بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 679-718

وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ، وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ،

وقوله: (حينئذ) أي: حين وصوله، ولا يعرج على شيء قبل ذلك، ولا ينزل الراكب حتى يرمي.
والسنة: أن يجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، ويستقبل الجمرة، ثم يرمي؛ كذا صححه المصنف، وجزم الرافعي بأنه يستقبل الجمرةَ أيضًا، ولكن يستدبر الكعبة هذا في رمي يوم النحر، أما في أيام التشريق.. فقد اتفقا على استقبال الكعبة؛ كما في بقية الجمرات 1. قال ابن الملقن: ويحسن إذا وصل منى أن يقول ما روي عن بعض السلف: (اللهم؛ هذه منى قد أتيتها وأنا عبدك وابن عبدك، أسألك أن تمنّ عليّ بما مننت به على أوليائك، اللهم؛ إني أعوذ بك من الحرمان والمصيبة في ديني يا أرحم الراحمين)، قال: وروي عن ابن مسعود وابن عمر -رضي الله عنهم- أنهما لما رميا جمرة العقبة قالا: (اللهم؛ اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا) 2. (ويقطع التلبية عند ابتداء الرمي) لأنه عليه السلام لم يزل ملبيًّا حتى رماها، متفق عليه من حديث الفضل بن عباس 3. والمعنى فيه: أنها شعار الإحرام، وبالرمي أَخَذَ في التحلل والانصراف، هذا إذا جعله أولَ أسباب التحلل؛ كما هو الأفضل، أما إذا قدّم الطواف، أو الحلق عليه.. قطع التلبية من حينئذ؛ لأخذه في أسباب التحلل، والمعتمر يقطع التلبية إذا افتتح الطواف؛ لأنه من أسباب تحللها.
(ويكبر مع كلّ حصاة) للاتباع؛ كما رواه مسلم 4، وكيفيته: أن يقول: (الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد)، كذا نقله الماوردي عن الشافعي 5.

ثُمَّ يَذْبَحُ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ، ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ، وَتُقَصِّرُ الْمَرْأَةُ

(ثم يذبح من معه هدي، ثم يَحلق أو يُقصّر) لثبوت هذا الترتيب في "مسلم" من رواية جابر وغيره 1. (والحلق أفضل) من التقصير بالإجماع؛ اقتداء به -صلى الله عليه وسلم- 2. ويندب: أن يبدأ بالشق الأيمن، فيستوعبه بالحلق، ثم يحلق الشقّ الأيسر، وأن يستقبل المحلوق القبلة، وأن يكبر عند فراغه، وأن يدفن شعره، قال في "الإملاء": واستحباب الدفن في الشعر الحسن آكدُ؛ لئلا يؤخذ للوصل، وأن يستوعب الحلق، أو التقصير، قال القاضي الحسين: وأن يأخذ من شاربه.
قال في "الخصال": وأن يكون الحلق بعد كمال الرمي، وألّا يشارط عليه، وأن يبلغ بالحلق إلى العظمين من الأصداغ، وأن يأخذ شيئًا من ظفره عند فراغه، وأن يقول عند فراغه: (اللهم؛ آتني بكلّ شعرةٍ حسنةً، وامح عني بها سيئةً، وارفع لي بها درجةً، واغفر لي وللمحلقين وللمقصرين ولجميع المسلمين، وأن يتطيب، ويلبس.
انتهى.
وقضية إطلاق الكتاب: أنه لا فرق في ذلك بين الحاجّ والمعتمر، وهو ظاهر إطلاق الشافعي في "المختصر" وغيره، وإطلاق الأصحاب، لكن في "شرح مسلم": أنه يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة، ويحلق في الحجّ؛ لأنه أكملُ العبادتين 3. (وتُقصّر المرأة) ولا تؤمر بالحلق إجماعًا، بل يكره لها الحلقُ على الأصحِّ في "شرح المهذب" 4، وقيل: يحرم؛ لأنه مُثلة وتشبّهٌ بالرجال، ويندب لها أن تقصر قدر أنملة من جميع جوانب رأسها، كذا قاله الشافعي، وجرى عليه الأصحاب، وخالف الماوردي فقال: لا تقطع من ذوائبها؛ لأن ذلك يشينها، لكن ترفع الذوائب

وَالْحَلْقُ نُسُكٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَقَلُّهُ: ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ، حَلْقًا أَوْ تَقْصِيرًا أَوْ نَتْفًا أَوْ إِحْرَاقًا أَوْ قَصًّا،

وتأخذ من تحتها، كذا نقله في "شرح المهذب" وأقرّه 1، والخنثى في ذلك كالأنثى.
(والحلق) والتقصير (نُسُك على المشهور) فيثاب عليه؛ لأن الحلق أفضلُ من التقصير؛ كما مرّ، والتفضيل إنما يقع في العبادات دون المباحات، وروى ابن حبان في "صحيحه": أنه -صلى الله عليه وسلم -قال: "لِكُلِّ مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ بِكُلِّ شَعَرَةٍ سَقَطَتْ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" 2، وعلى هذا: هو ركن كما سيأتي، وقيل: واجب، والثاني: أنه استباحة محظور لا ثواب فيه؛ لأنه محرم في الإحرام، فلم يكن نسكًا؛ كلبس المخيط.
(وأقله: ثلاث شعرات) لأنه قام الإجماع على عدم وجوب الاستيعاب؛ كما نقله في "شرح المهذب" 3، فاكتفينا في الوجوب بمُسمّى الجمع، ولو لم يكن هناك إلا شعرة أو ثنتان.. وجب إزالتُهما، ذكره صاحب "البيان" 4. وقضية إطلاق "الكتاب": أنه لا فرق في الشعرات بين أن يأخذها دفعةً، أو في دفعات، وهو المذهب في "شرح المهذب"، وجزم به في "المناسك"، لكن كلام "الروضة" و"أصلها" يقتضي تصحيح أنه لا يكفي أخذُها متفرقةً؛ فإنه بناه على تكميل الفدية بذلك لو كان محظورًا، والمذهب: عدم التكميل، بل يجب ثلاثة أمداد 5. (حلقًا، أو تقصيرًا، أو نتفًا، أو إحراقًا، أو قصًّا) أو أخذه بِنُورة؛ لأن المقصود الإزالة، وكلّ من هذه الأشياء طريقٌ إليها.

وَمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ.. اسْتُحِبَّ إِمْرَارُ الْمُوسَى عَلَيْهِ. فَإِذَا حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ.. دَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ طَوَافَ الرُّكْنِ وَسَعَى إِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مِنىً

نعم؛ لو نذر الحلق.. تعين استيعابُه بالحلق.
ولا بدّ أن يكون المزال من شعر الرأس، وأشار إليه المصنف بقوله: (ومن لا شعر برأسه) إن حلق كذلك، أو كان قد حلقه واعتمر من ساعته (.. استحب إمرار الموسى عليه) 1 بالإجماع؛ كما قاله ابن المنذر وغيره، وتشبهًا بالحالقين، ولا يجب؛ كالأقطع من فوق المرفق؛ لزوال محلّ الفرض، وخالف المسح حيث يجب مسح الرأس في الوضوء والحالة هذه؛ لأن الوجوب ثَمّ تعلق بالرأس، وهنا بالشعر.
(فإذا حلق، أو قصّر.. دخل مكة، وطاف طوافَ الركن) لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ والتفث هنا هو: الرمي، والنذور هي: الذبائح، والإجماع قائم على أن المراد بهذا الطواف هو: طواف الإفاضة 2. واستحب بعضهم: أن يشرب بعد ذلك من سقاية العباس؛ تأسيًا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- 3. (وسعى إن لم يكن سعى) عقب طواف القدوم كما سبق؛ لأنه أحدُ أركانه كما سيأتي.
(ثم يعود إلى منىً) قبل صلاة الظهر بحيث يصلّي الظهر بمنىً؛ للاتباع؛ كما أخرجه مسلم من حديث ابن عمر 4.

وَهَذَا الرَّمْيُ وَالذَّبْحُ وَالْحَلْقُ وَالطَّوَافُ يُسَنُّ تَرْتيبُهَا كَمَا ذَكَرْنَا، وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِنِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَيَبْقَى وَقْتُ الرَّمْيِ إِلَى آخِرِ يَوْمِ النَّحْرِ

(وهذا الرمي، والذبح، والحلق، والطواف يسنّ ترتيبها كما ذكرنا) اقتداء به -صلى الله عليه وسلم-، فإن غيّر هذا الترتيب.. جاز؛ للنص الصحيح الصريح فيه 1. (ويدخل وقتها) أي: وقت الأعمالِ الأربعةِ المذكورةِ (بنصف ليلة النحر).
أما الرمي: فلحديث عائشة -رضي الله عنها-: (أرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأم سلمة ليلةَ النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت) رواه أبو داوود، وصححه الحاكم على شرط مسلم 2، وحكى الترمذي عن الشافعي: أنه لا يدخل وقته إلا بطلوع الشمس، واستُغرب 3. وأما الطواف والحلق إذا جعلناه نسكًا: فبالقياس على الرمي؛ لاشتراك الثلاثة في كونها من أسباب التحلّل.
وشرط جواز هذه الأشياء في هذا الوقت: أن يتقدم الوقوف عليها، فإن فعلها بعد انتصاف الليل ثم وقف.. وجب عليه إعادتُها، ثم إن هذا كلَّه فيما عدا الذبح، أما الذبح.. فسيأتي في بابه.
(ويبقى وقتُ الرمي إلى آخر يوم النحر) لأن رجلًا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إني رميت بعد ما أمسيت، قال: "لَا حَرَجَ"، رواه البخاري 4، والمساء عند العرب يُطلق على ما بعد الزوال.
وهل يمتدّ الرمي تلك الليلةَ إلى الفجر؟ فيه وجهان: أصحهما في "الشرح"، و"الروضة": لا؛ لعدم وروده 5، والثاني: نعم؛ تشبيهًا بالوقوف، وصححه المصنف في "المناسك الكبرى" في الكلام على رمي أيام التشريق، ووقع في "الرافعي" في الأغسال المسنونة نقلًا عن الأئمة أنه يمتدّ إلى الزوال، وجزم به في

وَلَا يَخْتَصُّ الذَّبْحُ بِزَمَنٍ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: اخْتِصَاصُهُ بِوَقْتِ الأُضْحِيَةِ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ عَلَى الصَّوَابِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْحَلْقُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ لَا آخِرَ لِوَقْتِهَا.

