وَإِنَّمَا يَصِحُّ الاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْجَامِعُ أَوْلَى. وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، وَهُوَ الْمُعْتَزَلُ الْمُهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ
(وإنما يصح الاعتكاف في المسجد) ولو على سطحه؛ لأنه عليه السلام وأصحابه حتى نساءه لم يعتكفوا إلا فيه؛ ولقوله تعالي: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
وجه الدلالة: أن ذكر (المساجد) لا جائزٌ أن يكون لأجل أنها شرطٌ في منع مباشرة المعتكف؛ لأن غير المعتكف ممنوع من المباشرة في المساجد، فلا فائدة لذكر الاعتكاف إلا ليكون المسجدُ شرطًا لصحته، وأيضًا المعتكف ممنوع من المباشرة في المساجد، وحالَ خروجه لقضاء الحاجة ونحوها؛ فتعين أن يكون ذكرها لاشتراط صحة الاعتكاف.
قال الحليمي في "منهاجه": وإنما اختص بالمسجد؛ لأن الإقامة فيه عونٌ على ما يراد من العبادة؛ إذ هو مبني لها 1، قال صاحب "الخصال": وليس شيء من العبادات يفتقر إلى المسجد إلا الطواف، والاعتكاف.
(والجامع أولى) لكثرة الجماعة، والاستغناءِ به عن الخروج للجمعة، وخروجًا من خلاف من اشترطه، ويتعين الجامع فيما إذا نذر اعتكافَ مدة متتابعة تتخللها جمعة، وهو من أهلها، ولم يشترط الخروج لها؛ لأن الخروج لها يقطع التتابع على الأصح.
ويستثنى من كون الجامع أولى: ما إذا كان قد عيَّن غيرَ الجامع؛ فالمعيَّن أولى إذا لم يحتج إلى الخروج إلى الجمعة.
(والجديد: أنه لا يصحّ اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وهو المُعتزَل المُهَيَّأ للصلاة) لأنه ليس بمسجد؛ بدليل جواز تغييره، ومكثِ الجنب فيه.
والقديم: الصحة؛ لأنه مكانُ صلاتها؛ كما أن المسجد مكانُ صلاة الرجل، لكن الفرق: أن الصلاة لا تختص بموضع، بخلاف الاعتكاف.
وَلَوْ عَيَّنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي نَذْرِهِ الاعْتِكَافَ.. تَعَيَّنَ، وَكَذَا مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَالأَقْصَى فِي الأَظْهَرِ، وَيَقُومُ الْمَسْجدُ الْحَرَامُ مَقَامَهُمَا وَلَا عَكْسَ، وَيَقُومُ مَسْجدُ الْمَدِينَةِ مَقَامَ الأَقْصَى وَلَا عَكْسَ
(ولو عيَّن المسجدَ الحرام في نذره الاعتكافَ.. تعين) لتعلق النسك به، وزيادة فضله؛ لتضاعف الصلاة فيه.
وفي المراد بـ (المسجد الحرام) خلاف؛ فقيل: إنه الكعبة والمسجد حولها، وجزم به في (باب استقبال القبلة) من "شرح المهذب"، وقيل: إنه الكعبة، وما في الحجر من البيت، وهو اختيار صاحب "البيان" 1، وقيل: جميع بقاع الحرم.
(وكذا مسجد المدينة والأقصى في الأظهر) لأنهما مسجدان تُشدُّ إليهما الرحال، فأشبها المسجدَ الحرام، والثاني: لا؛ لأنهما لا يتعلق بهما نسك، بخلافه، فأشبها بقيةَ المساجد، وأفهم أنه لو عيَّن مسجدًا غير الثلاثة.. لم يتعين، وفيه وجه.
نعم؛ المعيَّن أولى، ولو شرع فيه.. لم يجز له الانتقال إلى غيره، ونقل ابن يونس شارح "التعجيز" عن البغوي أنه الحق بمسجد المدينة جميع مساجد النبي صلى الله عليه وسلم، قال الأَذْرَعي: ولم أره في كتبه، وما أحقَّ مسجدَ قباء بالإلحاق؛ لما في فضله.
(ويقوم المسجد الحرام مقامهما) لأنه أفضل منهما (ولا عكس) لأنهما دونه في الفضل.
(ويقوم مسجد المدينة مقام الأقصى) لأنه أفضل منه، فإنه صحَّ أن الصلاة فيه بألف صلاة، رواه أحمد، وابن ماجه 2.
والصلاة في الأقصى بخمس مئة؛ كما رواه ابن عبد البر في "تمهيده"، وقال البزار: إسناده حسن 3، وروي أيضًا: أن الصلاة فيه بألف 4، (ولا عكس) لما سبق.
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الاعْتِكَافِ لُبْثُ قَدْرٍ يُسَمَّى عُكُوفًا، وَقِيلَ: يَكْفِي الْمُرُورُ بِلَا لُبْثٍ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مُكْثُ نَحْوِ يَوْمٍ. يَبْطُلُ بِالْجِمَاعِ، وَأَظْهَرُ الأَقْوَالِ: أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ بِشَهْوَةٍ - كَلَمْسٍ وَقُبْلَةٍ - تبطِلُهُ إِنْ أَنْزَلَ، وَإِلَّا.. فَلَا
(والأصح: أنه يشترط في الاعتكاف لُبْث قدرٍ يسمَّى عُكوفًا) لأن مادة لفظة (الاعتكاف) تقتضيه، وقد ذكر الرافعي ضابط ذلك عن الإمام ولم يخالفه، فقال: بأن يزيد على أقلّ ما يكفي في الطمأنينة، ولا يكفي قدرها، ولا يجب السكون، بل يكفي التردد 1.
وقوله: (والأصح) يرجع إلى جملتين: إحداهما: أصل اللبث، والثانية: قدره، ومقابل الأولى: قوله: (وقيل: يكفي المرور بلا لبث)، ومقابل الثانية: قوله: (وقيل: يشترط مكث نحو يوم).
(وقيل: يكفي المرور بلا لُبْث) كالوقوف بعرفة، (وقيل: يشترط مُكث نحوِ يومٍ) لأن ما دون ذلك معتادٌ في الحاجة التي تَعِنُّ في المسجد، فلا يصلح للقُرَب، وليل: لا بدّ من يوم.
(ويبطل بالجماع) إذا كان عامدًا مختارًا، عالمًا بالتحريم؛ لمنافاته، وهذا بالنسبة للمستقبل، أما الماضي.. فكذلك إن كان منذورًا متتابعًا، فيستأنفه، وإن لم يكن متتابعًا.. لم يبطل ما مضى، سواء كان منذورًا أم نفلًا.
(وأظهر الأقوال: أن المباشرة بشهوة - كلمس وقُبلة - تبطله إن أنزل، وإلا.. فلا) لما سبق في (الصوم)، والثاني: يبطل مطلقًا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ﴾، والثالث: لا مطلقًا؛ كالحج، وعلى كلّ قول هي حرامٌ؛ للآية.
وإيلاج الرجل في قبل خنثى كالمباشرة بشهوة بغير جماع، وكذا إيلاج الخنثى في قبل خنثى أو دبره، أو في امرأة أو رجل؛ كما ذكره في "شرح المهذب" في (باب الأحداث) 2.
وَلَوْ جَامَعَ نَاسِيًا.. فَكَجِمَاع الصَّائِمِ. وَلَا يَضُرُّ التَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُّنُ وَالْفِطْرُ، بَلْ يَصِحُّ اعْتِكَافُ اللَّيْلِ وَحْدَهُ. وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ هُوَ فِيهِ صَائِمٌ... لَزِمَهُ. وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتكفَ صَائِمًا أَوْ يَصُومَ مُعْتكفًا.. لَزِمَاهُ،
قال شيخنا: وهو مستثنى من إطلاقهم بطلان الاعتكاف بالجماع، ورُدَّ: بأن هذا ليس بجماع.
واحترز بـ (المباشرة): عمَّا إذا نظر أو تفكر فأنزل.. فإنه لا يبطل، وبـ (الشهوة): عمَّا إذا قبَّل بقصد الإكرام ونحوه، أو بلا قصد.. فإنه لا يبطل أيضًا.
(ولو جامع ناسيًا.. فكجماع الصائم) وقد مرَّ، ولو جامع جاهلًا بالتحريم.. فكنظيره من الصوم.
(ولا يضرّ التطيّب والتزيّن) بالاغتسال، وقصّ الشارب ونحوه، ولبسِ الثياب الحسنة؛ لأنه لم يُنقل أنه عليه السلام تركه، ولا أمر بتركه، والأصل: بقاؤه على الإباحة.
(والفطرُ، بل يصحّ اعتكافُ الليل وحده) لأن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله؛ إني نذرتُ في الجاهليةِ أن أعتكفَ ليلةً في المسجدِ الحرام، قال: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ" متفق عليه 1، وصحح الحاكم: "لَيْسَ عَلَى الْمُعْتكفِ صِيَامٌ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ"، وقال: إنه على شرط مسلم 2، ولأن الأصل: عدمُ اشتراطه، وفي قول قديم: إن الصوم شرطٌ في صحته، وحكاه القاضي عياض عن جمهور العلماء 3.
(ولو نذر اعتكافَ يومٍ هو فيه صائمٌ.. لزمه) اعتكاف اليوم في حال الصوم قطعًا، لأنه به أفضل؛ فإذا التزمه بالنذر.. لزمه؛ كالتتابع، وليس له إفرادُ أحدهما عن الآخر قطعًا، وسواء أكان الصوم عن رمضان أم غيره؛ لأنه لم يلتزم بهذا النذر صومًا، وإنما نذر الاعتكافَ بصفة، وقد وجدت.
