بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 70-110

وَأَنَّ الإِجَارَةَ وَالرَّهْنَ وَالْهِبَةَ كَالْبَيع، وَأَنَّ الإِعْتَاقَ بِخِلَافِهِ. وَالثَّمَنُ الْمُعَيَّنُ كَالْمَبِيعِ، فَلَا يَبِيعُهُ الْبَائِعُ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَلَهُ بَيع مَالِهِ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَمَانَةً كَوَدِيعَةٍ وَمُشْتَرَكٍ وَقِرَاضٍ، وَمَرْهُونٍ بَعْدَ انْفِكَاكِهِ، وَمَوْرُوثٍ، وَبَاقٍ فِي يَدِ وَلِيِّهِ بَعْدَ رُشْدِهِ،

(وأن الإجارة والرهن والهبة كالبيع) بناء على المعنى الأول، والثاني: يصحُّ؛ بناء على الثاني.
(وأن الإعتاق بخلافه) أي: بخلاف البيع، فيصحُّ ولو كان للبائع حقُّ الحبس؛ لقوته، وضعف حقِّ الحبس، والثاني: لا يصحُّ؛ لأنه إزالة ملك؛ كالبيع.
والتزويج والاستيلاد والوقف كالعتق.
ويستثنى: ما لو أعتقه على مال.. فإنه لا يصحُّ، وكذا إن أعتقه عن كفارة غيره؛ لأن الأول بيع، والثاني: هبة.
(والثمنُ المُعيَّن كالمبيع، فلا يبيعه البائع قبل قبضه) لعموم النهي 1، ووجود العلتين.
وقوله: (فلا يبيعه... ) إلى آخره: زيادة لا حاجة إليها، بل مضرة؛ لأنها توهم جوازَ غير البيع.
(وله بيع ماله في يد غيره أمانة؛ كوديعة، ومشترك، وقراض، ومرهون بعد انفكاكه، وموروث، وباق في يد وليّه بعد رشده) لتمام الملك، والقدرة على التسليم.
ويستثنى: ما إذا استأجر صَبَّاغًا لصبغ ثوب وسلمه إليه.. فليس للمالك بيعه قبل صبغه؛ لأن له حبسَه لعمل ما يستحق به الأجرةَ، وإذا صبغه.. فله بيعه إن وفّى الأجرةَ، وإلا.. فلا، قاله البغوي وتابعاه، قالا: والقِصارة كالصبغ إن قلنا: هي عين، وإن قلنا: أثر.. فله البيع قبل دفع الأجرة 2. وقوله: (وموروث): استثني منه: ما إذا اشتراه مورثه ومات ولم يقبضه.. فليس للوارث بيعه قبل قبضه، ورد: بأنه ليس في يد بائعه أمانةً.

وَكَذَا عَارِيَةٌ وَمَأْخُوذٌ بِسَوْمٍ. وَلَا يَصِحُّ بَيع الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَلَا الاعْتِيَاضُ عَنْهُ. وَالْجَدِيدُ: جَوَازُ الاسْتِبْدَالِ عَنِ الثَّمَنِ، فَإِنِ اسْتبدَلَ مُوَافِقًا فِي عِلَّةِ الرِّبَا كَدَرَاهِمَ عَنْ دَنَانِيرَ.. اشْتُرِطَ قَبْضُ الْبَدَلِ فِي الْمَجْلِسِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ فِي الْعَقْدِ، وَكَذَا الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ إِنِ اسْتَبْدَلَ مَا لَا يُوَافِقُ فِي الْعِلَّةِ؛ كَثَوْبٍ عَنْ دَرَاهِمَ

(وكذا عارية، ومأخوذ بسوم) لما ذكرناه، وإنما عطف بـ (كذا)؛ لينبه على أنه قسيم الأمانة؛ لأنه مضمون ضمانَ يد.
(ولا يصح بيع المُسلَم ديه، ولا الاعتياض عنه) لعموم النهي عن بيع ما لم يقبض 1. (والجديد: جواز الاستبدال عن الثمن) الذي في الذمة؛ لحديث ابن عمر أنه قال: (يا رسول الله؛ إني أبيع الإبل بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فقال: "لَا بَأْسَ إِذَا تَفَرَّقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ") صححه ابن حبان وغيره 2، والقديم: المنع؛ لإطلاق النهي عن بيع ما لم يقبض.
والثمن هو: النقد على الأصح، والمثمن: ما يقابله، فإن لم يكن نقدًا أصلًا أو كانا نقدين.. فالثمن: ما التصقت به الباء.
(فإن استبدل موافقًا في علة الربا؛ كدراهم عن دنانير.. اشترط قبض البدل في المجلس) لما مرّ في الربا.
(والأصح: أنه لا يشترط التعيين في العقد) كما لو تصارفا في الذمة ثم عينا وتقابضا، والثاني: يشترط؛ ليخرج عن بيع الدين بالدين.
(وكذا القبض في المجلس إن استبدل ما لا يوافِق في العله؛ كثوب عن دراهم) أي: لا يشترط أيضًا في الأصح؛ كما لو باع ثوبًا بدراهم في الذمة.. لا يشترط قبض الثوب، والثاني: يشترط؛ لأن أحد العوضين دين، فيشترط قبض الآخر؛ كرأس

وَلَوِ اسْتَبْدَلَ عَنِ الْقَرْضِ وَقِيمَةِ الْمُتْلَفِ.. جَازَ، وَفِي اشْتِرَاطِ قَبْضِهِ فِي الْمَجْلِسِ مَا سَبَقَ. وَبَيْعُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ بَاطِلٌ فِي الأَظْهَرِ؛ بِأَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدَ زَيْدٍ بِمِئَةٍ لَهُ عَلَى عَمْرٍو. وَلَو كَانَ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو دَيْنَانِ عَلَى شَخْصٍ، فَبَاعَ زَيْدٌ عَمْرًا دَيْنَهُ بِدَيْنِهِ.. بَطَلَ قَطْعًا. وَقَبْضُ الْعَقَارِ: تَخْلِيَتُهُ لِلْمُشْتَرِي وَتَمْكِينُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ، بِشَرْطِ فَرَاغِهِ مِنْ أَمْتِعَةِ الْبَائِعِ،

مال السلم، وعلى الأول: فلا بدّ من التعيين قطعًا.
وفي اشتراط التعيين في العقد الوجهان في استبدال الموافق.
(ولو استبدل عن) دين (القرض وقيمةِ المُتلَف) إن كان متقومًا (.. جاز) لاستقراره، بخلاف دين السلم، وكذا المثل إن كان مثليًّا.
(وفي اشتراط قبضه في المجلس ما سبق) أي: فيفصل بين الموافق في علة الربا والمخالف، وكذا يأتي في تعينيه ما سبق، والأصح: عدم الاشتراط.
(وبيع الدين) بعين (لغير من عليه باطلٌ في الأظهر؛ بأن يشتري عبد زيد بمئة له على عمرو) لأنه لا يقدر على تسليمه، والثاني: يجوز؛ لاستقراره؛ كبيعه ممن هو عليه، وهو الاستبدال كما مر، وهذا ما صححه في "زوائد الروضة" هنا 1. (ولو كان لزيد وعمرو دينان على شخص، فباع زيد عمرًا دينه بدينه.. بطل قطعًا) للنهي عن بيع الكالئ بالكالئ، وهو الدين بالدين 2. (وقبض العقار) كالأرض والدار والبناء، وكذا الشجر (تخليتهُ للمشتري) أي: تركه له (وتمكينه من التصرف) فيه (بشرط فراغه من أمتعة البائع) لأن الشرع أطلق القبض وأناط به أحكامًا ولم يبينه، ولا له حدٌّ في اللغة، فيرجع فيه إلى العرف؛ كالحرز في السرقة ونحوه، والعرف قاض بما ذكره، ولا بدّ من تسليم مفتاح الدار إلى المشتري، ولا يشترط دخوله.
وتقييده بأمتعة البائع: يحترز به عن أمتعة المشتري، ويلتحق بأمتعة البائع أمتعة المستعير والمستأجر والموصى له بالمنفعة والغاصب، قاله الأَذْرَعي.

فَإِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْعَاقِدَانِ الْمَبِيعَ.. اعْتُبِرَ مُضِيُّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْمُضِيُّ إِلَيْهِ فِي الأَصَحِّ. وَقَبْضُ الْمَنْقُولِ: تَحْوِيلُهُ، فَإِنْ جَرَى الْبَيْعُ بِمَوْضِعٍ لَا يَخْتَصُّ بِالْبَائِعِ.. كَفَى نَقْلُهُ إِلَى حَيِّزٍ، وَإِنْ جَرَى فِي دَارِ الْبَائِعِ.. لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ إِلَّا بِإِذْنِ الْبَائِعِ فَيَكُونُ مُعِيرًا لِلْبُقْعَةِ

(فإن لم يَحضر العاقدان المبيعَ) وقلنا: بالأصح: أنه لا يشترط حضورهما عنده (.. اعتبر مضي زمن يمكن فيه المضي إليه في الأصحِّ) سواء أكان في يد المشتري أم لا؛ لأنا أسقطنا الحضور للمشقة، ولا مشقة في مضي الزمان، فاعتبر، والثاني: لا يعتبر؛ لأنه لا معنى لاشتراطه مع عدم الحضور.
(وقبض المنقول: تحويله) لحديث ابن عمر: (كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه) 1 ولأن العادة في المنقول ذلك، فإن كان المبيع خفيفًا يتناول باليد؛ كالدراهم.. فلا بدَّ من تناوله باليد.
(فإن جرى البيع بموضع لايختص بالبائع.. كفى نقله إلى حيّز) من ذلك الموضع؛ لوجود التحويل.
وقوله: (جرى البيع) تبع فيه "المحرر" وليس بجيد؛ إذ جريان البيع لا مدخل له فيما نحن فيه بالكلية، بل العبرة بوجود المبيع، ولهذا عبرا في "الروضة"، و"أصلها" بقولهما: (وإن كان المبيع) بالميم 2. (وإن جرى في دار البائع.. لم يكف ذلك) لأن يد البائع عليها وعلى ما فيها.
نعم؛ يدخل في ضمانه؛ لوجود الاستيلاء.
(إلا بإذن البائع) في القبض والنقل (فيكون معيرًا للبُقعة) التي أذن في النقل إليها؛ كما لو استعار من غيره.

فَرعٌ [في تتمة أحكام الباب]

لِلْمُشْتَرِي قَبْضُ الْمَبِيِعِ إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا أَوْ سَلَّمَهُ، وَإِلَّا.. فَلَا يَسْتَقِلُّ بِهِ. وَلَوْ بِيعَ الشَّيْءُ تَقْدِيرًا كَثَوْبٍ وَأرْضٍ ذَرْعًا، وَحِنْطَةٍ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا.. اشْتُرِطَ مَعَ النَّقْلِ ذَرْعُهُ أَوْ كَيْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ، مِثَالُهُ: (بِعْتُكَهَا كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ)، أَوْ (عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ آصُعٍ). وَلَوْ كَانَ لَهُ طَعَامٌ مُقَدَّرٌ عَلَى زَيْدٍ، وَلِعَمْرٍو عَلَيْهِ مِثْلُهُ.. فَلْيَكْتَلْ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يَكِيلُ لِعَمْرٍو. فَلَوْ قَالَ: (اقْبِضْ مِنْ زَيْدٍ مَا لِيَ عَلَيْهِ لِنَفْسِكَ) فَفَعَلَ.. فَالْقَبْضُ فَاسِدٌ

(فرع: للمشتري قبض المبيع إن كان الثمن مُؤجَّلًا) في ابتداء العقد وإن حلَّ قبل التسليم (أو سلَّمه) وإن لم يأذن البائع؛ لانتفاء حقِّ الحبس والحالة هذه.
(وإلا.. فلا يستقلُّ به) بل لا بدَّ من إذن البائع، وعليه الردُّ إن قبضه؛ لأن له حقَّ الحبس لاستيفاء الثمن.
(ولو بيع الشيء تقديرًا؛ كثوب وأرض ذرعًا، وحنطةٍ كيلًا أو وزنًا.. اشترط مع النقل ذَرْعُه) إن بيع ذرعًا (أو كيله) إن بيع كيلًا (أو وزنه) إن بيع وزنًا، وكذا عده في المعدود؛ لورود النصِّ في الكيل، وهو قوله عليه السلام: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا.. فَلَا يَبعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ" متفق عليه 1، فقسنا عليه الباقي.
(مثاله: "بعتكها كلَّ صاع بدرهم"، أو "على أنها عشرة آصع") هذان المثالان للبيع مكايلة، وأمثلة الباقي لا تخفى.
(ولو كان له) أي: لبكر مثلًا (طعام مُقدَّر على زيد، ولعمرو عليه مثلُه.. فليكتل لنفسه، ثم يكيل لعمرو) ليكون قبضه قبل إقباضه.
(فلو قال) بكر: ("اقبض) يا عمرو (من زيد ما ليَ عليه لنفسك"، ففعل.. فالقبض فاسد) بالنسبة إلى عمرو؛ لاتحاد القابض والمُقبِض؛ فإنه يصير قابضًا من نفسه لنفسه، وأما بالنسبة إلى زيد.. فالأصح: صحته، وتَبرأ ذمته.

