمضغ، أو بأن يتصلب مغرس اللحيين فتمتنع حركتهما مجيئًا وذهابًا.
وَقُوَّةِ إِمْنَاءٍ بِكَسْرِ صُلْبٍ، وَقُوَّةِ حَبَلٍ وَذَهَابِ جِمَاعٍ، وَفِي إِفْضَائِهَا مِنَ الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ دِيَةٌ - وَهُوَ: رَفْعُ مَا بَيْنَ مَدْخَلِ ذَكَرٍ وَدُبُرٍ، وَقِيلَ: ذَكَرٍ وبَوْلٍ -
(وقوة إمناء بكسر صلب) أي: يجب فيه الدية أيضًا؛ لفوات المقصود، وهو النسل، ولو قطع أنثييه فذهب ماؤه.. لزمه ديتان.
(وقوة حبل) أي: إذا أبطل من المرأة قوة الإحبال.. وجب فيه الدية؛ لفوات النسل.
(وذهاب جماع) أي: إذا كسر صلبه فأذهب شهوة جماعه؛ بأن صار لا يلتذ به، ولا رغبة له فيه مع عدم انقطاع مائه وسلامة ذكره.. تجب الدية؛ لأن المجامعة من أصول المنافع، واستبعد الإمام ذهاب الشهوة مع بقاء المني، ثم قال: إن أمكن ذلك.. فيجب أن يقال: إذا ذهب بالجناية شهوة الطعام.. تجب الدية بطريق الأولى إن صح تصويره 1، وصور الماوردي ذهاب المجامعة بذهاب المني، وعدم انتشار الذكر لا لشلل فيه 2.
(وفي إفضائها من الزوج وغيره دية) روي ذلك عن زيد بن ثابت رضي الله عنه 3، وعلله الماوردي بأنه يقطع التناسل؛ لأن النطفة لا تستقر في محل العلودتى لامتزاجها بالبول، فأشبه قطع الذكر 4، (وهو) يعني: الإفضاء (رفع ما بين مدخل ذكر ودبر) أي: فيجعل سبيل الجماع والغائط واحدًا؛ إذ به تفوت المنفعة بالكلية، مأخوذ من الفضاء بمعنى السعة، (وقيل: ذكر وبول) فيجعل سبيل الجماع والبول واحدًا؛ لأن الأصحاب فرضوه بالذكر، وما بين القبل والدبر قوي لا يرفعه الذكر وإن كان الحكم بغيره؛ كالإفضاء به.
وما صححه تبع فيه "المحرر" و"الشرح الصغير" هنا، وصححه في "أصل الروضة" ولم يصرح في "الكبير" هنا بترجيح 5، وجزما في "الشرح" و"الروضة"
فإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْوَطْءُ إِلَّا بِإِفْضَاءٍ.. فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ، وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ اقْتِضَاضَهَا فَأَزَالَ الْبَكَارَةَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ.. فَأَرْشُهَا، أَوْ بِذَكَر لِشُبْهَةٍ أَوْ مُكْرَهَةً.. فَمَهْرُ مِثْلٍ ثَيِّبًا وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَقِيلَ: مَهْرُ بِكْرٍ،
في (باب الخيار في النكاح) بالثاني 1، وصحح المتولي أن كلًّا منهما إفضاء موجب للدية؛ لأن الاستمتاع يحُل بكل منهما؛ فإن أزالهما.. فديتان، قال البُلْقيني: والأصحُّ: هو المذكور هنا.
(فإن لم يمكن الوطء إلا بإفضاء) لكبر في آلة الرجل، أو ضيق في المرأة (.. فليس للزوج) الوطء؛ لإفضائه إلى الإفضاء المحرم، ولا يلزمها التمكين والحالة هذه.
(ومن لا يستحق اقتضاضها 2 أي: البكر (فأزال البكارة بغير ذكر) كإصبع، وخشبة (.. فأرشها) أي: البكارة، وهو الحكومة بتقدير الرق؛ كما سيأتي في بابه، وجنس الواجب من الإبل لا من نقد البلد على الأصحِّ؛ لأنها قاعدة الجناية على الحر.
(أو بذكر لشبهة) كظنها زوجته، (أو مكرهة.. فمهر مثل ثيبًا وأرش البكارة) ولا يندرج أرش البكارة في المهر؛ لأن المهر يجب لاستيفاء منفعة البضع، والأرش يجب لإزالة تلك الجلدة، وهماجةتان مختلفتان، (وقيل: مهر بكر) فقط؛ لأن القصد من هذا الفعل الاستمتاع، وإزالة تلك الجلدة يحصل في ضمن الاستمتاع، وهذا ما رجحه في "أصل الروضة" في (باب خيار النقص) 3، وقيل: يلزمه مهر بكر، وأرش بكارة، وجزما به في (البيوع المنهي عنها) فيما إذا وطئ الجارية في الشراء الفاسد 4، واختاره السبكي في (الغصب).
وعلم من قوله: (لشبهة أو مكرهة) أنه عند انتفائهما لا يجب شيء، وهو كذلك
وَمُسْتَحِقُّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنْ أَزَالَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ.. فَأَرْشٌ.
وَفِي الْبَطْشِ دِيَةٌ، وَكَذَا الْمَشْيُ، وَنَقْصِهِمَا حُكُومَةٌ، وَلَوْ كَسَرَ صُلْبَهُ فَذَهَبَ مَشْيُهُ وَجِمَاعُهُ أَوْ وَمَنِيُّهُ.. فَدِيَتَانِ، وَقِيلَ: دِيَةٌ.
فَرْعٌ [في اجتماع جنايات على شخص]
أَزَالَ أَطْرَافًا وَلَطَائِفَ تَقْتَضِي دِيَاتٍ فَمَاتَ سِرَايَةً.. فَدِيَةٌ،
في الحرة، أما الأمة: فيجب الأرش إذا قلنا: يفرد عن المهر، كما ذكروه في (الغصب).
(ومستحقه) أي: الاقتضاض (لا شيء عليه) لأنه إن أزاله بذكره.. فذاك، أو بغيره فقد أتلف حقه، (وقيل: إن أزال بغير ذكر.. فأرش) لعدوله عن طريقة استحقاقه، فأشبه الأجنبي.
(وفي البطش دية) كأن ضرب اليد فزالت القوة، لزوال منفعتها المقصودة، (وكذا المشي) إذا كسر صلبه.. ففات مشيه والرجل سليمة؛ لفوات المنفعة المقصودة منها، (ونقصِهما) أي: البطش والمشي (حكومة) لأجل ما فات.
(ولو كسر صلبه فذهب مشيه وجماعه أو) ذهب مشيه (ومنيه.. فديتان) لأن كل واحد منهما مضمون بالدية عند الانفراد، فكذا عند الاجتماع، (وقيل: دية) لأنهما منفعة عضو واحد؛ لأن الذي تلف منفعة الظهر، والرجلان والذكر على حالة الصحة.
(فرع: أزال) الجاني (أطرافًا) كالأذنين، والأنف (ولطائف) كالسمع، والبصر، والشم (تقتضي ديات، فمات سراية.. فدية) (واحدة؛ لأنها صارت نفسًا.
وكان ينبغي أن يقول: (فمات سراية منها) كما في "المحرر" 1؛ ليخرج ما إذا مات سراية من بعضها بعد اندمال بعض، وسرى ما لم يندمل.. فلا يدخل المندمل في دية النفس قطعًا.
وَكَذَا لَوْ حَزَّهُ الْجَانِي قَبْلَ انْدِمَالِهِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ حَزَّ عَمْدًا وَالْجِنَايَاتُ خَطَأً أَوْ عَكْسُهُ.. فَلَا تَدَاخُلَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ حَزَّ غَيْرُهُ.. تَعَدَّدَتْ.
فَصْلٌ [في الجناية التي لا تقدير لأرشها والجناية على الرقيق]
تَجِبُ الْحُكُومَةُ فِيمَا لَا مُقَدَّرَ فِيهِ؛ وَهِيَ جُزْءٌ نِسْبَتُهُ إِلَى دِيَةِ النَّفْسِ - وَقِيلَ: إِلى
وقد تجب في الشخص سبعة وعشرون دية، وهو حي إذا كان رجلًا، وستة وعشرون إذا كان امرأة، يظهر ذلك بالتأمل فيما سبق، كذا قاله ابن الملقن 1، ولم يظهر بلوغها إلى سبعة وعشرين في الرجل، ولا إلى ستة وعشرين في المرأة.
(وكذا لو حزه الجاني قبل اندماله في الأصح) لأن دية النفس وجبت قبل استقرار بدل الأطراف، فيدخل فيها بدل الأطراف؛ كما لو سرت، والثاني: تجب ديات الأطراف مع دية النفس، ولا تداخل؛ كما لو حز بعد الاندمال، وكما لو كان الحاز غيره.
واحترز بقوله: (قبل اندماله): عما بعده؛ فإنه تجب دية الأطراف، وفى ية النفس قطعًا؛ لاستقرار دية الأطراف بالاندماله.
(فإن حز عمدًا والجنايات خطأ أو عكسه.. فلا تداخل في الأصح) بل يستحق بدل الطرف والنفس؛ لاختلافهما واختلاف من تجب عليه، والثاني: يتداخلان؛ كما لو كانا عمدين أو خطأين.
(ولو حز غيره.. تعددت) ولا تداخل قطعًا؛ لأن فعل الإنسان لا ينبني على فعل غيره.
(فصل: تجب الحكومة فيما لا مقدر فيه) ولم تعرف نسبته من المقدر، فإن عرفت نسبته من مقدر.. وجب ذلك.
(وهي) أي: الحكومة (جزء) من الدية (نسبته إلى دية النفس - وقيل: إلى
عُضْوِ الْجِنَايَةِ - نِسْبَةُ نَقْصِهَا مِنْ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ رَقِيقًا بِصِفَاتِهِ. فَإِنْ كَانَتْ لِطَرَفٍ لَهُ مُقَدَّرٌ.. اشْتُرِطَ أَلَّا تبلُغَ مُقَدَّرَهُ، فَإِنْ بَلَغَتْهُ.. نَقَصَ الْقَاضِي شَيْئًا بِاجْتِهَادِهِ، أَوْ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ كَفَخِذٍ.. فَأَلَّا تَبْلُغَ دِيَةَ نَفْسٍ
عضو الجناية - نسبة نقصها من قيمته لو كان رقيقًا بصفاته) أي: يقوم المجني عليه بصفاته التي هو عليها لو كان رقيقًا، وينظر كم نقصت الجناية من قيمته.. فيوجب من الدية بمثل تلك النسبة، فإذا قوم بمئة قبل الجناية، وبعدها بتسعين.. فالتفاوت العشر، فتجب عشر دية النفس، والوجه الثاني: يعتبر قدر النقصان من دية العضو الذي وردت الجناية عليه لا من دية النفس، فلو نقص عشر القيمة بالجناية على اليد.. وجب عشر دية اليد، وبالجناية على الرأس.. تجب عشر دية الموضحة.
وأفهم قوله: (من دية النفس) اعتبار الإبل في الحكومة، وهو كذلك، لكن قضية كلامه: أنه يقوم بالنقد، وعليه جرى الأصحاب، ونص الشافعي رضي الله عنه على التقويم بالإبل، حكاه البُلْقيني، ثم قال: وهو صحيح جار على أصله في الديات: أن الإبل هي الأصل، فلا حاجة للتقويم بالنقد قال: ولم أر من ذكر ذلك من الأصحاب.
(فإن كانت لطرف له مقدر.. اشترط ألا تبلغ مقدره، فإن بلغته.. نقص القاضي شيئًا باجتهاده) لأن العضو مضمون بالأرش لو فات، فلا يجوز أن تكون الجناية عليه مضمونة بما يضمن به العضو نفسه مع بقائه، قال في "الأم": فلا أوجب في الجناية على أنملة دية أنملة بل أنقص عنها 1؛ يعني: كما ينقص التعزير عن الحد، والرضخ عن سهم الغنيمة.