"الشرح الصغير"، قال في "المهمات": (وهو سهو، فإن المنقول: أنه يمتدّ إلى الغروب) 1، وقال ابن الملقن: (ينبغي أن يُحمل على وقت الفضيلة، وبه صرح الماوردي) 2. (ولا يختص الذبح) أي: ذبح الهدايا (بزمن) لكنها تختص بالحرم، بخلاف الضحايا، فتختص بالعيد وأيام التشريق.
(قلت: الصحيح: اختصاصُه بوقت الأضحية، وسيأتي في آخر "باب محرمات الإحرام" على الصواب، والله أعلم) كذا ذكر المصنف مثلَ هذا الاعتراض على الرافعي في "الروضة"، و"شرح المهذب"، واعترضه الإسنوي بأن الهدي يطلق: على دم الجبرانات والمحظورات، وهذا لا يختص بزمان؛ كالدين، وهو المراد هنا وفي قوله أولًا: (ثم يَذبح من معه هدي).
وعلى ما يساق تقربًا إلى الله تعالى، وهذا هو المختص بوقت الأضحية على الصحيح، وهو المذكور في آخر (باب محرمات الإحرام)، فلم يتوارد الكلامان على محلّ واحد حتى يعدّ ذلك تناقضًا، قال: وقد أوضح الرافعي ذلك في (باب الهدي) من "الشرح الكبير"؛ فذكر أن الهدي يقع على الكلّ، وأن الممنوع فعلُه في غير وقت الأضحية هو ما يسوقه المحرم، لكنه في "المحرر"، و"الشرح الصغير" ذكر كلَّ مسألة في بابها، وحكم عليها بما ذكرته غيرَ أنه عبّر في الموضعين بالهدي، ولم يُفصح عن المراد كما أفصح عنه في "الكبير"، فظنّ النووي أن المسألة واحدة فاستدرك عليه، وكيف يجيء الاستدراكُ مع تصريح الرافعي هناك بما يبين المراد؟ ! 3 (والحلق، والطواف، والسعي لا آخرَ لوقتها) لأن الأصل عدمُ التأقيت.

وَإِذَا قُلْنَا: الْحَلْقُ نُسُكٌ فَفَعَلَ اثنيْنِ مِنَ الرَّمْي وَالْحَلْقِ وَالطَّوَافِ.. حَصَلَ التَّحَلُّلُ الأَوَّلُ، وَحَلَّ بِهِ اللُّبْسُ وَالْحَلْقُ وَالْقَلْمُ، وَكَذَا الصَّيْدُ وَعَقْدُ النِّكَّاحِ فِي الأَظْهَرِ

نعم؛ يكره تأخيرها عن يوم النحر، وتأخيرُها عن أيام التشريق أشدُّ كراهةً، وخروجه من مكة قبل فعلها أشدُّ، قال الرافعي: وقضية قولهم: (لا يتأقت آخر الطواف): أنه لا يصير قضاء، وفي "التتمة": أنه إذا تأخر عن أيام التشريق.. صار قضاءً 1. وإذا أخر الحلق والطوافَ والسعيَ.. لا يزال محرمًا حتى يأتي بها، كذا نقله في "شرح المهذب" عن الأصحاب، واقتضاه كلام الرافعي 2. (وإذا قلنا: الحلقُ نسك) وهو الصحيح (ففعل اثنين من الرمي) أي: رمي جمرة العقبة (والحلق، والطواف.. حصل التحلّل الأول) إذا كان قد سعى بعد طواف القدوم، فإن لم يسع.. فلا بدّ من السعي مع الطواف، وحينئذ فيعدّ الطواف والسعي شيئًا واحدًا من أسباب التحلّل، كذا قاله الرافعي، ولا أثر للنحر في التحلل؛ لأنه سنة 3. (وحلّ به اللُّبْس) وستر الرأس للرجل، والوجهِ للمرأة، (والحَلْق، والقَلْم) والطيب، بل يستحب التطيب؛ للاتباع؛ كما ثبت في "الصحيحين" من حديث عائشة -رضي الله عنها-: (أنها كانت تطيب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لإحرامه قبل أن يحرم، ولحِلّه قبل أن يطوف بالبيت) 4. وإذا ثبت ذلك في التطيب.. قيس استباحةُ غيره عليه بجامع ما اشتركا فيه من الاستمتاع، فإن قلنا: الحلق استباحة محظور.. سقط اعتبارُه، وحصل التحلّل الأول بواحد من الرمي والطواف.
(وكذا الصيد، وعقد النكاح) والمباشرة فيما دون الفرج؛ كالقبلة والملامسة (في الأظهر) لأنها من المحرمات التي لا توجب تعاطيها إفسادًا، فأشبهت الحلق،

قُلْتُ: الأَظْهَرُ لَا يَحِلُّ عَقْدُ النِّكَاحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا فَعَلَ الثَّالِثَ.. حَصَلَ التَّحَلُّلُ الثَّانِي، وَحَلَّ بهِ بَاقِي الْمُحَرَّمَاتِ.

فصلٌ [في المبيت بمنى ليالي التشريق]

إِذَا عَادَ إِلَى مِنىً.. بَاتَ بِهَا لَيْلَتَيِ التَّشرِيقِ، وَرَمَى كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْجَمَرَاتِ

وهذا ما صححه في "الشرح الصغير"، والثاني: لا يحلّ؛ أما في المباشرة وعقد النكاح.. فلتعلقهما بالنساء، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ.. فَقَدْ حَلَّ لَكْمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ"، رواه النسائي بإسناد جيد؛ كما قال المصنف 1، وأما في الصيد.. فلقوله تعالى: ﴿تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ والإحرام باق.
(قلت: الأظهر: لا يحلّ عقد النكاح) والمباشرة فيما دون الفرج (والله أعلم) للحديث المار، وهذا ما نسبه في "الشرح الكبير" إلى تصحيح الأكثرين، وقال: إن قولهم أوفق لظاهر النصّ في "المختصر"، ونقله في "الروضة" و"شرح المهذب" عن الأكثرين 2. (وإذا فعل الثالثَ.. حصل التحلّل الثاني، وحلّ به باقي المحرمات) بالإجماع، ويجب عليه الإتيانُ بما بقي من أعمال الحجّ، وهو الرمي والمبيت، قالوا: مع أنه غير محرم؛ كما يسلم التسليمة الثانية وإن كان قد خرج من الصلاة بالأولى.
وهذا كلّه في الحجّ، أما العمرة.. فليس لها إلا تحلّل واحد؛ لأن الحجّ يطول زمنُه، وتكثر أعماله، فأبيح بعضُ محرماته في وقت، وبعضها في وقت آخر، بخلاف العمرة.

(فصل: إذا عاد إلى منىً.. بات بها ليلتي التشريق، ورمى كلَّ يوم إلى الجمرات

الثَّلَاثِ كُلَّ جَمْرَةٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ.

الثلاث كلَّ جمرة سبعَ حصيات) للاتباع 1، والرمي واجب قطعًا، وكذا المبيت على الأظهر في "زيادة الروضة" 2، والمعتبر في وجوب هذا المبيت: معظمُ الليل على الأظهر، والأكملُ: جميعه، والثاني: أن المعتبر كونُه حاضرًا بها عند طلوع الفجر، وهذا فيمن لا عذر له، أما المعذور؛ كأهل سقاية العباس، ورِعاء الإبل.. فلهم إذا رموا جمرةَ العقبة يوم النحر.. أن ينفروا، ويَدَعوا المبيت بمنىً، قالا: وللصنفين جميعًا أن يَدَعوا رمي يوم، ويَقضوه في اليوم الذي يليه قبل رمي ذلك اليوم، وليس لهم أن يَدَعوا رمي يومين متواليين، فإن أقام الرِّعاء إلى الغروب.. لم يجز لهم أن يخرجوا حتى يبيتوا، بخلاف أهل السقاية فإنهم يجوز لهم الخروجُ وإن أقاموا إلى الغروب؛ لتعهّدها، بخلاف الرعي فإنه لا يكون ليلًا 3. وفي معنى أهل السقاية: من ضاع مالُه، أو خاف على نفسه، أو كان به مرض يشقّ معه المبيتُ، أو له مريض يحتاج إلى تعهده، أو يطلب آبقًا.
وأيام التشريق هي: الأيام المعدودات، وهي ثلاثةٌ بعد يوم النحر، سميت بذلك؛ لإشراق نهارها بنور الشمس، ولياليها بنور القمر، وقيل: لأن الناس يُشرِّقون اللحمَ فيها في الشمس.
وأما المعلومات.. فهي العشرُ الأولُ من ذي الحجة 4.

فَإِذَا رَمَى الْيَوْمَ الثَّانِيَ فَأَرَادَ النَّفْرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.. جَازَ وَسَقَطَ مَيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَرَمْيُ يَوْمِهَا، فَإنْ لَمْ يَنْفِرْ حَتَّى غَرَبَتْ.. وَجَبَ مَبِيتُهَا وَرَمْيُ الْغَدِ.

(فإذا رمى اليوم الثاني فأراد النّفْرَ قبل غروب الشمس.. جاز، وسقط مبيت الليلة الثالتة، ورميُ يومها) ولا دم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لكن التأخير أفضلُ لا سيما للإمام؛ كما قاله في "شرح المهذب" 1 للاتباع إلا لعذر؛ كغلاء ونحوه.
ومحل جواز التعجيل: إذا كان بات الليلتين قبله، وإلا.. لم يجز التعجيلُ إن كان قد ترك مبيتهما بغير عذر، وإنما جوز ذلك للرِّعاء وأهل السقاية؛ للعذر، وجوز لعامة الناس أن ينفروا؛ لأنهم أتوا بمُعْظم المبيت والرمي، ومن لا عذر له.. لم يأت بالمُعْظم، فلم يجز له النفرُ 2، كذا نقله الروياني عن الأصحاب، وحكاه عنه في "شرح المهذب" وأقره 3. (فإن لم يَنفِر حتى غربت.. وجب مبيتُها، ورميُ الغد) لما في "الموطأ" عن نافع أن ابن عمر -رضي الله عنهما- كان يقول: (من غربت به الشمسُ من أوسط أيام التشريق وهو بمنىً.. فلا يَنفِر حتى يرمي الجمارَ من الغد) 4. وإذا ارتحل فغربت الشمس قبل أن ينفصل عن منىً.. كان له أن ينفر؛ كيلا يحتاج إلى الحطّ بعد التَّرْحال، وكذا لو غربت وهو في شغل الارتحال، أو نفر قبل = "الأحاديث الطوال" (61)، والأزرقي في "أخبار مكة" (2/ 6)، وحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أخرجه الطبراني في "الكبير" (12/ 306)، و"الأوسط" (4159)، وعبد الرزاق في "مصنفه" (8830) بنحوه، وصلاة سبعين نبيًّا في مكان مسجد الخيف أخرجه الطبراني في "الكبير" (11/ 358)، والضياء في "المختارة" (309) عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، ووجود قبر سبعين نبيًّا في مسجد الخيف أخرجه الطبراني في "الكبير" (12/ 316) عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، وما قيل في مصلّى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - عند الأحجار.. أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (3490)، والأزرقي في "أخبار مكة" (2/ 167) عن خالد بن مضرس رحمه الله تعالى.