فَرعٌ [في تتمة الباب أيضًا]

قَالَ الْبَائِعُ: (لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ ثَمَنَهُ)، وَقَالَ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ مِثْلَهُ.. أُجْبِرَ الْبَائِعُ، وَفِي قَوْلٍ: الْمُشْتَرِي، وَفِي قَوْلٍ: لَا إِجْبَارَ، فَمَنْ سَلَّمَ.. أُجْبِرَ صَاحِبُهُ، وَفِي قَوْلٍ: يُجْبَرَانِ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا.. سَقَطَ الْقَوْلَانِ الأَوَّلَانِ وَأُجْبِرَا فِي الأَظْهَرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا سَلَّمَ الْبَائِعُ.. أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي إِنْ حَضَرَ الثَّمَنُ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا.. فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ بِالْفَلَسِ، أَوْ مُوسِرًا وَمَالُهُ بِالْبَلَدِ أَوْ بِمَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ.. حُجِرَ عَلَيْهِ فِي أَمْوَالِهِ حَتَّى يُسَلِّمَ،

(فرع: قال البائع: "لا أُسلِّم المبيع حتى أقبصْ ثمنَه"، وقال المشتري في الثمن مثلَه.. أجبر البائع) لأن البائع يتصرف في الثمن بالحوالة والاعتياض، فليُسلِّم ليتصرف المشتري مثله، (وفي قول: المشتري) لأن حقه متعين في المبيع، وحقّ البائع غير متعين في الثمن، فيؤمر بالتعيين، (وفي قول: لا إجبار، فمن سلّم.. أُجبر صاحبُه) لأنهما سواء، (وفي قول: يُجبَران) لأن التسليم واجب عليهما، فيأمر الحاكم كلًّا منهما بإحضار ما عليه إليه أو إلى عدل، فإذا أحضر.. أسلم الثمن إلى البائع، والمبيع إلى المشتري، ولا يضره بأيهما بدأ.
(قلت: فإن كان الثمن مُعيَّنًا.. سقط القولان الأولان وأجبرا في الأظهر، والله أعلم) لاستواء الجانبين.
وهذا كلُّه إذا كان الثمن حالًّا، فإن كان مُؤجَّلًا.. أجبر البائع قطعًا، فلو كان البائع نائبًا عن غيره بوكالة أو ولاية.. فلا يأتي إلا إجبارُهما، أو إجبار المشتري.
(وإذا سلّم البائع.. أجبر المشتري إن حَضر الثمنُ) في المجلس؛ لأن التسليم واجب عليه، ولا مانع منه، والمراد بـ (الثمن): نوعه؛ لأن الكلام فيما إذا كان في الذمة، (وإلا) أي: وإن لم يكن حاضرًا (فإن كان معسرًا.. فللبائع الفسخ بالفَلَس) لما سيأتي في بابه، وحينئذ: فيشترط فيه حجر القاضي.
(أو موسرًا ومالُه بالبلد، أو بمسافة قريبة) دون مسافة القصر (.. حُجر عليه في أمواله حتى يُسلِّم) لئلا يتصرف فيها بما يبطل حقَّ البائع، ولا فرق على الصحيح بين

فَإِنْ كَانَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ.. لَمْ يُكَلَّفِ الْبَائِعُ الصَّبْرَ إِلَى إِحْضَارِهِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ، فَإِنْ صَبَرَ.. فَالْحَجْرُ كَمَا ذَكَرْنَا. وَلِلْبَائِعِ حَبْسُ مَبِيعِهِ حَتَّى يَقْبِضَ ثَمَنَهُ إِنْ خَافَ فَوْتَهُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا الأَقْوَالُ إِذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَهُ وَتنَازَعَا فِي مُجَرَّدِ الابْتِدَاءِ.

أن تكون أمواله وافية بالثمن أم لا، ولهذا سماه الغزالي وغيره بـ (الحجر الغريب) 1. (فإن كان بمسافة القصر.. لم يُكلَّف البائع الصبر إلى إحضاره) لما فيه من الضرر عليه بتأخير حقه.
(والأصحُّ: أن له الفسخَ) لتعذر تحصيل الثمن؛ كإفلاس المشتري به، والثاني: يباع ويؤدى حقه من ثمنه؛ كسائر الديون.
(فإن صبر.. فالحجر كما ذكرنا) لاحتمال تفويته المال.
(وللبائع حبس مبيعه حتى يقبض ثمنَه إن خاف فوته بلا خلاف، وإنما الأقوال إذا لم يخف فوتَه وتنازعا في مجرَّد الابتداء) لأن الإجبار عند خوف الفوات بالهرب أو تمليك المال أو نحو ذلك.. فيه ضرر ظاهر، وهكذا الحكم في المشتري أيضًا.

بابُ التّولية والإشراك والمراجعة

اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ قَالَ لِعَالِمٍ بِالثَّمَنِ: (وَلَّيْتُكَ هَذَا الْعَقْدَ)، فَقَبلَ.. لَزِمَهُ مِثْلُ الثَّمَنِ، وَهُوَ بَيْعٌ فِي شَرْطِهِ وَتَرَتُّبِ أَحْكَامِهِ، لكِنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الثَّمَنِ. وَلَوْ حُطَّ عَنِ المُوَلِّي بَعْضُ الثَّمَنِ.. انْحَطَّ عَنِ الْمُوَلَّى. وَالإِشْرَاكُ فِي بَعْضِهِ كَالتَّوْليَةِ فِي كُلِّهِ إِنْ بيَّنَ الْبَعْضَ، فَلَوْ أَطْلَقَ.. صَحَّ وَكَانَ مُنَاصَفَةً، وَقِيلَ: لَا

(باب التولية والإشراك والمرابحة) التولية: مصدر وَلَّى تولية، والإشراك: مصدر أشركه؛ أي: صيره شريكًا، والمرابحة: من الربح وهو الزيادة.
وذَكَرَ في الباب المُحاطة أيضًا ولم يترجم لها.
(اشترى شيئًا ثم قال لعالم بالثمن: "وليتك هذا العقد") سواء قال: بما اشتريته، أم سكت (فقبل) بأن قال: قبلت أو توليت (.. لزمه مثلُ الثمن) جنسًا وقدرًا وصفة.
(وهو) أي: هذا العقد (بيع في شرطه) فلا يصحُّ قبل القبض، ويشترط فيه جميع شروط البيع؛ لأن حدَّ البيع صادق عليه، (وترتبِ أحكامه) من تجدد الشفعة، وبقاء الزوائد المنفصلة على ملك المولي، وغير ذلك؛ لأنه ملك جديد (لكن لا يحتاج إلى ذكر الثمن) لأن لفظ التولية مشعر به، [فلو ذكره.. لم يضر] 1. (ولو حُطّ عن المولِّي بعضُ الثمن.. انحطّ عن المولَّى) وإن كان بعد التولية؛ لأنه وإن كان بيعًا جديدًا، فخاصيته وفائدته هي التنزيل على الثمن الأول.
(والإشراك في بعضه كالتولية في كلِّه) في جميع ما مرّ من الشروط والأحكام (إن بيّن البعضَ) بأن يقول: (أشركتك معي مناصفة، أو بالنصف)، فإن ذكر بعضًا ولم يبينه.. لم يصحَّ؛ للجهل.
(فلو أطلق.. صحَّ وكان مناصفةً) كما لو أقر بشيء لزيد ولعمرو، (وقيل: لا) يصحُّ؛ للجهالة؛ كقوله: (بعتك بألف ذهبًا وفضة).

وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ؛ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ بمِئَةٍ ثُمَّ يَقُولَ: (بِعْتُكَ بِمَا اشْتَرَيْتُ وَرِبْحِ دِرْهَمٍ لَكُلِّ عَشَرَةٍ، أَوْ رِبْحِ "دَهْ يَازْدَهْ"). وَالْمُحَاطَّةِ كَـ (بِعْتُ بِمَا اشْتَرَيْتُ وَحَطِّ "دَهْ يَا زْدَهْ")، وَيُحَطُّ مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ. وَإِذَا قَالَ: (بِعْتُ بِمَا اشْتَرَيْتُ).. لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ سِوَى الثَّمَنِ، وَلَوْ قَالَ: (بِمَا قَامَ عَلَيَّ).. دَخَلَ مَعَ ثَمَنِهِ أُجْرَةُ الْكَيَّالِ وَالدَّلَّالِ وَالْحَارِسِ وَالْقَصَّارِ وَالرَّفَّاءِ وَالصَّبَّاغِ وَقِيمَةُ الصَّبغِ وَسَائِرِ الْمُؤَنِ الْمُرَادَةِ لِلاِسْتِرْبَاحِ

(ويصح بيع المرابحة؛ بأن يشتريه بمئة ثم يقول: "بعتك بما اشتريت) أي: بمثله (وربح درهم لكلِّ عشرة) وكذا ربح درهم في كلِّ عشرة (أو ربح دَهْ يَازْدَهْ") قياسًا على بيع القطيع كلِّ شاة بدرهم، ولأن الثمن معلوم فجاز البيع؛ كما لو قال: (بعتك بمئة وعشرة).
(وده) بالفارسية: عشرة و (يازده): أحد عشر، ومعناه: كلُّ عشرة ربحها درهم، ولا خفاء أن هذا فيما إذا عرفه كلٌّ منهما.
(والمُحاطة: كبعت بما اشتريت وحط "ده يازده") لما سبق من كونه ثمنًا معلومًا.
(ويُحَطُّ من كلِّ أحد عشر واحدٌ) لأن الربح في المرابحة جزء من أحد عشر، فليكن كذلك الحَطُّ أيضًا، (وقيل: من كلِّ عشرة) كما زدنا في المرابحة على كلِّ عشرة واحدًا، فعلى هذا: إذا كان قد اشترى بمئة.. يكون الثمن تسعين، وعلى الأول: تسعين وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءًا من درهم.
(وإذا قال: "بعت بما اشتريت".. لم يدخل فيه سوى الثمن) الذي لزم به العقد، فلو حُطُّ بعض الثمن في زمن الخيار، أو زيد فيه.. لم يجز إلا بما لزم به العقد؛ لأن الشراء هو العقد، والعقد لم يقع إلا بذلك.
(ولو قال: "بما قام عليّ".. دخل مع ثمنه أجرةُ الكَيَّال والدلال والحارس والقَصَّار والرَّفَّاء والصَّبَّاغ وقيمة الصبغ وسائرِ المؤن المرادة للاسترباح) كتطيين الدار، وأجرة المكان، وكذا المَكْس الذي يأخذه السلطان، أما المؤن المقصودة للبقاء؛ كنفقة العبد، وعلف الدابة.. فلا تحسب.