(ولو نذر أن يعتكف صائمًا، أو يصوم معتكفًا.. لزماه) أي: الاعتكاف
وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ جَمْعِهِمَا. وَيُشْتَرَطُ نِيَّةُ الاعْتِكَافِ، وَيَنْوِي فِي النَّذْرِ الْفَرْضِيَّةَ، وَإِذَا أَطْلَقَ.. كَفَتْهُ نِيَّتُهُ وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ، لكِنْ لَوْ خَرَجَ وَعَادَ.. احْتَاجَ إِلَى الاسْتِئْنَافِ. وَلَوْ نَوَى مُدَّةً
والصوم؛ عملًا بالتزامه، فلا يكفيه أن يعتكف في رمضان ونحوه مما وجب صومُه قبل ذلك أو بعده.
(والأصح: وجوب جمعهما) لما سبق، والثاني: لا؛ لأنهما عبادتان مختلفتان، فأشبه ما إذا نذر أن يصلي صائمًا، أو يعتكف مصليًا.. فإنهما يلزمان، ولا يلزم الجمع، وفرق الأول: بأن الصوم والاعتكافَ متقاربان؛ لأن كلَّ واحد منهما كفّ وإمساكٌ، بخلاف الصلاة؛ فإنها أفعالٌ لا مناسبة بينها وبين الاعتكاف، والثالث: يجب الجمع في الأولى دون الثانية؛ لأن الاعتكاف لا يصلح وصفًا للصوم، والصومَ يصلح وصفًا للاعتكاف؛ لأنه مستحبٌّ فيه.
(ويشترط نية الاعتكاف) لأنه عبادة، وكان ينبغي أن يقول: (ولا بدّ من النية) كما عبَّرا به في "الشرحين" و"الروضة" 1؛ فإن النية ركنٌ لا شرط.
(وينوي في النذر الفرضيةَ) ليمتاز عن التطوع، ولو نوى كونه عن نذره.. أجزأه عن ذكر الفرض، قاله في "الذخائر".
(وإذا أطلق) أي: نوى الاعتكافَ، ولم يُعيّن مدة (.. كفته نيتُه وإن طال مُكثه) لشمول النية المطلقة لذلك، (لكن لو خرج وعاد.. احتاج إلى الاستئناف) أي: استئناف النية في حصول هذه العبادة، سواء أخرج لقضاء الحاجة أم لغيره؛ لأن ما مضى عبادةٌ تامة انتهت بالخروج، وهو يريد اعتكافًا جديدًا، قال في "التتمة": هذا إذا لم يَعْزِم عند الخروج على العود إذا قُضِيتْ حاجتهُ؛ فإن عزم على ذلك.. كانت هذه العزيمةُ قائمةً مقام النية، وصوَّبه في "شرح المهذب"، لكنّ الرافعي استشكله: بأن اقتران النية بأول العبادة شرطٌ، وجرى عليه في "الروضة" 2.
(ولو نوى مدَّة) لاعتكاف تطوع، أو منذور غير متتابع؛ كنذر أيام غير معيَّنة
فَخَرَجَ فِيهَا وَعَادَ: فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ.. لَزِمَهُ الاسْتِئْنَافُ، أَوْ لَهَا.. فَلَا، وَقِيلَ: إِنْ طَالَتْ مُدَّةُ خُرُوجِهِ.. اسْتَأْنَفَ، وَقِيلَ: لَا يَسْتَأنِفُ مُطْلَقًا. وَلَوْ نَذَرَ مُدَّةً مُتَتَابِعَةً، فَخَرَجَ لِعُذْرٍ لَا يَقْطَعُ التّتابُعَ.. لَمْ يَجِبِ اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ، وَقِيلَ: إِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْحَاجَةِ وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ.. وَجَبَ. وَشَرْطُ الْمُعْتكفِ: الإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالنَّقَاءُ عَنِ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ
(فخرج فيها وعاد؛ فإن خرج لغير قضاء الحاجة.. لزمه الاستئنافُ) لصحة الاعتكاف إن أراده بعد العود؛ لقطعه الأول بالخروج لغير قضاء الحاجة، وأما العود.. فلا يلزمه؛ لأن له قطعَ التطوع متى شاء، ولا قضاء عليه، (أولها.. فلا) لأنه لا بدّ منه؛ فهو كالمستثنى عند النية.
والمراد بـ (الحاجة) هو: البول والغائط.
(وقيل: إن طالت مدةُ خروجه.. استأنف) لتعذر البناء، وإن قصرت.. فلا؛ لإمكان البناء، (وقيل: لا يستأنف مطلقًا) لأن النية شملت جميعَ المدة بالتعيين.
(ولو نذر مدةً متتابعه، فخرج لعذر لا يقطع التتابعَ) كالأكل، وقضاءِ الحاجة، والخروجِ ناسيًا، ونحو ذلك (.. لم يجب استئنافُ النية) عند العود؛ لشمولها جميعَ المُدَّة، وتجب المبادرة إلى العود عند زوال العذر، فلو أخَّر عالمًا ذاكرًا مختارًا.. انقطع التتابعُ، وتعذَّر البناء.
(وقيل: إن خرج لغير الحاجة، وغُسل الجنابة.. وجب) استئناف النية؛ لخروجه عن العبادة بما عرض من الأعذار مما عنه بدّ، بخلاف الخروج للحاجة ونحوها مما لا بدَّ منه.
واحترز بقوله: (لا يقطع التتابع): عمَّا يقطعه؛ فمانه يجب استئنافُ النية قطعًا.
(وشرط المعتكف: الإسلام) لأن النية لا بدّ منها، ونية الكافر لا تصحّ، (والعقلُ) فلا يصحّ من مجنون، ومُبَرْسَم؛ لأنه ليس من أهل العبادة؛ كالصوم، وكذا لا يصحّ من سكران، ومغمى عليه ونحوهما؛ إذ لا نية لهم.
(والنَّقاءُ عن الحيض) والنفاس (والجنابةِ) لأن المكث في المسجد في هذه الحالة حرامٌ، ولا يجوز للعبد أن يعتكف بغير إذن سيده، ولا المرأة بغير إذن زوجها.
وَلَوِ ارْتَدَّ الْمُعْتكفُ أَوْ سَكِرَ.. بَطَلَ، وَالْمَذْهَبُ: بُطْلَانُ مَا مَضَى مِنِ اعْتِكَافِهِمَا الْمُتَتَابِعِ. وَلَوْ طَرَأَ جُنُونٌ أَوْ إِغْمَاءٌ.. لَمْ يَبْطُلْ مَا مَضَى إِنْ لَمْ يَخْرُجْ ويُحْسَبُ زَمَنُ الإِغْمَاءِ مِنَ الاعْتِكَافِ دُونَ الْجُنُونِ، أَوْ الْحَيْضُ.. وَجَبَ الْخُرُوجُ،
(ولو ارتدّ المعتكف أو سَكِر.. بَطَل) الاعتكاف في زمن الردة والسكر؛ لعدم أهليتهما والحالةُ هذه، (والمذهب: بطلان ما مضى من اعتكافهما المتتابعِ) حتى يحتاج إلى استئنافه؛ لأن ذلك أشدّ وأقبح من الخروج من المسجد، وقيل: لا يبطل في المسألتين حتى يبنيان، وقيل: يبني المرتد؛ لأنه لا يمنع من المسجد، ولهذا يجوز استتابته فيه، ولا يبني السكران؛ لأنه يمنع منه؛ للآية، وهذا هو المنصوص فيهما، وقيل: يبني السكران دون المرتد؛ لأن السُّكر كالنوم، والردة تنافي العبادة.
والمراد بـ (البطلان): عدم البناء عليه لا حبُوطُه بالكلية.
(ولو طرأ جنون أو إغماءٌ.. لم يبطل ما مضى إن لم يخرج) لأنه معذور بما عرض، كذا علله الرافعي 1.
وقضيته: أنه لو طرأ ذلك بسبب لا يعذر فيه.. انقطع، وبه صرَّح في "الكفاية" نقلًا عن البَنْدَنيجي، وقال: إنه يكون كالسكران 2.
وكان ينبغي ترك التقييد بعدم الخروج؛ لاستواء حكمهما، فإنه إذا خرج - إن لم يمكن حفظه في المسجد -.. لم يبطل أيضًا؛ كما لو حُمل العاقلُ مكرهًا، وإن أمكن بمشقة.. فكالمريض إذا خرج، والصحيح فيه أيضًا: أنه لا ينقطع تتابعه.
(ويُحسب زمنُ الإغماء من الاعتكاف) كما في الصائم إذا أغمي عليه النهار، (دون الجنون) لأن العبادةَ البدنيةَ لا تصحّ منه.
(أو الحيض) أي: ولو كان الطارئ هو الحيضَ، أو النفاس (.. وجب الخروج) لتحريم المكث عليهما، وفي حكمهما: كلّ ما لا يمكن معه المكثُ في المسجد؛ من النجاسات وغيرها.
وَكَذَا الْجَنَابَةُ إِنْ تَعَذَّرَ الْغُسْلُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ أَمْكَنَ.. جَازَ الْخُرُوجُ، وَلَا يَلْزَمُ، وَلَا يُحْسَبُ زَمَنُ الْحَيْضِ وَلَا الْجَنَابَةِ.