وَيَدْخُلُ رَمْيُ التَّشْرِيقِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ، وَيَخْرُجُ بِغُرُوبِهَا، وَقيِلَ: يَبْقَى إِلَى الْفَجْرِ،

الغروب، ثم عاد لحاجة على الأصح في "زيادة الروضة" 1. فلو تبرع في هذه الحالة بالمبيت.. لم يلزمه الرمي في الغد؛ كما في "زيادة الروضة" عن النصّ 2، وإذا أوجبنا المبيت فتركه.. نظر؛ إن ترك مبيتَ مزدلفةَ وحدها.. أراق دمًا، وإن ترك مبيت الليالي الثلاث.. فكذلك على الأظهر، وإن ترك ليلةً منها.. فالأظهر: وجوب مدّ، وقيل: درهم، وقيل: ثلث دم.
وإن ترك ليلتين.. فعلى هذا القياس، وإن ترك الليالي الأربع.. فالأظهر: وجوب دمين: دمٍ لليلة مزدلفة، ودمٍ لليالي منى، والثاني: دم للكلّ.
والتارك ناسيًا كالعامد في إيجاب الدم، كذا نقله في "شرح المهذب" عن الدارمي وغيره 3. وينبغي لمن نفر من منىً أن ينزل بالمُحَصَّب، ويصلي به الظهر والعصر، والمغرب والعشاءَ، ويَرقُد رَقدةً، ويذهب إلى البيت لطواف الوداع؛ للاتباع 4. (ويدخل رميُ) كلّ يوم من أيام (التشريق بزوال الشمس) ذلك اليوم؛ للاتباع 5، ويستحب تعجيله بعد الزوال قبل فعل الظهر؛ كما قاله في "شرح المهذب" 6. (ويخرج) الرمي (بغروبها) من كلّ يوم؛ لعدم وروده في الليل، (وقيل: يبقى إلى الفجر) كالوقوف بعرفة.
ومحل هذا الوجه: في غير اليوم الثالث، أما الثالث.. فيخرج وقتُ رميه بغروب شمسه قطعًا، وما رجحه يخالف ما صححاه في "الشرح"، و"الروضة" في الكلام على الرمي من بقاء وقت الرمي في جميع الأيام إلى انقضاء أيام التشريق 7، وجمع ابن

وَيُشْتَرَطُ رَمْيُ السَّبع وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَتَرْتِيبُ الْجَمَرَاتِ، وَكَوْنُ الْمَرْمِيِّ حَجَرًا، وَأَنْ يُسَمَّى رَمْيًا، فَلَا يَكْفِي الْوَضْعُ

الرفعة بينهما: بأن يحمل ذلك على وقت الجواز، وهذا على وقت الاختيار، قال: وحينئذ فيكون للرمي ثلاثةُ أوقات: فضيلة، واختيار، وجواز.
انتهى.
وفي حمل كلامه هنا على وقت الاختيار نظرٌ؛ لأنه لم يقل أحد: إن وقت الاختيار يبقى إلى آخر الليلة التي بعد اليوم؛ كما ذكره الأَذْرَعي.
(ويشترط: رميُ السبع واحدةً واحدةً) للاتباع؛ كما رواه مسلم 1. والمراد: سبع دفعات، فلو رمى حصاتين أو السبع في دفعة واحدة.. حسبت له حصاة واحدة، ولو رمى واحدة بيمينه وأخرى بيساره.. فكرميهما بيد واحدة.
وقضية كلامه: أنه لو رمى بحصاة واحدة سبعَ مرات.. لم يكف، وهو وجه رجحه الإمام والغزالي، وقال ابن الصلاح: إنه الأقوى، لكن الأصح عند الشيخين: الجوازُ، هذا إذا رمى به في ذلك اليوم إلى تلك الجمرة، قال الإمام: فإن تعدد الشخص، أو الجمرة، أو الوقت.. لم يمتنع اتفاقًا 2. (وترتيب الجمرات) بأن يبدأ بالجمرة التي تلي مسجدَ الخيف، وهي أولاهن من جهة عرفات، ثم يرمي الوسطى، ثم جمرة العقبة؛ للاتباع؛ كما رواه البخاري 3. فلو بدأ بجمرة العقبة، ثم الوسطى، ثم التي تلي المسجد.. اعتدّ له بالتي تلي المسجدَ.
(وكون المَرميِّ حجرًا) للاتباع 4، فلا يجزئ اللؤلؤ، وما ليس بحجر من طبقات الأرض؛ كالنُّورة، والمطبوعات؛ كالنقدين، ويكفي بحجر الحديد على الأصح، وكذا بالفَيْرُوزج والياقوت والعَقيق والزَّبَرْجد والبلَّور؛ لأنها أحجار.
(وأن يُسمّى رميًا، فلا يكفي الوضع) على الصحيح، ولا الدفع بالرجل،

وَالسُّنَّةُ: أَنْ يَرْمِيَ بقَدْرِ حَصَى الْخَذْفِ. وَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْحَجَرِ فِي الْمَرْمَى، وَلَا كَوْنُ الرَّامِي خَارِجًا عَنِ الْجَمْرَةِ. وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الرَّمْيِ.. اسْتَنَابَ

ولا الرمي عن القوس؛ لأنه خلافُ المأثور، قال الإسنوي: واشتراط الرمي غيرُ محتاج إليه؛ لأنه قد علم من قوله: (يشترط رمي السبع واحدة واحدة)، قال المنكت: (وكأنه ذكره؛ لئلا يتوهم أن ذاك سيق لبيان التعدد لا للكيفية، فنصّ عليه احتياطًا، ويشترط أيضًا: قصدُ المَرْمى؛ فلو رمى في الهواء فوقع في المَرْمى.. لم يكف) 1. (والسنة: أن يرمي بقدر حصى الخذف) لقوله عليه السلام: "عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ" رواه مسلم 2، ورمى به عليه السلام.
والخذف: الرمي بالحصى من بين الإصبعين، قال الشافعي: وهو أصغر من الأَنْمُلة طولًا وعرضًا، قدر حبة البَاقِلَاء، قال الرافعي: ويرميه على هيئة الخذف، وصحح المصنف في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب" وغيرهما: أنه يرميه على غير هيئة الخذف، قال: وبه قطع الجمهور 3. (ولا يشترط بقاء الحجر في المَرْمى) فلا يضرّ تدحرجه بعد الوقوع فيه؛ لحصول الرمي.
نعم؛ لو شك في وقوعه فيه.. لم يجز على الجديد.
(ولا كون الرامي خارجًا عن الجمرة) فلو وقف في بعضها ورمى إلى الجانب الآخر.. صحّ؛ لحصول اسم الرمي.
(ومن عجز عن الرمي) لمرض أو حبس (.. استناب) ولو بأجرة؛ خشيةَ فواته؛ لضيق وقته.
ويشترط: كونُ النائب رمى عن نفسه، وإلا.. فرميه عنه دون المستنيب كأصل الحج، وألّا يرجى زوالُ السبب إلى آخر وقت الرمي.

وَإِذَا تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ.. تَدَارَكَهُ فِي بَاقِي الأيَّامِ فِي الأَظْهَرِ وَلَا دَمَ، وَإِلَّا.. فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَالْمَذْهَبُ: تَكْمِيلُ الدَّمِ فِي ثَلَاثِ حَصَيَاتٍ

(وإذا ترك رمي يوم) عمدًا أو سهوًا (.. تداركه في باقي الأيام في الأظهر) لأنه عليه السلام جوّز ذلك للرِّعاء 1، فلو كانت بقيةُ الأيام غيرَ صالحة للرمي.. لم يفترق الحال فيها بين المعذور وغيره؛ كما في الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، والثاني: لا؛ كما لا يتداركه بعد أيام التشريق، وإذا قلنا بالتدارك، فتدارك.. فالأظهر أنه أداء، وقول ابن الرفعة: إن الإمام والرافعي صححا خلافه سهوٌ؛ كما نبه عليه السبكي، والمذهب: أن رمي يوم النحر كغيره في كونه يتدارك أداءً على الأظهر.
(ولا دم) مع التدارك، سواء جعلناه أدأء أم قضاء؛ لحصول الانجبار بالمأتي به.
(وإلا) أي: وإن لم يتداركه (.. فعليه دم) لتركه نسكًا، وقد قال ابن عباس: (من ترك نسكًا.. فعليه دم) 2. (والمذهب: تكميل الدم في ثلاث حصيات) لوقوع اسم الجمع عليها، ولا تلزمه زيادةٌ عليه لو زاد في الترك على الثلاث، حتى لو ترك رمي يوم النحر وأيام التشريق.. كفاه دمٌ واحد على أصح الأقوال؛ لاتحاد جنس الرمي، فأشبه حلق الرأس.
وفي الحصاة والحصاتين الأقوال الآتية في الشعرة والشعرتين، وأصحها: لزوم مدّ.
والطريق الثاني: أن الجمرات الثلاث كالشعرات الثلاث، فلا يكمل الدم في بعضها، بل إن ترك جمرة أو جمرتين.. ففيها الأقوال الثلاثة في الشعرة والشعرتين.
والطريق الثالث: أن الدم يكمل بجمرة واحدة؛ كما يكمل بجمرة العقبة في يوم النحر، ولم يكمل بأقل منها.
واعلم: أن الطريقة الأولى الصحيحة ليست في "الشرح الكبير"، ولا في "الروضة"؛ لأن الرافعي أسقطها نسيانًا؛ لأنه قال: إن الإمام جمع في المسألة طرقًا

وَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ.. طَافَ لِلْوَدَاعِ، وَلَا يَمْكُثُ بَعْدَهُ،

فذكر ثنتين منها، ولمّا لم يجد المصنفُ في "الروضة" إلا طريقين.. قال: فيه طريقان 1. (وإذا أراد الخروجَ من مكة) بعد قضاء النسك، وجميع أشغاله (.. طاف للوداع) طواف كاملًا بركعتيه؛ لثبوته عنه -صلى الله عليه وسلم- قولًا وفعلًا، كما قاله الرافعي 2، وفي "الصحيحين" عن ابن عباس أنه قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه قد خفف عن المرأة الحائض) 3. وسواء أكان حاجًّا أم لا، وسواء أكان آفاقيًّا يقصد الرجوعَ إلى وطنه أم مكيًّا يسافر لحاجة، ثم يعود على الأصح في "أصل الروضة" 4، وسواء أقصد سفرًا طويلًا أم قصيرًا على الصحيح في "شرح المهذب"، وقيل: يختص بالسفر الطويل، وهو المذكور في "الشرح"، و"الروضة" 5. نعم؛ يستثنى على ما في "شرح المهذب": المعتمر يخرج للتنعيم، فإنه لا وداع عليه عند الشافعي، ونقله في "البيان" عن "المعتمد" لأبي نصر البَنْدَنيجي 6. وقوله: (من مكة): يفهم أن الحاجّ إذا أراد الانصرافَ من منىً.. لا يؤمر به، وليس كذلك؛ كما جزم به في "شرح المهذب".
نعم؛ لو كان قد طاف للوداع في يوم النحر عقب طواف الإفاضة.. ففي جواز الانصراف من منىً خلافٌ حكاه في "البيان" عن المتأخرين، قال في "شرح المهذب": والصحيح، وهو مقتضى كلام الأصحاب: أنه لا يسقط عنه أيضًا 7. (ولا يمكث بعده) لحديث ابن عباس المارّ، فإن مكث لغير حاجة، أو لحاجة