وَلَوْ قَصرَ بِنَفْسِهِ أَوْ كَالَ أَوْ حَمَلَ أَوْ تَطَوَّعَ بِهِ شَخْصٌ.. لَمْ تَدْخُلْ أُجْرَتُهُ. وَلْيَعْلَمَا ثَمَنَهُ أَوْ مَا قَامَ بِهِ، فَلَوْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا.. بَطَلَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلْيُصَدَّقِ الْبَائِعُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَالأَجَلِ، وَالشِّرَاءِ بِالْعَرْضِ، وَبَيَانِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ،

ومعنى قوله: (دخل): أنه يضمها إلى الثمن، فيقول: (قام علي بكذا، وقد بعتك بما قام علي وربح كذا)، وليس المراد: أنه بمطلق ذلك تدخل فيه جميع هذه الأشياء مع الجهل بها، وقد قال بعد ذلك: (وَلْيَعْلما ثمنه أو ما قام به).
واستشكل: تصوير أجرة الكَيَّال والدلال؛ فإنهما على البائع، وأجيب: بأن صورة أجرة الكَيَّال على المشتري ما إذا كان الثمن مكيلًا، وأجرة الدلال ما إذا كان الثمن عرضًا فاستأجر من يعرضه للبيع، ثم اشترى السلعة به.. فتضم الأجرة إلى قيمة العرض الذي هو الثمن.
(ولو قَصَّر بنفسه أو كال أو حمل أو تطوع به شخص.. لم تدخل أجرتُه) لأن السلعة لا تُعدُّ قائمة عليه إلا بما بذله، بل طريقه أن يقول: (عملت فيه عملًا يساوي كذا).
(ولْيَعلما ثمنَه أو ما قام به، فلو جهله أحدهما.. بطل على الصحيح) لجهالة الثمن، والثاني: يصحُّ؛ لأن الثمن فيه مبني على الثمن الأول، ومعرفته سهلة، فصار كالشفيع يطلب الشفعة قبل العلم بمبلغ الثمن، والثالث: إن علماه في المجلس.. صحَّ، وإلا.. فلا.
(وليُصدَّق البائع في قدرِ الثمن والأجل) لأن بيع المرابحة مبني على الأمانة؛ لاعتماد المشتري نظر البائع، ورضاه لنفسه ما رضيه البائع مع زيادة أو حطّ، فوجب عليه الصدقُ.
(والشراءِ بالعرض) أي: إن اشترى بعرض ذَكَرَ أنه اشتراه بعرض قيمته كذا، ولا يقتصر على ذكر القيمة؛ لأن البائع بالعرض يشدد فوق ما يشدد البائع بالنقد.
(وبيان العيب الحادث عنده) أي: يبين حدوثه عنده، أما مطلق العيب.. فيجب بيانه، قديمًا كان أو حديثًا، وكذا يجب أيضًا الإخبار بالغبن، والشراء من ابنه الطفل، وكذا إذا اشتراه بدين على البائع وكان مماطلًا.

فَلَوْ قَالَ: (بِمِئَةٍ)، فَبَانَ بِتِسْعِينَ.. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَحُطُّ الزِّيَادَةَ وَرِبْحَهَا، وَأَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي. وَلَوْ زَعَمَ أَنَّهُ مِئَةٌ وَعَشَرَةٌ وَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي.. لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ كَذَّبَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لِغَلَطِهِ وَجْهًا مُحْتَمَلًا.. لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ، وَلَهُ تَحْلِيفُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ فِي الأَصَحِّ

(فلو قال: "بمئة") وباعه بربح درهم لكلِّ عشرة مثلًا (فبان بتسعين) بإقراره أو ببينة (.. فالأظهر: أنه يَحطُّ الزيادةَ وربحَها) لأنه تمليك باعتبار الثمن الأول فتُحطُّ الزيادةُ عنه؛ كما في الشفعة، والثاني: لا يُحطُّ شيء؛ لأنه سمى ثمنًا معلومًا وعقد به.
(وأنه لا خيار للمشتري) لأنه رضي بالأكثر، فأولى أن يرضى بالأقل، والثاني: يثبت؛ لأنه قد يكون له غرض في الشراء بذلك المبلغ لإبرار قسم أو إنفاذ وصية.
قال السبكي: ومحل القولين: ما إذا قال: (بعتك برأس مالي وهو مئة وربحِ كذا)، أما لو قال: (اشتريته بمئة، وبعتكه بمئة وعشرة).. فلا حط، ولا خيار؛ لتقصير المشتري بتصديقه، قاله القاضي الحسين.
انتهى.
لكن في "الشرح" و"الروضة" في (فصل تحريم النجش): أنه لو قال البائع: (أعطيت بهذه السلعة كذا)، فصدقه واشتراه، فبان خلافه.. قال ابن الصباغ: في ثبوت الخيار الوجهان؛ أي: في مسألة النجش 1. (ولو زعم أنه مئةٌ وعشرةٌ، وصدقه المشتري.. لم يصحَّ البيع في الأصحِّ) لتعذر إمضائه؛ فإن العقد لا يحتمل الزيادةَ، وأما النقصان.. فهو معهودٌ؛ بدليل الأرش.
(قلت: الأصحُّ: صحته، والله أعلم) كما لو غلط بالزيادة، فعلى هذا الأصح: لا تثبت الزيادة، ويتخير البائع، وقيل: تثبت مع ربحها، ويخير المشتري.
(وإن كذبه ولم يُبين لغلطه وجهًا محتملًا.. لم يقبل قولُه) لأنه رجوع عن إقرار تعلق به حقُّ آدمي (ولا بيِّنته) لأنه مكذب لها بقوله الأول.
(وله تحليف المشتري أنه لا يعرف ذلك في الأصح) لأنه ربما يقر عند عرض

وَإِنْ بَيَّنَ.. فَلَهُ التَّحْلِيفُ، وَالأَصَحُّ: سَمَاعُ بَيِّنَتِهِ.

اليمين عليه، والثاني: لا؛ كما لا تسمع بينته، فعلى الأول: لو نكل.. قال الرافعي تبعًا للبغوي والقاضي: إن قلنا: اليمين المردودة كالإقرار.. ردت، وإن قلنا: كالبينة.. فلا 1. وقضيته: تصحيح الرد؛ لأن اليمين المردودة كالإقرار على الأصح.
وحذف من "الروضة" هذا البناء الذي يؤخذ منه تصحيح الرد، ثم صححه من زيادته 2. (وإن بَيَّن) كأن قال: (ورد كتاب وكيلي بأنه اشتراه بكذا) فبان مزورًا (.. فله التحليف) لأن ذلك يحرك ظن صدقه.
(والأصحُّ: سماع بينته) قياسًا على التحليف، والجامع بينهما العذر، والثاني: لا؛ لتكذيبه لها، قال في "المطلب": وهذا هو المشهور والمنصوص.

بابُ الأصول والثّمار

قَالَ: (بِعْتُكَ هَذِهِ الأَرْضَ أَوِ السَّاحَةَ أَوِ الْبُقْعَةَ)، وَفِيهَا بِنَاءٌ وَشَجَرٌ.. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ دُونَ الرَّهْنِ. وَأُصُولُ الْبَقْلِ الَّتِي تَبْقَى سَنَتَيْنِ -كَالْقَتِّ وَالْهِنْدَبَاءِ- كَالشَّجَرِ،

(باب) بيع (الأصول والثمار) المراد بالأصول: الشجر والأرض، والثمار: جمع ثمر، ومفرده الأصلي: ثمرة.
(قال: "بعتك هذه الأرض أو الساحة أو البقعة") أو العَرْصة (وفيها بناء وشجر.. فالمذهب: أنه يدخل في البيع دون الرهن) لأن البيع قوي يزيل الملك فاستتبع، بخلاف الرهن، والطريق الثاني: القطع بعدم الدخول فيهما؛ لخروجهما عن مُسمَّى الأرض، قال الرافعي: (ولاشك أنه أوضح في المعنى) 1، والثالث: قولان فيهما: أحدهما: عدم الدخول؛ لما ذكرناه، والثاني: الدخول فيهما؛ لأنهما للدوام فأشبها أجزاء الأرض.
وكان ينبغي أن يقول: (بعتك أو رهنتك) حتى يستقيم قوله بعد ذلك: (فالمذهب: أنه يدخل في البيع دون الرهن).
ومحل الخلاف: إذا أطلق، فإن قال: (بما فيها).. دخل قطعًا، ولو قال: (دون ما فيها).. فلا قطعًا، ولو قال: (بحقوقها).. دخل على الأصح.
وأطلق الشيخان الشجر، وهو يشمل الرطب واليابس، وقال ابن الرفعة: إن اليابسة لا تدخل؛ لأنها لا تراد للبقاء، واستثنى الأَذْرَعي: ما لو عُرِّش على اليابسة، أو جُعلت دِعامةً لجدار أو غيره.. فإنها تصير كالبناء؛ لقرينة إرادة البقاء 2. والهبة والوقف والوصية كالبيع، وا لإقرار كالرهن.
(وأصول البَقْل التي تبقى سنتين؛ كالقت) وهو القُرْط، ويُسمَّى الرَّطبة والقَضْبة (والهِنْدَباء كالشجر) لبقائها، فيجري فيها الطرق.

وَلَا يَدْخُلُ مَا يُؤْخَذُ دَفْعَةً كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَسَائِرِ الزُّرُوعِ. وَيَصِحُّ بَيْعُ الأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إِنْ جَهِلَهُ، وَلَا يَمْنَعُ الزَّرْعُ دُخُولَ الأَرْضِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانِهِ إِذَا حَصَلَتِ التَّخْلِيَةُ فِي الأَصَحِّ. وَالْبَذْرُ كَالزَّرْعِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا أُجْرَةَ لِلْمُشْتَرِي مُدَّةَ بَقَاءِ الزَّرْعِ

(ولا يدخل) في بيع الأرض (ما يؤخذ دَفعةً؛ كالحنطة والشعير وسائر الزروع) كالجزر والفُجْل، سواء أطلق الأرض أو قال: (بحقوقها) لأنه نماء ظاهر لا يراد للبقاء، فلم يدخل في بيع ما يثبت فيه؛ كالطَّلْع المؤبر.
(ويصحُّ بيع الأرض المزروعة على المذهب) كما لو باع دارًا مشحونة بأمتعته، والطريق الثاني: تخريجها على القولين في بيع الدار المستأجرة؛ لعدم استحقاقه منفعةَ هذه المدة، وفرق الجمهور: بأن يد المستأجر حائلة، وبأنه لو كان في معنى تلك الصورة.. لوجب أن يقطع بالفساد؛ لجهالة مدة الزرع؛ كدار المعتدة بالأقراء أو بالحمل.
وما أطلقه من الخلاف تبعًا للرافعي قيّده المتولي بما إذا كان الزرع يوجد دفعة واحدة، أما لو كان يحصد مرة بعد أخرى.. صحَّ قطعًا، كذا نقله السبكي وأقره 1، وقال الإسنوي: إنه واضح؛ فإن الزرع قد انتقل إلى المشتري.
(وللمشتري الخيار إن جهله) بأن يكون الزرع قد حدث بعد الرؤية وقبل البيع؛ لتأخر الانتفاع، فإن تركه البائع له، أو فرغ الأرض في زمن يسير.. سقط خياره.
(ولا يمنع الزرعُ دخول الأرض في يد المشتري وضمانِه إذا حصلت التخلية في الأصحِّ) لوجود التسليم في الرقبة، وهي المبيعة، والثاني: لا؛ لأنه لم يقدر على الانتفاع في الحال.
(والبذر كالزرع) فيما مرّ؛ فإن كان زرعُ هذا البَذْر يؤخذ دفعة كالحنطة.. لم يدخل في البيع، وإلا.. دخل.
(والأصحُّ: أنه لا أجرة للمشتري مدة لقاء الزوع) إن جهل الزرع وأجاز العقد؛

وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا مَعَ بَذْرٍ أَوْ زَرْعٍ لَا يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ.. بَطَلَ فِي الجَمِيعِ، وَقِيلَ: فِي الأَرْضِ قَوْلَانِ. وَيَدْخُلُ فِي بَيع الأَرْضِ الْحِجَارَةُ اَلْمَخْلُوقَةُ فِيهَا، دُون الْمَدْفُونَةِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي إِنْ عَلِمَ، وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ النَّقْلُ، وَكَذَا إِنْ جَهِلَ وَلَمْ يَضُرَّ قَلْعُهَا،

كالثمرة المؤبرة، وكما لو باع دارًا مشحونة بالأمتعة.. لا أجرة لمدة التفريغ، والثاني: له؛ لفوات المنفعة، فلو علم الزرع.. فلا أجرة قطعًا.
وكلام المصنف يقتضي: استحقاق البائع؛ لإبقاء الزرع، ومحله: إذا شرط الإبقاء، أو أطلق، فإن شرط القطع.. ففي وجوب الوفاء به ترددٌ للأصحاب، حكاه الإمام في آخر (كتاب الصلح) 1. (ولو باع أرضًا مع بَذْر أو زرعٍ لا يُفرد) كلٌّ منهما (بالبيع) بأن كانا مستورين (.. بطل في الجميع، وقيل: في الأرض قولان) مَدرك الخلاف: ما مرّ في تفريق الصفقة؛ لأن الإجارة فيما يصحُّ هل هي بجميع الثمن أم بالقسط؟ فإن قلنا: بالقسط وهو الأصح.. فتبطل هنا في الجميع؛ لتعذر التقسيط؛ لأن الفرض أن الزرع والبَذْر لا يمكن معرفة قيمتهما؛ لتعذر إفرادهما بالبيع.
وإن قلنا: بالجميع.. ففي الأرض القولان، ثم هذا في بَذْر لا يدخل في بيع الأرض، فإن كان يدخل وهو بَذْر دائم النبات كالنخل والقَتِّ والهِنْدَباء.. فيصحُّ البيع فيه وفي الأرض، ويكون ذكر البَذْر توكيدًا، قاله المتولي.
(ويدخل في بيع الأرض الحجارةُ المخلوقة فيها) لأنها من أجزائها، وكذا المبنية فيها على المذهب في دخول البناء (دون المدفونة) كالكنوز.
(ولا خيار للمشتري إن علم) وإن ضرَّ قلعها؛ كسائر العيوب.
(ويلزم البائعَ النقلُ) وللمشتري إجبارُه عليه تفريغًا لملكه، بخلاف الزرع؛ لأن له أمدًا ينتظر.
(وكذا إن جهل ولم يضرَّ قلعُها) أي: لا خيار للمشتري، وعلى البائع النقل وتسوية الأرض؛ كما سيأتي.
وقول ابن الملقن بعد قول المصنف: (ولم يضرّ قلعها): أي: ولا تركها..