فَصْلٌ [في حكم الاعتكاف المنذور]
إِذَا نَذَرَ مُدَّةً مُتَتَابِعَةً.. لَزِمَهُ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ التّتابُعُ بِلَا شَرْطٍ،
(وكذا الجنابة) باحتلام ونحوه مما لا يبطل الاعتكاف (إن تعذَّر الغسل في المسجد) للضرورة إليه، (فإن أمكن.. جاز الخروج) ولا يُكلَّف الغسلَ في المسجد؛ فإن الخروج أقرب إلى المروءة، وصيانة للمسجد، (ولا يلزم) الخروج لأجل الغسل، بل له فعلُه في المسجد؛ كما اقتضاه كلام الشيخين، وصحح ابن الرفعة تبعًا للإمام تعيُّن الخروج 1.
قال السبكي: إن فرض في الاغتسال مكثٌ وإن قلَّ.. فيظهر ما قاله الإمام، وإن فرض بغير مكث؛ كما لو كان في المسجد نهرٌ يَخُوضه الجنب، وهو خارجٌ، فترتفع جنابته في مروره.. فيتجه في هذه الصورة ما قاله الشيخان.
(ولا يُحسَب زمنُ الحيض ولا الجنابة) من الاعتكاف إذا اتفق المكث معهما في المسجد لعذر أو غيره؛ لأنه حرام، وإنما يباح للضرورة، وهل يبطل بالحيض ما سبق، أو يجوز البناء عليه؟ فيه تفصيل ذكره آخر الباب.
(فصل: إذا نذر مدّة متتابعة.. لزمه) كما لو شرط التتابعَ في الصوم (والصحيح: أنه لا يجب التتابع بلا شرط) لأن الأسبوع، والعشرة أيام مثلًا صادق على المتتابع منها والمتفرق، فلا يجب أحدهما بخصوصه إلا بدليل، والثاني: يجب، كما لو حلف لا يُكلِّم فلانًا شهرًا؛ فإنه يكون متتابعًا.
وفرَّق الأول: بأن المقصود من اليمين هو الهِجران، ولا يتحقق بدون التتابع.
وقضية كلامه: أنه إذا لم يشترط التتابع.. لا يجب وإن نواه، وهو الأصحُّ عند
وَأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ يَوْمًا.. لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُ سَاعَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ مُدَّةً كَأُسْبُوعٍ وَتَعَرَّضَ لِلتَّتَابُعِ وَفَاتتهُ.. لَزِمَهُ التَّتَابُعُ فِي الْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ.. لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْقضَاءِ. وَإِذَا ذَكَرَ التَّتَابُعَ وَشَرَطَ الْخُرُوجَ لِعَارِضٍ.. صَحَّ الشَّرْطُ فِي الأَظْهَرِ،
الشيخين تبعًا للبغوي 1؛ كأصل النذر لا يلزم بالنية، وقطع الإمام والغزالي بالوجوب 2؛ لأن مطلق اللفظ يحتمله وهو كتنزيل النية مع الكتابة منزلة الصريح، وهذا ما صححه الروياني، ولم يورد صاحب "الذخائر" سواه، وصوَّبه في "المهمات" 3، واختاره السبكي.
(وأنه لو نذر يومًا.. لم يجز تفريقُ ساعاته) لأن المفهوم من لفظ اليوم إنما هو المتصل، قال الخليل: اليوم: اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس 4، والثاني: يجوز، تنزيلًا للساعات من اليوم منزلةَ الأيام من الشهر، وقيل: إن نوى اليوم متتابعًا.. لم يجزه، وإن أطلق.. أجزأه.
ومحل الخلاف: إذا غاير بين الساعات، أما لو أتى بساعة معينة من يوم ثم أتى بها بعينها من آخر إلى أن استكمل ساعات اليوم.. فإنَّهُ لا يجزئ جزمًا؛ كما قاله القاضي حسين في "تعليقه"، وكلام المصنف يقتضيه، فإنه في هذه الصورة لم يفرق ساعات وإنما كرر ساعة من اليوم.
(وأنه لو عينَّ مدةً؛ كأسبوع) معين، كهذا الأسبوع أو هذه السنة (وتعرض للتتابع، وفاتته.. لزمه التتابعُ في القضاء) لتصريحه به، والثاني: لا؛ لأن التتابع يقع ضرورةً، فلا أثر لتصريحه به.
(وإن لم يتعرضَّ له.. لم يلزمه في القضاء) قطعًا؛ لأن التتابع فيه لم يقع مقصودًا، بل من ضرورة تعين الوقت؛ فأشبه التتابعَ في صوم رمضان.
(وإذا ذكر) الناذر (التتابعَ، وشرط الخروج لعارض.. صحَّ الشرط في الأظهر)
وَالزَّمَانُ الْمَصْرُوفُ إِلَيْهِ لَا يَجِبُ تَدَارُكُهُ إِنْ عَيَّنَ المُدَّةَ كَهَذَا الشَّهْرِ، وَإِلَّا.. فَيَجِبُ. وَيَنْقَطِعُ التّتابُعُ بِالْخُرُوجِ بِلَا عُذْرٍ. وَلَا يَضُرُّ إِخْرَاجُ بَعْضِ الأَعْضَاءِ،
لأن الاعتكاف إنما لزمه بالتزامه، فيجب بحسب الالتزام؛ فإن عينَّ نوعًا أَو فردًا؛ كقوله: أَخرُج لعيادة المرضى، أو لعيادة زيد.. خرج له دون غيره، وإلا.. جاز لكل مهم ديني؛ كالجمعة، والعيادة، أو دنيوي مباح؛ كلقاء الأمير، والقاضي، واقتضاء الغريم، والثاني: لا يصحّ الشرط؛ لأنه مخالف لمقتضاه، فبطل؛ كما لو شرط الخروج للجماع.
وقوله: (لعارض) احترز به: عمَّا لو قال: إلا أن يبدو لي، فإن الشرط باطل على الأصح.
(والزمان المصروف إليه) أي: لذلك العارض (لا يجب تداركُه إن عيَّن المدة؛ كهذا الشهر) لأن المنذور من الشهر إنما هو اعتكاف ما عدا العارض، (وإلا) أي: وإن لم يعيّن مدة؛ كشهر أو عام (.. فيجب) تداركه؛ لتتم المدة الملتزمة، وتكون فائدة الشرط: تنزيل ذلك العارض منزلةَ قضاء الحاجة في أن التتابع لا ينقطع به.
(وينقطع التتابع بالخروج بلا عذر) وإن قلَّ زمنه؛ لمنافاته اللبث.
(ولا يضرّ إخراجُ بعض الأعضاء) لأنه لا يسمى خارجًا، وفي "الصحيحين" أنه صلى الله عليه وسلم كان يدني رأسه الشريفَ إلى عائشة فترجِّله 1 وهو معتكف في المسجد 2.
وقضية كلامه: أنه لو أخرج إحدى رجليه.. أنه لا يضرّ مطلقًا، وهو ما أطلقه الرافعي 3، وقال البغوي في "فتاويه": إنا نراعي التي اعتمد عليها؛ أي: جعل ثقلَه عليها بحيث لو زالت.. لسقط، قال الإسنوي: وهو الصواب، قال: وسكت عما لو اعتمد عليهما على السواء، وفيه نظر 4.
وَلَا الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَلَا يَجِبُ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ دَارِهِ، وَلَا يَضُرُّ بُعْدُهَا إِلَّا أَنْ يَفْحُشَ فَيَضُرُّ فِي الأَصَحِّ
(ولا الخروجُ لقضاء الحاجة) بالإجماع؛ لأنه ضروري، وإذا خرج لا يُكلَّف الإسراعَ، بل يمشي على سجيته.
وفي معنى قضاء الحاجة: الخروج لغسل الجنابة، وإزالة النجاسة؛ كرُعاف ونحوه، وإذا خرج لقضاء الحاجة.. فله أن يتوضأ بعد قضاء حاجته خارج المسجد تبعًا، مع أنه لا يجوز الخروج له منفردًا إن كان تجديدًا، وكذا عن حدث على الأصحِّ إذا أمكنه في المسجد.
(ولا يجب فعلُها في غير داره) وإن أمكن؛ بأن كان في المسجد سقاية، أو كان بجنب المسجد دار صديق له يمكنه دخولُها؛ لما فيه من المشقة، وسقوط المروءة، ويزداد بيت الصديق بالمنَّة.
(ولا يضرّ بُعدها) مراعاةً لما سبق من المشقة والمنَّة.
نعم؛ لو كان له داران يجوز الذهاب إلى كلّ منهما لو انفردت.. تعينَّت القربى منهما في الأصحِّ.
(إلا أن يَفحُش) البعد (فيضرُّ في الأصح) لأنه قد يحتاج في عوده أيضًا إلى البول، فيمضي يومه في الذهاب والإياب.
نعم؛ لو لم يجد في طريقه موضعًا، أو كان لا يليق بحاله أن يدخل غير داره.. فإنه لا يضرُّ فُحش البعد؛ كما في "الشرح" و"الروضة" 1.
والثاني: لا يضر هذا الفحش؛ لما مرَّ من مشقة الدخول لقضاء الحاجة في غير بيته.
وضابط الفحش - كما قاله البغوي -: أن يذهب أكثر الوقت في التردد إليها 2.
ولا يجوز الخروج لغسل الجمعة والعيد والنوم على الأصحِّ، ذكره الخوارزمي في "الكافي"، ويجوز الخروج للأكل، لا للماء على الأصحِّ فيهما.