وَهُوَ وَاجِبٌ يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ، وَفِي قَوْلٍ: سُنَّةٌ لَا يُجْبَرُ، فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، فَخَرَجَ بِلَا وَدَاعٍ فَعَادَ قَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصرِ.. سَقَطَ الدَّمُ، أَوْ بَعْدَهَا.. فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ

لا تتعلق بالسفر؛ كالزيارة، والعيادة، وقضاء الدين.. فعليه إعادته، وإن اشتغل بركعتي الطواف، وأسباب الخروج؛ كشراء الزاد، وشدّ الرحل.. لم يضرّ، قال في "زيادة الروضة": وكذا لو أقيمت الصلاة فصلاها معهم 1. (وهو واجب) للأمر الوارد في حديث ابن عباس المارّ 2 (يُجبر تركُه بدم) وجوبًا كسائر الواجبات، (وفي قول: سنة لا يُجبر) لأنه لو كان واجبًا.. لوجب على الحائض جبره؛ لأن الواجب لا فرق في فدائه بين المعذور وغيره؛ بدليل الرمي إذا تركه ناسيًا، ولا خلاف في المجبر كما في "الشرح"، و"الروضة"، وإنما الخلاف في كونه واجبًا أو مستحبًا، خلافًا لما توهمه عبارة "الكتاب" 3. (فإن أوجبناه، فخرج بلا وداع فعاد قبل مسافة القصر) من مكة، وقيل: من الحرم، وطاف (.. سقط الدم) كما لو جاوز الميقات غيرَ محرم ثم عاد إليه، ويجب عليه العودُ عند المُكْنة على المذهب.
(أو بعدها.. فلا على الصحيح) لاستقراره بالسفر الطويل، ووقوع الطواف بعد العود حقًّا للخروج الثاني، كذا علّله الرافعي 4، وهو ماش على ما تقدم عن "الشرح"، و"الروضة" من أن الخروج إلى دون مسافة القصر لا يقتضي وداعًا، وأما على ما تقدم عن "شرح المهذب".. فينبغي ألا يسقط، والثاني: يسقط، كما لو عاد قبلها، ولا يجب العودُ في هذه الحالة؛ للمشقة.
وقوله: (أو بعدها): يفهم أن بلوغها ليس كذلك، والذي في "شرح المهذب": أن بلوغها كمجاوزتها، وهو قول الشافعي، والأصحاب 5.

وَلِلْحَائِضِ النَّفْرُ بلَا وَدَاعٍ. وَيُسَنُّ شُرْبُ مَاءِ زَمْزَمَ، وَزِيَارَةُ قَبْرِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ.

(وللحائض النفر بلا وداع) لحديث ابن عباس المارّ 1. نعم؛ لو طهرت قبل مفارقة بنيان مكة.. لزمها العودُ لتطوف، ولو طهرت بعد مسافة القصر.. لم يلزمها، وإن طهرت بينهما.. فالنصّ: أنه لا يلزمها العود، والنصّ: أن المقصر بالترك يلزمه العودُ، والمذهب: تقرير النصين.
والفرق: أنه مأذون للحائض في الانصراف، بخلافه، والنفساء كالحائض؛ كما قاله في "شرح المهذب"، وألحق بعضهم بهما المعذور؛ كالخائف من ظالم، أو فوت رفقة، أو معسر ونحو ذلك 2. (ويسن شرب ماءِ زمزمَ) لـ"أَنَّهَا مُبَارَكَةٌ، طَعَامُ طُعْمٍ" كما رواه مسلم، زاد أبو داوود الطَّيالِسي في "مسنده": "وَشِفَاءُ سُقْمٍ" 3. ويستحب: أن يشربه لمطلوباته من الدنيا والآخرة؛ لصحة حديث: "مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ" 4، قال ابن الملقن: ويروى: أن مياه الأرض تُرفَع قبل يوم القيامة غيرَ زمزم 5. (وزيارةُ قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد فراغ الحج) لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ زَارَ قَبْرِي.. وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي" رواه ابن خزيمة في "صحيحه" 6.

فصلٌ [في بيان أركان الحج والعمرة]

أَرْكَانُ الْحَجِّ خَمْسَةٌ: الإِحْرَامُ، وَالْوُقُوفُ، وَالطَّوَافُ، وَالسَّعْيُ، وَالْحَلْقُ إِذَا جَعَلْنَاهُ نُسُكًا،

وقوله: (بعد فراغ الحج) كذا قاله الشافعي والأصحاب، والمراد: تأكد الزيارة حينئذ؛ لحديث: "مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْني.. فَقَدْ جَفَانِي" 1، وإلا.. فزيارة قبره -صلى الله عليه وسلم- مندوبة مطلقًا بعد الحجّ أو العمرة، أو قبلهما أولًا مع نسك، نبه عليه السبكي.

(فصل: أركان الحج خمسة: الإحرام) بالإجماع؛ كما نقله ابن الرفعة، لكن ابن يونس في "شرح التنبيه" حكى قولًا بأنه شرط.
(والوقوف، والطواف) بالإجماع أيضًا، (والسعي) لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "اِسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ"، أورده الحاكمُ في "مستدركه"، وابن السكن في "سننه الصحاح المأثورة" 2، وفي سنده كلام أجاب عنه ابن عبد البرّ وغيره 3، وقد سعى -صلى الله عليه وسلم- وقال: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" 4. (والحلق) أو التقصير (إذا جعلناه نسكًا) لما مرّ في الباب، فإن جعلناه استباحة محظور.. فلا شكّ في كونه ليس ركنًا، قال الرافعي: وينبغي: أن يعدّ الترتيبُ الواجب هنا ركنًا؛ كما عَدُّوه في الوضوء والصلاة 5. = (8052)، و"إتحاف الزائر" (ص 20 - 29)، و"شفاء السقام" (ص 87) وما بعدها، و"وفاء الوفا" (4/ 436 - 440)، و"الجوهر المنظم" (ص 48) وما بعدها.

وَلَا تُجْبَرُ، وَمَا سِوَى الْوُقُوفِ أَرْكَانٌ فِي الْعُمْرَةِ أَيْضًا. ويُؤَدَّى النُّسُكَانِ عَلَى أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: الإِفْرَادُ؛ بِأَنْ يَحُجَّ، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ كَإِحْرَامِ الْمَكِّيِّ وَيَأْتِيَ بِعَمَلِهَا. الثَّانِي: الْقِرَانُ؛ بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنَ الْمِيقَاتِ، وَيَعْمَلَ عَمَلَ الْحَجِّ فَيَحْصُلَانِ. وَلَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ بِحَجٍّ قَبْلَ الطَوَافِ.. كَانَ قَارِنًا،

(ولا تُجبَر) هذه الخمس بدم، بل يتوقف الحجّ عليها؛ لأن الماهية لا تحصل إلا بجميع أركانها.
(وما سوى الوقوف أركانٌ في العمرة أيضًا) لأنه -صلى الله عليه وسلم- أتى بها، ولم يَرِد ما يقتضي الاعتداد بدونها، فكانت أركانًا، وفي الحلق ما سبق في الحج.
(ويؤدى النسكان على أوجه) ثلاثة تأتي بالإجماع.
ووجه الحصر: أنه إن قدم الحجّ.. فهو الإفراد، أو العمرة.. فهو التمتع، أو أتى بهما معًا.. فهو القران على تفصيل وشروط لبعضها ستأتي.
(أحدها: الإفراد؛ بأن يحجّ، ثم يحرم بالعمرة كإحرام المكي) بأن يخرج إلى أدنى الحلّ على ما سبق فيه، (ويأتيَ بعملها) قال القاضي الحسين والإمام: ويتصور الإفراد أيضًا: بأن يأتي بالحجّ وحده في سنته، أو يعتمر قبل أشهر الحجّ، ثم يحجّ من الميقات 1، وحينئذ يصدق الإفراد على ثلاث صور، خلافًا لما يقتضيه كلام المصنف.
(الثاني: القران؛ بأن يحرم بهما) معًا (من الميقات، ويَعملَ عمل الحجّ) لأن أعماله أكثر (فيحصلان) ويدخل عملُ العمرة في عمل الحجّ، ويكفيه عنهما طوافٌ واحد، وسعي واحد؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.. أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ، وَسَعْي وَاحِدٌ عَنْهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا" صححه الترمذي 2. وقوله: (من الميقات): ليس بقيد؛ لأنه لو أحرم بهما من دون الميقات.. كان قرانًا صحيحًا مجزيًا، وعليه دم، وإنما المراد: أن يُحرم بهما معًا فيتحد ميقاتُهما.
(ولو أحرم بعمرة في أشهر الحجّ، ثم بحجّ قبلَ الطواف.. كان قارنًا)

وَلَا يَجُوزُ عَكْسُهُ فِي الْجَدِيدِ. الثَّالِثُ: التَّمَتُّعُ؛ بِأَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ وَيَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يُنْشِئَ حَجًّا مِنْ مَكَّةَ.

بالإجماع؛ كما نقله ابن المنذر 1. وقضيته: أنه لو أحرم بالعمرة قبل أشهر الحجّ، ثم أدخل عليها الحجّ في أشهره.. أنه لا يصحّ، ولا يكون قارنًا، وهو وجه؛ لأنه يؤدي إلى صحة الإحرام بالحجّ قبل أشهره؛ لأن القارن في حكم الملابس لإحرام واحد، والأصحُّ في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب": أنه يصحّ؛ لأنه إنما يصير محرمًا بالحجّ وقتَ إدخاله، وهو وقت صالح للحجّ 2، فكان ينبغي تأخير هذا القيد فيقول: ولو أحرم بعمرة ثم بحجّ قبل الطواف في أشهر الحجّ.. كان قارنًا.
واحترز بقوله: (قبل الطواف): عما إذا طاف ثم أحرم بالحجّ فإنه لا يصحّ؛ لأنه أخذ في أسباب التحلل على أصحّ المعاني فيه، وحكم الشروع في الطواف ولو بخطوة.. حكم إكماله.
وكلام المصنف قد يشمل ما لو أفسد العمرةَ، ثم أدخل عليها الحجّ، والأصحُّ: أنه ينعقد إحرامه بالحجّ فاسدًا، وقيل: صحيحًا، ثم يفسد، وعلى الوجهين: يلزمه المضي في النسكين، ويقضيهما، وقيل: ينعقد صحيحًا، ويستمرّ.
(ولا يجوز عكسه) وهو إدخال العمرة على الحجّ (في الجديد) لأنه لا يستفيد به شيئًا آخر، بخلاف إدخال الحجّ عليها؛ فإنه يستفيد به شيئًا آخر؛ كالوقوف، والرمي، والمبيت بمزدلفة ومنى، والقديم: الجواز، وصححه الإمام كعكسه 3، فيجوز ما لم يشرع في أسباب تحلله.
(الثالث: التمتع؛ بأن يحرم بالعمرة من ميقات بلده ويَفرُغ منها، ثم ينشئَ حجًّا من مكة) لما نقله ابن المنذر من إجماع أهل العلم على أن الآفاقي إذا فعل ذلك.. كان متمتعًا 4.