وقضية قوله: (شيئًا): أنه يكفي أقل متمول، وصرح الإمام بأنه لا يكفي، ونقل في "المطلب" عن الماوردي: أن أقله: ما يجوز أن يكون ثمنًا أو صداقًا.
(أو لا تقدير فيه كفخذ) (وكتف وظهر).. فألا تبلغ دية نفس) فإن بلغتها.. نقص منها، وأفهم جواز بلوغها دية عضو مقدر؛ كاليد، والرجل، وأن يزاد عليه، وهو كذلك، فيجوز أن تبلغ حكومة الساعد والعضد دية الأصابع الخمس وتزيد عليها.
وَيُقَوَّمُ بَعْدَ انْدِمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ نَقْصٌ.. اعْتُبِرَ أَقْرَبُ نَقْصٍ إِلَى الانْدِمَال، وَقِيلَ: يُقَدِّرُهُ قَاضٍ بِاجْتِهَادِهِ، وَقِيلَ: لَا غُرْمَ. وَالْجُرْحُ الْمُقَدَّرُ كَمُوضِحَةٍ يَتبعُهُ الشَّيْنُ حَوَالَيْهِ، وَمَا لَا يَتَقَدَّرُ يُفْرَدُ بِحُكُومَةٍ فِي الأَصَحِّ. وَفِي نَفْسِ الرَّقِيقِ قِيمَتُهُ، وَفِي غَيْرِهَا مَا
(ويقوم) لمعرفة الحكومة (بعد اندماله) لا قبله؛ لأن الجراحة قد تسري إلى النفس، أو إلى ما يكون واجبه مقدرًا، فيكون ذلك هو الواجب لا الحكومة.
(فإن لم يبق نقص) في الجمال ولا المنفعة، ولا تأثرت به القيمة (.. اعتبر أقرب نقص إلى الاندمال) لئلا تحبط الجناية على المعصوم، ولو لم يظهر نقمان إلا في حال سيلان الدم.. اعتبرنا القيمة حينئذ، فلو كانت الجراحة خفيفة لا تؤثر في حال سيلان الدم.. ففي "الوسيط": أنا نلحقها باللطمة والضرب؛ للضرورة 1، وفي "التتمة": أن الحاكم يوجب شيئًا بالاجتهاد، ورجحه البُلْقيني.
(وقيل: يقدره قاض باجتهاده) أي: يوجب شيئا قدر ما أوصل إليه من الألم، وينظر إلى خفة الجناية وفحشها في المنظر؛ كيلا تذهب الجناية هدرًا، (وقيل: لا غرم) بل يجب التعزير فقط؛ كما في الضرب والصفع الذي لم يبق له أثر.
(والجرح المقدر كموضحة يتبعه الشين حواليه) ولا يفرد بحكومة؛ لأنه لو استوعب بالإيضاح جميع موضع الشين.. لم يكن فيه إلا أرش موضحة.
ويستثنى من الاستتباع: ما لو أوضح جبينه، وأزال حاجبه.. فعليه الأكثر من أرش موضحة، وحكومة الشين، وإزالة الحاجب، قاله المتولي وأقراه 2.
(وما لا يتقدر) أرشه (يفرد) الشين الذي حوله (بحكومة) ولا يتبع حكومة الجرح بل تجب حكومتان (في الأصح) لأن الاستتباع إنما يكون في المقدر، وحيث لا تقدير لكل حكمه.
(وفي نفس الرقيق قيمته) سواء زادت القيمة على دية الحر أم لا؛ لما تقدم في الغصب، وسواء القن والمدبر والمكاتب وأم الولد، (وفي غيرها) أي: النفس (ما
نَقَصَ إِنْ لَمْ يَتَقَدَّرْ فِي الْحُرِّ، وَإِلَّا.. فَنِسْبَته مِنْ قِيمَتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: مَا نَقَصَ، فَلَوْ قُطِعَ ذَكَرُهُ وَأُنْثَيَاهُ.. فَفِي الأَظْهَرِ: قِيمَتَانِ، وَالثَّانِي: مَا نَقَصَ، فَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ.. فَلَا شَيْءَ.
نقص إن لم يتقدر في الحر) لأنا نشبه الحر في الحكومة بالعبد، ليعرف قدر التفاوت ليرجع به، ففي المشبه به أولى.
(وإلا) أي: وإن تقدر من الحر؛ كالموضحة، وقطع اليد (.. فنسبته من قيمته) أي: فيجب جزء من قيمته، نسبته إلى القيمة كنسبة الواجب في الحر إلى الدية، رواه البيهقي عن عمر وعلي رضي الله عنهما 1، ولأنه أشبه الحر في أكثر الأحكام؛ بدليل التكاليف، فألحقناه به في التقدير، فعلى هذا في يديه قيمته، وفي إحداهما: نصفها، (وفي قول: ما نقص) من قيمته؛ لأنه مملوك؛ كالبهيمة.
وقد استوفى المصنف في (باب الغصب) حكم الجناية على الرقيق وغيره من الحيوان أحسن من هنا.
(فلو قطع ذكره وأنثياه.. ففي الأظهر: قيمتان) كما يجب فيها من الحر ديتان، (والثاني: ما نقص) من قيمته؛ كالبهيمة (فإن لم يثقص) القيمة بقطع الذكر والأنثيين (.. فلا شيء) لعدم النقص.
بابُ موجبات الدِّية والعاقلة والكفَّارة
صَاحَ عَلَى صَبِيٍّ لَا يُمَيزُ عَلَى طَرَفِ سَطْحٍ فَوَقَعَ بِذَلِكَ فَمَاتَ.. فَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَفِي قَوْلٍ: قِصَاصٌ. وَلَوْ كَانَ بِأَرْضٍ، أَوْ صَاحَ عَلَى بَالِغٍ
باب موجبات الدية والعاقلة والكفارة
تقدم الكلام على لفظ الدية في الباب قبله.
والعاقلة: سموا بذلك؛ لأنهم يعقلون الإبل بفناء دار القتيل، وقيل: لأنهم يمنعون عنه، والعقل: المنع، وقيل: لإعطائها العقل الذي هو الدية.
والكفارة: تقدم الكلام عليها في بابها، وأراد بالكفارة كفارة القتل، وكان ينبغي أن يزيد: وجناية العبد والغرة؛ فإنهما من فصول الباب.
(صاح على صبي لا يميز) وكذا ضعيف التمييز؛ كما قاله الإمام 1 على طرف سطح) أو شفير بئر، أو نهر صيحة منكرة (فوقع بذلك فمات) منه (.. فدية مغلظة على العاقلة) لأنه يتأثر بالصيحة الشديدة كثيرًا، فأحيل الهلاك عليها، ولم يتعرض الجمهور للارتعاد، وتعرض له الإمام والغزالي والرافعي 2، قال الأَذْرَعي: وكأنه ملازم لهذه الحالة.
والمجنون، والمعتوه، والذي يعتريه الوسواس، والنائم، والمرأة الضعيفة.. كالصبي الذي لا يميز.
(وفي قول: قصاص) لأن التأثير بها غالب، والأصحُّ: المنع؛ فإنه لا يهلك غالبًا، قال الرافعي: (وقياس من يوجب القصاص: أن يوجب الدية مغلظة على الجاني) انتهى 3، ونقل ابن الرفعة هذا عن تصريح البَنْدَنيجي.
(ولو كان) الصبي الذي لا يميز (بأرض) ومات من الصيحة (أو صاح على بالغ
بِطَرَفِ سَطْحٍ.. فَلَا دِيَةَ فِي الأَصَحِّ. وَشَهْرُ سِلَاحٍ كَصِيَاحٍ، وَمُرَاهِقٌ مُتَيَقِّظٌ كَبَالِغٍ. وَلَوْ صَاحَ عَلَى صَيْدٍ فَاضْطَرَبَ صَبِيٌّ وَسَقَطَ.. فَدِيَةٌ مُخَفَّفَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَلَوْ طَلَبَ سُلْطَانٌ مَنْ ذُكِرَتْ بِسُوءٍ فَاَجْهَضَتْ.. ضُمِنَ الْجَنِينُ. وَلَوْ وَضَعَ صَبِيًّا فِي مَسْبَعَةٍ فَأَكَلَة سَبُعٌ.. فَلَا ضَمَانَ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ انْتِقَالٌ.. ضَمِنَ
بطرف سطح) فسقط، ومات (.. فلا دية في الأصح) لندور الموت بذلك والحالة هذه، فيحمل موته على موافقة قدر، والثاني: تجب، أما في الصبي.. فكما لو سقط من سطح، وأما في البالغ.. فلأنه مع الغفلة كالصبي.
(وشهر سلاح) على بصير يراه (كصياح) فيما تقدم، والتهديد الشديد كذلك.
(ومراهق متيقظ كبالغ) فلا دية على الأصحِّ؛ لعدم تأثره بذلك غالبًا.
(ولو صاح على صيد فاضطرب صبي وسقط.. فدية مخففة على العاقلة) لأنه لم يقصده، فهو خطأ.
(ولو طلب سلطان من ذكرت بسوء فأجهضت) أي: ألقت الجنين فزعًا (.. ضمن الجنين) لأن عليًّا أشار على عمر رضي الله عنهما بذلك في هذه الحالة، فرجعوا إليه؛ كما أخرجه البيهقي، فكان إجماعًا 1.
واحترز بقوله: (أجهضت): عما لو ماتت فزعًا من الطلب.. فلا ضمان؛ لأن مثله لا يفضي إلى الموت، ولو هدد غير الإمام حاملًا وأجهضت فزعًا.. قال الرافعي: فليكن كالإمام؛ لأن إكراهه كإكراهه 2.
نعم؛ إن ماتت بالإجهاض.. ضمن عاقلته ديتها؛ لأن الإجهاض قد يحصل منه موت الأم، قاله البُلْقيني.
(ولو وضع صبيًّا في مسبعة فأكله سبع.. فلا ضمان) لأن الوضع ليس بإهلاك، ولم يوجد منه ما يلجئ السبع إليه، بل الغالب أن السبع ينفر من الإنسان في المكان الواسمع، (وقيل: إن لم يمكنه انتقال) يخلص به (.. ضمن) لأنه إهلاك عرفًا؛ فإن أمكنه الانتقال فلم ينتقل.. فلا ضمان قطعًا؛ كما لو فتح عِرْقه فلم يعصبه حتى مات.
وَلَوْ تَبِعَ بِسَيْفٍ هَارِبًا مِنْهُ فَرَمَى نَفْسَهُ بِمَاءٍ أَوْ نَارٍ أَوْ مِنْ سَطْحٍ.. فَلَا ضَمَانَ، وَلَوْ وَقَعَ جَاهِلًا لِعَمَىً أَوْ ظُلْمَةٍ.. ضَمِنَ، وَكَذَا لَوِ انْخَسَفَ بِهِ سَقْفٌ فِي هَرَبِهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ سُلِّمَ صَبِيٌّ إِلَى سَبَّاح لِيُعَلِّمَهُ فَغَرِقَ.. وَجَبَتْ دِيَتُهُ
وخرج بالصبي: البالغ فإنه لا يجب الضمان قطعًا؛ كما قاله في "أصل الروضة" 1 والرافعي إنما ذكره عن مفهوم كلام الغزالي، ثم قال: ويشبه أن يقال: الحكم منوط بالقوة والضعف، لا بالصغر والكبر 2، وهذا الذي بحثه يرشد إليه قول الماوردي، والروياني، والشيخ في "المهذب": لو ربط يدي رجل ورجليه، وألقاه في مسبعة.. فهو شبه عمد 3.
(ولو تبع بسيف هاربًا منه فرمى نفسه بماء أو نار أو من سطح.. فلا ضمان) لأنه باشر إهلاك نفسه قصدًا، والمباشرة مقدمة على السبب، فصار كما لو حفر بئرًا فجاء آخر وردى نفسه فيها.
(ولو وقع) في المهلك المذكور ونحوه (جاهلًا لعمى أو ظلمة.. ضمن) المتبع؛ لأنه لا يقصد إهلاك نفسه، وقد ألجأه المتبع إلى الهرب المفضي إلى المهلك.