وَلَوْ عَادَ مَرِيضًا فِي طَرِيقِهِ.. لَمْ يَضُرَّ مَا لَمْ يَطُلْ وُقُوفُهُ أَوْ يَعْدِلْ عَنْ طَرِيقِهِ. وَلَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِمَرَضٍ يُحْوِجُ إِلَى الْخُرُوجِ، وَلَا بِحَيْضٍ إِنْ طَالَتْ مُدَّةُ الاعْتِكَافِ، فَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ تَخْلُو عَنْهُ.. انْقَطَعَ فِي الأَظْهَرِ،
(ولو عاد مريضًا في طريقه.. لم يضُرَّ ما لم يَطل وقوفُه) بل اقتصر على السلام والسؤال، (أو يَعدلْ عن طريقه) لقول عائشة رضي الله عنها: (إني كنت لأدخل البيت للحاجة، والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارّة) رواه مسلم 1.
والمرجع في الطول وغيره إلى العرف، ولو وقف في الاستئذان على المريض، قال البغوي: بطل اعتكافه 2.
وحكم زيارة القادم في الطريق: حكمُ عيادة المريض، ولو صلّى في طريقه على جنازة، ولم ينتظرها، ولم يعدل إليها.. جاز.
(ولا ينقطع التتابعُ بمرض يُحوِج إلى الخروج) إذا خرج؛ لأن الحاجة داعية إليه؛ كالخروج لقضاء الحاجة، وفيه قول أنه ينقطع؛ لأن المرض ليس بضروري ولا غالبٍ، بخلاف قضاء الحاجة، وهذا القول ذكره في "المحرر" 3، وأهمله المصنف.
والمحوج إلى الخروج: هو الذي يخاف منه تلويث المسجد؛ كالإسهال، وإدرار البول، أو يشقّ معه المقام فيه؛ كالمحوج إلى الفراش، والخادم، وتردد الطبيب.
وأما الذي لا يحوج إلى الخروج؛ كالصُّداع، والحُمَّى الخفيفة.. فإنه ينقطع تتابعه بخروجه.
(ولا بحيض إن طالت مدة الاعتكاف) بأن كانت لا تخلو عن الحيض غالبًا، بل تبني على ما سبق إذا طهرت؛ لأنه بغير اختيارها، والنفاسُ كالحيض.
(فإن كانت بحيث تَخْلُو عنه.. انقطع في الأظهر) لإمكان الموالاة بشروعها عقب الطهر، والثاني: لا ينقطع؛ لأن جنس الحيض مما يتكرر في الجملة، فلا يؤثر في التتابع؛ كقضاء الحاجة.
وَلَا بِالْخُرُوجِ نَاسِيًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا بِخُرُوجِ الْمُؤَذِّنِ الْرَّاتِبِ إِلَى مَنَارَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنِ الْمَسْجِدِ لِلأَذَانِ فِي الأَصَحِّ
(ولا بالخروج ناسيًا على المذهب) كما لا يبطل الصوم بالأكل ناسيًا، وقيل: ينقطع؛ لأن اللبث مأمور به، والنسيان ليس بعذر في ترك المأمورات، ولأن مشاهدة مكان الاعتكاف مذكرة للاعتكاف؛ فيبعد معها النسيان بخلاف الصائم.
ومحل القطع بعدم الانقطاع: إذا تذكر عن قربٍ؛ فإن طال.. ففيه وجهان؛ كالوجهين في بطلان الصوم بالأكل الكثير ناسيًا، والجاهل والمكره بغير حَقّ كالناسي.
(ولا بخروج المؤذن الراتبِ إلى مَنارة) بفتح الميم (منفصلة عن المسجد للأذان) قريبة منه مبنية له (في الأصح) لأنها مبنية للمسجد معدودة من توابعه، وقد اعتاد الراتب صعودَها، وألف الناس صوته؛ فيعذر فيه، ويجعل زمن الأذان كالمستثنى من اعتكافه، والثاني: ينقطع مطلقًا؛ للاستغناء عنها بسطح المسجد فيؤذن عليه، وقيل: إن كان غيره من المؤذنين له صوت مثل صوته.. انقطع، وإلا.. فلا، حكاه في "الكفاية" 1.
واحترز المصنف بـ (المنارة): عمَّا لو دخل المؤذن المُعتكِف إلى حجرة مُهيَّأة للسكنى بقرب المسجد، وبابُها إلى المسجد.. فإنه يبطل اعتكافه قطعًا؛ كما صرح به الإمام، قال: وإنما قلنا ما قلناه في المنارة؛ لأنها مبنية لإقامة شعار المسجد 2.
وبـ (الراتب): عن غيره، فإنه ينقطع، وفيه وجه هو ظاهر نصّ "المختصر": أنه لا ينقطع 3، وأوله الجمهور على الراتب، أو على ما إذا كانت المنارة في الرَّحَبة.
وبـ (المنفصلة) عن منارة بابها في المسجد أو رَحَبته.. فلا يضرّ صعودها مطلقًا.
وَيجِبُ قَضَاءُ أَوْقَاتِ الْخُرُوجِ بِالأَعْذَارِ إِلَّا أَوْقَاتَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ.
(ويجب قضاءُ أوقات الخروج بالأعذار) المارة؛ لأنه غير معتكف فيها (إلا أوقاتَ قضاء الحاجة) لأن حكم الاعتكاف منسحب عليها، ولهذا لو جامع في ذلك الزمن من غير مكث بأن كان في هودج أو في وقفة لطيفة؛ بأن أولج ثم نزع.. بطل اعتكافه في الأصحِّ، وأيضًا زمن الخروج لقضاء الحاجة مستثنىً لا بدَّ منه.
وما ذكره من قضاء جميع ما عدا أوقات قضاء الحاجة ذكره الرافعي في كتبه، فتابعه المصنف، قال الإسنوي: ولم أعلم أحدًا قال بذلك بعد الفحص عنه، بل يستثنى أيضًا: خروج المؤذن للأذان، والجنبِ للاغتسال، والمحدثِ للوضوء حيث جوَّزناه ونحو ذلك، بخلاف الحيض، وا لنفاس، والعدة، والمرض، والجهاد، وانهدام المسجد إلى بنائه، وغير ذلك مما يطول زمنه.
انتهى 1.
﴿كتاب الحج﴾
(كتاب الحج)
هو لغة: القصد؛ كما قاله الجوهري 1، وقال الخليل: كثرة القصد إلى من يُعَظَّم 2، وشرعًا: قصد الكعبة للنسك الآتي بيانُه.
والأصل فيه: الكتاب، والسنة، والإجماع.
قال القاضي الحسين: والحج من الشرائع القديمة؛ روي أن آدم عليه السلام لما حجَّ.. قال له جبريل: إن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة 3.
وفي "شرح التعجيز" لمؤلفه: أن أول من حجَّ آدمُ عليه السلام 4، وأنه حجَّ أربعين سنة من الهند ماشيًا 5، وقيل: ما من نبي إلَّا حجَّه 6، وقال أبو إسحاق: لم يبعث الله نبيًّا بعد إبراهيم إلا وقد حجَّ البيتَ 7.
وحكى بعضُ مَنْ ألف في المناسك وجهين في أنه هل كان واجبا على الشرائع قبلنا؟ وادَّعى أن الصحيح: أنه لم يجب إلا على هذه الأمة، واستغرب.
هُوَ فَرْضٌ، وَكَذَا الْعُمْرَةُ فِي الأَظْهَرِ
والأحاديث في فضل الحج، وعِظم شأنه، وتمحيصه الذنوبَ.. أكثرُ من أن تُحصر 1.
قال القاضي الحسين هنا: وهو أفضل العبادات؛ لأنه يشتمل على المال والبدن 2.
(هو فرض) أي: مفروض بالإجماع، وفُرِضَ سنة خمس، كما جزم به الرافعي في الكلام على أن الحج على التراخي 3، وقيل: سنة ست، وصححه الشيخان في (كتاب السير) 4، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع، وقيل: قبل الهجرة.
(وكذا العمرة في الأظهر) لما رواه أصحاب "السنن الأربعة" عن أبي رَزين
وَشَرْطُ صِحَّتِهِ: الإِسْلَامُ، فَلِلْوَليِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، وَالْمَجْنُونِ،
العُقَيلي أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظَّعن، قال: "حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ" صححه الترمذي وابن حبان والحاكم 1.
قال الإمام أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجودَ منه، ولا أصحّ.
والثاني: أنها سنة؛ لحديث جابر رضي الله عنه: أنه عليه السلام سئل عن العمرة أواجبة أم لا؟ قال: "لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ فَهُوَ أَفْضَلُ" رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح 2.
قال المصنف: ولا تغترَّ بكلام الترمذي في هذا، فقد اتفق الحفاظ على ضعفه، قال: والمحفوظ كما قاله البيهقي: وقفه على جابر 3.
(وشرطُ صحته) أي: صحة ما ذكر من الحج والعمرة (الإسلام) فلا يصحّ من الكافر، ولا للكافر أصليًّا كان، أو مرتدًا؛ لعدم أهليته للعبادة.
(فللولي) أي: ولي المال (أن يحرم عن الصبي الذي لا يميز) لما رواه مسلم عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي رَكْبًا بالروحاء، فرفعت امرأةٌ إليه صبيًّا، وقالت: يا رسول الله؛ هل لهذا حجّ؟ قال: "نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ"، وفي "سنن أبي داود": (فأخذت بعَضُده، وأخرجته من محِفَّتها) 4، ومعلوم أن من يؤخذ بعَضُده، ويخرج من المِحفَّة يكون صغيرًا جدًّا.
(والمجنون) قياسًا على الصبي.
وأفهم: أنه لا يجوز لغير الولي الإحرام عنه؛ كالأم والأخ ونحوهما، وهو الصحيح، وأجابوا عما يوهمه الحديث المذكورُ من جواز إحرام الأم عنه: باحتمال أنها كانت وصية.