وَإِنْ ضَرَّ.. فَلَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ أَجَازَ.. لَزِمَ الْبَائِعَ النَّقْلُ وَتَسْوِيَةُ الأَرْضِ، وَفِي وُجُوبِ أُجْرَةِ مِثْلِ مُدَّةِ النَّقْلِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: تَجِبُ إِنْ نَقَلَ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا قَبْلَهُ. وَيَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْبُسْتَانِ: الأَرْضُ وَالشَّجَرُ وَالْحِيطَانُ، وَكَذَا الْبِنَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِي بَيْعِ الْقَرْيَةِ: الأَبْنِيَةُ وَسَاحَاتٌ يُحِيطُ بِهَا السُّورُ، لَا الْمَزَارِعُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي بَيْعِ الدَّارِ: الأَرْضُ، وَكُلُّ بِنَاءٍ حَتَّى

يفهم أنه إذا ضرَّ تركها دون قلعها.. يثبت الخيار، والمنقول في "الشرح و"الروضة": خلافه 1. (وإن ضرَّ) قلعها بأن نقص الأرض أو أحوج لمدة لمثلها أجرةٌ (.. فله الخيار) دفعًا للضرر.
(فإن أجاز) أي: أمضى العقد (.. لزم البائعَ النقلُ) لتفريع ملكه، (وتسوية الأرض) بأن يعيد التراب المزال بالقلع من فوق الحجارة إلى مكانه، قاله في "المطلب".
(وفي وجوب أجرة مثل مدة النقل أوجه، أصحها: تجب إن نقل بعد القبض لا قبله) بناء على الأصح: أن جناية البائع كالآفة، وإن قلنا: إنها كجناية الأجنبي.. فهو كما لو نقل بعد القبض، وقيل: لا تجب مطلقًا؛ لأن إجازة المشتري رضًا منه بتلف المنفعة، وقيل: يجب مطلقًا.
(ويدخل في بيع البستان: الأرض والشجر والحيطان) لدخولها في مُسمّاه، بل لا تُسمّى بستانًا بدون حائط، (وكذا البناء على المذهب) هو إشارة إلى الطرق السالفة في تبعية البناء للأرض.
(وفي بيع القرية: الأبنية وساحاتٌ يُحيط بها السور) لدخولها في الاسم (لا المزارع على الصحيح) لعدم دخولها في مُسمّاه؛ بدليل: أنه لو حلف: (لا يدخل قرية).. لم يحنث بدخول مزارعها، والثاني: يدخل؛ لاقتضاء العرف ذلك، والثالث: إن قال: (بحقوقها).. دخلت، وإلا.. فلا.
(وفي بيع الدار: الأرض، وكلُّ بناء) لأن الدار اسم للأرض والبناء (حتى

حَمَّامُهَا، لَا الْمَنْقُولُ كَالدَّلْوِ وَالْبَكَرَةِ وَالسَّرِيرِ، وَتَدْخُلُ الأَبْوَابُ الْمَنْصُوبَةُ وَحِلَقُهَا وَالإِجَّانَاتُ، وَالرَّفُّ وَالسُّلَّمُ الْمُسَمَّرَانِ، وَكَذَا الأَسْفَلُ مِنْ حَجَرَيِ الرَّحَى عَلَى الصَّحِيحِ، وَالأَعْلَى، وَمِفْتَاحُ غَلَقٍ مُثْبَتٍ فِي الأَصَحِّ، وَفِي بَيْعِ الدَّابَّةِ: نَعْلُهَا، وَكَذَا ثِيَابُ الْعَبْدِ فِي بَيْعِهِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: لَا تَدْخُلُ ثِيَابُ الْعَبْدِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

حمامها) لأنه معدود من مرافقها، (لا المنقول كالدَّلو والبَكَرَة والسرير) غير المُسمَّى؛ لخروجها عن الاسم.
(وتدخل الأبواب المنصوبة وحِلَقُها والإجَّانات) المثبتات، وهي ما ينتفع بها في غسل الثياب ونحوها.
(والرَّفُّ والسلم المُسمَّران، وكذا الأسفل من حجري الرحى) المثبت (على الصحيح) لأن الجميع معدودة من أجزاء الدار؛ لاتصالها بها.
ووجه عدم دخول الحجر: أنه منقول، وإنما أثبت لسهولة الارتفاق به؛ كيلا يتزعزع ويتحرك عند الاستعمال، وهذا الوجه جار أيضًا في الإجانة والرف والسلم؛ كما ذكره في "المحرر" 1، وأهمله المصنف في "اختصاره".
واحترز بـ (المنصوبة): عن المقلوعة؛ فإنها لا تدخل؛ لانتفاء المعنى المتقدم.
(والأعلى، ومفتاح غلقٍ مُثبَت في الأصح) لأنهما تابعان لشيء مثبت، والثاني: لا؛ كسائر المنقولات.
(وفي بيع الدابة: نعلها) لاتصاله بها، (وكذا ثياب العبد) التي عليه حال العقد (في بيعه في الأصحِّ) للعرف.
(قلت: الأصحُّ: لا تدخل ثياب العبد، والله أعلم) لأن اللفظ لا دلالة له عليها؛ كما لا يدخل السرج في الدابة، وقيل: يدخل ساتر العورة فقط؛ للضرورة، والأمة كالعبد، فلو عبر بالرقيق.. لكان أولى.

فَرعٌ [في دخول ما يتبع المبيع في البيع]

بَاعَ شَجَرَةً.. دَخَلَ عُرُوقُهَا وَوَرَقُهَا- وَفِي وَرَقِ التُّوتِ وَجْهٌ - وَأَغْصَانُهَا إِلَّا الْيَابِسَ، وَيَصِحُّ بَيْعُهَا بِشَرْطِ الْقَلْعِ أَوِ الْقَطْعِ، وَبِشَرْطِ الإِبْقَاءِ، وَالإِطْلَاقُ يَقْتَضِي الإِبْقَاءَ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَغْرِسُ لكِنْ يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتهُ مَا بَقِيَتِ الشَّجَرَةُ

(فرع: باع شجرة.. دخل عُروقها وورقها) لأنهما من أجزائها، (وفي ورق التوت) الأبيض الربيعي (وجه) لأنه يقصد لتربية دود القز، فكان كثمار سائر الأشجار، وأما الخريفي الأحمر.. فللمشتري قطعًا، ومحله أيضًا: إذا كان ورقَ أنثى؛ كما قاله في "المطلب"، قال: فإن الأصحاب صرحوا في (المساقاة) بأن ورق الذكر لا يصلح لذلك، والأصح: الدخول مطلقًا؛ كما في سائر الأشجار.
(وأغصانُها) لأن ذلك معدود منها (إلا اليابس) فلا يدخل في بيع الشجرة الرطبة؛ لأن العادة فيه القطع؛ كالثمرة.
وظاهره: عود الاستثناء إلى الثلاثة، لكن قال الإسنوي: تعبيره يقتضي: أنه لا فرق في العروق والأوراق بين اليابسة وغيرها، وهو مقتضى إطلاق الرافعي أيضًا، وصرح به في "الكفاية" في العروق خاصة 1. (ويصح بيعها بشرط القلع أو القطع) رطبة كانت أو يابسة، وتدخل العروق عند شرط القلع دون شرط القطع، بل تبقى للبائع، (وبشرط الإبقاء) إذا كانت رطبة، فإن شرط إبقاء اليابسة.. لم يصحَّ البيع؛ كما لو اشترى ثمرة وشرط عدم القطع عند الجَذاذ.
(والإطلاق يقتضي الإبقاءَ) تحكيمًا للعادة (والأصح: أنه لا يدخل المَغْرِس) بكسر الراء حيث استحق الإبقاء، سواء كان بالاشتراط أم بالإطلاق؛ لأن اسم الشجرة لا يتناوله، والثاني: يدخل؛ لأنه مستحق الانتفاع به لا إلى غاية، فدلَّ على الملك.
(لكن يستحق منفعتَه ما بقيت الشجرةُ) بلا عوض.

وَلَوْ كَانَتْ يَابِسَةً.. لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْقَلعُ. وَثَمَرَةُ النَّخْلِ الْمَبِيعِ إِنْ شُرِطَتْ لِلْبَائِع أَوِ الْمُشْتَرِي.. عُمِلَ بِهِ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ لَمْ يَتَأَبَّرْ مِنْهَا شَيْءٌ.. فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِلَّا.. فَلِلْبَائِعِ. وَمَا يَخْرُجُ ثَمَرُهُ بِلَا نَوْرٍ - كَتِينٍ وَعِنَبٍ - إِنْ بَرَزَ ثَمَرُهُ.. فَلِلْبَائِع، وَإِلَّا.. فَلِلْمُشْتَرِي. وَمَا خَرَجَ فِي نَوْرٍ ثُمَّ سَقَطَ؛ كَمِشْمِشٍ وَتُفَّاحٍ.. فَلِلْمُشْتَرِي إِنْ لَمْ تَنْعَقِدِ الثَّمَرَةُ، وَكَذَا إِنِ انْعَقَدَتْ وَلَمْ يَتَنَاثَرِ النَّوْرُ فِي الأَصَحِّ، وَبَعْدَ التَّنَاثُرِ لِلْبَائِعِ. وَلَوْ بَاعَ نَخَلَاتِ بُسْتَانٍ مُطْلِعَةً وَبَعْضُهَا مُؤَبَّرٌ.. فَلِلْبَائِعِ،

(ولو كانت يابسةً.. لزم المشتري القلعُ) للعادة.
(وثمرةُ النخل المبيعِ إن شُرطت للبائع، أو المشتري.. عُمل به) وفاء بالشرط.
(وإلا) أي: وإن لم يقع شرط (فإن لم يتأبّر منها شيء.. فهي للمشتري، وإلا) أي: وإن تأبر منها شيء (.. فللبائع) لقوله عليه السلام: "مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ.. فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ" متفق على صحته 1. والمراد بالتأبير: تشقق الطلع في وقته سواء أكان بنفسه أم بغيره، ولا أثر لما تشقق في غير وقته.
(وما يخرج ثمرُه بلا نَوْرٍ) وهو الزهر على أيِّ لون كان (كتين وعنب، إن برز ثمرُه.. فللبائع، وإِلا.. فللمشتري) لأن البروز هنا كالتشقق في النخل.
(وما خرج في نوْر ثم سقط؛ كمِشْمِش وتفاح.. فللمشتري إن لم تنعقد الثمرة) لأنها كالمعدومة، (وكذا إن انعقدت ولم يتناثر النَّوْرُ في الأصح) لأن استتارها بالنَّوْر بمنزلة استتار ثمرة النخلِ بِكمامه، والثاني أنها للبائع؛ تنزيلًا لاستتارها بالنَّوْر منزلة استتار ثمرة النخل بعد التأبير بالقشر الأبيض.
(وبعد التناثر للبائع) لظهورها.
(ولو باع نخلات بستان مطلعةً وبعضها مؤبر.. فللبائع) ثمرتها، وكذا ما اطلع بعد البيع؛ لأنا لو جعلنا المؤبر خاصة للبائع، وغيره للمشتري.. لاحتجنا إلى التتبّع والفحص، وفيه عسر عظيم 2.