وَأَفْضَلُهَا الإِفْرَادُ، وَبَعْدَهُ التَّمَتُّعُ، ثُمَّ الْقِرَانُ،

وسمّي بذلك لتمتعه بين النسكين بما كان محظورًا عليه، أو لتمتعه بسقوط العود إلى الميقات للحجّ.
وقوله: (من ميقات بلده)، كذا هو في "المحرر"، و"الشرحين"، و"الروضة" هنا 1، والصواب: حذفه؛ فقد ذكرا بعد ذلك عند الكلام على وجوب دم التمتع ما حاصله: أن الإحرام من الميقات ليس شرطًا في كونه متمتعًا قطعًا، ولا في وجوب الدم عند الأكثرين 2. وقوله: (من مكة): يتعين حذفه أيضًا؛ لأنه يقتضي: أنه إذا أحرم بالحجّ من الميقات.. لا يكون متمتعًا، وليس كذلك، بل المشهور: أنه متمتع غيرَ أنه لا يلزمه الدم.
(وأفضلها: الإفراد) لأن الذين رووه عن حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثر 3، ومجمع على عدم كراهيته، بخلاف التمتع والقران، ولعدم وجوب الدم فيه، بخلافهما، والجبر دليل النقصان.
نعم؛ شرط تفضيله: أن يعتمر من سنته، فلو أخرها.. فكلٌّ من القران والتمتع أفضلُ منه؛ لأن تأخيرها عن سنة الحجّ مكروه، كذا قالاه في "الشرح"، و"الروضة" 4، ونسبه في "شرح المهذب" إلى الجمهور 5. (وبعده التمتع، ثم القران) لأن المتمتع يأتي بعملين كاملين غير أنه لا يُنشئ لهما ميقاتين، وأما القارن.. فإنه يأتي بعمل واحد من ميقات واحد.

وَفِي قَوْلٍ: التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنَ الإِفْرَادِ. وَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ دَمٌ بَشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَحَاضِرُوهُ: مَنْ دُونَ مَرْحَلَتينِ مِنْ مَكَّةَ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: مِنَ الْحَرَمِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

(وفي قول: التمتع أفضل من الإفراد) لأن فيه مبادرةً إلى العمرة، بخلاف الإفراد؛ فإن فيه تأخيرًا لفعلها، فربما مات قبل الفعل، وقد روى الشيخان عن ابن عمر: أنه عليه السلام كان متمتعًا 1، ورواه أيضًا مسلم عن عائشة 2. وفي قول ثالث: أن القران أفضلُ من الإفراد، واختاره المزني وابن المنذر وأبو إسحاق 3. (وعلى المتمتع دم) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية، التقدير: تمتع بإحلال من العمرة، وهو مجمع عليه، والواجب: شاة تجزئ في الأضحية، ويقوم مقامها سُبْعُ بَدَنة أو سُبْعُ بقرة، (بشرط: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام) لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما ذكر؛ من الهدي والصوم: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وقوله: ﴿لِمَنْ﴾: معناه: على من، والمعنى فيه: أن الحاضر بمكة ميقاتُه للحج نفسُ مكة، فلم يربح ميقاتًا، بخلاف غيره.
(وحاضروه: مَنْ دون مرحلتين) لأن من قرُب من شيء كان حاضرَه، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾، وهي: أيلةُ، وليست في البحر، بل قريبة منه، (من مكة) لأن المسجد الحرامَ المذكور في الآية لم تُرَد حقيقتُه بالاتفاق، بل: الحرمُ عند بعضهم، ومكةُ عند آخرين، فلا بدّ من حمله على المجاز، ومكة أقلّ تجوزًا من حمله على الحرم.
(قلت: الأصح: مِنَ الحرم، والله أعلم) لأن كلّ موضع ذَكَرَ اللهُ فيه المسجدَ.. فالمراد به: الحرم، إلا قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فأريد به: الكعبة؛ كما ذكره الماوردي وغيره 4، وإنما خالف في ذلك طوافَ الوداع؛ لأنه

وَأَنْ تَقَعَ عُمْرَتُهُ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنْ سَنَتِهِ. وَأَلَّا يَعُودَ لإِحْرَامِ الْحَجِّ إِلَى الْمِيقَاتِ. وَوَقْتُ وُجُوبِ الدَّمِ: إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ،

للبيت، فناسب اعتبار مكة، وهنا الآية ناصّة على المسجد الحرام كما سلف، فكان الابتداء منه.
(وأن تقع عمرتُه في أشهر الحجّ) لأن العرب كانوا لا يزاحمون الحجّ في وقت إمكانه بالعمرة، ويرون ذلك من أفجر الفجور، فشرع التمتع رخصةً؛ لأن الغريب قد يقدم قبل عرفة بأيام، ويشقّ عليه استدامة الإحرام لو أحرم من الميقات، ولا سبيل إلى مجاورته بغير إحرام، فجوز له أن يعتمر ويتحلل مع الدم.
فلو أحرم بها، وفرغ منها قبل أشهره.. لم يلزمه دم؛ لانتفاء ما ذكرناه من المزاحمة وإن كان متمتعًا على المشهور؛ كما قاله الرافعي في آخر الشروط 1، وكذا لو أحرم بها قبل أشهره، وأتى بجميع أعمالها في أشهره على الأظهر؛ لأن العمرة لم تقع في أشهر الحجّ، وإنما وقع بعضُها؛ إذ النية من جملتها.
(من سنته) أي: من سنة الحجّ، فلو اعتمر، ثم حجّ في القابلة.. فلا دم عليه، سواء أقام بمكة إلى أن يحجّ أم رجع وعاد؛ لعدم المزاحمة.
(وألا يعود لإحرام الحجّ إلى الميقات) الذي أحرم منه بالعمرة، بل أحرم به من مكة واستمر، فإن عاد إليه وأحرم منه بالحجّ.. لم يلزمه الدم؛ لأن المقتضي لإيجاب الدم -وهو ربح الميقات- قد زال بعوده إليه، وكذا لو عاد إلى مسافة مثله وأحرم منه؛ لأن المقصود قطع تلك المسافة محرمًا، فلو عاد إلى ميقات أقرب منه؛ بأن كان ميقاتُ عمرته الجُحْفةَ فعاد إلى ذات عِرْق مثلًا.. فكالعود إلى ميقات عمرته في الأصحِّ؛ لأنه أحرم من موضع ليس ساكنوه من حاضري المسجد الحرام.
واعلم: أن هذه الشروطَ المذكورةَ معتبرةٌ لوجوب الدم، وهل تعتبر في تسميته تمتعًا؟ وجهان: أحدهما: نعم، فلو فات شرط.. كان مفردًا، وأشهرهما: لا تعتبر، ولهذا قال الأصحاب: يصحّ التمتع والقران من المكي خلافًا لأبي حنيفة.
(ووقت وجوب الدم: إحرامُه بالحجّ) لأنه حينئذ يصير متمتعًا بالعمرة إلى الحجّ.

وَالأَفْضَلُ: ذَبْحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فِي مَوْضعِهِ.. صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثَلَاثةً فِي الْحَجِّ تسْتَحَبُّ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ،

وقد يفهم: أنه لا يجوز تقديمُه عليه، وليس كذلك، بل الأصحُّ: جواز ذبحه إذا فرغ من العمرة، وقيل: يجوز إذا أحرم بها.
(والأفضل: ذبحه يومَ النحر) خروجًا من خلاف الأئمة الثلاثة؛ فإنهم قالوا: لا يجوز في غيره.
(فإن عجز عنه في موضعه.. صام عشرة أيام؛ ثلاثةً في الحجّ) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي: الهدي.. ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: بعد الإحرام بالحجّ، فلا يجوز تقديمُها على الإحرام، بخلاف الدم؛ لأن الصومَ عبادة بدنية، فلا يجوز تقديمُها على وقتها؛ كالصلاة، والدمَ عبادة مالية، فأشبه الزكاة.
ووقع في "شرح مسلم" للمصنف: أن الأفضل: ألا يصوم حتى يحرم بالحج 1، وهو غريب مخالف لما ذكره في باقي كتبه.
ولا بدّ من تقييد كلامه: بأن يكون ذلك قبل يوم النحر، فلو أخر التحلل عن أيام التشريق ثم صامها.. أثم وصارت قضاءً على الصحيح وإن صدق أنها في الحجّ؛ لندوره، فلا يراد بقوله تعالى: ﴿فِي الْحَجِّ﴾.
وسواء عند عجزه في موضعه قَدَرَ عليه ببلده أو غيرِه أم لا، بخلاف كفارة اليمين؛ لأن الهدي يختص ذبحُه بالحرم والكفارةَ لا تختص، ووجودُه بأكثر من ثمن مثله كعدمه، وكذا لو احتاج إليه أو إلى ثمنه.
(تستحب قبل يوم عرفة) لأن الأفضل للحاجّ: فطر يوم عرفة، فيندب لمن يصوم: أن يحرم بالحجّ قبل السادس، ولا يجوز صومها في يوم النحر، وكذا في أيام التشريق في الجديد؛ كما ذكره المصنف في بابه 2. ولا يجب عليه تقديم الإحرام بزمن يمكنه صومُ الثلاثة فيه قبلَ يوم العيد على الأصحِّ، وإذا فات صوم الثلاثة في الحجّ.. لزمه قضاؤها ولا دم عليه، قال الإمام:

وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فِي الأَظْهَرِ. وَيُنْدَبُ تَتَابُعُ الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا السَّبْعَةُ. وَلَوْ فَاتَهُ الثَّلَاثةُ فِي الْحَجِّ.. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُفَرِّقَ فِي قَضَائِهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّبْعَةِ. وَعَلَى الْقَارِنِ دَمٌ

وإنما يلزمه صومُ الثلاثة في الحجّ إذا لم يكن مسافرًا، فإن كان.. فلا؛ كصوم رمضان، قال الرافعي: وهذا غير متضح؛ لأن النصّ دالّ على الوجوب عليه، وقال في "شرح المهذب": إنه ضعيف 1. (وسبعةً إذا رجع) لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، (إلى أهله في الأظهر) لقوله صلى الله عليه وسلم: "فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا.. فَلْيَصُمْ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ" متفق عليه 2، فلو أراد الإقامةَ بمكة.. صامها بها، قاله في "البحر" 3. والثاني: أن المراد بالرجوع: الفراغُ من الحجّ؛ لأنه بالفراغ منه رجع عما كان مقبلًا عليه، وهو قول الأئمة الثلاثة.
(ويندب تتابع الثلاثة) إن اتسع الوقت، فإن ضاق؛ فمن أحرم اليوم السادسَ من ذي الحجة.. لزمه صوم الثلاثة متتابعًا، (وكذا السبعةُ) مبادرةً إلى أداء الواجب.
(ولو فاته الثلاثة في الحجّ.. فالأظهر 4: أنه يلزمه أن يُفرّق في قضائها بينها وبين السبعة) كما في الأداء، والثاني: لا يلزمه؛ قياسًا على التفريق في قضاء الصلوات.
وفرق الأول: بأن تفريق الصلاة يتعلق بالوقت، وهذا بالفعل، وهو الحجّ والرجوع.
وكلامه يقتضي: الاكتفاءَ بمطلق التفريق ولو بيوم واحد، وهو قول نصّ عليه في "الإملاء"، لكن الأظهر: أنه يجب أن يفرق بقدر ما كان يفرق به في الأداء، وذلك أربعة أيام ومدة سيره إلى بلده.
(وعلى القارن دم) لأنه واجب على المتمتع بنصّ القرآن، وفعل المتمتع أكثرُ من

كَدَمِ التَّمَتُّع. قُلْتُ: بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فعل القارن، فإذا لزمه الدم.. فالقارن أولى (كدم التمتع) في أحكامه السابقة جنسًا، وسنًّا، وبدلًا عند العجز.
(قلت: بشرط: ألا يكون من حاضري المسجدِ الحرام، والله أعلم) قياسًا على المتمتع.
وكان ينبغي أن يقول: (وألا يعود إلى الميقات قبل الوقوف)، فإن الراجح: أن الغريب لو عاد إلى الميقات قبل الوقوف.. لا دم عليه، وقد نصّ عليه في "الإملاء".