(وكذا لو انخسف به سقف في هربه في الأصح) لأنه حمله على الهرب، وألجأه إليه، فأشبه ما إذا وقع في بئر مغطاة، وهذا ما نص عليه في "الأم"، والثاني: لا ضمان؛ لأن المعنى المهلك لم يشعر به واحد منهما، فأشبه ما إذا عرض سبع فافترسه.
ومحل الخلاف: ما إذا كان سبب الانخساف ضعف السقف، ولم يشعر به المطلوب، أما إذا ألقى نفسه عليه من علو فانخسف لثقله.. فالحكم: كما لو ألقى نفسه في ماء أو نار.
(ولو سلم صبي إلى سباح ليعلمه فغرق.. وجبت ديته) لأنه غرق بإهماله، وتكون دية شبه عمد؛ كما لو ضرب الصبي للتأديب فهلك.
وَيَضْمَنُ بِحَفْرِ بِئْرٍ عُدْوَانًا، لَا فِي مِلْكِهِ وَمَوَاتٍ، وَلَوْ حَفَرَ بِدِهْلِيزِهِ بِئْرًا وَدَعَا رَجُلًا فَسَقَطَ.. فَالأَظْهَرُ: ضَمَانُهُ، أَوْ بِمِلْكِ غَيْرِهِ أَوْ مُشْتَرَكٍ بِلَا إِذْنٍ.. فَمَضْمُونٌ،
واحترز بالصبي: عن البالغ، فإنه إذا سلم نفسه ليعلمه السباحة.. ففي "الوسيط": أنه إن خاض معه اعتمادًا على يده فأهمله.. احتمل أن يجب الضمان 1، والذي ذكره العراقيون، والبغوي: أنه لا ضمان؛ لأنه مستقل، وعليه أن يحتاط لنفسه، قال في "الشرح الصغير": وهو المشهور.
(ويضمن بحفر بئر عدوانًا) بأن حفرها في ملك غيره بغير إذنه، أو في شارع ضيق؛ لتعديه بذلك، ويشترط أن يستمر العدوان إلى السقوط فيها، فلو رضي المالك بإبقائها.. زال الضمان في الأصحِّ، وكذا لو ملك المتعدي تلك البقعة من مالكها.
(لا في ملكه، وموات) للتملك أو للارتفاق، لعدم التعدي، وعلى الموات حمل الحديث الصحيح: "الْبئْرُ جُبَارٌ" 2.
ويستثنى: ما لو حفر بالحرم بئرًا في ملكه، أو في موات.. فإنه يضمن المحب الواقع فيه على الأصحِّ، ذكره الرافعي في (باب محرمات الإحرام)، ونقل الإمام فيه الإجماع 3.
(ولو حفر بدهليزه بئرًا، ودعا رجلًا فسقط.. فالأظهر: ضمانه) لأنه غره، ولم يقصد هو إهلاك نفسه، فإحالته على السبب الظاهر أولى، والثاني: لا؛ لأنه غير ملجأ فهو المباشر لإهلاك نفسه باختياره.
ويشترط في الضمان: ألا يعلمه بالبئر، ولا يرى أثرًا يدل عليها؛ لظلمة، أو تغطية، أو كان أعمى، والمراد بالضمان: إيجاب الدية، أما القصاص.. فلا يجب في الأظهر؛ كما ذكراه في أول (الجراح) 4.
(أو بملك غيره أو مشترك بلا إذن.. فمضمون) لتعديه؛ فإن كان بالإذن.. فهو
أَوْ بِطَرِيقٍ ضَيِّقٍ يَضُرُّ الْمَارَّةَ.. فَكَذَا، أَوْ لَا يَضُرُّ وَأَذِنَ الإِمَامُ.. فَلَا ضَمَانَ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ حَفَرَ لِمَصْلَحَتِهِ.. فالضَّمَانُ، أَوْ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ.. فَلَا فِي الأَظْهَرِ. وَمَسْجِدٌ كَطَرِيقٍ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ جَنَاحٍ إِلَى شَارِعٍ فَمَضْمُونٌ،
كحفره في ملكه، (أو بطريق ضيق يضر المارة.. فكذا) أي: فيجب ضمان ما هلك بها وإن أذن الإمام؛ إذ ليس له أن يأذن فيما يضر (أو لا يضر) لسعة الطريق، أو لانحراف البئر عن الجادة، (وأذن الإمام.. فلا ضمان) جزمًا إن كان لمصلحة عامة، وكذا إن كان لمصلحة الحافر على الأصحِّ.
(وإلا) أي: وإن لم يأذن (فإن حفر لمصلحته.. فالضمان) لافتئاته على الإمام (أو مصلحة عامة.. فلا في الأظهر) لما فيه من المصلحة العامة، وقد تعسر مراجعة الإمام في مثله، والثاني: نعم، والجواز مشروط بسلامة العاقبة.
(ومسجد كطريق) أي: الحفر فيه كهو في الطريق، كما صرح به في "المحرر"، و"الشرح الكبير" 1.
وقضيته: أنه يجوز أن يحفر فيه بئرًا لمصلحة نفسه خاصة بإذن الإمام، قال البُلْقيني: وهذا لا يقوله أحد، قال: وأما الحفر للمصلحة العامة.. فلا يجوز أيضًا؛ لأن الواقف إنما جعل المسجد للصلاة.
انتهى، وفي "زيادة الروضة" في آخر (باب شروط الصلاة) نقلًا عن الصيمري: أنه يكره حفر البئر في المسجد.
انتهى 2، والظاهر: أن ذلك فيما إذا حفره في مصلحة عامة، أما لمصلحة نفسه الخاصة.. فيحرم قطعًا.
(وما تولد من جناح) (وهو الخارج من الخشب (إلى شارع فمضمون) (وإن لم يكن مضرًّا بالمارة، لأن الارتفاق بالشارع إنما يجوز بشرط سلامة العاقبة، ولم يفرقوا بين إذن الإمام وعدمه كما في الحفر.
والفرق - كما ذكره الرافعي -: أن الحاجة إلى الجناح أغلب وأكثر، والحفر في الطريق مما تقل الحاجة إليه، وإذا كثر الجناح.. كثر تولد الهلاك منه، فلا يحتمل
وَيَحِلُّ إِخْرَاجُ الْمَيَازِيبِ إِلَى الشَّارِعِ، وَالتَّالِفُ بِهَا مَضْمُونٌ فِي الْجَدِيدِ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ فِي الْجِدَارِ فَسَقَطَ الْخَارِجُ.. فَكُلُّ الضَّمَانِ، وَإِنْ سَقَطَ كُلُّهُ.. فَنِصْفُهُ فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ بَنَى جِدَارَهُ مَائِلًا إِلَى شَارِعٍ.. فَكَجَنَاح، أَوْ مُسْتَوِيًا فَمَالَ وَسَقَطَ.. فَلَا ضَمَانَ،
إهداره 1، والمراد بكونه مضمونًا: على ما سيأتي في الميزاب، فيضمن الكل بالخارج فقط، والنصف بالجميع.
واحترز بالشارع: عن إخراجه إلى ملكه؛ فإنه لا ضمان فيه، وكذا إلى ملك غيره بإذنه، فإن كان بغير إذنه.. ضمن.
(ويحل إخراج الميازيب إلى الشارع) لما فيه من الحاجة الظاهرة، وليكن عاليًا كالجناه.
(والتالف بها مضمون في الجديد) لأنه ارتفاق بالشارع، فيكون جوازه مشروطًا بسلامة العاقبة؛ كالجناح، والقديم: لا ضمان؛ لأنه ضروري لتصريف المياه، بخلاف الجناح؛ فإنه لاتساع المنفعة، ومنع الجديد كونه ضروريًّا؛ إذ يمكنه أن يتخذ لماء السطح بئرًا في داره.
(فإن كان بعضه في الجدار فسقط الخارج) أو بعضه (.. فكل الضمان) لأن التلف حصل من المضمون وحده، (وإن سقط كله.. فنصفه في الأصح) لأنه هلك بالداخل في ملكه وهو غير مضمون، وبالخارج وهو مضمون، فوزع على النوعين، والثاني: يوزع على الداخل والخارج، فيجب قسط الخارج، ويكون التوزيع بالوزن، وقيل: بالمساحة، وقيل: يضمن جميع الدية؛ لأن الداخل جذبه الخارج.
(وإن بنى جداره مائلًا إلى شارع.. فكجناح) فيضمن ما تلف به على ما مر.
واحترز بقوله: (إلى شارع) عما لو كان مائلًا إلى ملكه.. فلا ضمان؛ لأن له أن يبني في ملكه كيف شاء، لكن يرد عليه ما لو بناه مائلًا إلى ملك غيره بلا إذن.. فإنه كالشارع.
(أو مستويًا فمال) إلى الشارع (وسقط.. فلا ضمان) لأنه بنى في ملكه، والميل
وَقِيلَ: إِنْ أَمْكَنَ هَدْمُهُ وَإِصْلَاحُهُ.. ضَمِنَ، وَلَوْ سَقَطَ بِالطَّرِيقِ فَعَثَرَ بِهِ شَخْصٌ أَوْ تَلِفَ بِهِ مَالٌ.. فَلَا ضَمَانَ فِي الأَصَحِّ. وَلوْ طَرَحَ قُمَامَاتٍ وَقُشُورَ بِطِّيخٍ بِطَرِيقٍ.. فَمَضْمُونٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ تَعَاقَبَ سَبَبَا هَلَاكٍ.. فَعَلَى الأَوَّلِ؛ بِأَنْ حَفرَ وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا عُدْوَانًا فَعَثَرَ بِهِ وَوَقَعَ بِهَا.. فَعَلَى الْوَاضِعِ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ الْوَاضِعُ.. فَالْمَنْقُولُ: تَضْمِينُ الْحَافِرِ،
لم يحصل بفعله، فأشبه ما إذا سقط بلا ميل، (وقيل: إن أمكن هدمه وإصلاحه.. ضمن) لتقصيره بترك النقض والإصلاح، ورجحه جمع، والضمان في هذه المسائل على العاقلة.
(ولو سقط بالطريق، فعثر به شخص، أو تلف به مال.. فلا ضمان في الأصح) لأن الهلاك حصل بغير فعله، وسواء طالبه الوالي أو غيره بالنقض أم لا، والثاني: يضمن؛ لتقصيره.
(ولو طرح قمامات) بضم القاف، وهي الكناسة، (وقشور بطيخ بطريق.. فمضمون على الصحيح) لأن الارتفاق بالطريق مشروط بسلامة العاقبة، والثاني: لا ضمان؛ لاطراد العادة بالمسامحة به مع الحاجة، والثاك: إن القاها في متن الطريق.. ضمن، وإلا.. فلا.
واحترز بالطريق: عما إذا ألقاها في ملكه، أو موات.. فإنه لا ضمان.
(ولو تعاقب سببا هلاك.. فعلى الأول) لأنه المهلك إما بنفسه، وإما بواسطة الثاني، فأشبه التردية مع الحفر (بأن حفر) بئرًا عدوانًا (ووضع آخر حجرًا عدوانًا فعثر به، ووقع بها.. فعلى الواضع) لأن التعثر به هو الذي ألجأه إلى الوقوع في البئر، فكأنه أخذه فرداه فيه.
(فإن لم يتعد الواضع) بأن وضعه في ملكه، وحفر متعد هناك بئرًا فتعثر رجل به، ووقع فيها (.. فالمنقول: تضمين الحافر) لأنه المتعدي بخلاف الواضع، قال الرافعي: وينبغي أن يقال: لا يضمن؛ كما لو حفر بئرًا عدوانًا، ووضع السيل أو سبع حجرًا فعثر به إنسان، وسقط في البئر.. فهو هدر على الصحيح 1.
وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا وَآخَرَانِ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِمَا.. فالضَّمَانُ أَثْلَاثٌ، وَقِيلَ: نِصْفَانِ، وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِ رَجُلٌ فَدَحْرَجَهُ فَعَثَرَ بِهِ آخَرُ.. ضَمِنَهُ الْمُدَحْرِجُ. وَلَوْ عَثَرَ بِقَاعِدٍ أَوْ نَائِمٍ أَوْ وَاقِفٍ بِالطَّرِيقِ، وَمَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا.. فَلَا ضَمَانَ إِنِ اتَّسَعَ الطَّرِيقُ، وَإِلَّا.. فَالْمَذْهَبُ: إِهْدَارُ قَاعدٍ وَنَائِمِ لَا عَاثِرٍ بِهِمَا، وَضَمَانُ وَاقِفٍ لَا عَائِرٍ بِهِ.
(ولو وضع حجرًا) عدوانًا (وآخران حجرًا، فعثر بهما.. فالضمان أثلاث) (وإن تفاوت فعلهم؛ نظرًا إلى عدد رؤوس الجناة؛ كما لو مات بجراحة ثلاثة، واختلفت الجراحات، (وقيل: نصفان) نصفه يتعلق بالمنفرد، ونصفه على الآخرين؛ لأن الهلاك حصل بالحجرين.
(ولو وضع حجرًا) عدوانًا (فعثر به رجل فدحرجه فعثر به آخر.. ضمنه المدحرج) لأن الحجر إنما حصل هناك بفعله.
(ولو عثر بقاعد أو نائم أو واقف بالطريق، وماتا أو أحدهما.. فلا ضمان إن اتسع الطريق) ظاهر هذا الكلام: أنه يهدر العاثر، والقاعد، والنائم، والواقف، وليس كذلك؛ فإن عاقلة العاثر تضمن دية القاعد، والنائم، والواقف؛ لأنه غير متعد، والعاثر يمكنه التحرز، وإنما يهدر العاثر؛ لأنه قتل نفسه، هكذا ذكراه في "الشرح" و"الروضة" 1، فلو قال: (فلا ضمان على القاعد ومن بعد).. لاستقام.
(وإلا) أي: وإن ضاق الطريق (.. فالمذهب: إهدار قاعد ونائم) لأن الطريق للطروق، وهما بالنوم والقعود مقصران (لا عاثر بهما) بل على عاقلتهما ديته (وضمان واقف) لأن الشخص قد يحتاج إلى الوقوف؛ لكلال، أو انتظار رفيق، أو سماع كلام، فالوقوف من مرافق الطريق؛ كالمشي، بخلاف القعود والنوم؛ فإنهما ليسا من مرافقه، ففاعلهما عرض نفسه للهلاك.
(لا عاثر به) لأنه لا حركة منه، فالهلاك حصل بحركة الماشي، والطريق الثاني: وجوب دية كل واحد منهما على عاقلة الآخر مطلقًا، هذا كله إذا لم يوجد من الواقف فعل، فإن وجد؛ بأن انحرف إلى الماشي لما قرب منه فأصابه في انحرافه وماتا.. فهما كماشيين اصطدما، وسيأتي.
فَصْلٌ [في الاصطدام ونحوه مما يوجب الاشتراك في الضمان وما يذكر مع ذلك]
اصْطَدَمَا بِلَا قَصْدٍ.. فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ نِصْفُ دِيَةٍ مُخَفَّفَةٍ، وَإِنْ قَصَدَا.. فَنْصْفُهَا مُغَلَّظَةً، أَوْ أَحَدُهُمَا.. فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ عَلَى كُلٍّ كَفَّارَتَيْنِ، وَإِنْ مَاتَا مَعَ مَرْكُوبَيْهِمَا.. فَكَذَلِكَ، وَفِي تَرِكَةِ كُلٍّ نِصْفُ قِيمَةِ دَابَّةِ الآخَرِ. وَصَبِيَّانِ أَوْ مَجْنُونَانِ كَكَامِلَيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ أَرْكَبَهُمَا الْوَلِيُّ.. تَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ،
(فصل: اصطدما) أي: الحران الماشيان (بلا قصد) بأن كانا أعميين، أو في ظلمة (.. فعلى عاقلة؛ كل نصف دية مخففة) لأن كل واحد هلك بفعله وبفعل صاحبه، فيهدر النصف؛ كما لو جرحه آخر مع جراحة نفسه، وإنما خففت على العاقلة؛ لأنه خطأ محض.
(وإن قصدا) جميعًا الاصطدام (.. فنصفها مغلظة) على العاقلة، وتكون شبه عمد؛ لأن الغالب أن الاصطدام لا يفضي إلى الموت، فلا يتحقق فيه العمد المحض؛ ولذلك لا يتعلق به القصاص إذا مات أحدهما دون الآخر.
(أو أحدهما) قصد الاصطدام دون الآخر (فلكل حكمه) فيجب على عاقلة قاصد الاصطدام نصف دية مغلظة، وعلى عاقلة الذي لم يقصد نصف دية مخففة.
(والصحيح: أن على كل كفارتين) كفارة لقتل نفسه، وأخرى لقتل صاحبه، والثاني: كفارة فقط، والخلاف مبني على أن الكفارة هل تتجزأ؟ والصحيح: لا، وأن قاتل نفسه هل عليه كفارة؟ والصحيح: نعم.
(وإن ماتا مع مركوبيهما.. فكذلك) في الدية والكفارة.
(وفي تركة كل نصف قيمة دابة الآخر) والباقي هدر؛ لاشتراكهما في إتلاف الدابتين.
(وصبيان أو مجنونان ككاملين) فيما إذا كانا ماشيين أو راكبين كما سبق، (وقيل: إن أركبهما الولي.. تعلق به الضمان) لما في الإركاب من الخطر، والأصحُّ: الأول؛ كما لو ركبا بأنفسهما.
ومحل الخلاف - كما نقلاه عن الإمام وأقراه -: ما إذا أركبهما لزينة، أو لحاجة
وَلَوْ أَرْكَبَهُمَا أَجْنَبِيٌّ.. ضَمِنَهُمَا وَدَابَّتَيْهِمَا. أَوْ حَامِلَانِ وَأَسْقَطَتَا.. فَالدِّيَةُ كَمَا سَبَقَ، وَعَلَى كُلٍّ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ نَصْفُ غُرَّتَيْ جَنِينِهِمَا. أَوْ عَبْدَانِ.. فَهَدَرٌ،
غير مهمة؛ فإن أرهقت إليه حاجة للانتقالط إلى مكان.. فلا ضمان عليه قطعًا، [قالا: ومحله أيضًا: عند ظن السلامة، أما إذا أركبه دابة جموحًا.. ضمن الولي قطعًا] 1.
(ولو أركبهما أجنبي) بغير إذن الولي (.. ضمنهما ودابتيهما) لتعديه بإركابهما.
وقوله: (ضمنهما) ليس بجيد؛ لأن ضمانهما على عاقلة الأجنبي.
نعم؛ ضمان دابتيهما عليه.
(أو حاملان) اصطدمتا (وأسقطتا.. فالدية كما سبق) فعلى عاقلة كل منهما نصف دية الآخر، ويهدر الباقي؛ لأن التلف بفعلهما، (وعلى كل أربع كفارات على الصحيح) كفارة لنفسها، وكفارة لجنينها، وثالثة: لصاحبتها، ورابعة: لجنينها؛ لأنهما اشتركا في إهلاك أربعة أشخاص.
هذا إذا أوجبنا الكفارة على قاتل نفسه، وقلنا: الكفارة لا تتجزأ؛ فإن لم نوجبها على قاتل نفسه.. وجب ثلاث كفارات، وإن قلنا: بالتجزي.. وجب ثلاثة أنصاف كفارة، وإن أوجبناها على قاتل نفسه، وقلنا: بالتجزئة.. وجب أربعة أنصاف كفارة، وهذا الخلاف هو المقابل للصحيح في كلام المصنف.
(وعلى عاقلة كل نصف غرتي جنينهما) نصف غرة لجنينها، ونصف غرة لجنين الأخرى؛ لأن المرأة إذا جنت على نفسها فألقت جنينًا.. وجبت الغرة على عاقلتها؛ كما لو جنت على حامل أخرى، فإذن لا يهدر من الغرة شيء، بخلاف الدية؛ فإنه يجب نصفها، ويهدر نصفها؛ كما ذكره قبل؛ لأن الجنين أجنبي عنهما، بخلاف أنفسهما، وفي "فتاوى القفال": أنه لو ذهب رجل ليقوم فأخذ غيره بثوبه ليقعد فتمزق؛ فإن لم يجره.. فلا ضمان، وإن جره.. فالنصف عليه، والباقي هدر؛ لأنه كان بفعلين.
(أو) اصطدم (عبدان) وماتا.
(. فهدر) لأن جناية العبد تتعلق برقبته وقد
أَوْ سَفِينَتَانِ.. فَكَدَابَّتَيْنِ، وَالْمَلَّاحَانِ كَرَاكِبَيْنِ إِنْ كَانَتَا لَهُمَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا مَالُ أَجْنَبِيٍّ.. لَزِمَ كُلًّا نِصْفُ ضمَانِهِ، وَإِنْ كَانَتَا لأَجْنَبِيٍّ.. لَزِمَ كُلًّا نِصْفُ قِيمَتِهِمَا. وَلَوْ أَشْرَفَتْ سَفِينَةٌ عَلَى غَرَقٍ.. جَازَ طَرْحُ مَتَاعِهَا، وَيَجِبُ لِرَجَاءِ نَجَاةِ الرَّاكِبِ، فَإِنْ طَرَحَ مَالَ غَيْرِهِ بِلَا إِذْنٍ.. ضَمِنَهُ، وَإِلَّا.. فَلَا
فاتت، وسواء اتفقت قيمتهما أو تفاوتت؛ فإن مات أحدهما.. وجب نصف قيمته متعلقًا برقبة الحي.
واحترز بالعبدين: عما لو تصادم عبد وحر وماتا.. فإنه يجب نصف قيمة العبد في تركة الحر إذا قلنا: قيمة العبد لا تحملها العاقلة، ويتعلق بذلك النصف نصف دية الحر؛ لأن محل تعلقه بالرقبة، فإذا فاتت.. تعلق ببدلها.
(أو) اصطدم (سفينتان) (وغرقتا (.. فكدابتين) فإما أن يحصل الاصطدام بفعلهما، وإما لا، (والملاحان كراكبين) يموتان بالاصطدام، وقد مر كل ذلك (إن كانتا) أي: السفينتان وما فيهما الهما، فإن كان فيهما مال أجثبي.. لزم كلًّا) من الملاحين (نصف ضمانه، وإن كانتا) أي: السفينتان (لأجنبي) وكانا أجيرين للمالك أو أمينين (.. لزم كلًّا نصف قيمتهما) لأن مال الأجنبي لا يهدر منه شيء، فعلى كل واحد نصف قيمة كل سفينة.
ومحل هذا التفصيل: ما إذا كان الاصطدام بفعلهما، أو لم يكن، وقصرا في الضبط أو سيرا في ريح شديدة؛ فإن حصل الاصطدام بغلبة الرياح.. فلا ضمان في الأظهر، بخلاف غلبة الدابة؛ فإن الضبط ثم ممكن باللجام.
(ولو أشرفت سفينة على غرق.. جاز طرح متاعها) بقدر ما يحصل النجاة؛ حفظا للروح، (ويجب لرجاء نجاة الراكب) عند خوف الغرق إن لم يفعل، فيجب إلقاء ما لا روح فيه؛ لنجاة ذي الروح المحترمة، فإن احتيج إليه.. ألقي الحيوان لإنقاذ الآدمي، ولا فرق بين الأحرار والعبيد.
(فإن طرح مال غيره بلا إذن.. ضمنه) لأنه أتلف مال غيره بلا إذن، فأشبه ما لو أكل المضطر طعام الغير، (وإلا) أي: وإن طرحه بإذنه، وهو معتبر الإذن (.. فلا) ضمان للإذن المبيح.