فَإِنْ أَفْرَدَ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ.. فَلِلْمُشْتَرِي فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ كَانَتْ فِي بُسْتَانَيْنِ.. فَالأَصَحُّ: إِفْرَادُ كُلِّ بُسْتَانٍ بحُكْمِهِ. وَإِذَا بَقِيَتِ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ شُرِطَ الْقَطْعُ.. لَزِمَهُ، وَإِلَّا.. فَلَهُ تَرْكُهَا إِلَى الْجَدَادِ. وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا السَّقْيُ إِنِ انْتَفَعَ بِهِ الشَّجَرُ وَالثَّمَرُ، وَلَا مَنْعَ لِلآخَرِ، وَإِنْ ضَرَّهُمَا.. لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِرِضَاهُمَا، وَإِنْ ضَرَّ أَحَدَهُمَا وَتنَازَعَا.. فُسِخَ الْعَقْدُ إِلَّا أَنْ يُسَامحَ الْمُتَضرِّرُ، وَقِيلَ: لِطَالِبِ السَّقْيِ أَنْ يَسْقِيَ

وهذه المسألة قد عُلم حكمُها من قوله قبل ذلك: (وثمرة النخل... ) إلى آخره، ولكن ذكر هنا تفصيل ذلك الحكم.
(فإن أفرد ما لم يُؤبَّر) من بستان واحد (.. فللمشتري في الأصح) لانقطاع التبعية بإفراده بالبيع، والثاني: للبائع؛ اكتفاء بدخول وقت التأبير.
(ولو كانت في بستانين) واتحدت الصفقة والمالك (.. فالأصح: إفراد كلِّ بستان بحكمه) لأن اختلاف البقاع له أثر بيّن في وقت التأبير، والثاني: أن غير المؤبر يتبع المؤبرَ؛ لاتحاد الصفقة، فأشبها نخيلَ البستان الواحد.
(وإذا بقيت الثمرةُ للبائع) بالشرط أو بالتأبير (فإن شُرط القطعُ.. لزمه) وفاءً بالشرط، (وإلا) أي: وإن لم يشرط القطع، بل شرط البقاء، أو أطلق (.. فله تركها إلى الجَداد) وفاءً بالشرط في الأول، والعادةِ في الثاني.
(ولكلٍّ منهما السقي إن انتفع به الشجر والثمر، ولا منع للآخر) لأن منعه والحالةُ هذه سَفَهٌ.
(وإن ضرَّهما.. لم يجز إلا برضاهما) فمن طلبه منهما.. كان للآخر منعه؛ لأنه يضرُّ صاحبَه بغير نفع يعود إليه، فهو سَفَهٌ وتضييع.
(وإن ضرَّ أحدَهما وتنازعا.. فُسخ العقد) لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر (إلا أن يسامح المتضررُ) لزوال التنازع، قال ابن الملقن: (وفيه نظر؛ لأنها إضاعةُ مال، وهي محرمة) انتهى 1، وفي النظر نظرٌ، بل هي إحسان وبرّ 2. (وقيل: لطالب السقي أن يَسقي) لدخول الآخر في العقد على ذلك.

وَلَوْ كَانَ الثَّمَرُ يَمْتَصُّ رُطُوبَةَ الشَّجَرِ.. لَزِمَ الْبَائِعَ أَنْ يَقْطَعَ أَوْ يَسْقِيَ.

فصَلٌ [في بيان بيع الثمر والزرع وبدو صلاحهما]

يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ مُطْلَقًا، وَبِشَرْطِ قَطعِهِ، وَبِشَرْطِ إِبْقَائِهِ. وَقَبْلَ الصَّلَاحِ إِنْ بِيعَ مُنْفَرِدًا عَنِ الشَّجَرِ.. لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَقْطُوعُ مُنْتَفَعًا بِهِ، لَا كَكُمَّثْرَى، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الشَّجَرُ لِلْمُشْتَرِي.. جَازَ بِلَا شَرْطٍ

(ولو كان الثمر يَمتص رطوبةَ الشجر.. لزم البائعَ أن يقطع أو يسقي) دفعًا لضرر المشتري.
(فصل: يجوز بيع الثمر بعد بدوِّ صلاحه مطلقًا) أي: بغير شرط قطع ولا تبقية، (وبشرط قطعه، وبشرط إبقائه) لأنه صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها) متفق عليه 1، فدلَّ على الجواز بعد بدوِّ الصلاح، ولم يخصه بحالة من الأحوال، فدلَّ على التعميم.
(وقبل الصلاح إن بيع منفردًا عن الشجر.. لا يجوز إلا يشترط القطع) للحديث المارّ؛ فإنه يدلُّ بمنطوقه على المنع مطلقًا.
خرج البيع المشروط فيه القطعُ بالإجماع، فبقي ما عداه على الأصل.
ويستثنى: ما لو كان الثمر على شجرة مقطوعة فباعه.. فإنه لا يشترط القطع؛ لأن الثمر لا يبقى عليها، فينزل ذلك منزلة الشرط.
(وأن يكون المقطوع منتفعًا به، لا ككمّثرى) لا حاجة إلى هذا الشرط؛ فإن كلَّ مبيع شرطه ذلك.
(وقيل: إن كان الشجر للمشتري) والثمرة للبائع؛ كأن وهب الثمرة لإنسان أو باعها له بشرط القطع، ثم اشتراها منه (.. جاز بلا شرط) لأنهما يجتمعان في ملك شخص واحد، فأشبه ما لو اشتراهما معًا، وصححه في "الروضة" في (باب

قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الشَّجَرُ لِلْمُشْتَرِي وَشَرَطْنَا الْقَطْعَ.. لَمْ يَجِبِ الْوَفَاءُ بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ بِيعَ مَعَ الشَّجَرَةِ.. جَازَ بِلَا شَرْطٍ، وَلَا يَجُوزُ بِشَرْطِ قَطْعِهِ. ويَحْرُمُ بَيْعُ الزَّرْعِ الأَخْضَرِ فِي الأَرْضِ إِلَّا بِشَرْطِ قَطْعِهِ، فَإِنْ بِيعَ مَعَهَا أَوْ بَعْدَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ

المساقاة)، وأيد بعدم وجوب الوفاء بشرطه 1. (قلت: فإن كان الشجر للمشتري وشرطنا القطعَ.. لم يجب الوفاءُ به، والله أعلم) إذ لا معنى لتكليفه قطعَ ثماره من أشجاره.
(وإن بيع مع الشجرة.. جاز بلا شرط) 2 لأن الثمرة هنا تبع للأصل، وهو غير متعرض للعاهة، وهذا إذا لم يفصل الثمن، فإن فصله: (كبعتك الشجرة بمئة، والثمرة بعشرة).. لم يصحَّ؛ لانتفاء التبعية.
ويستثنى: ما إذا باع البطيخ ونحوه مع أصله.. فلا بدَّ من شرط القطع؛ لأن الأصل متعرضٌ للعاهة، بخلاف الشجر والثمر، قاله الإمام والغزالي، وفيه بحث للرافعي، فإن باعه مع الأرض.. استغنى عن شرط القطع، فالأرض، كالشجر 3. (ولا يجوز بشرط قطعه) لأن فيه حَجْرًا على المشتري في ملكه، والفرق بينه وبين ما إذا باعها من مالك الأصل: أنها هنا تابعة، فاغتفر الغرر؛ كأساس الجدار.
(ويحرم بيع الزرع الأخضر) والبقول؛ كما قاله في "المحرر" 4 (في الأرض إلا بشرط قطعه) أو قلعه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام (نهى عن بيع ثمرة النخل حتى تُزهي، والسنبل حتى يَبْيَضَّ، ويَأمنَ العاهةَ) رواه مسلم 5. وفيه إشارة إلى العلة المجوزة لبيعه بشرط القطع؛ لأنه أمن العاهة، فإن باعه من غير شرط.. لم يصحَّ البيع.
(فإن بيع) الزرع الأخضر (معها) أي: مع الأرض، (أو بعد اشتداد الحَبِّ)

جَازَ بِلَا شَرْطٍ، وَيُشْتَرَطُ لِبَيْعِهِ وَبَيْعِ الثَّمَرِ بَعْدَ الصَّلَاحِ: ظُهُورُ الْمَقْصُودِ؛ كَتِينٍ وَعِنَبٍ وَشَعِيرٍ. وَمَا لَا يُرَى حَبُّهُ؛ كَالْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ فِي السُّنْبُلِ.. لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ دُونَ سُنْبُلِهِ، وَلَا مَعَهُ فِي الْجَدِيدِ. وَلَا بَأْسَ بِكِمَامٍ لَا يُزَالُ إِلَّا عِنْدَ الأَكْلِ. وَمَا لَهُ كِمَامَانِ؛ كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْبَاقِلَاءِ.. يُبَاعُ فِي قِشْرِهِ الأَسْفَلِ، وَلَا يَصِحُّ فِي الأَعْلَى، وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ إِنْ كَانَ رَطْبًا

وحده (.. جاز بلا شرط) أما الأول: فكبيع الثمرة مع الشجرة، وأما الثاني: فكبيع الثمرة بعد بدوِّ الصلاح.
(ويشترط لبيعه) أي: بيع الزرع (وبيع الثمر بعد الصلاح: ظهور المقصود) 1 لئلا يكون بيع غائب (كتين وعنب وشعير) ونحوها مما يظهر ثمره أو حبه؛ لحصول الرؤية.
(وما لا يُرى حبُّه؛ كالحنطة والعدس في السنبل.. لا يصحُّ بيعه دون سُنْبله) لاستتاره (ولا معه في الجديد) لأن المقصود مستتر بما ليس من صلاحه، فأشبه الحنطة في تِبْنها بعد الدِّياس؛ فإنه لا يصحُّ قطعًا، والقديم: الجواز؛ لأن بقاءه فيه من مصلحته.
والأَرُزُّ كالشعير على المذهب، وقيل: كالحنطة.
(ولا بأس بِكِمام لا يُزال إلا عند الأكل) كالرمان والعَلَس؛ لأن بقاءه فيه من مصلحته.
والكِمام بكسر الكاف: أوعية طلع النخل.
(وما له كِمامان؛ كالجوز واللوز والباقلَاءِ.. يباع في قشره الأسفل) لأن بقاءه فيه من مصلحته (ولا يصحُّ في الأعلى) لاستتاره بما ليس من مصلحته، (وفي قول: يصحُّ إن كان رطبًا) لأنه يصون القشرةَ السفلى، ويحفظ رطوبة اللُّبِّ، فكان من مصلحته، وصححه جماعة في الباقلَاء، ونقله الروياني عن تصحيح الأصحاب، والإجماعُ الفعلي عليه، وقد أمر الشافعي الربيع أن يشتري له الباقلَاء الأخضر 2.

وَبُدُوُّ صَلَاحِ الثَّمَرِ: ظُهُورُ مَبَادِئِ النُّضْجِ وَالْحَلَاوَةِ فِيمَا لَا يَتَلَوَّنُ، وَفِي غَيْرِهِ: بِأَنْ يَأْخُذَ فِي الْحُمْرَةِ أَوِ السَّوَادِ. وَيَكْفِي بُدُوُّ صَلَاحِ بَعْضِهِ وَإِنْ قَلَّ، وَلَوْ بَاعَ ثَمَرَ بُسْتَانٍ أَوْ بُسْتَانَيْنِ بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ.. فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي التَّأْبِيرِ

ويستثنى من إطلاقه تصحيحَ المنع: اللوزُ في القشرة العليا قبل انعقاد السفلى؛ فإنه يجوز [كما قاله في "شرح المهذب"] 1 لأنه مأكول كلُّه؛ كالتفاح 2. (وبدو صلاح الثمر: ظهورُ مبادئ النُّضْج والحلاوة فيما لا يَتلون) بأن يَصفرَّ ويلين 3. (وفي غيره: بأن يأخذ في الحمرة أو السواد) لما رواه الشيخان عن أنس قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى تُزْهِيَ، قالوا: وما تُزْهِيَ، قال: حتى تحمر)، وفي رواية لمسلم: (قلنا لأنس: ما زَهْوُها؟ قال: تحمر وتصفر) 4. وقد نقض الرافعي الحدَّ المذكور بالقثاء الصغار، وورق الفِرْصاد والزرع، ثم قال: والضابط: أن ينتهي إلى الحالة التي يقصد منها غالبًا 5. (ويكفي بدو صلاح بعضه وإن قلَّ) ولو حبة واحدة؛ كعنبة؛ لأن الله تعالى امتنّ علينا فجعل الثمار لا تطيب دفعة واحدة؛ إطالة لزمن التفكه، فلو اشترطنا في المبيع طيب جميعه.. لأدى إلى ألا يباع شيء، أو تباع الحبة بعد الحبة، وفي كلٍّ منهما حرج، ولا يغني صلاح جنس عن جنس آخر، وإليه أشار بقوله: (بعضه).
(ولو باع ثمر بستان أو بستانين بدا صلاح بعضه.. فعلى ما سبق في التأبير) فلا يتبع جنس غيره ولا جنسه إذا أفرد بالبيع ما لم يبد صلاحه على الأصح، ولا إذا اختلف البستانان على المذهب، ويتبع إذا اختلف النوع على الأصح.