بابُ محرَّمات الإحرام أَحَدُهَا: سَتْرُ بَعْضِ رَأْسِ الرَّجُلِ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا إِلَّا لِحَاجَةٍ، وَلُبْسُ الْمَخِيطِ أَوِ الْمَنْسُوجِ أَوِ الْمَعْقُودِ فِي سَائِرِ بَدَنِهِ

﴿باب محرمات الإحرام﴾ (أحدها: ستر بعض رأس الرجل بما يُعدّ ساترًا) ولو لم يكن محيطًا؛ كالخرقة، وكذا الحِنَّاء الثخين على المذهب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي خرّ عن بعيره ميتًا: "لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا" متفق عليه 1. ولا يجب كشف الوجه، وما وقع في "صحيح مسلم" في هذا الحديث: "وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا رَأْسَهُ" 2.. قال البيهقي: ذكر الوجه غريب، وهو وهم من بعض الرواة 3، وقال في "الشامل": إنه محمول على ما لا بدّ من كشفه من الوجه.
واحترز بـ (الرجل): عن المرأة والخنثى، وسيأتي حكمهما، وبـ (ما يعدّ ساترًا): عن وضع اليد، والانغماس في الماء، والاستظلال بالمَحمِل وإن مسّ رأسه، وكذا حمل زَنْبيل ونحوه على رأسه.
(إلا لحاجة) كمَداواة أو حرّ أو برد؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، لكن تلزمه الفدية؛ قياسًا على الحلق بسبب الأذى.
(ولبس المخيط أو المنسوج أو المعقود) وما شابهها من مُلَزَّق، ومضفور، ومُلبّد، ومُطرَّف (في سائر بدنه) لحديث: "لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ" متفق عليه 4. والمعتبر في اللبس: العادة في كلّ ملبوس، فلو ارتدى بالقميص أو اتزر

إِلَّا إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَوَجْهُ الْمَرْأَةِ كَرَأْسِهِ، وَلَهَا لُبْسُ الْمَخِيطِ إِلأَ الْقُفَّازَ فِي الأَظْهَرِ

بالسراويل.. فلا فدية؛ كما لو اتزر بإزار لَفَّقَه من رِقاع، ويجوز أن يَعقِد الإزار، ويشدّ عليه خيطًا، وأن يجعل له مثل الحُجْزة، ويُدخل فيها التِّكَّة، ولا يجوز ذلك في الرداء، ولا خلُّه بخلال ونحوه.
نعم؛ له غرزه في طرف إزاره.
قال بعض العلماء: والحكمة في تحريم لبس المخيط وغيره مما مُنِعَ منه المُحرم: أن يخرج الإنسان عن عادته، فيكون ذلك مذكرًا له ما هو فيه من عبادة ربه، فيشتغل بها.
(إلا إذا لم يجد غيرَه) أي: غير المخيط وما في معناه؛ لفقده من ملكه، وتعذر شرائه وإجارته بأجرة مثله، واستعارته.. فإنه يجوز لبسه من غير فدية.
وقضيته: المنع لحاجة البرد والمداواة، والمنقول: الجواز مع الفدية.
(ووجه المرأة كرأسه) أي: كرأس الرجل في الأحكام المارّة؛ لرواية البخاري: "وَلَا تنتَقِبِ الْمَرْأَةُ" 1. نعم؛ لها أن تستر من وجهها ما لا يتأتى سترُ الرأس إلا به.
(ولها لُبس المخيط) بالإجماع؛ كما نقله ابن عبد البرّ 2 (إلا القُفَّاز في الأظهر) 3 لرواية البخاري: "وَلَا تلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ" 4، والثاني: يجوز؛ لأن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: كان يأمر بناته بلبسهما في الإحرام، رواه الشافعي في "الأم" 5. وفي "شرح السنة" للبغوي: أن أكثر أهل العلم على الثاني، وأنه أظهر قولي الشافعي، وأنه لا فدية عليها.
انتهى، وما ذكره من عدم الفدية.. نصَّ عليه في

الثَّانِي: اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ،

"الأم" 1، لكن نصّ في "الإملاء": على أن عليها الفديةَ، وحُمل على الاستحباب.
قال في "الكفاية": ولا فرق بين القفاز الواحد وبين القفازين 2. والقفاز: شيء يُعمل لليد لِيَقيها من البرد، ويحشى بقطن، ويكون له أزرار على الساعدين.
وقضية إطلاق المصنف: أن الأمة فيما ذكره كالحرة، وهو المذهب في "شرح المهذب" 3. ولو ستر الخنثى المشكل رأسه أو وجهه.. لم تجب الفدية؛ لاحتمال أنه امرأة في الصورة الأولى، ورجل في الثانية، وإن سترهما جميعًا.. وجبت الفدية.
(الثاني: استعمال الطيب في ثوبه) لقوله صلى الله عليه وسلم: "وَلَا تلْبَسْ مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَان أَوْ وَرْسٌ" متفق عليه 4. (أو بدنه) قياسًا على الثوب من باب أولى، ونقل ابن المنذر فيه الإجماع 5، وسواء في ذلك الأَخْشمُ وغيره، وبعض البدن ككله.
والطيب: هو ما ظهر فيه غرض التطيب؛ كالورد والياسَمين واللَّيْنَوْفَر 6 ونحو ذلك، أما ما لا تُقصد رائحتُه.. فلا فدية فيه وإن كانت له ريح طيبة؛ كالقَرَنْفُل وسائر الأبازير والتفاح والسَّفَرْجَل والأُتْرُجّ ونحوها.
ومحل تحريم الطيب: إذا كان عالمًا بالتحريم عامدًا مختارًا.
قال الرافعي: والاستعمال: هو أن يلصق الطيب ببدنه أو ثيابه على الوجه المعتاد في ذلك 7، فلو احتوى على مبخرة، وتبخَّر بدنه أو ثيابه.. لزمته الفديةُ.

وَدَهْنُ شَعْرِ الرَّأْسِ أَوِ اللِّحْيَةِ، وَلَا يُكْرَهُ غَسْلُ بَدَنِهِ وَرَأْسِهِ بِخِطْمِيٍّ. الثَّالِثُ: إِزَالَةُ الشَّعْرِ أَوِ الظُّفُرِ،..

(ودَهن شعر الرأس أو اللحية) من نفسه أو من محرم آخر من غير ضرورة؛ لما فيه من التزين المنافي لحال المحرم؛ فإن الحاجّ أشعث أغبر؛ كما ورد في الخبر 1، وسواء في الدهن المطيّبُ وغيره؛ كالزيت.
وقوله: (دهن): هو بفتح الدال؛ لأنه مصدر.
واحترز بقوله: (شعر الرأس واللحية): عن الأصلع والأقرع والأمرد؛ فإن الادّهان لا يحرم عليهم؛ لفقد المعنى السابق، لكن تقتضي: عدم تحريم الدهن في محلوق الرأس، وهو الأصح في "الكفاية"، لكن الأصح عند الشيخين: التحريم؛ لأنه يحسن الشعر إذا نبت 2. واحترز أيضًا بـ (الرأس واللحية): عن دَهْن باقي البدن؛ فإنه يجوز شعرًا كان أو بشرًا؛ لأنه لا يُقصد تحسينُه، ونقل في "شرح المهذب": اتفاق الأصحاب على ذلك 3، لكن جزم الماوردي في "الإقناع": بالتحريم في شعور الجسد، وهو قضيةُ إطلاق ابن كجّ.
وإنما جمع المصنف في هذا النوع بين الطيب والدّهن؛ تبعًا لـ "المحرر" 4، ولم يجعل الادهان نوعًا ثالثًا؛ كما في "الشرح"، و"الروضة" 5؛ لتقاربهما في المعنى وأن كلًّا منهما ترفه ليس فيه إزالة عين.
(ولا يُكره غسل بدنه ورأسه بخِطْمي) ونحوه؛ كالسدر؛ لأن ذلك لإزالة الأوساخ، بخلاف الدّهن؛ فإنه للتنمية.
نعم؛ الأولى: ألا يفعل ذلك، ونقل عن القديم: كراهته، وإذا غسل رأسه.. فينبغي: أن يترفق بالدلك حتى لا يتنتف شعره.
(الثالث: إزالة الشعر أو الظفر) من نفسه أو من محرم آخر، أما الشعر: فلقوله

وَتكمُلُ الْفِدْيَةُ فِي ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَظْفَارٍ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّ فِي الشَّعْرَةِ مُدَّ طَعَامٍ، وَفِي الشَّعْرَتينِ مُدَّيْنِ،

تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ أي: شعر رؤوسكم، وشعر سائر الجسد ملحق به بجامع الترفه، وأما الظفر: فقياسًا على الشعر؛ لما فيه من الترفه.
وكلامه قد يوهم: أنه لا يحرم إزالة الشعرة الواحدة، وليس كذلك.
ويستثنى: ما لو نبت شعرة أو شعرات داخل الجَفْن وتأذى به.. فإن له قلعه ولا فدية على المذهب، [وكذا لو انكسر بعض ظفره وتأذى به.. فإنه يقطع المنكسر ولا فدية] 1. (وتَكمل الفديةُ في ثلاث شعرات أو ثلاثة أظفار) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية، التقدير: فحلق شعر رأسه.. ففدية، والشعر جمع، وأقله ثلاث، والاستيعاب قام الإجماع على عدم اعتباره، والأظفار مقاسة على الشعر.
وشرط ما ذكره في الشعرات والأظفار: إزالتُها في مكان واحد على التوالي، فإن أزالها في ثلاثة أو في مكان واحد، ولم يوال.. فيجب عليه في كلّ واحدة منها ما يجب عليه لو انفردت، وهو مُدّ على الراجح كما سيأتي.
وحيث كملنا الفدية بالثلاث.. فلا تتعدد الفدية بالزيادة عليها، حتى لو حلق شعرَ رأسه وجسدِه، أو قلم أظفارَ يديه ورجليه.. لم يلزمه إلا فدية واحدة على الصحيح، لكن مع مراعاة ما تقدم من التوالي.
(والأظهر: أن في الشعرة مُدَّ طعام، وفي الشعرتين مدّين) لأن الشرع قد عدل الحيوان بالإطعام في جزاء الصيد وغيره، والشعرةُ الواحدة هي النهاية في القلة، والمدّ أقلّ ما وجب في الكفارات، فقوبلت به، والثاني: في الشعرة ثلث دم، وفي الشعرتين ثلثا دم؛ عملًا بالتقسيط، والثالث: في الشعرة درهم، وفي الشعرتين درهمان، والرابع: دم كامل.
وقطعُ بعض شعره كقطعها على الأصحِّ، والظفر كالشعرة، والظفران كالشعرتين، وبعض الظفر كبعض الشعرة.