وَإِنَّمَا تَصِحُّ مُبَاشَرَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِ الْمُمَيِّزِ. وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الإِسْلَامِ بِالْمُبَاشَرَةِ إِذَا بَاشَرَهُ الْمُكَلَّفُ الْحُرُّ، فَيُجْزِئُ حَجُّ الْفَقِيرِ دُونَ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ
نعم؛ لو أذن الولي لمن يحرم عنه.. جاز على الأصحِّ في "زيادة الروضة".
ولا يشترط كونُ الولي حلالًا، ولا أن يكون حجّ عن نفسه، ولا حضور الصبي، ومواجهته بالإحرام على الأصحِّ.
قال في "شرح المهذب": وكيفية الإحرام عن الصبي؛ كما قاله الأصحاب: أن ينوي جعله محرمًا" 1، وحيث صار الصبي محرمًا فما أمكن صدوره منه لا يكفي فيه فعلُ الولي، بل لا بدّ من استصحابه معه، فيطوف به، ويسعى، ويأتي بالرَّمَل على الجديد، ويُحضره المواقفَ كلَّها.
والتقييد بـ (غير المميز) يفهم: أنه لا يجوز له الإحرام عن المميز، وهو ما نقل تصحيحَه في "شرح مسلم" عن الأصحاب 2، وقال الأَذْرَعي: إنه الصحيح الذي اقتضى كلام الجمهور، ونص الشافعي الجزم به، لكنّ الأصح في "أصل الروضة": أنه يصحّ إحرامه عنه 3.
وتقييد المصنف بـ (الصبي)، و (المجنون) يُفهم: أنه لا يصحّ الإحرام عن المغمى عليه، وهو كذلك.
(وإنما تصح مباشرتُه من المسلم المُميِّز) كسائر العبادات البدنية، ويشترط: إذن الولي للصبي، فإن لم يأذن له واستقلّ بالإحرام.. لم يصحّ على الأصحِّ؛ لأنه يفتقر إلى المال، وهو محجور عليه فيه.
(وإنما يقع عن حَجَّة الإسلام) وعمرته (بالمباشرة إذا باشره المكلَّفُ الحرُّ، فيجزئ حجُّ الفقير) كما لو تكلَّف المريض حضورَ الجمعة، أو الغني خطرَ الطريق، وحج.
والمراد: المكلف من حيثُ الجملةُ لا المكلف بالحج، (دون الصبي والعبد) بالإجماع.
وَشَرْطُ وُجُوبِهِ: الإِسْلَامُ وَالتَّكْلِيفُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالاسْتِطَاعَةُ، وَهِيَ نَوْعَانِ: - أَحَدُهُمَا: اسْتِطَاعَةُ مُبَاشَرَةٍ، وَلَهَا شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: وُجُودُ الزَّادِ وَأَوْعِيَتِهِ، وَمُؤْنَةِ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِبَلَدِهِ أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ.. لَمْ تشتَرَطْ نَفَقَةُ الإِيَابِ،
نعم؛ لو بلغ، أو عَتَقَ قبل الوقوف بعرفة، أو قبل فراقها في وقت الوقوف.. أجزأهما عن حجة الإسلام؛ لإدراكهما معظمَ العبادة، كمن أدرك الركوع.
نعم؛ لو كان سعى عقب طواف القدوم.. لزمه إعادتُه على الأصحِّ؛ لوقوعه في حال النقصان، وإن كَمَلَا بعد الوقوف وعادا إليه في وقته.. أجزأهما، وإلا.. فلا على الأصحِّ.
ووقوع العتق والبلوغ في أثناء العمرة على هذا التفصيل أيضًا، والطواف فيها كالوقوف في الحجِّ.
(وشرط وجوبه: الإسلامُ، والتكليف، والحرية، والاستطاعة) بالإجماع.
نعم؛ المرتد يجب عليه وإن كان كافرًا؛ لالتزامه إياه بالإسلام، وفائدة الوجوب عليه: أنه لو استطاع في ردته وتمكن، ثم تلف المالُ في الردة، أو بعد الإسلام وقبل التمكن، ثم استفاد مالًا آخر ومات قبل التمكن.. فإنه يُقضى عنه من تركته.
وإذا اجتمعت هذه الشروط.. وجب مرة على التراخي؛ خلافا للأئمة الثلاثة.
(وهي نوعان: أحدهما: استطاعةُ مباشرةٍ، ولها شروط: أحدها: وجود الزَّاد وأوعيتِه) حتى السُّفْرة؛ كما قاله القاضي الحسين، (ومؤنةِ ذهابه وإيابه) لما روي: أنه صلى الله عليه وسلم لمَّا سئل عن (السبيل) المذكور في الآية، قال: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ"، قال في "شرح المهذب": لكنه حديث ضعيف وإن حسَّنه الترمذي وصححه الحاكم 1.
(وقيل: إن لم يكن له ببلده أهلٌ وعشيرة.. لم تشترط نفقةُ الإياب) لأن البلاد كلَّها بالنسبة إليه سواء، والصحيح: الأول؛ لما في الغربة من الوحشة.
فَلَوْ كَانَ يَكْسِبُ مَا يَفِي بِزَادِهِ وَسَفَرُهُ طَوِيلٌ.. لَمْ يُكَلَّفِ الْحَجَّ، وَإِنْ قَصُرَ وَهُوَ يَكْسِبُ فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامٍ.. كُلِّفَ
والأهل: كلّ من تلزمه نفقتُه؛ كالزوجة، والقريبِ، والعشيرةُ: الأقارب من قبل الأب أو الأم.
ولو قال المصنف: (أهل أو عشيرة) كما في "الروضة" 1.. لكان أولى؛ لأن وجود أحدهما كافٍ في الجزم باشتراط نفقة الإياب؛ خلافًا لما تقتضيه عبارة "الكتاب"، و"أصله" 2.
ولو قال: (لم تشُترط مؤنةُ الإياب).. لكان أحسن؛ ليتناول الراحلة ونحوَها.
(فلو كان يكسب ما يفي بزاده) وغيره من المؤن (وسفرُه طويل.. لم يكلَّف الحجّ) لأنه قد ينقطع عن الكسب لعارض، وبتقدير ألَّا ينقطع.. فالجمعُ بين تعب السفر والكسب مشقةٌ عظيمة.
(وإن قصُر) بأن كان على دون مرحلتين من مكة (وهو يكسب في يوم كفاية أيام.. كُلِّف) لانتفاء المشقة.
قال المنكت: (ولم أرَ من ضبطها، ويتبادر إلى الفهم: أن أقلَّها ثلاثة، واستنبط الإسنوي من تعليل الرافعي - عدم اللزوم فيما إذا كان يكسب كلَّ يوم ما يكفي ذلك اليومَ خاصة.. بأنه ينقطع عن كسبه في أيام الحجّ، فيتضرر - أنها ستة، وهي أيام الحجّ من الثامن إلى آخر الثالث عشر) 3.
ولو كان يقدر أن يَكْسِب في الحضر ما يُقدَّر أن يكفيه لذلك وللحج.. فهل يجب عليه الاكتسابُ؟ قال الإسنوي: لم يُصرِّحوا به، غير أنَّا نقول: إن كان على دون مسافة القصر.. وجب؛ لأنهم إذا أوجبوا عليه مع وقوعه في السفر.. ففي الحضر أولى، وإن كان طويلًا.. فيتجه أيضًا الوجوب؛ لانتفاء المحذورات السابقة.
انتهى، وفيه نظر.
الثَّانِي: وُجُودُ الرَّاحِلَةِ لِمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ، فَإِنْ لَحِقَهُ بِالرَّاحِلَةِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ.. اشْتُرِطَ وُجُودُ مَحْمِلٍ، وَاشْتُرِطَ شَرِيكٌ يَجْلِسُ فِي الشِّقِّ الآخَرِ
(الثاني: وجودُ الراحلة) ببيع أو استئجار (لمن بينه وبين مكة مرحلتان) للحديث المار 1، وسواء قدر على المشي أم لا.
ومراد الفقهاء بـ (الراحلة): كلّ ما يركب من الإبل، ذكرًا كان أو أنثى، قال المحب الطبري: وفي معنى (الراحلة): كلّ حَمُولة اعتيد الحملُ عليها في طريقه؛ من بِرْذَوْن، أو بغل، أو حمار.
(فإن لحقه بالراحلة مشقةٌ شديدة.. اشترط وجودُ محمِل) دفعًا للضرر، وضابط هذه المشقة؛ كما نقله في "الكفاية" عن الجويني: أن يلحقه من المشقة بين المَحِمل والراحلة ما يلحقه بين المشي والركوب 2.
ولو شقّ عليه ركوب المَحمِل.. اعتبر في حقه الكَنِيسة؛ كما نقلاه عن "الشامل"، وأقرّاه 3.
والمَحمِل: هو الخشبة التي يركب فيها، والكنيسة: أعوادٌ مرتفعة في جوانب المَحمِل يكون عليها ستر دافع للحرّ والبرد.
ومحلّ التقييد: في الرجل، أما المرأة.. فيشترط المَحمِل في حقها مطلقًا؛ لأنه أسترُ لها؛ كذا نقلاه في "الشرح"، و"الروضة"، و"شرح المهذب" عن المَحاملي وغيره من العراقيين، وأقرَّاه 4.