وَلَوْ قَالَ: (أَلْقِ مَتَاعَكَ وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ) أَوْ (عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ).. ضَمِنَ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى: (ألْقِ).. فَلَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ مُلْتَمِسٌ لِخَوْفِ غَرَقٍ، وَلَمْ يَخْتَصَّ نَفْعُ الإِلْقَاءِ بِالْمُلْقِي. وَلَوْ عَادَ حَجَرُ مَنْجَنِيقٍ فَقَتَلَ أَحَدَ رُمَاتِهِ.. هُدِرَ قِسْطُهُ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الْبَاقِينَ
(ولو قال: "ألق متاعك وعلي ضمانه"، أو "على أني ضامن") له (.. ضمن) المستدعي؛ لأنه استدعى إتلاف مال يعاوض عليه لغرض صحيح، فلزمه؛ كما لو قال: (أعتق عبدك على ألف)، أو (طلق زوجتك)، وليس هذا على حقيقة الضمان وإن سمي بالضمان، وإنما هو بذل مال لمصلحة، فهو كما لو قال: (أطلق هذا الأسير، ولك علي كذا).
وقضية الحكم بضمانه: خروجه عن ملك مالكه، لكن ذكر الرافعي هنا عن حكاية الإمام: أنه لا يخرج عن ملكه، حتى لو لفظه البحر وظفر به.. فهو لمالكه، ويسترد الباذل ماله، وعلى هذا: فهو ضمان حيلولة، وهل للمالك أن يمسك ما أخذه، ويرد بدله؟ فيه خلاف كالقرض.
انتهى 1.
(ولو اقتصر على: "ألق") (ولم يقل: (وعلي ضمانه)، أو (على أني ضامن) (.. فلا على المذهب) لعدم الالتزام، والطريق الثاني: أنه على الخلاف فيما إذا قال: (اقضِ ديني) فقضاه، والأصحُّ: الرجوع.
وفرق الأول: بأنه بالقضاء برئ قطعًا، والإلقاء لا ينفعه.
(وإنما يضمن ملتمس لخوف غرق) ففي غير الخوف لا ضمان، كما لو قال: (اهدم دارك)، أو (اقتل عبدك) ففعل، (ولم يختص نفع الإلقاء بالملقي) فلو اختص به؛ بأن أشرفت سفينته على الغرق، وفيها متاعه فقال له آخر من الشط: (ألق متاعك، وعلي ضمانه)، فألقاه.. لم يجب شيء؛ لأنه يجب عليه الإلقاء لحفظ نفسه.. فلا يستحق به عوضًا.
(ولو عاد حجر منجنيق فقتل أحد رماته.. هدر قسطه، وعلى عاقلة الباقين
الْبَاقِي، أَوْ غَيْرَهُمْ وَلَمْ يَقْصِدُوهُ.. فَخَطَأٌ، أَوْ قَصَدُوهُ.. فَعَمْدٌ فِي الأَصحِّ إِنْ غَلَبَتِ الإِصَابَةُ.
فَصْلٌ [في العاقلة وكيفية تأجيل ما تحمله]
دِيَةُ الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ تلزَمُ الْعَاقِلَةَ، وَهُمْ عَصَبَتُهُ إِلَّا الأَصْلَ وَالْفَرْعَ،
الباقي) لأنه مات بفعله وفعلهم، فسقط ما قابل فعله؛ لأنه غير مضمون، (أو غيرهم) أي: قتل غير رماته (ولم يقصدوه.. فخطأ) يوجب الدية المخففة، (أو قصدوه.. فعمد في الأصح إن غلبت الإصابة) لانطباقه على حد العمد، والثاني: إنه شبه عمد؛ لأنه لا يتحقق قصد معين بالمنجنيق.
والمنجنيق: بفتح الميم وكسرها، يذكر ويؤنث، وحكي منجنوق بـ (الواو)، ومنجليق بـ (اللام).
(فصل: دية الخطأ وشبه العمد تلزم العاقلة) بالإجماع، كما نقله الإمام 1، لكن حكى الرافعي في أوائل (الديات) وجهًا أنها لا تتحمل شبه العمد 2، وهو شاذ.
وخرج بـ (الخطأ وشبه العمد): دية العمد، فإنها على الجاني، وقد مضت السنة بذلك، كما قاله الزهري 3.
(وهم عصبته) الذين يرثونه بالنسب أو الولاء إذا كانوا ذكورًا مكلفين، قال الشافعي: لا أعلم مخالفًا أن العاقلة العصبة، وهم القرابة من قبل الأب، وعصبات المولى 4.
(إلا الأصل) وإن علا (والفرع) وإن سفل؛ لأنهم أبعاضه، فكما لا يتحمل الجاني لا يتحمل أبعاضه، وقد برأ صلى الله عليه وسلم زوج القاتلة وولدها؛ كما رواه
وَقِيلَ: يَعْقِلُ ابْنٌ هُوَ ابْنُ ابْنِ عَمِّهَا. وَيُقَدَّمُ الأَقْرَبُ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ.. فَمَنْ يَلِيهِ، وَمُدْلٍ بأَبَوَيْنِ - وَالْقَدِيمُ: التَّسْوِيَةُ - ثُمَّ مُعْتِقٌ ثُمَّ عَصَبَتُهُ ثُمَّ مُعْتِقُهُ ثُمَّ عَصَبَتُهُ، وَإِلَّا.. فَمُعْتِقُ أَبِي الْجَانِي ثُمَّ عَصَبَتُهُ ثُمَّ مُعْتِقُ مُعْتِقِ الأَبِ وَعَصَبَتُهُ، وَكَذَا أَبَدًا. وَعَتِيقُهَا يَعْقِلُهُ عَاقِلَتُهَا،
أبو داوود وابن ماجة 1، (وقيل: يعقل ابن هو ابن ابن عمها) أو معتقها؛ كما يلي أمر نكاحها، والأصحُّ: المنع؛ لعموم الأخبار؛ ولأن البعضية موجودة وهي مانعة، بخلاف النكاح فإنها غير مقتضية، ولا مانعة، فإذا وجد المقتضي.. عمل عمله.
(ويقدم الأقرب) من العاقلة في التحمل على الأبعد؛ لأنه حق ثبت بالتعصيب فأشبه الإرث، (فإن بقي شيء) من الواجب في آخر الحول (.. فمن يليه) أي: فعلى من يلي الأقرب ثم الذين يلونهم، وهكذا.
(و) يقدم (مدل بأبوين) على مدل بأب في الجديد كالإرث (والقديم: التسوية) لأن الأنوثة لا مدخل لها في تحمل العاقلة فلا تصلح للترجيح، (ثم معتق) إذا لم يوجد أحد من عصبات النسب، أو لم يفوا بالواجب؛ لحديث: "الْوَلَاءُ لُحْمَة كَلُحْمَةِ النَّسَبِ" 2.
(ثم عصبته) أي: المعتق من النسب عند فقده، أو مع وجوده إذا بقي من الواجب شيء خلا أصوله وفروعه على الأصحِّ كما سبق في الجاني، (ثم معتقه) أي: معتق المعتق، (ثم عصبته) كالإرث.
(وإلا) أي: وإن لم يوجد من له نعمة الولاء على الجاني، ولا أحد من عصابته (.. فمعتق أبي الجاني ثم عصبته، ثم معتق معتق الأب، وعصبته) 3 خلا أصولهم وفروعهم، (وكذا أبدًا) أي: وإن لم يوجد من له نعمة الولاء على الأب.. تحمل معتق الجد ثم عصابته كذلك إلى حيث ينتهي.
(وعتيقها) أي: المرأة (يعقله عاقلتها) ولا يضرب عليها؛ لأن المرأة لا تحمل
وَمُعْتِقُونَ كَمُعْتِقٍ، وَكُلُّ شَخْصٍ مِنْ عَصَبَةِ كُلِّ مُعْتِقٍ يَحْمِلُ مَا كَانَ يَحْمِلُهُ ذَلِكَ الْمُعْتِقُ. وَلَا يَعْقِلُ عَتِيقٌ فِي الأَظْهَرِ. فَإِنْ فُقِدَ الْعَاقِلُ أَوْ لَمْ يَفِ.. عَقَلَ بَيْتُ الْمَالِ عَنِ الْمُسْلِمِ،
العقل بالإجماع؛ فيتحمله عنها من يتحمل جنايتها من عصباتها؛ كما يزوج عتيقها من يزوجها؛ إلحاقًا، للعقل بالتزويج؛ لعجزها عن الأمرين.
(ومعتقون كمعتق) في تحمل الدية عن العتيق؛ لأن الولاء لجميعهم لا لكل واحد منهم، فيضرب على جميعهم نصف دينار إن كانوا أغنياء، وربعه إن كانوا متوسطين، فإن اختلف حالهم.. فعلى الغني حصته من النصف، وعلى المتوسط حصته من الربع.
(وكل شخص من عصبة كل معتق يحمل ما كان يحمله ذلك المعتق) في حياته، وهو حصته من الربع أو النصف؛ لأن غايته نزوله منزلة ذلك الشريك، ولا يوزع عليهم ما كان الميت يحمله؛ لأن الولاء لا يتوزع عليهم توزعه على الشركاء؛ لأنهم لا يرثون الولاء بل يرثون به.
وهذا لا يختص بما إذا كان المعتق جماعة كما يوهمه كلامه، بل لو كان المعتق واحدًا، ومات عن إخوة مثلًا.. فيضرب على كل واحد حصته تامة، وهو الذي كان الميت يحمله، وهو نصف دينار أو ربعه.
(ولا يعقل عتيق في الأظهر) لأنه لا يرث، والثاني: يعقل؛ لأنه للنصرة، وهو أولى بذلك، وخالف الإرث فإنه في مقابلة إنعام المعتق، وليس للعتيق على سيده نعمة، وقال البُلْقيني: إن هذا هو المذهب المنصوص في "الأم" و"المختصر" و"البويطي" وإن الأول لا يعرف في شيء من كتبه.
(فإن فقد العاقل، أو لم يف.. عقل بيت المال عن المسلم) لحديث: "أَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارثَ لَهُ، أَعْقِلُ عَنْهُ وَأَرثُهُ" أخرجه أبو داوود والنسائي، وصححه ابن حبان 1.
والمسلم يرثه المسلمون، بخلاف الذمي؛ فإن ماله ينتقل إليهم فيئًا لا إرثًا.
فَإِنْ فُقِدَ.. فَكُلُّهُ عَلَى الْجَانِي فِي الأَظْهَرِ. وَتُؤَجَّلُ عَلَى الْعَاقِلَةِ دِيَةُ نَفْسٍ كَامِلَةٍ ثَلَاثَ سِنِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثٌ، وَذِمِّيٍّ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثًا، وَامْرَأَةٍ سَنَتَيْنِ فِي الأُولَى ثُلُثٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثًا. وَتَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الْعَبْدَ فِي الأَظْهَرِ، فَفِي كُلِّ سَنةٍ قَدْرُ ثُلُثِ دِيَةٍ، وَقِيلَ: فِي ثَلَاثٍ،
(فإن فقد) بيت المال (.. فكله على الجاني في الأظهر) بناءً على أنها تلزم الجاني ابتداءً، ثم يتحملها العاقلة، فيجب عليه تمام القسط كل سنة، والثاني: لا؛ بناءً على أنها تجب عليهم ابتداءً.
(وتؤجل على العاقلة دية نفس كاملة) وهي دية الرجل المسلم الحر (ثلاث سنين في كل سنة ثلث) بالإجماع؛ كما حكاه الشافعي والترمذي 1.
واختلفوا في المعنى الذي لأجله كانت في ثلاث سنين، فقيل: لأنها بدل نفس محترمة، وقيل: لأنها دية كاملة، وهو الأصحُّ.
وتظهر فائدة الخلاف في دية النفس الناقصة؛ كالذمي والمرأة كما سيذكره، والتقييد بالعاقلة يخرج بيت المال والجاني مع أنهما كذلك.
(وذمي سنة) بناءً على الأصحِّ؛ فإنها قدر دية المسلم، (وقيل: ثلاثًا) بناءً على أنها بدل نفس.