وَلِلْمَعْذُورِ أَنْ يَحْلِقَ وَيَفْدِيَ. الرَّابِعُ: الْجِمَاعُ،

ولو أخذ من بعض جوانب الظفر ولم يستوعب رأسه؛ فإن قلنا: يجب في الظفر الواحد درهم أو ثلث دم.. فالواجب فيه: ما يقتضيه الحساب، وإن قلنا: يجب فيه مدّ.. فلا سبيل إلى تبعيضه.
ومحل الخلاف الذي ذكره المصنف: إذا اختار الدم، أما إذا اختار الصيام.. فإنه يصوم يومًا واحدًا قطعًا، أو الطعامَ.. أطعم صاعًا واحدًا قطعًا، كذا قاله العمراني وابن أبي الصيف والمحب الطبري، وقال الإسنوي: إنه متعين لا محيد عنه 1، وبهذا يندفع الإشكال المشهور: أنه إذا حلق ثلاثَ شعرات.. خُيّر بين دم وثلاثة آصع وصيام ثلاثة أيام، فينبغي أنه إذا حلق شعرة: أن يُخيّر بين ما يخصّها من الخصال، فكيف يأتي الخلاف؟ (وللمعذور أن يحلق ويفديَ) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الآية، وفي "الصحيحين" عن كعب بن عُجْرة قال: فِيَّ أُنزلت هذه الآية، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "اُدْنُهْ"، فدنوت، فقال: "اُدْنُهْ"، فدنوت، فقال: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ"، قال ابن عون: أظنه قال: نعم، قال: فأمر بفدية من صيام أو صدقة أو نسكٍ ما تيسر 2، وفي رواية: "فَاحْلِقْ، وَصُمْ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ أنْسُكْ نَسِيكَةً" 3، وفي رواية لمسلم: "احْلِقْ، ثُمَّ أذْبَحْ شَاةً نُسُكًا، أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثةَ آصُعِ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ" 4. ودخل في قوله: (وللمعذور): ما لو مرض، أو كثر في رأسه القملُ، أو تأذى بالحرّ؛ لكثرة الشعر أو الوسخ.
(الرابع: الجماع) بالإجماع، ويحرم على المرأة الحلالِ تمكينُ زوجها المحرم على الأصح؛ لأن فيه إعانةً على معصية، ويحرم أيضًا على الحلال المباشرةُ في حال إحرام المرأة؛ كما سيأتي إيضاحه في الإحصار إن شاء الله تعالى.

وَتَفْسُدُ بِهِ الْعُمْرَةُ، وَكَذَا الْحَجُّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، وَتَجِبُ بِهِ: بَدَنَةٌ،

(وتفسد به العمرة، وكذا الحجّ قبل التحلّل الأول) أما فساد الحجّ؛ فإن كان قبل الوقوف.. فبالإجماع؛ كما قاله القاضي حسين والماوردي 1، وإن كان بعده.. فقد خالف فيه أبو حنيفة، ودليلُنَا عليه: أنه صَادَف إحرامًا صحيحًا لم يحصل فيه التحللُ الأول، فأشبه ما قبل الوقوف، وأما العمرة: فبالقياس عليه.
وقوله: (قبل التحلل الأول): قيد في الحجّ خاصة، واحترز به: عمّا إذا وقع الجماع بعده.. فإن الحجّ لا يفسد به على الأصحِّ، وكما لا يفسد الحجّ لا تفسد العمرة أيضًا إذا كان قارنًا وَلم يأت بشيء من أعمالها؛ لأنها تقع تبعًا له، وقيل: تفسد، وكلام المصنف يوهمه.
(وتجب به بدنة) لقضاء الصحابة رضي الله عنهم بذلك 2. وقوله: (به): يعني: بالجماع المفسد، وهو احتراز عن مسألتين: إحداهما: إذا جامع في الحجّ بين التحلّلين وقلنا: لا يفسد.. فإنه لا تلزمه بدنة في الأظهر، بل شاة؛ لأنه محظور لم يحصل به إفسادٌ، فأشبه الاستمتاعات، الثانية: إذا تكرر منه الجماع في العمرة أو في الحجّ قبل التحلّل الأول.. فإن الأظهر: أنه يجب بالثاني شاة لا بدنة؛ لأن الإفساد حصل بالجماع الأول.
واعلم: أن البدنة حيث أُطلقت في كتب الحديث والفقه.. المرادُ بها: البعير ذكرًا كان أو أنثى، وشرطها: أن تكون في سنّ الأضحية.
وأما أهل اللغة.. فقال كثيرٌ منهم أو أكثرهم: إنها تطلق على البعير والبقرة، وحكى المصنف في "التهذيب"، و"التحرير" عن الأزهري: أنها تطلق على الشاة أيضًا 3، ووهم في ذلك، وقيل: تطلق على البعير خاصة، وحكاه الماوردي عن الجمهور.
ومحل وجوب البدنة: إذا وجدها، وإلا.. فبقرة، وإلا.. فسَبْعُ شياه، وإلا..

وَالْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ، وَالْقَضَاءُ وَإِنْ كَانَ نُسُكُهُ تَطَوُّعًا، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ. الْخَامِسُ: اصْطِيَادُ كُلِّ مَأْكُولٍ بَرِّيٍّ

فتقوَّمُ البدنة بالنقد الغالب، ويشتري به طعامًا ويتصدق به على مساكين الحرم؛ فإن عجز.. صام عن كلّ مدّ يومًا.
(والمضي في فاسده) لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فإنه لم يفصل بين الصحيح والفاسد، ولأن جماعة من الصحابة أفتوا بذلك 1، ولا يعرف لهم مخالف.
والمراد بـ: (المضي فيه): أن يأتي بما كان يأتي به قبل الجماع، ويجتنب ما كان يجتنبه قبله، فإن ارتكب محظورًا.. لزمه الفدية في الأصحِّ.
(والقضاء) لفتوى الصحابة به 2، وإنما جعلوا المأتي به قضاء وإن كان وقت النسكين العمرَ والعمرُ باق؛ لأنه لما أحرم بهما.. تضيقا عليه، ففات وقت الإحرام بهما، (وإن كان نسكه تطوعًا) لأنه يلزم بالشروع فيه، فصار فرضًا أيضًا، بخلاف باقي العبادات.
(والأصح: أنه) يعني: القضاء (على الفور) لفتوى الصحابة به حيث قالوا: وحج من قابل 3، والثاني: لا، كالأداء، وأولى.
وجميع ما ذكره هو في جماع العاقل العامد، العالم بالتحريم، فإن وطئ مجنونًا أو ناسيًا أو جاهلًا بالتحريم.. لم يفسد على الجديد، وإن أكره على الوطء.. لم يفسد على الأصحِّ في "شرح المهذب" 4. ويحرم على المحرم أيضًا الاستمناء، وتلزم به الفدية على الأصحِّ، وتحرم عليه المباشرةُ بشهوة؛ كالقُبلة واللّمس وإن كان لا يفسد بها النسك.
(الخامس: اصطياد كلّ مأكول بَرّي) طيرًا كان أو وحشًا - إذا كان عامدا عالمًا

قُلْتُ: وَكَذَا الْمُتَوَلِّدُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

بالتحريم- بالإجماع، واستغنى بـ (الاصطياد): عن التقييد بـ (الوحشي)؛ فإن الصيد: كل متوحش طبعًا لا يمكن أخذه إلا بحيلة.
واحترز بـ (المأكول): عمّا لا يؤكل، وبـ (البري): عن البحري؛ فإنه لا يحرم للآية، والبحري: هو الذي لا يعيش إلا في البحر، فإن عاش في البحر والبر.. فهو كالبري؛ تغليبًا للحرمة.
قال القفال: والحكمة في الفرق بين البري والبحري: أن البري إنما يُفعل غالبًا للتنزه والتفرج 1، والإحرام ينافي ذلك، بخلاف البحري؛ فإنه يصاد غالبًا للاضطرار والمسكنة، فأحلّ مطلقًا ولو كان البحر في الحرم؛ كما نصّ عليه في "الأم" 2. وكما يحرم الاصطياد.. تحرم الإعانة عليه بدلالة أو إعارة، وأن يتعرض لبيضه وفرخه ولبنه وريشه.
نعم؛ لو كان البيض مَدِرًا.. لم يحرم كسرُه ولا يضمنه، إلا أن يكون بيضَ نعامة على المنصوص المشهور؛ لأن لقشره قيمةً.
(قلت: وكذا المتولد منه) أي: ممّا يحرم اصطياده (ومن غيره، والله أعلم) تغليبًا للتحريم، وخالف الزكاة، حيث لم تجب في المتولد بين الزكوي وغيره؛ لأنها من باب المواساة.
وكلامه يدلّ بمنطوقه على تحريم ثلاثة أقسام: أحدها: المتولد بين وحشين أحدهما مأكول؛ كالسِّمْع المتولد بين الذئب والضبع، الثاني: المتولد بين وحشي مأكول وأهلي غير مأكول؛ كحمار الوحش وحمار الأهل، الثالث: المتولد بين مأكولين أحدهما وحشي؛ كالمتولد بين الظبي والشاة.
وبمفهومه على إباحة ثلاثة أقسام: أحدها: المتولد بين وحشي غير مأكول وإنسي مأكول؛ كالمتولد بين الذئب والشاة، الثاني: المتولد بين حيوانين لا يؤكلان؛ أحدهما وحشي؛ كالمتولد بين الحمار الأهلي والزَّرافة، الثالث: المتولد بين

وَيَحْرُمُ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ عَلَى الْحَلَالِ. فَإِنْ أَتلفَ صَيْدًا.. ضَمِنَهُ؛ فَفِي النَّعَامَةِ: بَدَنَةٌ، وَفِي بَقَرِ الْوَحْشِ وَحِمَارِهِ: بَقَرَةٌ، وَالْغَزَالِ: عَنْزٌ، وَالأَرْنَبِ: عَنَاقٌ، وَالْيَرْبُوعِ: جَفْرَةٌ،

أهليّين؛ أحدهما غير مأكول؛ كالبغل.
والضابط: أن ما حرم التعرض لأحد أصليه.. حرم التعرض له، وما جاز التعرض لكلّ منهما.. جاز التعرض إليه.
وتحريم الزَّرافة قاله في "شرح المهذب" 1، لكن المذهب أو الصواب: حلّها؛ كما سيأتي في بابه.
(ويحرم ذلك) أي: اصطياد المأكول البري، والمتولد منه (في الحرم على الحلال) بالإجماع؛ كما قاله في "شرح المهذب" 2. ويروى: أن في زمن الطوفان لم تأكل كبارُ الحيتان صغارَها في الحرم؛ تعظيمًا له 3. وقوله: (في الحرم) هو حال من الاصطياد، لكن يرد عليه ما لو كان المصطاد في الحِلّ، والصائد في الحرم.. فإنه يحرم؛ فإن أُعرب أنه حال من الصائد.. ورد عليه عكسُه.
(فإن أتلف صيدًا.. ضمنه) بالجزاء الآتي ذكرُه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ الآية.
وجِهات ضمان الصيد ثلاثة: المباشرة، والتسبب، واليد، ولا فرق في المباشر بين المخطئ والمتعمد، والعالم والجاهل، والذاكر والناسي، ولو أتلف مكرهًا.. فالجزاء على المحرم على الأصحِّ في "زيادة الروضة"، ثم يرجع على الآمر 4. (ففي النعامة: بدنة، وفي بقر الوحش وحماره: بقرة، والغزال: عنز، والأرنب: عَناق، واليَرْبُوع: جَفْرة) لأن جماعة من الصحابة حكموا بذلك كلّه،

وَمَا لَا نَقْلَ فِيهِ.. يَحْكُمُ بِمِثْلِهِ عَدْلَانِ، وَفِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ.. الْقِيمَةُ.