(واشتُرط شريك يَجلس في الشقّ الآخر) وإن قدر على المَحمِل بتمامه، وعلّله في "الوسيط" بأن بذل الزيادة خسرانٌ لا مقابل له 5، قال في "المهمات": (ومقتضى هذا التعليل: أن ما يحتاج إليه في سفره؛ من الزاد وغيره يقوم مقام الشريك، وكذا
وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى الْمَشْيِ.. يَلْزَمُهُ الْحَجُّ، فَإِنْ ضَعُفَ.. فَكَالْبَعِيدِ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلَيْنِ عَنْ دَيْنِهِ، وَمُؤْنَةِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنِهِ وَعَبْدٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِخِدْمَتِهِ،
الأمتعة المُستأجِرُ على حملها، وكلام كثير من المختصرات يقتضي تعيِّنَ الشريك، وليس توجيهه ببعيد) 1.
(ومن بينه وبينها دون مرحلتين، وهو قوي على المشي.. يلزمه الحجّ، فإن ضعف.. فكالبعيد) للمشقة على الضعيف دون القوي.
وخرج بـ (المشي): الحَبْوُ؛ فإنه لا يلزمه وإن أمكن على الأصحِّ.
(ويشترط: كون الزاد والراحلة) اللائقين (فاضلين عن دينه) حالًّا كان أو مؤجلًا، أما الحالّ.. فلأن وجوبه ناجز، والحجَّ متراخ، ولو رضي صاحب الحقّ بالتأخير.. لم يجب أيضًا؛ لأن المنية قد تخترمه، فتبقى ذمته مرتهنة، وأما المؤجل.. فلأنه قد يحلّ بالموت، أو بانقضاء الأجل، ولا يجد ما يقضي به الدين لو صَرف ما معه إلى الحج.
وشمل إطلاقه دين الله؛ كالنذر، والكفارة، ودين الآدمي، ويؤخذ من اشتراط كونهما فاضلين عن دينه: اشتراطُ كونهما فاضلين عن دَسْت ثوب يليق به؛ إذ ذلك مقدم على الدين.
(ومؤنة من عليه نفقتهم مدّةَ ذهابه وإيابه) لئلا يضيَّعوا.
(والأصح: اشتراط كونه فاضلًا عن مسكنه، وعبدٍ يَحتاج إليه لخدمته) لزمانته، ومنصبه؛، كما يبقيان في الكفارة، وعلى هذا: لو كان معه نقا يريد صرفه إليهما.. مُكِّن منه، والثاني: لا يشترط، بل يباعان، ونصَّ عليه في "الأم" 2؛ لأن الاستطاعة مفسرة في الخبر بالزاد والراحلة، وهذا واجد لهما.
والفرق بين الحج والكفارة: أن العتق في الكفارة له بدلٌ معدول إليه، بخلاف الحجّ.
وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ صَرْفُ مَالِ تِجَارَتهِ إِلَيْهِمَا. الثَّالِثُ: أَمْنُ الطَّرِيقِ،
ومحلّ الخلاف: إذا كانت الدار مستغرقة لحاجته، وكانت سكنى مثله، والعبد يليق به، فأما إذا أمكن بيع بعض الدار، ووَفَى ثمنُه بمؤنة الحج، أو كانا نفيسين لا يليقان بمثله، ولو أبدلهما.. لوَفَى التفاوتُ بمؤنة الحج.. فإنه يلزمه ذلك.
وقضية إطلاق المصنف وغيره: أنه لا فرق في اعتبار المسكن، والخادم بين المرأة المكفية بإسكان الزوج وإخدامه، وبين غيرها.
وسببه: أن الزوجيّة قد تنقطع فتحتاج إليهما، وكذلك المسكن للمُتفقِّهة الذين يسكنون بيوتَ المدارس، والصوفيةِ المعتادين الرُّبُطَ والخوانق، وفيه نظر؛ لأنه غير محتاج إليهما الآن، وتتوقع الحاجة في المستقبل، فأشبه رأسَ مال التجارة، ويمكن أن يقال هذا أيضًا في المزوجة.
واقتصاره على هذه الشروط يوهم أن الحاجة إلى النكاح، وحاجةَ الفقيه إلى كتبه لا يمنعان الوجوبَ، وهو في التزويج كذلك على الأصحِّ في "الروضة"، وأما الكتب.. فلا، بل الصواب كما قاله في "شرح المهذب": أنها تبُقَّى له، إلا أن يكون له من كلّ كتاب نسختان 1، وذكر ابن الأستاذ في "شرح الوسيط" أن خَيْلَ الجندي وسلاحَه ككتب الفقيه.
(وأنه يلزمه صرفُ مال تجارته إليهما) أي: للزاد والراحلة؛ كما يلزمه صرفه في دَينه، ويخالف المسكن والخادم، فإنه يحتاج إليهما في الحال، وما نحن فيه يتخذ ذخيرةً للمستقبل، والثاني: لا؛ لئلا يلتحق بالمساكين، ويجري الخلاف في الأملاك التي ينفق من رَيْعها.
وقضية إطلاقه: أنه لا فرق بين أن يكون له كسبٌ أم لا، قال الإسنوي: وفيه بعد.
(الثالث: أمنُ الطريق) في كلّ مكان بحسب ما يليق به؛ لأن خوفه ينفي استطاعة السبيل، والمراد بالأمن: الأمن العام، فلو كان الخوف في حَقّه وحده.. قضى من
فَلَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ سَبُعًا أَوْ عَدُوًّا أَوْ رَصَدِيًّا وَلَا طَرِيقَ سِوَاهُ.. لَمْ يَجِبِ الْحَجُّ. وَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ رُكُوبِ الْبَحْرِ إِنْ غَلَبَتِ السَّلَامَةُ،
تركته؛ كما نقله البُلْقيني عن النصّ، وجزم في "الكفاية" بأنه إذا كان الخوف في حقّ الواحد، والنفر القليل.. لم يمنع الوجوب 1، ولا بدّ من اشتراط رُفْقة تخرج معه وقت العادة إن احتاج إليها.
(فلو خاف على نفسه، أو ماله) وإن قلَّ (سَبُعًا، أو عدوًّا، أو رَصَديًّا) وهو الذي يَرقُب الناس في الطريق؛ لأخذ شيء منهم، مسلما كان أو كافرًا، (ولا طريق سواه.. لم يجب الحج) لحصول الضرر.
ومحل ما ذكره في الرصدي: إذا كان الحاجّ هو الباذل؛ فإن بذل الإمام، أو نائبه.. وجب الحجّ؛ كذا نقله المحبُّ الطبري في "شرح التنبيه" عن "التجربة النظامية"، وقضيته: أن الأجنبي ليس كذلك، قال في "المهمات": وهو القياس؛ لما فيه من المنَّة 2.
(والأظهر: وجوب ركوب البحر إن غلبت السلامةُ) كما يجب السير في البرّ حينئذ؛ فإن غلب الهلاك.. حرم الركوب قطعًا، وإن استوى الأمران.. لم يجب، ويحرم على الصحيح في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب" 3، والثاني: لا يجب مطلقًا؛ لما فيه من الخوف والخطر، والثالث: يجب مطلقًا؛ لإطلاق الأدلة هذا كلّه إذا لم يكن في البرّ طريق، فإن كان.. لزمه الحج قطعًا.
نعم؛ لو امتنع سلوك البرّ لعارض، كجدبٍ، وعَطشٍ.. فجزم الجُوْريُّ بأنه لا يجب ركوب البحر، بل ينتظر زوالَ العارض، قالا: وليست الأنهار العظيمةُ؛ كجَيْحون في حكم البحر على الصحيح؛ لأن المقام فيها لا يطول، والخطر فيها لا يعظم، كذا أطلقاه 4.
وَأَنَّهُ تَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْبَذْرَقَةِ. وَيُشْتَرَطُ: وُجُودُ الْمَاءِ وَالزَّادِ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُعْتَادِ حَمْلُهُ مِنْهَا بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَهُوَ الْقَدْرُ اللَّائِقُ بِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَعَلَفِ الدَّابَّةِ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ
وقال الأَذْرَعي: كان التصوير فيما إذا كان يقطعها عرضًا، أما لو كان السيرُ فيهما طولًا.. فهي في كثير من الأوقات كالبحر وأخطر، ولو كان البحر مغرقًا أو كان قد اغتَلَم وهاج.. حرم ركوبه لكلّ سفر.
(وأنه تلزمه أجرة البَذْرَقة) لأنها أُهْبَة من أُهَب الطريق مأخوذة بحقّ، فكانت كأجرة الدليل إذا لم يعرفوا الطريقَ إلا به.
والبَذْرَقة: بذال معجمة ومهملة: الخُفارة: لفظةٌ عجميَّة معرَّبة، والمراد: أنه إذا وجد من يأخذ أجرة المثل ويُخفره؛ بحيث يأمن معه في غالب الظنّ.. وجب استئجاره على الأصحِّ، والثاني: لا يجب؛ لأنه خُسران لدفع الظلم، فأشبه التسليم إلى الظالم، وما رجحه تبع فيه "المحرر"، وقالا في "الشرح" و"الروضة": إنه أظهر عند الإمام، لكن حكى في "الكفاية" الثاني عن النص، قال: وبه قال سائر العراقيين، والقاضي الحسين، وقال في "المهمات": إن به الفتوى 1.
وقضية كلام الكتاب: أن الخلاف قولان، وليس كذلك، بل هو وجهان؛ كما في "الشرحين"، و"الروضة"، و"شرح المهذب" 2.