(وامرأة) مسلمة حرة (سنتين في الأولى ثلث) أي: ثلث الدية الكاملة، والباقي في السنة الثانية، (وقيل: ثلاثًا) أي: في ثلاث سنين؛ لأنها بدل نفس.
(وتحمل العاقلة العبد في الأظهر) لأنه بدل آدمي فأشبه الحر، والثاني: لا، بل هي حالة على الجاني؛ لأنه مضمون بالقيمة فأشبه البهيمة، (ففي كل سنة قدر ثلث دية، وقيل: في ثلاث) فإن كانت قيمته قدر دية حر مسلم.. ضربت في ثلاث سنين لا محالة، وإن كانت قدر ديتين.. ضربت في ست في كل سنة قدر ثلث دية كاملة؛ نظرًا إلى المقدر، وقيل: في ثلاث؛ لأنها بدل نفس، وإن كانت قدر ثلث الدية الكاملة.. ضربت في سنة لا غير.
وَلَوْ قَتلَ رَجُلَيْنِ.. فَفِي ثَلَاثٍ، وَقِيلَ: سِتٍّ، وَالأَطْرَافُ فِي كُلِّ سَنَةٍ قَدْرُ ثُلُثِ دِيَةٍ، وَقِيلَ: كُلُّهَا فِي سَنَةٍ. وَأَجَلُ النَّفْسِ مِنَ الزُّهُوقِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْجِنَايَةِ، وَمَنْ مَاتَ بِبَعْضِ سَنَةٍ.. سَقَطَ
(ولو قتل رجلين) مسلمين (.. ففي ثلاث) لأن الواجب ديتان مختلفتان، والمستحق مختلف؛ فلا يؤخر حق بعضهم باستحقاق غيره، وهذا كالديون المختلفة إذا اتفق انقضاء آجالها، (وقيل: ست) لأن بدل النفس الواحدة يضرب في ثلاث سنين، ويزاد للأخرى مثلها، ولو قتل ثلاثة واحدًا.. فعلى عاقلة كل واحد ثلث دية مؤجلة عليه في ثلاث سنين، وقيل: في سنة.
(والأطراف) وأرش الجرح، والحكومة (في كل سنة قدر ثلث دية) فإن كانت أكثر من ثلث الدية، ولم تزد على ثلثين.. ففي سنتين، فيؤخذ قدر ثلث الدية في آخر السنة الأولى، والباقي في آخر السنة الثانية، وإن زاد على الثلثين ولم يزد على دية النفس.. ففي ثلاث سنين، وإن زادت على دية النفس.. فنعتبر المقدار، (وقيل: كلها في سنة) بالغة ما بلغت؛ لأنها ليست بدل نفس حتى تؤجل.
(وأجل النفس من الزهوق) أي: ابتداء المدة منه؛ لأنه وقت استقرار الوجوب (وغيرها) أي: وابتداء مدة ما دون النفس (من الجناية) لأنها حالة الوجوب فأنيط الابتداء بها كما أنيط بحالة الزهوق في النفس؛ لأنها حالة وجوب ديتها.
ومحل هذا: إذا لم تسر فإن سرت من عضو إلى عضو؛ بأن قطع إصبعه فسرت إلى كفه.. ففي ابتداء المدة ثلاثة أوجه في "أصل الروضة": أحدها: من سقوط الكف، وهو ما أورده البغوي، وثانيها: من الاندمال، وهو ما أورده الشيخ أبو حامد وأصحابه، وثالثها: ابتداء أرش الإصبع من يوم القطع، وأرش الكف من يوم سقوطها، وهو ما اختاره القفال، والروياني، والإمام، والغزالي، ومال في "الشرح الصغير" إلى ترجيحه 1.
(ومن مات) من العاقلة (ببعض سنة.. سقط) الذي عليه من حصة تلك السنة،
وَلَا يَعْقِلُ فَقِيرٌ وَرَقِيقٌ وَصَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَمُسْلِمٌ عَنْ كَافِرٍ وَعَكْسُهُ، وَيَعْقِلُ يَهُودِيٌّ عَنْ نَصْرَانِيٍّ وَعَكْسُهُ فِي الأَظْهَرِ. وَعَلَى الْغَنِيِّ نِصْفُ دِينَارٍ، وَالْمُتَوَسِّطِ رُبُعٌ
ولا يؤخذ من تركته؛ لأنها مواساة؛ كالزكاة، بخلاف الجزية على الأصحِّ؛ لأنها كالأجرة لدار الإسلام.
(ولا يعقل فقير) ولو مكتسبًا؛ لأن العقل مواساة، والفقير ليس من أهلها؛ كنفقة القريب، بخلاف الجزية؛ لأنها موضوعة لحقن الدم، وإقراره في دار الإسلام فصارت عوضًا.
(ورقيق) ولو مكاتبًا؛ إذ لا ملك له.. فلا مواساة، والمكاتب وإن ملك فملكه ضعيف، وليس من أهل المواساة، ولهذا لا تجب عليه الزكاة.
(وصبي ومجنون) لأن مبناه على النصرة ولا نصرة فيهما، لا بالفعل ولا بالرأي، بخلاف الزمن، والشيخ الهم، والمريض، والبالغ حد الزمانة، والأعمى؛ فإنهم يتحملون على الصحيح؛ لأنهم ينصرون بالقول والرأي.
وقضية إطلاقهم: أنه لا فرق بين الجنون المتقطع والمطبق، قال الأَذْرَعي: وقد يقال: ينظر إلى الأغلب عليه، ويحتمل أن لو كان في العام يومًا واحدًا، وليس هو آخر السنة فلا عبرة به.
(ومسلم عن كافر، وعكسه) لأنه لا موالاة بينهما، ولا توارث فلا مناصرة.
(ويعقل يهودي عن نصراني، وعكسه في الأظهر) كالإرث؛ إذ الكفر ملة واحدة، والثاني: لا؛ لانقطاع الموالاة بينهما.
وسكت عن اشتراط الذكورة في العاقلة؛ اكتفاء بذكر العصوبة أول الباب، فلا تعقل امرأة ولا خنثى.
(وعلى الغني نصف دينار) لأنه أول درجات المواساة في الزكاة، والزيادة إجحاف لا ضابط لها.
(والمتوسط ربع) لأنه واسطة بين الفقير الذي لا شيء عليه، والغني الذي عليه نصف دينار، ولم يجز إلحاقه بأحد الطرفين؛ لأنه إفراط أو تفريط، فتوسط فيه بربع دينار قال الرافعي: ويشبه أن يكون المرعي في وجوب النصف أو الربع قدرهما،
كُلَّ سَنَةٍ مِنَ الثَّلَاثِ، وَقِيلَ: هُوَ وَاجِبُ الثَّلَاثِ، وَيُعْتبَرَانِ آخِرَ الْحَوْلِ، وَمَنْ أَعْسَرَ فِيهِ.. سَقَطَ
لا أنه يلزم العاقلة عين الذهب؛ لأن الإبل هي الواجبة في الدية، وما يؤخذ يصرف في الإبل، وللمستحق ألا يقبل غيرها، ويوضحه: أن المتولي قال: عليه نصف دينار أو ستة دراهم 1، قال البغوي: ويضبط الغني والمتوسط بالعادة، ويختلف باختلاف البلدان والأزمان 2.
ورأى الإمام: أن الأقرب: اعتبار ذلك بالزكاة، فإن ملك عشرين دينارًا آخر الحول.. فغني، وإن ملك دون ذلك فاضلًا عن حاجاته.. فمتوسط، قال: ويشترط: أن يملك شيئًا فوق المأخوذ، وهو الربع، لئلا يصير فقيرًا، وشرطهما: أن يكون ما يملكانه فاضلًا عن مسكن، وثياب، وسائر ما لا يكلف بيعه في الكفارة.
انتهى 3، ومال في "الشرح الصغير" إلى كلام الإمام، واستنبط ابن الرفعة من كلامهم: أن المراد بالفقير هنا: من لا يملك كفايته على الدوام، وصرح به صاحب "البيان" 4.
(كل سنة من الثلاث) لأنها مواساة تتعلق بالحول، فتكررت بتكرره؛ كالزكاة، فجميع ما يلزم الغني في السنين الثلاث دينار ونصف والمتوسط نصف وربع، (وقيل: هو) أي: النصف، أو الربع (واجب الثلاث) لأن الأصل عدم الضرب، فلا يخالفه إلا في هذا القدر، فعلى هذا: يؤدي الغني كل سنة سدس دينار، والمتوسط نصف سدسه.
(ويعتبران) أي: الغني والمتوسط (آخر الحول) لأنه حق مالي متعلق بالحول على جهة المواساة، فاعتبر بآخره، كالزكاة.
(ومن أعسر فيه) أي: في آخر الحول (.. سقط) أي: لا يلزمه شيء من واجب
فَصْلٌ [في جناية الرقيق]
مَالُ جِنَايَةِ الْعَبْدِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، وَلِسَيِّدِهِ بَيْعُهُ لَهَا، وَفِدَاؤُهُ بِالأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَأَرْشِهَا، وَفِي الْقَدِيمِ: بِأَرْشِهَا، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ مَعَ رَقَبَتِهِ فِي الأَظْهَرِ
ذلك الحول وإن كان موسرًا من قبل، أو أيسر بعده، لخروجه عن أهلية المواساة، ولو كان موسرًا آخر الحول.. لزمه، ولو أعسر بعده.. فهو دين عليه.
(فصل: مال جناية العبد) بأن كانت خطأً، أو عمدًا، وعفي على مال (يتعلق برقبته) بالإجماع، كما حكاه البيهقي 1؛ لأنه لا يمكن إلزام السيد؛ لأنه لم يجن، ففيه إضرار به، ولا أن يكون في ذمة العبد إلى العتق، للإضرار بالمستحق، فجعل التعلق بالرقبة طريقًا وسطًا.
ويستثنى: ما إذا كان العبد غير مميز، أو أعجميًّا يعتقد وجوب طاعة السيد فأمره بها.. فالجاني هو السيد، ولا يتعلق الضمان برقبته على الأصحِّ في "أصل الروضة" في (الرهن)، وفي مسائل الإكراه 2، لكن نص في "الأم" على خلافه، كما قاله البُلْقيني.
(ولسيده بيعه لها) أي: للجناية (وفداؤه) كالمرهون (بالأقل من قيمته وأرشها) لأنه إن كانت قيمته أقل.. فليس عليه إلا تسليمه، فإذا لم يسلمه.. طولب بقيمته، وإن كان الأرش أقل.. فليس للمجني عليه إلا ذلك.
(وفي القديم: بأرشها) بالغًا ما بلغ؛ لأنه لو سلمه ربما بيع بأكثر من قيمته، وعلى الأول: تعتبر القيمة يوم الجناية، وقيل: يوم الفداء.
(ولا يتعلق) مال الجناية (بذمته مع رقبته في الأظهر) لأنه لو تعلق بالذمة.. لما تعلق بالرقبة؛ كديون معاملاته، والثاني: نعم، كالمال الواجب بجناية الحر، وعلى
وَلَوْ فَدَاهُ ثُمَّ جَنَى.. سَلَّمَهُ لِلْبَيع أَوْ فَدَاهُ، وَلَوْ جَنَى ثَانِيًا قَبْلَ الْفِدَاءِ.. بَاعَهُ فِيهِمَا أَوْ فَدَاهُ بالأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَالأَرْشَيْنِ، وَفِي الْقَدِيمِ: بِالأَرْشَيْنِ. وَلَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ وَصَحَّحْنَاهُمَا أَوْ قَتَلَهُ.. فَدَاهُ بِالأَقَلِّ، وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ، وَلَوْ هَرَبَ أَوْ مَاتَ.. بَرِئَ سَيِّدُهُ، إِلَّا إِذَا طُلِبَ فَمَنَعَهُ،
هذا: فالرقبة مرهونة بالحق الثابت في ذمته 1.
(ولو فداه ثم جنى.. سلمه للبيع أو فداه) مرة أخرى وإن تكرر ذلك مرارًا؛ لأنه الآن لم يتعلق به غير هذه الجناية.