وفي الضبع: كبش؛ لحديث فيه صححه ابنُ حبان، والترمذي، وغيرهما من حديث جابر رضي الله عنه 1. وقوله: (في الغزال: عنز) وَهَمٌ؛ لأن الغزال ولدُ الظَّبْية إلى حين يقوى ويَطلُع قرناه، ثم هي ظَبْية، والذكر ظَبْي، وواجبه جَدْي إن كان ذكرًا، وعَناق أو جَفْرة إن كان أنثى، وأما العنز: فإنه واجب الظَّبْية، والتيس واجب الظَّبْي.
والعَناق: الأنثى من المعز من حين تُولد إلى أن ترعى، والجَفْرة: الأنثى من ولد المعز تُفطَم وتُفصَل عن أمها، فتأخذ في الرعي وذلك بعد أربعة أشهر، والذكر: جَفْر؛ لأنه جَفَرَ جنباه؛ أي: عظم، قال الشيخان: هذا معناهما في اللغة، لكن يجب أن يكون المراد بالجَفْرة هنا.. ما دون العَناق؛ فإن الأرنب خير من اليَرْبُوع 2. (وما لا نقل فيه.. يَحكم بمثله) من النعم (عدلان) لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ الآية، والعبرة: بالمماثلة بالخلقة والصورة تقريبًا لا تحقيقًا، فأين النعامة من البدنة؟ قال الرافعي: وليكن العدلان فقيهين كَيِّسَين 3 أي: فطنين.
واحترز المصنف بقوله: (وما لا نقل فيه) عن حيوان فيه نصّ، حكم فيه صحابيان، أو عدلان من التابعين، أو ممن بعدهم من سائر الأعصار بالمماثلة؛ فإنه يتبع ذلك، ولا حاجة إلى تحكيم جديد، وجزم ابن الرفعة بأنه إذا حكم واحدٌ من الصحابة وسكت الباقون.. يكفي أيضًا 4. (وفيما لا مثل له.. القيمة) لأن الجراد لا مثل له، وقد حكمت فيه الصحابةُ رضي الله عنهم بالقيمة، ويرجع في القيمة إلى عدلين، والعبرة في هذه القيمة: بموضع الإتلاف لا بمكة على المذهب، ويستثنى من إطلاقه وجوبَ القيمة فيما لا مثل

وَيَحْرُمُ قَطْعُ نَبَاتِ الْحَرَمِ الَّذِي لَا يُسْتَنْبَتُ، وَالأَظْهَرُ: تَعَلُّقُ الضَّمَانِ بِهِ وَبِقَطْعِ أَشْجَارِه، فَفِي الشَّجَرَةِ الْكَبِيرَةِ: بَقَرَةٌ، وَالصَّغِيرَةِ: شَاةٌ

له.. الحَمَامُ، وهو: كلّ ما عَبَّ وهَدَرَ؛ كالفواخت، فإنه يجب فيها شاة؛ لقضاء الصحابة بذلك.
(ويحرم قطع نبات الحرم الذي لا يستنبت) بالإجماع، وإذا حرم القطع.. حرم القلع بطريق الأولى، وأطلق النبات؛ ليعمّ الشجر وغيرَه، وأخرج به اليابس؛ فإنه يجوز قطعه؛ لأنه ليس نباتًا في الحرم، بل مغروزًا فيه، وأما قلعه: فإن كان شجرًا.. جاز؛ كما جزم به المصنف في "نكت التنبيه"، وإن كان حشيشًا.. لم يجز؛ لأنه ينبت بنزول الماء عليه.
ونبات الحرم: هو ما نبت فيه، وكذلك لو كان بعضُ أصله فيه؛ كما نقله في "زيادة الروضة" عن "البحر" 1. ولو قلع شجرة من الحلّ وأنبتها في الحرم.. لم يجب على قالعها شيء، ولو قلعها من الحرم وأنبتها في الحلّ.. وجب الجزاء على قالعها.
(والأظهر: تعلق الضمان به وبقطع أشجاره) لأنه يحرم إتلافُه؛ لحرمة الحرم، فيضمن؛ كالصيد، والثاني: لا؛ لأن الإحرام لا يوجب ضمانَه، فكذلك الحرم.
وقوله: (به) أي: النبات، وهو شامل للشجر؛ كما مرّ، فلا حاجة لقوله تبعًا لـ"المحرر": (وبقطع أشجاره) 2. (ففي الشجرة الكبيرة: بقرةٌ، والصغيرة: شاةٌ) لإجماع الصحابة رضي الله عنهم على أن في الدوحة: بقرة، وفي الصغيرة: شاة، والدوحة: هي الشجرة الكبيرة ذات الأغصان، والصغيرة: التي لا أغصان لها.
قال الإمام: وأقرب قول في ضبط الشجرة المضمونة بشاة.. أن تقع قريبةً من سُبع الكبيرة؛ فإن الشاة سُبع البقرة، فإن صغرت جدًّا.. فالواجب القيمة 3.

قُلْتُ: وَالْمُسْتَنْبَتُ كَغَيْرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيَحِلُّ الإِذْخِرُ، وَكَذَا الشَّوْكُ كَالْعَوْسَجِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَالأَصَحُّ: حِلُّ أَخْذِ نَبَاتِهِ لِعَلْفِ الْبَهَائِمِ.

ولا يشترط في البقرة أن تجزئ في الأضحية، بل يكفي التَّبِيع، بخلاف الشاة؛ فإنه يشترط إجزاؤها في الأضحية، قاله في "الاستقصاء"، قال الإسنوي: وكأن الفرق أن الشاة لم يوجبها الشرعُ إلا في هذا السنّ، بخلاف البقرة؛ بدليل التبيع في الثلاثين منها.
(قلت: والمستنبت كغيره) أي: كالذي لا يستنبت (على المذهب) لعموم قوله عليه السلام: "لَا يُعْضَدُ شَجَرُهُ" متفق عليه 1، والطريق الثاني: فيه قولان، وهو المشهور، والأصحُّ في "الروضة" و"شرح المهذب": ما ذكره 2، وكان ينبغي أن يقول: (كغيره من الشجر) لأن غير الشجر؛ كالحنطة، والشعير، والقُطْنية، والخُضْراوات.. يجوز قطعها وقلعها قطعًا؛ كما قاله في "شرح المهذب" 3، وفي معنى الزرع: ما يتغذى به؛ كالبقل، والرِّجْلة، ونحوهما، قاله المحب الطبري.
(ويحلّ الإِذْخِر) لاستثناء الشارع له، وهو بكسر الهمزة، والذال المعجمة: نبات معروف.
(وكذا الشوك؛ كالعَوْسَج وغيره عند الجمهور) لكونه من المؤذيات؛ فإنه ذو شوك، فأشبه ما يؤذي من الصيود، وقيل: يحرم، وصححه المصنف في "شرح مسلم"، واختاره في "تصحيح التنبيه"، و"تحريره" 4؛ لرواية: "وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا " متفق عليها 5، ولأن غالب شجرِ الحرمِ ذو شوك، والفرق بينه وبين الصيود المؤذية: أنها تَقصد الأذى، بخلاف الشجر.
(والأصح: حلّ أخذ نباته لِعَلْف البهائم) كما يجوز تسريحها فيه، والثاني:

وِللدَّوَاءِ، وَاللهُ أَعْلَمُ

المنع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وَلَا يُخْتَلَى خَلَاؤُهُ" 1 متفق عليه 2. قال الإمام: والقائل بالأول يقول: إنما يحرم الاختلاء، والاحتشاش للبيع وغيره من الأغراض.
انتهى 3، وظاهره: أنه يحرم للبيع قطعًا، لكن في "شرح التلخيص" للقفال: أنه يجوز قطعُ الفروع لسواك أو دواء، ويجوز بيعه حينئذ، وتعقبه في "الروضة" قبيل (باب الربا)، فقال: فيه نظر، وينبغي ألا يجوز؛ كالطعام الذي أبيح له أكلُه لا يجوز له بيعه، وحكمُ شجر النقيع بالنون الذي هو الحمَى.. حكمُ أشجار الحرم، فلا يجوز بيعه 4. والعلف هنا بسكون اللام؛ كما ضبطه المصنف بخطه، وهو: الإطعام، وبفتح اللام: ما تعتلفه البهائمُ.
(وللدواء، والله أعلم) لأن هذه الحاجة أعمُّ من الحاجة إلى الإِذْخر، والثاني: المنع؛ لأنه ليس في الخبر إلا استثناء الإِذْخر، قال الغزالي في "بسيطه" و"وسيطه": وقطع الحشيش للحاجة التي يُقطع لها الإِذْخر؛ كتسقيف البيوت ونحوه.. كقطعه للدواء 5، وجرى عليه في "الحاوي الصغير"، فجوز القطع للحاجة مطلقًا، ولم يخصّه بالدواء، قال الإسنوي: (وقلّ من تعرض لهذه المسألة) 6. والحرم له حدود معروفة، نظم بعضُهم مسافتها بالأميال في بيتين فقال: [من الطويل] وَلِلْحَرَمِ التَّحْدِيدُ مِنْ أَرْضِ طَيْبَةٍ... ثَلَاثةُ أَمْيَالٍ إِذَا رُمْتَ إِتْقَانَهْ وَسَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِرَاقٍ وَطَائِفٍ... وَجُدَّةَ عَشْرٌ ثُمَّ تِسْعٌ جِعِرَّانَةْ

جارٍ التحميل