(ويشترط: وجود الماء والزاد في المواضع المعتادِ حملُه منها بثمن المثل، وهو القدر اللائق به في ذلك الزمان والمكان) حتى لو كان عام جَدْب، وخلا بعض المنازل عن أهلها، أو انقطعت المياه.. لم يلزمه الحجّ؛ لعظم المؤنة في حمله، وكذا لو وجدهما بأكثر من ثمن المثل؛ لما فيه من الإجحاف.
(وعلفِ الدابة في كلّ مرحلةٍ) لأن المؤنة تعظم في حمله أيضًا، قال في "شرح
وَفِي الْمَرْأَةِ: أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا زَوْجٌ، أَوْ مَحْرَمٌ أَوْ نِسْوَةٌ وثِقَاتٌ،
المهذب": وينبغي اعتبار العادة، كالماء 1، قال الأَذْرَعي وغيره: وهو متعين، وإلا.. لمَا لزم آفاقيًّا الحجُّ أصلًا.
(وفي المرأة: أن يخرج معها زوج، أو محرم) بنسب أو غيره (أو نسوةٌ ثقات) لأن سفرها وحدها حرام وإن كانت في قافلة؛ كما صرحا به الأحاديث الصحيحة؛ لخوف استمالتها وخديعتها، وفي الصحيح: اعتبار الزوج أو المَحرم 2، وأما النسوة الثقات.. فلأنهن إذا كثرن انقطعت الأطماعُ عنهنّ، بخلاف غير الثقات.
وظاهر كلامه: اشتراط ثلاث نسوة غيرها، قال الإسنوي: (وهو بعيد لا معنى له، بل المتجه: الاكتفاء باجتماع أقل الجمع، وهو ثلاث، وأيُّ معنى لاشتراط الأربعة بخصوصها، وأيُّ دليل يدل عليه؟ ! ) 3 وقال الأَذْرَعي: قضية كلام الأكثرين: الاكتفاءُ بالمرأتين؛ لأنهن يصرن ثلاثًا، واعتبار النسوة شرط للوجوب، أما الجواز.. فيجوز لها الخروج لأداء الحجّ مع المرأة الثقة على الصحيح في شرحي "المهذب" و"مسلم" 4، وعبارة "شرح مسلم": (فلو وجدت امرأة واحدة ثقة.. لم يلزمها، لكن يجوز لها الخروج معها، هذا هو الصحيح).
انتهى 5.
وهذا كلّه في حجّ الفرض؛ أما النفل.. فليس لها الخروج له، ولا لغيره من الأسفار مع النساء الخلَّص على الأصحِّ المنصوص.
قال الإسنوي: ولا شكّ أن لها الهجرة من بلاد الكفر وحدها، ولا يشترط في سفر المرأة مع المرأة ملازمتها إياها، بل لو مشت قدام القافلة أو بعدها بعيدةً.. فإنه يكفي؛ كما نقله في "شرح المهذب" عن الشيخ أبي حامد وأقره 6.
وأورد على المصنف عبد المرأة، فإنه يكفي في الوجوب خروجه معها، كما صرح
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ مَحْرَمٍ لإِحْدَاهُنَّ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهَا أُجْرَةُ الْمَحْرَمِ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بِهَا. الرَّابِعُ: أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ
به المرعشي في "ترتيب الأقسام"، وابن أبي الصيف في "نكته"، مع كونه ليس محرمًا لها بدليل انتقاض الوضوء بمسه، لكنه كالمحرم في النظر إليها، والخلوة بها.
وتقييده النسوة بالثقات قد يقتضي اشتراطَ بلوغهن؛ لأن الصبي ليس بثقة؛ كما صرحوا به في مواضع، وهل ذلك شرط أيضًا في المحرم والزوج أم يجري فيه الخلاف في الاكتفاء بالمميز في مساكنة المعتدة؟ قال الإسنوي: فيه نظر، ويشترط في الخنثى المشكل: وجود محرم من الرجال أو النساء، لا الأجنبيات 1.
(والأصح: أنه لا يشترط وجودُ محرم لإحداهن) لما تقدم من انقطاع الأطماع عنهن عند كثرتهن، والثاني: يشترط؛ لأنه قد ينوبهن أمر فيستعنَّ به، والزوج على هذا كالمحرم؛ كما صرح به في "شرح المهذب" 2.
(وأنه يلزمها أجرةُ المحرم إذا لم يخرج إلا بها) إذا كانت أجرةَ المثل؛ كأجرة البَذْرَقة، وأولى باللزوم؛ لأن الداعي إلى التزام هذه المؤنة معنىً فيها فأشبه مؤنةَ المَحْمِل المحتاج إليه، والثاني: المنع، وأجرة الزوج كالمحرم؛ كما صرَّح به في "الحاوي الصغير" 3، وفي أجرة النسوة نظرٌ للإسنوي 4، فلو امتنع المحرم من الخروج بالأجرة.. لم يُجبَر جزمًا، وكذا الزوج.
نعم؛ لو كان قد أفسد حجّها ووجب عليه الإحجاج بها.. لزمه ذلك بلا أجرة 5، قاله الأذرعي، وكذا لو كان عبدُها محرمًا لها.. فلها إجبارُه قطعًا.
(الرابع: أن يثبت على الراحلة) أو المَحْمِل ونحوه (بلا مشقة شديدة) فإن لم يثبت أصلًا، أو كان يثبت، ولكن بمشقة شديدة؛ لكبر أو مرض.. فقد انتفت استطاعة المباشرة.
وَعَلَى الأَعْمَى الْحَجُّ إِنْ وَجَدَ قَائِدًا، وَهُوَ كَالْمَحْرَمِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ. وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ كَغَيْرِهِ، لكِنْ لَا يُدْفَعُ الْمَالُ إِلَيْهِ، بَلْ يَخْرُجُ مَعَهُ الْوَلِيُّ أَوْ يَنْصِبُ شَخْصًا لَهُ. - النَّوْعُ الثَّانِي: اسْتِطَاعَةُ تَحْصِيلِهِ بِغيْرِهِ، فَمَنْ مَاتَ وَفِي ذِمَّتِهِ حَجٌّ.. وَجَبَ الإِحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ
(وعلى الأعمى الحجُّ إن وجد قائدًا) مع ما سبق؛ لاستطاعته حينئذ (وهو) أي: القائد (كالمَحرم في حقِّ المرأة) فيأتي فيه ما سبق، ويشترط في مقطوع اليدين والرجلين مع ما سبق: وجودُ مُعِين له.
(والمحجور عليه بسفه كغيره) في وجوب الحجّ؛ لأنه مكلّف (لكن لا يُدفَع المال إليه) لئلا يُبذِّره (بل يَخرُج معه الولي) إن شاء؛ لينفق عليه في الطريق بالمعروف، ويكون قوَّامًا عليه، (أو يَنصِب شخصًا له) ثقةً ينوب عنه ولو بأجرة مثله إن لم يجد متبرعًا كافيًا.
وأهمل من الشروط خامسًا، وهو: أن يبقى من الزمان بعد وجود الشروط السابقة ما يتمكن فيه من السَّيْر لأدائه على العادة، حتى لو احتاج بعد اليسار إلى أن يقطع في كلّ يوم، أو في بعض الأيام أكثرَ من مرحلة.. لم يجب الحجّ؛ كما نقله الرافعي عن الأئمة 1، لكن قال ابن الصلاح: إن ذلك شرط لاستقراره في ذمته؛ ليجب قضاؤه من تركته لو مات، وليس شرطًا لأصل وجوب الحجّ؛ فإنه وجب بمجرد الاستطاعة؛ كما تجب الصلاةُ بأول الوقت، ويستقرّ بالإمكان 2، وردّه عليه في "زيادة الروضة"، وقال: إن الصواب: ما قاله الرافعي 3.
(النوع التاني: استطاعةُ تحصيله بغيره، فمن مات وفي ذمته حجّ) أي: حجة الإسلام أو غيرها، وكذا العمرة (.. وجب الإحجاج عنه من تركته) لأن امرأة قالت: يا رسول الله؛ إن أمي ماتت ولم تحجّ قطّ أفأحج عنها؟ قال: "حُجِّي عَنْهَا" رواه مسلم 4، وفي
وَالْمَعْضُوبُ الْعَاجِزُ عَنِ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ إِنْ وَجَدَ أُجْرَةَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ.. لَزِمَهُ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا فَاضِلَةً عَنِ الْحَاجَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَنْ حَجَّ بِنَفسِهِ،
"البخاري" مثلُه (في النذر) 1.
وقوله: (من تركته) ليس في "المحرر"، ولا بُدَّ منه؛ فإنه إذا لم يخلف تركة.. لا يجب على الوارث، ولا في بيت المال.
ولا بدّ من التمكن من الأداء بعد الوجوب، فلو أخر بعد الوجوب فمات أو جُنَّ، أو تلف ماله قبل تمام حجّ الناس.. لم يُقضَ من تركته على الأصحِّ.
واستثني من إطلاقه: ما لو لزمه الحجّ، ثم ارتد، ومات مرتدًا.. فإنه لا يقضى من تركته على الصحيح، أو الصواب؛ لأنه لو صحّ.. لوقع عنه، وقد يقال: خرج ذلك بقوله: (من تركته)؛ لأن المرتد [إذا مات على الردّة].. لا تركة له 2.
(والمعضوبُ العاجز عن الحجّ بنفسه) حالًّا أو مآلًا؛ لزَمَنٍ أو كِبَرٍ أو غيرهما (إن وجد أجرةَ مَنْ يحجّ عنه بأجرة المثل.. لزمه) لأنه مستطيع بغيره؛ لأن الاستطاعة كما تكون بالنفس تكون ببذل الأموال وطاعة الرجال، ولهذا يقال لمن لا يُحسن البناء: فلان يستطيع بناء داره، وإذا صدق أنه مستطيع.. وجب عليه؛ للآية.