وَمَنْ بَاعَ مَا بَدَا صَلَاحُهُ.. لَزِمَهُ سَقْيُهُ قَبْلَ التَّخْلِيَةِ وَبَعْدَهَا، وَيَتَصَرَّفُ مُشْتَرِيهِ بَعْدَهَا. وَلَوْ عَرَضَ مُهْلِكٌ بَعْدَهَا؛ كَبَرْدٍ.. فَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي،

(ومن باع ما بدا صلاحُه) زرعًا كان أو ثمرة ولم يشرط القطع (.. لزمه سقيه قبل التخلية وبعدها) قدر ما تنمو به الثمار، وتسلم عن التلف والفساد؛ لأنه من تتمة التسليم الواجب؛ كالكيل في المكيلات، والوزن في الموزونات، فيكون على البائع حتى لو شرط على المشتري.. بطل؛ لأنه مخالف لمقتضاه.
(ويتصرفُ مشتريه بعدها) أي: بعد التخلية، ولا يشترط القطع والنقل؛ لأنه لما كان متروكًا إلى مدة.. جُعل قبضُه قبل تلك المدة بالتخلية؛ لشبهه فيها بالعقار.
(ولو عرض مهلك) سماوي (بعدها) أي: بعد التخلية (كبرد) أي: بفتح الراء وإسكانها، كما ضبطه المصنف بخطه (.. فالجديد: أنه مق ضمان المشتري) لأن التخلية كافية في جواز التصرف، فكانت كافيةً في نقل الضمان قياسًا على العقار، وفي "صحيح مسلم": أن رجلًا أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال صلى الله عليه وسلم: "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ"، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاءَ دينه، فقال عليه الصلاة والسلام لغرمائه: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ" 1. فلو كانت الجائحة من ضمان البائع.. لأسقط النبي صلى الله عليه وسلم عنه الديون التي لحقته من ثمن الثمار التالفة.
والقديم -وحكي عن النصّ من الجديد-: أنه من ضمان البائع 2، بشرط كون المشتري غيرَ مالك للشجر، وأن يحصل التلف قبل إمكان الجِذاذ؛ لأنه عليه السلام أمر بوضع الجوائح، كما رواه مسلم 3، والأول حمله على الندب، أو على ما قبل التخلية؛ جمعًا بين الأدلة.
واحترز بقوله: (بعدها): عما إذا حصل قبلها.. فإنه من ضمان البائع.

فَلَوْ تَعَيَّبَ بِتَرْكِ الْبَائِعِ السَّقْيَ.. فَلَهُ الْخِيَارُ. وَلَوْ بِيعَ قَبْلَ صَلَاحِهِ بِشَرْطِ قَطْعِهِ وَلَمْ يُقْطَعْ حَتَّى هَلَكَ.. فَأَوْلَى بِكَوْنِهِ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي. وَلَوْ بِيعَ ثَمَرٌ يَغْلِبُ تَلَاحُقُهُ وَاخْتِلَاطُ حَادِثِهِ بِالْمَوْجُودِ؛ كَتِينٍ وَقُثَّاءٍ.. لَمْ يَصِحَّ إِلَّا أَنْ يَشْرِطَ الْمُشْتَرِي قَطْعَ ثَمَرِهِ. وَلَوْ حَصَلَ الاخْتِلَاطُ فِيمَا يَنْدُرُ فِيهِ.. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ سَمَحَ لَهُ الْبَائِعُ بِمَا حَدَثَ.. سَقَطَ خِيَارُهُ فِي الأَصَحِّ

(فلو تعيب بترك البائع السقي.. فله الخيار) أي: للمشتري؛ لأن السقي لما كان لازمًا للبائع.. كان التعيب الحادثُ بتركه كالمتقدم على القبض، حتى لو تلف بذلك.. انفسخ العقد أيضًا.
(ولو بيع قبل صلاحه بشرط قطعه ولم يُقطع حتى هلك.. فأولى بكونه من ضمان المشتري) فيما إذا اقتضى الحال البقاء إلى الجِذاذ فيما تقدم؛ للتقصير هنا.
(ولو بيع ثمرٌ يغلب تلاحقُه واختلاطُ حادثه بالموجود؛ كتين وقِثَّاء.. لم يصحَّ) لأنه غير مقدور على تسليمه (إلا أن يشرط المشتري قطعَ ثمره) فيصحُّ؛ لانتفاء المحذور؛ فإنه حينئذ يجب القطع، ويأمن الاختلاط، فإن اختلط لتأخر القطع.. كان على الخلاف الآتي.
(ولو حصل الاختلاط فيما يندر فيه.. فالأظهر: أنه لا ينفسخ البيع) لبقاء عين المبيع، وتسليمه ممكن بالطريق الآتي، والثاني: ينفسخ؛ لتعذر التسليم المستحق، وهو تسليم المبيع وحده، وهذا ما صححه المصنف في "نكت الوسيط" ونقل عن الأكثرين، ونصَّ عليه في "الأم" و"الإملاء"، واختاره السبكي 1. والأول: نقل الرافعي في "الكبير" ترجيحَه عن "الوجيز" خاصة، ولم يصرح برده ولا اختياره، وصرح برجحانه في "المحرر" و"الشرح الصغير"، وكذلك المصنف في "الروضة" 2. (بل يتخير المشتري) لأن الاختلاط عيب حدث قبل التسليم.
(فإن سمح له البائع بما حدث.. سقط خياوه في الأصحِّ) لزوال المحذور،

وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا بِصَافِيَةٍ؛ وَهُوَ: الْمُحَاقَلَةُ، وَلَا الرُّطَبِ عَلَى النَّخْلِ بتَمْرٍ؛ وَهُوَ: الْمُزَابَنَةُ. وَيُرَخَّصُ فِي الْعَرَايَا، وَهُوَ: بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى الَنَّخْلِ بِتَمْرٍ فِي الأَرْضِ، أَوِ الْعِنَبِ فِي الشَّجَرِ بِزَبِيبٍ،

والثاني: لا يسقط؛ لما في قبوله من المنة.
وما ذكره من الترتيب تبع فيه الإمام والغزالي، وهو يقتضي إثبات الخيار للمشتري أولًا حتى يجوز له المبادرة إلى الفسخ، فإن بادر البائع أولًا فسامح.. سقط خياره 1، قال في "المطلب": وهو مخالف لنص الشافعي والأصحاب؛ فإنهم عكسوا فخيروا البائعَ أولًا، فإن سمح بحقه.. أقر العقد، وإلا.. فسخ، وقال السبكي: إن هذا أشبه، والفاسخ الحاكم.
(ولا يصحُّ بيع الحنطة في سُنبلها بصافيةٍ، وهو: المُحاقلة، ولا الرطبِ على النخل بتمر، وهو: المزابنة) للنهي عنهما، متفق عليه 2، ووجهه: عدم العلم بالمماثلة، و (المحاقلة): مأخوذة من الحَقْل، وهي: الساحة التي تزرع، سميت محاقلةً؛ لتعلقها بزرع في حَقْل، قاله الرافعي، وقال الماوردي: الحَقْل هو السُّنْبل، وهو في لسان العرب: الموضع الذي يكون فيه الشيء؛ كالمعدن، و (المزابنة): مأخوذة من الزَّبْن، وهو: الدفع، سميت بذلك؛ لأنها مبنية على التخمين، والغبن فيهما مما يكثر، فيريد المغبون دفعه، والغابن إمضاءه فيتدافعان 3. (ويُرخَّص في العَرايا، وهو: بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض، أو العنبِ في الشجر بزبيب) لأنه صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في بيع العرية أن تباع بخَرْصها يأكلها أهلها رُطَبًا) متفق عليه 4. وأما في العنب: فلأنه زكوي يمكن خرصه، ويدخر يابسه، فكان كالرطب.
والثمر المذكور أولًا في الحديث هو: بالثاء المثلثة، والمراد به: الرطب، فِيمَا

دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَلَوْ زَادَ فِي صَفْقَتَيْنِ.. جَازَ، وَيُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ بِتَسْلِيمِ التَّمْرِ كَيْلًا، وَالتَّخْلِيَةِ فِي النَّخْلِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ،

بخلاف المذكور ثانيًا: فإنه بالمثناة، قاله في "شرح مسلم" 1. وموضع الجواز: ما إذا لم تتعلق بالثمرة زكاة بأن خرصت عليه وضُمِّن، أو قلنا: الخرص تضمين، أو لنقصانها عن النصاب، أو كفر صاحبها، وحكم البُسْر: حكم الرطب في الجواز، قاله الماوردي 2، قال ابن الملقن: (وعلى هذا ينبغي إلحاق الحِصْرم بالعنب) 3 وغلطه الأَذْرَعي؛ لأن البُسْر مما بدا صلاحه، بخلاف الحِصْرم.
واقتضى كلام المصنف: المنع فيما إذا كانا معًا على الشجر أو على الأرض، ومنع بيع الرطب بالرطب، وهو كذلك.
(فيما دون خمسة أوسق) بتقدير الجفاف وإن كان الرطب الآن أكثر؛ لما في "الصحيحين" عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق 4، فلذلك جوز دون الخمسة؛ لأنه متفق عليه، ومنع في الخمسة؛ لأنا شككنا فيها، والأصل: التحريم.
(ولو زاد) على دون خمسة أوسق (في صفقتين) كلٌّ منهما دون خمسة أوسق (.. جاز) قياسًا على الصفقة الأولى، فلو زاد في صفقة واحدة.. فإن البيع يبطل في الجميع، ولا يُخرَّج على تفريق الصفقة؛ لأنه صار بالزيادة ربا، فبطل في الجميع.
(ويشترط التقابض بتسليم التمر كيلًا، والتخلبةِ في النخل) والمماثلة بتقدير الجفاف؛ لأنه مطعوم بمطعوم.
(والأظهر: أنه لا يجوز في سائر الثمار) كالخَوْخ وغيره مما يدخر يابسه؛ لأنها متفرقة ومستورة بالأوراق، فلا يتأتى الخرص فيها، والثاني: يجوز قياسًا على الرطب، كما جوزنا في العنب بالقياس عليه.

وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْفُقَرَاءِ.

(وأنه لا يختص بالفقراء) لإطلاق الحديث، والثاني: يختص؛ لأنهم سبب الرخصة كما ذكره الشافعي في "الأم"، لكنه لم يسنده 1. ومثار الخلاف: أن العبرة بعموم اللفظ، أو بخصوص السبب.

بابُ اختلاف المتبايعين إِذَا اتَّفَقَا عَلَى صِحَّةِ الْبَيع، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي كَيْفِيَّتِهِ كَقَدْرِ الثَّمَنِ، أَوْ صِفَتِهِ، أَوِ الأَجَلِ أَوْ قَدْرِهِ، أَوْ قَدْرِ الْمَبِيعِ وَلَا بَيِّنَةَ.. تَحَالَفَا،

﴿باب اختلاف المتبايعين﴾ (إذا اتفقا على صحة البيع، ثم اختلفا في كيفيته؛ كقدر الثمن) وما يدعيه البائع أكثر، (أو صفته) كقوله: (بصحاح)، فيقول المشتري: (بل بمكسرة)، أو جنسه كقوله: (بذهب)، فيقول المشتري: (بل بفضة)، (أو الأجل) أي: فيدعي البائع الحلول، والمشتري الأجل، (أو قدره) أي: قدر الأجل كقوله: (إلى شهر)، فيقول المشتري: (بل إلى شهرين)، (أو قدر المبيع) كقوله: (بعتك هذا بمئة)، فيقول: (بل اشتريته مع هذا بمئة) (ولا بينة.. تحالفا) لحديث: "إِذَا اخْتَلَفَ الْبيِّعَانِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ.. فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ، أَوْ يَتَتَارَكَا" رواه أبو داوود، والحاكم وقال: إنه صحيح 1. ومعنى التتارك: أن يترك كلٌّ منهما ما يدعيه، وذلك بالفسخ، وفي "مسلم": "لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ.. لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" 2. ولا شك أن كلًّا منهما مدع ومدعىً عليه، وتخصيص البيع بالذكر جري على الغالب، فإن التحالف جار في عقود المعاوضات؛ كالسلم والكتابة وغيرهما.
واحترز بقوله: (ولا بينة): عما إذا كانت بينة؛ فإنه يُقضي بها، فإن أقاما بينتين.. فإن عرف أسبقهما تاريخًا.. حكم بها، وإلا.. تساقطتا، وتحالفا.
وأورد على الضابط: اختلافهما في عين المبيع والثمن معًا؛ مثل: (بعتك هذا العبد بمئة درهم)، فيقول: (بل هذه الجاريةَ بعشرة دنانير)، فلا تحالف جزمًا؛ إذا لم يتواردا على شيء مع اتفاقهما على بيع صحيح واختلفا في كيفيته.