(ولو جنى ثانيًا قبل الفداء.. باعه فيهما) أي: في الجنايتين ووزع الثمن على أرش الجنايتين، (أو فداه بالأقل من قيمته والأرشين) على الجديد (وفي القديم: بالأرشين) لما سلف.
ومحل الخلاف: ما إذا لم يمنع من بيعه مختارًا للفداء، فإن منع.. لزمه أن يفدي كلًّا منهما؛ كما لو كان منفردًا، صرح به الرافعي في الكلام على جناية المستولدة 2، وأسقطه من "الروضة"، كذا قاله الزركشي وشيخنا ولم يسقطه في "الروضة" 3، بل ذكر فيها في الموضع المذكور كما في "الرافعي" فقال: (فرع: لو جنى القن فمنع السيد من بيعه، واختار الفداء، ثم جنى ففعل مثل ذلك.. يلزمه لكل جنايةٍ الأقل من أرشها وقيمته).
(ولو أعتقه أو باعه، وصححناهما) أي: العتق والبيع (أو قتله.. فداه) حتمًا؛ لأنه فوت محل حقه، وسبق في (البيع) بيان صحة بيعه وعدمه، وعتقه كعتق المرهون؛ إن كان موسرًا.. نفذ، وإلا.. فلا على الأظهر (بالأقل) أي: بأقل الأمرين؛ لتعذر البيع، وبطلان زيادة راغب، (وقيل: القولان) السابقان (ولو هرب) العبد الجاني (أو مات.. برئ سيده، إلا إذا طلب) ليباع (فمنعه) لتعديه
وَلَوِ اخْتَارَ الْفِدَاءَ.. فَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ وَتَسْلِيمَهُ. وَيَفْدِي أُمَّ وَلَدِهِ بِالأَقَلِّ، وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ، وَجِنَايَاتُهَا كَوَاحِدَة فِي الأَظْهَرِ.
بالمنع، ويصير بذلك مختارًا للفداء.
(ولو اختار الفداء.. فالأصح: أن له الرجوع وتسليمه) ليباع؛ لأنه وعد، ولا أثر له، واليأس لم يحصل من بيعه، والثاني: يلزمه؛ عملًا بالتزامه، هذا إذا كان العبد حيًّا؛ فإن مات.. فلا رجوع له قطعًا.
(ويفدي أم ولده) أي: يتعين؛ لأنه بالاستيلاد مانع من بيعها مع بقاء الرق فيها، فأشبه ما إذا جنى القن.. فلم يسلمه للبيع (بالأقل) من قيمتها والأرش؛ كما لو امتنع من بيع الجاني، (وقيل: القولان) السابقان في القن، والأصحّث: الأول؛ لعدم توقع راغب بالزيادة، فإن البيع ممتنع، بخلاف القن.
(وجناياتها كواحدة في الأظهر) فيلزمه للكل فداء واحد؛ لأن الاستيلاد منزَّل منزلة الإتلاف، وإتلاف الشيء لا يوجب إلا قيمة واحدة، ولأنها لو لم تكن مستولدة، وبيعت.. لم يظفر جميع الأولياء إلا بقيمتها فليقدر السيد مشتريًا، والثاني: يلزمه لكل جناية فداء؛ لأنه منع من بيعها عند الجناية الثانية؛ كما في الأولى، ورجحه البُلْقيني، وحكى عن الشافعي أنه قال: إنه أحب القولين إليه.
والثالث: إن فدى الأولى قبل جنايتها الثانية.. لزمه فداء آخر، وإلّا.. فواحد، فعلى الأظهر: يشترك المجني عليهما أو عليهم على قدر جناياتهم، ومن قبض أرشًا.. حوصص فيه؛ كغرماء المفلس إذا اقتسموا، ثم ظهر غريم أو غرماء، وكلما تجددت جناية.. تجدد الاسترداد.
ومحل الخلاف: أن يكون أرش الجناية الأولى كالقيمة، أو أكثر، أو أقل، والباقي من القيمة لا يفي بالجناية الثانية؛ فإن كان أرش الأولى دون القيمة وفداها به، وكان الباقي من قيمتها يفي بالجناية الثانية.. فداها بأرشها قطعًا.
فَصْلٌ [في الغرة]
فِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ إِنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا بِجِنَايَةٍ فِي حَيَاتِهَا أَوْ مَوْتهَا، وَكَذَا إِنْ ظَهَرَ بِلَا انْفِصَالٍ فِي الأَصَحِّ، وَإِلَّا.. فَلَا، أَوْ حَيًّا وَبَقِيَ زَمَانًا بِلَا أَلَمٍ ثمَّ مَاتَ.. فَلَا ضَمَانَ،
(فصل: في الجنين) الحر المسلم (غرة إن انفصل ميتًا بجناية) تؤثر في الجنين من ضرب وإيجار دواء ونحوهما (في حياتها أو موتها) لحديث أبي هريرة الثابت في "الصحيحين": (اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى أن دية جنينهما غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها) 1.
وسميت النسمة من الرقيق غرة؛ لأنها غرة ما يملكه؛ أي: أفضله، وغرة كل شيء: خياره.
وقوله: (في حياتها أو موتها) متعلق بـ (انفصل) أي: انفصل في حياتها بجناية، أو انفصل بعد موتها بجناية في حياتها.
(وكذا إن ظهر بلا انفصال في الأصح) لتحقق وجوده، والثاني: لا بد من تمام انفصاله، لأن ما لم ينفصل كالعضو منها، وقياسا على انقضاء العدة، وسائر الأحكام.
ويتفرع على الوجهين: ما إذا ضرب بطنها، فخرج رأس الجنين مثلًا، وماتت الأم بذلك، ولم ينفصل أو خرج رأسه ثم جنى عليها فماتت، فعلى الأصحِّ: تجب الغرة؛ لتيقن وجوده، والثاني: لا تجب؛ لعدم الانفصال.
(وإلا) أي: وإن ماتت الأم ولم ينفصل الولد ولم يظهر (.. فلا) غرة، لأنا لا نتيقن وجود الجنين، فلا نوجب شيئًا بالشك.
(أو حيًّا) أي: أو انفصل حيًّا (وبقي زمانًا بلا ألم، ثم مات.. فلا ضمان) لأن الظاهر: أنه مات بسبب آخر.
وَإِنْ مَاتَ حِينَ خَرَجَ أَوْ دَامَ أَلَمُهُ وَمَاتَ.. فَدِيَةُ نَفْسٍ. وَلَوْ أَلْقَتْ جَنِينَيْنِ.. فَغُرَّتَانِ، أَوْ يَدًا.. فَغُرَّةٌ، وَكَذَا لَحْم قَالَ الْقَوَابِلُ: (فِيهِ صُورَةٌ خَفِيَّة)، قِيلَ: أَوْ قُلْنَ: (لَوْ بَقِيَ.. لَتَصَوَّرَ). وَهِيَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، مُمَيِّزٌ سَلِيمٌ مِنْ عَيْبِ مَبِيعٍ، وَالأَصَحُّ: قَبُولُ كَبِيرٍ لَمْ يَعْجَزْ بِهَرَمٍ، وَيُشْتَرَطُ بُلُوغُهَا نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ،
(وإن مات حين خرج) وتم انفصاله (أو دام المه، ومات) منه (.. فدية نفس) لأنا تيقنا حياته، وقد هلك بالجناية فأشبه سائر الأحياء.
(ولو ألقت جنينين.. فغرتان) أو ثلاثة فثلاثة؛ لأن الغرة متعلقة باسم الجنين فتعدد بتعدده.
(أو يدًا) أو رجلًا ولم ينفصل (.. فغرة) لأن العلم حصل بوجود الجنين، والغالب على الظن أن يده بانت بالجناية، واليدان كاليد، وكذا الثلاث والأربع على الأصحِّ.
(وكذا لحم قال القوابل: "فيه صوره خفية") لا يعرفها إلا أهل الخبرة بوجوده، (قيل: أو قلن: "لو بقي.. لتصور") أي: لم تكن فيه صورة ظاهرة ولا خفية فعرفها القوابل، لكن قلن: (إنه أصل آدمي، ولو بقي.. لتصور وتخلق)، فتجب الغرة؛ كما تنقضي به العدة، والمذهب: لا غرة، كما لا تصير أم ولد، وقد سبق إيضاح ذلك في (باب العدد).
(وهي) أي: الغرة الواجبة (عبد أو أمة) كما نطق به الخبر (مميز) فلا يقبل من لا تمييز له؛ لأن الغرة الخيار، وغير المميز ليس بخيار؛ لأنه يحتاج إلى من يكفله، (سليم من عيب مبيع) لأن المعيب ليس من الخيار؛ فإن رضي به.. جاز.
(والأصح: قبول كبير لم يعجز بهرم) لأنه من الخيار ما لم تنقص منافعه، وهذا ما نص عليه في "الأم"، والثاني: لا يقبل بعد عشرين سنة؛ لأنه ينقص ثمنه حينئذ.
(ويشترط بلوغها) أي: بلوغ قيمة الغرة (نصف عشر الدية) أي: دية الأب، وهو خمس من الإبل، روي ذلك عن عمر، وعلي، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، قال الماوردي: ولم يخالفهم فيه أحد، فكان إجماعًا 1.
فَإِنْ فُقِدَتْ.. فَخَمْسَةُ أَبْعِرَة، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ، فَلِلْفَقْدِ قِيمَتُهَا، وَهِيَ لِوَرَثَةِ الْجَنِينِ وَعَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي، وَقِيلَ: إِنْ تَعَمَّدَ.. فَعَلَيْهِ. وَالْجَنِينُ الْيَهُودِيُّ أَوِ النَّصْرَانِيُّ قِيلَ: كَمُسْلِمٍ، وَقِيلَ: هَدَرٌ، وَالأَصَحُّ: غُرَّةٌ كَثُلُثِ غُرَّةِ مُسْلِمٍ
(فإن فقدت) الغرة أو وجدت بأكثر من ثمن المثل (.. فخمسة أبعرة) لأنها مقدرة بالخمس عند وجودها، فعند عدمها يأخذ ما كانت مقدرة به، وإذا انتقل إلى الإبل عند فقد الغرة.. غلظنا إن كانت الجناية شبه عمد؛ بأن يؤخذ حقة ونصف، وجذعة ونصف، وخلفتان، ولم يتكلموا في التغليظ عند وجود الغرة، لكن قال الروياني: ينبغي أن يقال: تجب غرة قيمتها نصف عشر الدية المغلظة، قال الرافعي: وهذا حسن 1.
(وقيل: لا يشترط) إن تبلغ الغرة نصف عشر الدية؛ لإطلاق لفظ العبد والأمة في الخبر (فللفقد قيمتها) على هذا الوجه بالغة ما بلغت؛ كما لو غصب عبدًا فمات.
(وهي) أي: الغرة (لورثة الجنين) لو انفصل حيًّا ثم مات؛ لأنها دية نفس، ولو جنت الحامل بشرب دواء أو غيره.. فلا شيء لها منها؛ لأنها قاتلة.
(وعلى عاقلة الجاني) لحديث أبي هريرة السالف أول الفصل 2، (وقيل: إن تعمد) بأن قصدها بما يلقي غالبًا (.. فعليه) أي: على الجاني؛ بناءً على أنه يتصور في ذلك العمد المحض، والأصحُّ: أنها على العاقلة؛ بناءً على المذهب من كونه لا يتصور العمد في ذلك، وإنما يكون خطأ أو عمد خطأ؛ لأنه لا يتحقق وجوده وحياته حتى يقصد.
(والجنين اليهودي أو النصراني) الذي لأمه حرمة ذمة، أو عهد، أو رق (قيل: كمسلم) فتجب غرة؛ لأنه لا سبيل إلى الإهدار، ولا إلى تجزئة الغرة، (وقيل: هدر) إذ لا سبيل إلى التسوية بينهما، والتجزئة ممتنعة.
(والأصح: غرة؛ كثلث غرة مسلم) قياسًا على الدية، وقد بسط الأَذْرَعي الكلام في هذه المسألة، وذكر ما ملخصه: أن المذكور في "النهاية" في المسألة ثلاثة
وَالرَّقِيقُ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ يَوْمَ الْجِنَايَةِ - وَقِيلَ: الإِجْهَاضِ -
أوجه: أحدها: أنه لا تجب فيه شيء من الغرة أصلًا، وإنما الواجب فيه عشر دية الأم، والثاني: أنه يجب جزء من الغرة، نسبته من الغرة كنسبة دية أهل الجنين من الدية الكاملة، ففي الجنين النصراني ثلث الغرة، وفي المجوسي جزء منسوب إلى ديته، والثالث: أنه يجب عبد كامل؛ لأن التبعيض محذور، والتسوية بين المسلم والكافر ممتنعة، فيجب عبد نسبة قيمته من دية النصراني مثلًا خمس من الإبل من دية المسلم؛ فالواجب على هذا: غرة كاملة بالشخص ناقصة بالقيمة.
ثم قال: إذا علمت هذا.. علمت أن الوجه الأول في "المنهاج": هو الثالث فيه لا غيره، وأنه ليس لنا وجه محقق أنه تجب فيه غرة كالغرة الواجبة في المسلم من غير فرق؛ كما هو ظاهر عبارة الشيخين، وأنه ليس لنا وجه بالإهدار، وأن القول به وهم قطعًا، ولم أر من صرح بالإهدار غير "المنهاج"، وهو خلاف نصوص الشافعي في كتبه، وخلاف ما عرف من مذهبه ضرورة.
(والرقيق عشر قيمة أمه) قياسًا على الجنين الحر؛ فإن الغرة فيه معتبرة بعشر ما ضمن به الأم، وسواء فيه القنة، والمدبرة، والمكاتبة، والمستولدة، والذكر والأنثى؛ لاستوائهما فيما ورد في النص، وهو الحر (يوم الجناية) عليها؛ لأنه وقت الوجوب.
(وقيل: الإجهاض) لأن الجناية صارت نفسًا اعتبر بدلها وقت استقرارها؛ كالجناية على العبد إذا عتق، والكافر إذا أسلم.
وإطلاقه اعتبار يوم الجناية يقتضي: أنه سواء كانت القيمة فيه أكثر من وقت الإلقاء أو أقل، وبه صرح القاضي حسين وغيره، لكن الرافعي لما حكى أن الأصح: اعتبار يوم الجناية.. علله بأن قيمته حينئذ أكمل غالبًا، قال: فإن فرضت زيادة القيمة مع تواصل الآلام.. اعتبرت تلك الزيادة، قال الرافعي: وحقيقة هذا الوجه النظر إلى أقصى القيم 1، ولهذا عبر في "أصل الروضة" بأن الأصح المنصوص: أنه تعتبر
لِسَيِّدِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً، وَالْجَنِينُ سَلِيمٌ.. قُوِّمَتْ سَلِيمَةً فِي الأَصَحِّ، وَتَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ فِي الأَظْهَرِ.
القيمة أكثر ما كانت من الجناية إلى الإجهاض 1.
ويستثنى من إطلاق المصنف: ما إذا انفصل الجنين حيًّا، ومات من أثر الجناية.. فإن فيه قيمته يوم الانفصال وإن نقصت عن عشر قيمة الأم.
(لسيدها) أي: تكون الغرة لسيد الأمة؛ لأنه المالك.
وعبارة "المحرر" كـ "الشرح": للسيد 2؛ يعني: سيد الجنين، وهو الصواب؛ لأن الجنين قد يكون لشخص وُصِّيَ له به، وتكون الأم لآخر، فالبدل لسيده لا لسيدها.
(فإن كانت) الأم (مقطوعة) الأطراف (والجنين سليم.. قومت سليمة في الأصح) كما لو كانت كافرة والجنين مسلم؛ فإنه يقدر فيها الإسلام وتقوم مسلمة، والثاني: لا تقدر فيها السلامة؛ لأن نقصان الأغضاء أمر خلقي، وفي تقدير خلافه بعدٌ، بخلاف صفة الإسلام وغيره، كذا علله الرافعي 3، وهو يفهم أن صورة المسألة في نقص الأم من أصل الخلقة، وهو مخالف لتعبيرهم بالمقطوعة.
وقد يوهم كلام المصنف: أنه لو كان الجنين مقطوعًا، والأم سليمة.. قومت مقطوعة، وليس كذلك، بل تقوم سليمة أيضًا على الأصحِّ؛ لأن نقصان الجنين قد يكون من أثر الجناية، واللائق التغليظ على الجاني لا التخفيف.
فلو قال: (وعكسه).. لشمل هذه الصورة.
(وتحمله) أي: بدل الجنين (العاقلة في الأظهر) هذا هو الخلاف في أن الرقيق هل تحمله العاقلة؟ وقد سبق.
فَصْلٌ [في كفارة القتل]
تَجِبُ بِالْقَتْلِ كَفَّارَةٌ وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ صَبِيًّا، وَمَجْنُونًا، وَعَبْدًا، وَذِمِّيًّا، وَعَامِدًا، وَمُخْطِئًا، وَمُتْسَبِّبًا بِقَتْلِ مُسْلِمٍ - وَلَوْ بِدَارِ حَرْبٍ - وَذِمِّيٍّ
(فصل: تجب بالقتل كفارة) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
وخرج بـ (القتل): الأطراف، والجراحات، فلا كفارة فيها؛ لعدم الورود.
(وإن كان القاتل صبيًّا ومجنونًا) لأن الكفارة من باب الضمان، ويفارق وقاعهما في رمضان؛ فإنه لا كفارة عليهما؛ لعدم التعدي منهما، والتعدي شرط في وجوب تلك الكفارة، وللولي الإعتاق عنهما من مالهما؛ كما يخرج الزكاة والفطرة منه، فلو أعتق الولي من مال نفسه عنهما.. قال البغوي: إن كان أبًا أو جدًّا.. جاز، وكأنه ملكهما ثم ناب عنهما في الإعتاق، وإن كان وصيًّا أو قيّمًا.. لم يجز حتى يقبل القاضي لهما التمليك، وأقراه 1، ولا يصوم الولي عنهما بحال، فلو صام الصبي في صباه.. أجزأه على الأصحِّ.
(وعبدًا وذميًّا) كما يتعلق بفعلهما القصاص والضمان، ويتصور إعتاق الذمي للمسلم؛ بأن يسلم في ملكه، أو يقول لمسلم: (أعتق عبدك عن كفارتي)، فإنه يصح على الأصحِّ.
(وعامدًا) كالمخطئ، وأولى، لأن الكفارة للجبر، والعامد أحوج إليها، ومثله شبه العمد، (ومخطئًا) بالإجماع.
(ومتسببًا) لأنه كالمباشر في الضمان، فكذا في الكفارة (بقتل مسلم ولو بدار حرب) وإن لم يجب فيه القصاص ولا الدية؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، وسواء ظن كفره، أو تترس به العدو.
(وذمي) لأنه آدمي مضمون، وفي معناه: كل معصوم بأمان أو عهد.
وَجَنِينٍ وَعَبْدِ نَفْسِهِ وَنَفْسِهِ، وَفِي نَفْسِهِ وَجْهٌ، لَا امْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ حَرْبِيَّيْنِ وَبَاغٍ وَصَائِلٍ وَمُقْتَصٍّ مِنْهُ،
(وجنين) لقضاء عمر رضي الله عنه بذلك 1، قال ابن المنذر: ولا أعلم فيه خلافًا.
(وعبد نفسه) لعموم الآية وإن كانت القيمة لا تجب؛ لأنها لو وجبت.. لوجبت عليه له، بخلاف الكفارة، فإنها حق لله تعالى.
(ونفسه) أي: وتجب الكفارة على قاتل نفسه؛ لحق الله تعالى، وتخرج من تركته، ويحرم عليه قتل نفسه، كما يحرم على غيره قتله، (وفي نفسه وجه) أنها لا تجب عليه إذا فعل ذلك؛ كما لا يجب الضمان بالمال.
ويستثنى من إطلاقه وجوب الكفارة بالقتل: الجلاد القاتل بأمر الإمام إذا جرى على يده قتل غير مستحق، وهو جاهل به.. فإنه لا كفارة عليه؛ لأنه سيف الإمام، وآلة سياسته، ذكراه في الاستيفاء من الحامل 2.
(لا امرأة وصبي حربيين) وإن كان يحرم قتلهما؛ لأن المنع من قتلهما ليس لحرمتهما ورعاية مصلحتهما، ولذلك لا يتعلق به ضمان، وإنما هو لمصلحة المسلمين حتى لا يفوتهم الارتفاق بهم.
(وباغ وصائل) قتلا دفعًا؛ لأنهما لا يضمنان فأشبها الحربي، وكذا لا يجب على الباغي بقتله العادل على الأصحِّ.
(ومقتص منه) إذا قتله المستحق للقود؛ لأنه مباح الدم بالنسبة إليه، ولا يجب أيضًا بقتل المرتد، وقاطع الطريق، والزاني المحصن، ولا على من أصاب غيره بالعين، واعترف أنه قتله بالعين؛ كما لا قصاص ولا دية عليه؛ لأن ذلك لا يعد مهلكًا وإن كانت العين حقًّا، والفاعل لذلك التأثير هو الله تعالى، ثم قيل: تنبعث جواهر لطيفة غير مرئية فتخلل المسام، فيخلق الله تعالى الهلاك عندها، وقد أمر صلى الله عليه وسلم العائن أن يتوضأ، وفسره مالك بأن يغسل وجهه ويديه ومرفقيه
وَعَلَى كُلٍّ مِنَ الشُّرَكَاءِ كَفَّارَةٌ فِي الأَصَحِّ، وَهِيَ كَظِهَارٍ لكِنْ لَا إِطْعَامَ فِي الأَظْهَرِ.
وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره؛ أي: ما يلي جسده من الإزار، وقيل: وركه، وقيل: مذاكيره، قيل: ويصب على رأس الذي أصيب بالعين.
ورجح الماوردي إيجاب ذلك، وبه قال بعض العلماء.
قيل: وينبغي للسلطان: منع من عرف بذلك من مخالطة الناس، ويأمره بلزوم بيته، ويرزقه ما يكفيه إن كان فقيرًا؛ فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي منعه عمر رضي الله عنه من مخالطة الناس، ويندب للعائن أن يدعو له بالبركة، فيقول: (اللهم؛ بارك فيه ولا تضره)، وأن يقول: (لا قوة إلا بالله، ما شاء الله).
(وعلى كل من الشركاء كفارة في الأصح) أما العمد.. فكالقصاص، وأما في غيره.. فلأن فيها معنى العبادة، وهي لا توزع، وفارق الدية؛ لأنها تتبعض، والثاني: على الجميع كفارة واحدة؛ كقتل الصيد.
(وهي كظهار) في الترتيب فيعتق أولًا؛ فإن لم يجد.. فيصوم شهرين متتابعين؛ للآية (لكن لا إطعام) عند العجز عن الصوم (في الأظهر) إذ لا نص فيه، والمتبع في الكفارة النص لا القياس، ولم يذكر الله تعالى في كفارة القتل غير العتق والصيام.
ولا يحمل المطلق على المقيد في الظهار؛ لأن المطلق إنما يحمل على المقيد في الأوصاف دون الأصل؛ بدليل أن اليد المطلقة في التيمم حملت على المقيد بالمرافق في الوضوء؛ لأنه كالوضوء، ولم يحمل إغفال ترك الرأس والرجلين في التيمم على ذكرهما في الوضوء؛ لأنهما أصل، والثاني: تجب، قياسًا على كفارة الظهار.
ومحل عدم جواز الإطعام: في الحياة، فلو مات قبل الصوم.. أخرج من تركته لكل يوم مد لا بطريق البدلية، بل كمن فاته صوم شيء من رمضان، والقول في صفة الرقبة والصيام والإطعام إن أوجبناه.. على ما سبق في (الكفارات).