فَيَحْلِفُ كُلٌّ عَلَى نَفْيِ قَوْلِ صَاحِبهِ وَإِثْبَاتِ قَوْلهِ، وَيُبْدَأُ بِالْبَائِعِ -وَفِي قَوْلٍ: بالْمُشْتَرِي، وَفِي قَوْلٍ: يَتَسَاوَيَانِ- فَيتَخَيَّرُ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَكْفِي كُلَّ وَاحِدٍ يَمِينٌ تَجْمَعُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَيُقَدَّمُ النَّفْيُ فَيَقُولُ: (مَا بِعْتُ بِكَذَا وَلَقَدْ بِعْتُ بِكَذَا). وَإِذَا تَحَالَفَا.. فالصَّحِيحُ: أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ،

ولو اختلفا في عين المبيع فقط.. تحالفا إن كان الثمن مُعيَّنًا، وإن كان في الذمة.. فوجهان في "الروضة" هنا بلا ترجيح، ورجح في الشرح الصغير التحالف 1. (فيحلف كلٌّ على نفي قول صاحبه وإثباتِ قوله) لما مرّ من كون كلٍّ منهما مدعيًا ومدعىً عليه، فينفي ما ينكره، ويثبت ما يدعيه.
(ويُبدأ بالبائع) ندبًا على الأصح؛ لقوة جانبه؛ لأن ملكه الثمن تمّ بالعقد، ويعود المبيع إليه بالتحالف.
(وفي قول: بالمشتري) لأنه يطالب بزيادة ثمن، والأصل: براءة ذمته عنها.
(وفي قول: يتساويان) لأن كلًّا منهما مدع ومدعىً عليه، فلا ترجيح (فيتخير الحاكم) أي: تفريعًا على هذا؛ كما لو تداعيا عينًا في يديهما.. فإن الحاكم يبدأ بيمين من شاء منهما، (وقيل: يُقرع) كما يقرع بينهما في الدعوى إذا جاءا معًا إلى مجلسه.
(والصحيح: أنه يكفي كلَّ واحد يمين تجمع نفيًا وإثباتًا) لأنه أقرب إلى فصل الخصومة، والثاني: يفرد النفي بيمين، والإثبات بأخرى، لأنه مدع ومدعىً عليه.
(ويُقدَّم النفي) استحبابًا؛ لأن الأصل في الأيمان يمين المدعى عليه (فيقول) البائع: ("ما بعت بكذا ولقد بعت بكذا") ويقول المشتري: (ما اشتريت بكذا، ولقد اشتريت بكذا).
(وإذا تحالفا.. فالصحيح: أن العقد لا ينفسخ) بنفس التحالف، لما رواه النسائي من حديث ابن مسعود: (أنه صلى الله عليه وسلم أمر البائع أن يحلف، ثم يختار المبتاع؛ إن شاء.. أخذ، وإن شاء.. ترك) وصححه الحاكم 2.

بَلْ إِنْ تَرَاضَيَا، وإِلَّا.. فَيَفْسَخَانِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوِ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يَفْسَخُهُ الْحَاكِمُ، ثُمَّ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ الْمَبِيعِ، فَإِنْ كَانَ وَقَفَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ مَاتَ.. لَزِمَهُ قِيمَتُهُ، وَهِيَ قِيمَةُ يَوْمِ التَّلَفِ فَي أَظْهَرِ الأَقْوَالِ،

ولأن البينة أقوى من اليمين، ولو أقام كلٌّ منهما بينة.. لم ينفسخ، فبالتحالف أولى.
والاستدلال بالحديث المذكور: استدل به الإسنوي وغيره، وفيه نظر؛ لأن الخيار في الحديث إنما هو بعد حلف البائع فقط، لا بعد حلفهما، والثاني: ينفسخ؛ كما ينفسخ النكاح بتحالف الملاعنين.
(بل إن تراضيا) بأحد الثمنين أُقرّ العقد عليه (وإلا.. فيَفسخانه أو أحدهما) لأنه فسخ لاستدراك الظُّلامة، فأشبه الردَّ بالعيب (أو الحاكم) لقطع النزاع، (وقيل: إنما يفسخه الحاكم) ونقله في "المهمات" عن تصحيح الأكثرين، واختاره السبكي؛ لأنه مجتهد فيه فأشبه العُنَّة كذا قاله الرافعي هنا 1، لكن الأصح في (كتاب النكاح): جواز انفراد المرأة بالفسخ بعد ثبوتها بين يدي الحاكم 2. والأشبه في "المطلب": أن الفسخ ليس على الفور.
(ثم) بعد الفسخ (على المشتري ردُّ المبيع) إن كان قد قبضه وهو باق بحاله بزيادته المتصلة، وتسلم له المنفصلة؛ كالولد والثمر، وهكذا حكم الثمن إن كان قد قبضه البائع؛ ليصل كلُّ مالك إلى ملكه.
(فإن كان وقفه أو أعتقه أو باعه أو مات.. لزمه قيمتُه) وإن جاوزت الثمن المدعى به على الصحيح؛ لقيامها مقامه، هذا إذا كان مُتقوَّمًا، فإن كان مثليًّا.. قال في "المطلب": فالمشهور: وجوب المثل، وبه جزم في "الكفاية"، وحكى صاحب "المعين" فيه الاتفاق، وقال الماوردي: يرد القيمة، وزيفه السبكي 3. (وهي قيمة يوم التلف في أظهر الأقوال) لأن مورد الفسخ هو العين، والقيمة بدل

وَإِنْ تَعَيَّبَ.. رَدَّهُ مَعَ أَرْشِهِ، وَاخْتِلَافُ وَرَثَتِهِمَا كَهُمَا. وَلَوْ قَالَ: بِعْتكهُ بِكَذَا، فَقَالَ: بَلْ وَهَبْتَنِيهِ.. فَلَا تَحَالُفَ، بَلْ يَحْلِفُ كُلٌّ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى الآخَرِ. فَإِذَا حَلَفَا.. رَدَّهُ مُدَّعِي الْهِبَةِ بِزَوَائِدِهِ. وَلَوِ ادَّعَى صِحَّةَ الْبَيْعِ وَالآخَرُ فَسَادَهُ.. فَالأَصَحُّ: تَصْدِيقُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ بِيَمِينِهِ

عنها، فإذا فات الأصل.. تعين النظر في القيمة إلى ذلك الوقت، والثاني: قيمة يوم القبض؛ لأنه وقت دخول المبيع في ضمانه، وما يعرض بعد ذلك من زيادة أو نقصان.. فهو في ملكه، والثالث: أقلُّ قيمة من العقد إلى القبض، والرابع: أقصي قيمة من يوم القبض إلى التلف؛ لأن يده يدُ ضمان، فيعتبر أعلى القيم، وهو مبني على ارتفاع العقد من أصله.
(وإن تعيب.. ردَّه مع أرشه) وهو قدر ما نقص من القيمة؛ إذ الكلُّ مضمون بها، فبعضه ببعضها.
(واختلاف ورثتهما كهُما) لأنها يمين في المال، فقام الوارث مقام المورث؛ كاليمين في دعوى المال.
(ولو قال: "بعتكه بكذا"، فقال: "بل وهبتنيه".. فلا تحالُف) لأنهما لم يتفقا على عقد واحد، (بل يحلف كلٌّ على نفي دعوى الآخر) كسائر الدعاوي.
(فإذا حلفا.. ردَّه مدعي الهبة بزوائده) المتصلة والمنفصلة؛ لأنه لا ملك له.
(ولو ادعى صحةَ البيع، والآخرُ فساده.. فالأصحُّ: تصديق مدعِي الصحة بيمينه) إذ الظاهر في العقود الجارية بين المسلمين هو الصحة، والثاني: يصدق مدعي الفساد؛ إذ الأصل عدم العقد الصحيح.
وهذا الخلاف يجري في سائر عقود المعاوضات؛ كالإجارة والنكاح ونحوهما.
فلو قال: (ولو ادعى صحة العقد).. لكان أولى، وما رجحه نصَّ عليه في "البويطي"، ونسبه في "الروضة" للأكثرين وظاهر النص 1. وفرق ابن الصلاح بين أن يُسند الفسادَ مدعيه إلى أمر زائد مفسد فلا يصدق؛ لأن الأصل عدمه، وبين أن يسنده إلى اختلال ركن أو شرط فيصدق؛ للأصل قال: وهذا

وَلَوِ اشْتَرَي عَبْدًا فَجَاءَ بِعَبْدٍ مَعِيبٍ لِيَرُدَّهُ، فَقَالَ الْبَائِعُ: (لَيْسَ هَذَا الْمَبِيعَ).. صُدِّقَ الْبَائِعُ، وَفِي مِثْلِهِ فِي السَّلَمِ يُصَدَّقُ الْمُسْلِمُ فِي الأَصَحِّ

هو الذي استقر عليه الرأي، واعتمدتُ عليه في الفتوى، وقد سبقه إلى ذلك البَنْدَنيجي والمَحاملي والجرجاني.
ويستثنى من تصحيح قول مدعي الصحة مسائل: منها: ما لو باع ذراعًا من أرض فادعى البائع أنه أراد ذراعًا مُعيَّنًا حتى لا يصحّ العقد، وادعى المشتري الإشاعة ليصحّ.. فأرجح الاحتمالين في "زيادة الروضة": تصديق البائع حتى يفسد البيع؛ لأنه أعلم بإرادته 1، ومنها: إذا اختلفا أن الصلح وقع على الإنكار أو الاعتراف.. فإن الصواب في "زيادة الروضة": تصديق مدعي وقوعه على الإنكار؛ لأنه الغالب 2، ومنها: إذا قال السيد: (كاتبتك وأنا مجنون أو محجور علي)، وقال المكاتب: (كنت في حال الكمال)، وعُرف للسيد حالةُ جنون أو حجر.. فالقول قول السيد؛ كما جزم به المصنف في (الكتابة)، قال الأَذْرَعي: ولا اختصاص لهذا بهذه الصورة، بل الحكم كذلك في البيع وغيره من العقود.
(ولو اشترى عبدًا فجاء بعبد معيب ليرده، فقال البائع: "ليس هذا المبيعَ".. صدق البائع) لأن الأصل السلامةُ وبقاء العقد.
(وفي مثله في السلم يصدق المُسلِم في الأصحِّ) لأن اشتغال ذمة المسلم إليه بالمسلم فيه معلوم، والبراءة غير معلومة؛ لأنه لم يعترف بقبض ما ورد العقد عليه، وفي البيع اتفقا على قبض ما اشتراه، وتنازعا في سبب الفسخ، والأصل: عدمه، والثاني: يصدق المسلم إليه؛ كالبيع 3.

بابٌ [معاملة الرّقيق)

الْعَبْدُ إِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ.. لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فِي الأَصَحِّ، وَيَسْتَرِدُّهُ الْبَائِعُ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ أَوْ سَيِّدِهِ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ.. تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِذِمَّتِهِ، أَوْ فِي يَدِ السَّيِّدِ.. فَلِلْبَائِعِ تَضْمِينُهُ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَاقْتِرَاضُهُ كَشِرَائِهِ. وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ.. تَصَرَّفَ بِحَسَبِ الإِذْنِ،

(باب) معاملة الرقيق (العبد إن لم يؤذن له في التجارة.. لا يصحُّ شراؤه بغير إذن سيده في الأصحِّ) إذ لا يمكن ثبوت الملك له؛ لأنه ليس أهلًا للملك، ولا لسيده بعوض في ذمته؛ لأنه لم يرض به، ولا في ذمة العبد؛ لما فيه من حصول أحد العوضين لغير من يلزمه، والثاني: يصحُّ إن كان الشراء في الذمة؛ لأنه متعلق بالذمة، ولا حجر للسيد على ذمته، فلو اشترى بعين.. فباطل جزمًا.
(ويسترده البائع) إذا قلنا بعدم الصحة (سواء كان في يد العبد أو سيده) لبقائه على ملكه.
(فإن تلف في يده) أي: في يد العبد (.. تعلق الضمان بذمته) فيطالبه به إذا عتق، سواء رآه السيد مع العبد فتركه أم لا؛ لأنه وجب برضا من له الحقُّ، ولم يأذن فيه السيد.
(أو في يد السيّد.. فللبائع تضمينه) أي: تضمين السيد؛ لوضعه يدَه على ملكه، (وله) أي: للبائع (مطالبة العبد بعد العتق) لتعلقه بذمته لا قبل العتق؛ لأنه معسر.
(واقتراضُه كشرائه) في جميع ما سبق؛ لأنه عقد معاوضة مالية، فكان كالشراء، وسائرُ عقود المعاوضات كذلك خلا النكاح؛ فإنه لا يصحُّ جزمًا.
(وإن أذن له في التجارة.. تصرف) بالإجماع؛ لأن المنع لحقِّ السيد وقد ارتفع، وشرط الماوردي: أن يصحّ تصرفه لنفسه لو كان حرًّا 1 (بحسب الإذن) لأنه تصرف

فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ.. لَمْ يَتَجَاوَزْهُ، وَلَيْسَ لَهُ النِّكَاحُ، وَلَا يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ، وَلَا يَأْذَنُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ، وَلَا يُعَامِلُ سَيِّدَهُ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِإِبَاقِهِ، وَلَا يَصِيرُ مَأْذُونًا لَهُ بِسُكُوتِ سَيِّدِهِ عَلَى تَصَرُّفِهِ، وَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِدُيُونِ الْمُعَامَلَةِ. وَمَنْ عَرَفَ رِقَّ عَبْدٍ.. لَمْ يُعَامِلْهُ حتَّى يَعْلَمَ الإِذْنَ بِسَمَاعِ سَيِّدِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوْ

مستفاد من الإذن، فاقتصر على المأذون فيه؛ كالوكيل وعامل القراض.
(فإن أذن له في نوع) كالثياب، أو وقت؛ كسنة (.. لم يتجاوزه) لأنه قد يعرف منه النجاح فيه دون غيره.
(وليس له النكاح) كما ليس للمأذون له في النكاح أن يتجر؛ لأن اسم كلٍّ منهما غير متناول للآخر.
(ولا يُؤجِّر نفسَه) وإن كان له أن يؤجر أموالَ التجارة في الأصح؛ لأنه لا يملك التصرف في رقبته، فكذا في منفعته.
(ولا يأذن لعبده) الذي اشتراه (في التجارة) لأن السيد لم يأذن فيه، فإن أذن فيه.. جاز، وهل للمأذون أن يوكل العبد في تصرف خاصٍّ؛ كبيع ثوب بغير إذن السيد؟ وجهان في "الشرح"، و"الروضة" بلا ترجيح 1. (ولا يتصدق) إذ ليس من أهل التبرع.
(ولا يعامل سيدَه) فلا يبيع منه ولا يشتري؛ لأن تصرفه لسيده، بخلاف المكاتب.
(ولا ينعزل بإباقه) لأن الإباق معصية فلا يوجب الحجرَ؛ كما لو عصى السيدَ من وجه آخر.. فله التجارة في البلد الذي أبق إليه إلا إذا خصَّ السيدُ الإذن ببلد معين.
(ولا يصير مأذونًا له بسكوت سيده على تصرفه) كما لو رآه ينكح فسكت.. لا يكون إذنًا له في النكاح.
(ويُقبل إقراره بديون المعاملة) ولو لأبيه وابنه؛ لقدرته على الإنشاء.
وهذه المسألة قد أعادها المصنف في (باب الإقرار)، وستأتي.
ومن عرف رقَّ عبد.. لم يعامله حتى يَعلم الإذن بسماع) من (سيده أو بينة أو

شُيُوعٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِي الشُّيُوعِ وَجْهٌ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُ الْعَبْدِ. فَإِنْ بَاعَ مَأْذُونٌ لَهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ، فَخَرَجَتِ السِّلْعَةُ مُسْتَحَقَّةً.. رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِبَدَلِهِ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ السَّيِّدِ أَيْضًا، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ وَفَاءٌ.. فَلَا. وَلَوِ اشْترَى سِلْعَةً.. فَفِي مُطَالَبَةِ السَّيِّدِ بِثَمَنِهَا هَذَا الْخِلَافُ،

شيوع بين الناس) لأن الأصل عدمُ الإذن، والمراد بالعلم: غلبة الظن.
وكان ينبغي أن يقول: (رق شخص) لأن العبد معلومُ الرقِّ.
(وفي الشيوع وجه) لأن الحجر محقق، والزوال مشكوك فيه، وأجاب الأول: بأن السماع من السيد أو الثبوتَ بالبينة في حقِّ كلِّ من أراد المعاملةَ.. فيه عسر.
(ولا يكفي قول العبد) أنه مأذون له؛ للتُّهَمة، أما لو قال المأذون له: (حجر عليّ سيدي).. لم يجز معاملته وإن أنكر السيد الحجر في الأصح؛ لأنه العاقد، والعقد باطل بزعمه، ولو عزل العبد نفسه.. لم ينعزل؛ لأن التصرف حقٌّ للسيد، فلم يقدر على إبطاله، قاله المتولي.
(فإن باع مأذون له وقبض الثمنَ، فتلف في يده، فخرجت السِّلعة مستحقةً.. رجع المشتري ببدله على العبد) لأنه المباشر للعقد، فتتعلق به العهدة، وقيل: لا رجوع عليه؛ لأن يده يدُ سيده، وعبارته مستعارة بينهما.
والضمير في (بدله) عائد على الثمن، وهو كذلك في "المحرر"، و"الروضة"، و"أصلها" 1، ويقع في بعض النسخ (ببدلها) يعني: ببدل العين، وحكي عن نسخة المصنف، وهو سهو.
(وله مطالبة السيد أيضًا) لأن العقد له، فكأنه البائعُ والقابض، (وقيل: لا) لأن السيد بالإذن قد أعطاه استقلالًا، وكأنه قصر طمع الذي يعامله على يده وذمته، (وقيل: إن كان في يد العبد وفاءٌ.. فلا) لحصول الغرض بما في يده.
(ولو اشترى سلعة.. ففي مطالبة السيد بثمنها هذا الخلافُ) للمعاني المذكورة.

وَلَا يَتَعَلَّقُ دَيْنُ التِّجَارَةِ بِرَقَبَتِهِ، وَلَا ذِمَّةِ سَيِّدِهِ، بَلْ يُؤَدَّى مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ، وَكَذَا مِنْ كَسْبِهِ بِالاصْطِيَادِ وَنَحْوِهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ فِي الأَظْهَرِ.

(ولا يتعلق دين التجارة برقبته) للزومه برضا المستحق؛ كالاستقراض بلا إذن، (ولا ذمةِ سيده) لأن الإذن لا يقتضي الالتزام إلا فيما في يد العبد؛ كنفقة النكاح، وهذا مخالف لقوله قبل: أنه يطالب السيد ببدل الثمن التالف في يد العبد، وبثمن السلعة التي اشتراها أيضًا، وقد وقع الموضعان كذلك في "المحرر"، و"الشرح"، و"الروضة" 1. وموجب هذا التناقض: الجمع بين طريقين متباينين لم يقل أحد بمجموعهما؛ فالإمام وأتباعه يرون ترجيح مطالبة السيد مطلقا 2، وأشار في "المطلب " إلى تضعيفها، والأكثرون لا يعلقونه بذمة السيد، بل يقولون: يقضي مما في يد العبد، فإن بقي شيء.. أتبع به إذا عتق، فالكلام الثاني هو الموافق للمنقول، ونقل عن النصِّ أيضًا، [وهو المعتمد] 3. (بل يُؤدَّى من مال التجارة) لاقتضاء الإذن والعرف ذلك، (وكذا من كسبه بالاصطياد ونحوه في الأصح) كمؤن النكاح، والثاني: لا؛ كسائر أموال السيد.
(ولا يملك العبد بتمليك سيده في الأظهر) كما لا يملك بالإرث، ولأنه مملوك فأشبه البهيمة، والثاني: يملك؛ لإضافة الملك إليه في قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَاعَ عَبْدًا.. فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ" 4. وعلى هذا: فهو ملك ضعيف يرجع السيد فيه متى شاء، ولا تجب فيه الزكاة.
واحترز بالسيد: عن الأجنبي؛ فإنه لا يملك بتمليكه بلا خلاف؛ كما قاله الرافعي في (الوقف)، وفي (الظهار) في تكفير العبد بالصوم 5، لكن الماوردي والقاضي أجريا الخلافَ فيه أيضًا؛ كما قاله في "المطلب".

كتابُ السَّلَم هُوَ بَيْعُ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، يُشْتَرَطُ لَهُ مَعَ شُرُوطِ الْبَيْعِ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: تَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ. فَلَوْ أَطْلَقَ ثُمَّ عَيَّنَ وسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ.. جَازَ،

﴿كتاب السلم﴾ سمي سلمًا؛ لتسليم رأس المال في المجلس، ويُسمَّى سلفًا؛ لتقديمه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية، قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في السلم 1، وفي الصحيح: "مَنْ أَسْلَفَ.. فَلْيُسْلِفْ فِي كَيلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" 2، وهو مجمع عليه.
(هو بيع موصوف في الذمة) بلفظ السلم ببدل يُعطى عاجلًا، وإنما قيدتُ كلامه بلفظ السلم؛ لئلا يرد ما إذا عقده بلفظ البيع، فإنه بيع على الأصح كما سيأتي.
وخرج بالوصف: القرض؛ فإنه لم يذكر صفاته.
(يشترط له مع شروط البيع أمور) لما مرَّ من أنه بيع، قال الزركشي: والمراد: شروط البيع في الذمة لا مطلقًا، وإلا.. لاقتضى اشتراط رؤية المسلم فيه، والصيغة، وعلى هذا فلا ترد صحةُ سلم الأعمى دون شرائه.
(أحدها: تسليم رأس المال في المجلس) لأن تأخيره في معنى بيع الدين بالدين، وقد نهى عنه 3. (فلو أطلق) كأن قال: (أسلمت إليك دينارًا في ذمتي في كذا) (ثم عين) الدينار (وسلم في المجلس.. جاز) لأن المجلس حريم العقد؛ فله حكمه.

وَلَوْ أَحَالَ بِهِ وَقَبَضَهُ الْمُحْتَالُ فِي الْمَجْلِسِ.. فَلَا، وَلَوْ قَبَضَهُ وَأَوْدَعَهُ الْمُسْلِمَ.. جَازَ. وَيَجُوزُ كَوْنُهُ مَنْفَعَةً، وَيُقْبَضُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ. وَإِذَا فُسِخَ السَّلَمُ وَرَأْسُ الْمَالِ بَاقٍ.. اسْتَرَدَّهُ بِعَيْنِهِ، وَقِيلَ: لِلْمُسْلَمِ إِلَيْهِ رَدُّ بَدَلِهِ إِنْ عُيِّنَ فِي الْمَجْلِسِ دُونَ الْعَقْدِ. وَرُؤْيَةُ رَأْسِ الْمَالِ تَكْفِي عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ فِي الأَظْهَرِ

(ولو أحال به) أي: برأس المال (وقبضه المحتال في المجلس.. فلا) لأنها ليست بقبض حقيقي، والمحال عليه يؤدي عن نفسه لا عن المسلم.
وصورة المسألة: أن يحيل المُسلِم المُسلَم إليه، أما لو أحال المُسلَم إليه برأس المال على المُسلِم، وأمره بالدفع إليه، وحصل القبض في المجلس.. جاز، ويكون المحتال وكيلًا عن المُسلَم إليه في القبض.
(ولو قبضه) يعني: رأس المال (وأودعه المُسلِم) قبل التفرق (.. جاز) قياسًا على سائر أمواله.
(ويجوز كونه) أي: رأس المال (منفعة) كما يجوز جعلها ثمنًا وغيره.
(ويُقبَض بقبض العين) لأنه لمَّا تعذر القبض الحقيقي.. اكتفينا بهذا؛ لأنه الممكن.
(وإذا فُسخ السلم ورأس المال باق) ولم يتعلق به حقّ ثالث (.. استرده بعينه) وليس له إبداله، سواء أكان مُعيَّنًا أم في الذمة ثم عيّن في المجلس، أما الأول.. فلأن الثمن المُعيَّن كالمبيع، وأما الثاني.. فلأن المُعيَّن في المجلس بمثابة المُعيَّن في العقد.
(وقيل: للمسلم إليه ردُّ بدله إن عيِّن في المجلس دون العقد) لأن العقد لم يتناوله.
واحترز بقوله: (باق) عما إذا تلف؛ فإنه يرد مثله في المثلي، وقيمته في المتقوم.
(ورؤية رأس المال تكفي عن معرفة قدره في الأظهر) كثمن المبيع، والثاني: لا تكفي، بل يجب ذكر قدره وصفته؛ لأنه ربما ينقطع، ويكون رأس المال تالفًا، فلا يدري بِمَ يرجع، ونصّ في "الأم" على أن هذا أحب القولين إليه 1.

جارٍ التحميل