وفي "الصحيحين" من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن امرأة من خَثْعَم قالت: يا رسول الله؛ إن فريضةَ الله على عباده في الحجّ أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؛ قال: "نَعَمْ"، وذلك في حجّة الوداع 3.
ويستثنى: المعضوب إذا كان بمكة، أو بينه وبينها دون مسافة القصر.. فإنه لا يجوز له الاستنابةُ؛ لأن المشقة لا تكثر، حكاه في "شرح المهذب" عن المتولي، وأقرَّه 4.
(ويشترط كونها) أي: الأجرة (فاضلةً عن الحاجات المذكورة فيمن حجَّ بنفسه،
لكِنْ لَا تُشْتَرَطُ نَفَقَةُ الْعِيَالِ ذَهَابًا وَإِيَابًا. وَلَوْ بَذَلَ وَلَدُهُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ مَالًا لِلأُجْرَةِ.. لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ بَذَلَ الْوَلَدُ الطَّاعَةَ.. وَجَبَ قَبُولُهُ،
لكن لا تشترط نفقةُ العيال ذهابًا وإيابًا) لأنه إذا لم يفارق أهلَه.. يمكنه تحصيلُ نفقتهم، ونفقتُه كنفقتهم، كما حكاه ابن الرفعة عن البَنْدَنيجي 1.
ويشترط: أن تكون فاضلة عن نفقتهم وكسوتهم يوم الاستئجار.
ولو عبّر المصنف بـ (المؤنة) بدل (النفقة).. لكان أشمل.
(ولو بذل) أي: أعطى (ولدُه، أو أجنبي مالًا للأجرة.. لم يجب قبولُه في الأصح) للمنة، والثاني: يجب، لحصول الاستطاعة، والخلاف في الأجنبي مترتب على الابن وأولى بألا يجب، قاله في "البيان" 2.
والأبُ كالابن أو كالأجنبي؟ فيه احتمالان للإمام، ورجح الرافعي منهما الأولَ 3.
ولو استأجر المطيع إنسانًا للحج عن المطاع المعضوب، وكان المطيع ولدًا.. لزم المطاع الحجّ؛ كما نقله في "شرح المهذب" عن تصحيح المتولي، وأقره 4، وكلام "الكتاب" قد يُفهم خلافَه.
(ولو بذل الولدُ الطاعة) بنفسه (.. وجب قبوله) وهو إذنه له في الحجّ؛ لحصول الاستطاعة، وسواء أكان الولد ذكرًا أم أنثى، من أولاد الصلب أم غيرهم، وهذا إذا كان الولد راكبًا؛ فإن كان ماشيًا.. لم يجب قبوله على الأصحِّ في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب" 5؛ لأن مشي ولدِه يشقّ عليه.
وحكمُ التعويل على الكسب أو السؤال حكمُ المشي؛ كما ذكره في "الحاوي الصغير" 6، وليس في "الشرحين"، و"الروضة" تصريحٌ بما قاله، وإنما رجّحا
وَكَذَا الأَجْنَبِيُّ فِي الأَصَحِّ.
عدمَ الوجوب فيهما إذا انضمّا إلى المشي 1.
(وكذا الأجنبيُّ في الأصح) لحصول الاستطاعة؛ كالولد، والثاني: لا؛ لكون الولد بَضْعَة منه، فنفسه كنفسه، بخلاف غيره، والأخ في ذلك كالأجنبي، وكذا الأب على الأصحِّ.
وشرط الباذل: أن يكون موثوقًا به، مؤديًا لفرضه، وألا يكون معضوبًا.
وكلامه قد يُفهم عدَم وجوب سؤال الابن إذا تَوسَّم الأبُ فيه الطاعةَ، والأصحُّ المنصوص: اللزوم.
بابُ المواقيت وَقْتُ - إِحْرَامِ الْحَجِّ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَفِي لَيْلَةِ النَّحْرِ وَجْهٌ. فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ.. انْعَقَدَ عُمْرَةً عَلَى الصَّحِيحِ. وَجَمِيعُ السَّنَةِ وَقْت لإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ
﴿باب المواقيت﴾
هي: جمع ميقات، ومعناه لغةً: الحدُّ، والمراد به ههنا: زمان العبادة ومكانُها.
(وقت إحرام الحج: شوال وذو القَعْدة وعشرُ ليال) بالأيام بينها (من ذي الحِجة) كذا فسر به ابن عباس، قولَه تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ كما نقله ابن عطية وغيره 1، والمراد: وقت الإحرام به؛ لأن فعله لا يحتاج إلى شهر.
(وفي ليلة النحر وجهٌ) لأن الليالي تبع للأيام، ويوم النحر لا يصحّ فيه الإحرام، فكذلك ليلته، وفي قول: إنَّ ذا الحِجَّة كلَّه وقتٌ للإحرام، وهو شاذ.
(فلو أحرم به في غير وقته.. انعقد عمرةً) مجزئة عن عمرة الإسلام (على الصحيح) سواء كان عالمًا أو جاهلًا؛ لأن الإحرام شديد التعلق، فإذا لم يَقبل الوقتُ ما أحرم به.. انصرف إلى ما يقبله، وأيضًا فإنه إذا بطل قصد الحجّ.. بقي مطلق الإحرام، والعمرةُ تنعقد بمجرد الإحرام؛ بدليل الإطلاق، فانصرف إليها، والثاني: لا ينعقد عمرةً، بل يتحلل بعمل عمرة، ولا يكون ذلك مجزئًا عن عمرة الإسلام، كما لو فاته الحجّ؛ لأن كلَّ واحد من الزمانين ليس وقتًا للحج.
ومحل ما ذكره: إذا كان حلالًا؛ فإن أحرم بعمرة ثم بحجّ في غير أشهره.. لم ينعقد إحرامه حجًّا؛ لكونه في غير أشهره، ولا عمرةً؛ لأن العمرة لا تدخل على العمرة، ذكره القاضي أبو الطيب، قال السبكي: وهو ظاهر.
(وجميع السنة وقتٌ لإحرام العمرة) لوروده في الأحاديث الصحيحة في أوقات مختلفة 2.
وَالْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ لِلْحَجِّ فِي حَقِّ مَنْ بِمَكَّةَ: نَفْسُ مَكَّةَ، وَقِيلَ: كُلُّ الْحَرَمِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ.. فَمِيقَاتُ الْمُتَوَجِّهِ مِنَ الْمَدِينَةِ: ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَمِنَ ألشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ: الْجُحْفَةُ، وَمِنْ تِهَامَةِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمُ، وَمِنْ نَجْدِ الْيَمَنِ وَنَجْدِ الْحِجَازِ: قَرْنٌ، وَمِنَ الْمَشْرِقِ: ذَاتُ عِرْقٍ
نعم؛ المحرم بالحج إذا تحلل التحللين، وعكف بمنى للرمي.. فإن عمرته لا تنعقد؛ لاشتغاله بالرمي والمبيت، نصَّ عليه الشافعي 1، واتفق عليه الأصحاب، ومنه يؤخذ امتناع حجتين في عام واحد، وهو إجماع، كما نقله القاضي أبو الطيب.
ويستحب: الإكثار من الاعتمار لا سيِّما في رمضان، فإن عمرة في رمضان.. تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما صححه الحاكمُ على شرط الشيخين 2.
وحكي عن نجم الدين الطبري قاضي مكة أنه حكى ثلاثة أوجه في الطواف والاعتمار أيُّهما أفضلُ؟ ثالثها: إن استغُرِقَ زمانُ الاعتمار بالطواف.. فالطواف أفضل، وإلا.. فالاعتمار.
(والميقات المكاني للحج) وإن قَرنَ (في حقّ مَنْ بمكة) آفاقيًّا أو غيره (: نفسُ مكة) لحديث ابن عباس الآتي، (وقيل: كلُّ الحرم) لأن مكة وسائرَ الحرم في الحرمة سواء، فلو فارق بنيان مكة، ثم أحرم في الحرم، ولم يرجع إلى مكة إلا بعد الوقوف.. كان مسيئًا على الوجه الأول دون الثاني.
(وأما غيره.. فميقات المتوجه من المدينة: ذو الحُليفة، ومن الشام ومصر والمغرب: الجُحْفة، ومن تِهامة اليمن: يلملم، ومن نجد اليمن ونجد الحجاز: قَرْن، ومن المشرق: ذات عِرْق) لما في "الصحيحين" عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم وقَّت لأهل المدينة ذا الحُليفة، ولأهل الشام الجُحْفة، ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، وقال: "هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتىَ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ.. فَمِنْ حَيْثُ
وَالأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ الْمِيقَاتِ، وَيَجُوزُ مِنْ آخِرِهِ. وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا لَا يَنْتَهِي إِلَى مِيقَاتٍ: فَإِنْ حَاذَى مِيقَاتًا
أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ" 1.
وروى النسائي أنه عليه السلام وقَّت لأهل الشام ومصر الجُحْفَة، ولأهل العراق ذات عِرْق، وصححه ابن السكن 2.
وأما المغرب.. ففي رواية مرسلة أخرجها الشافعي، وقد وصلها مرة في حديث آخر، لكن مع الشك في رفعه 3.
واختلفوا في أن ذات عِرْق ميقاتٌ بالنصّ، أو باجتهاد عمر رضي الله عنه، ونقلا في "الشرح"، و"الروضة" عن ميل الأكثرين أنه بالنصّ، وقال في "شرح المهذب": إنه الصحيح عند جمهور الأصحاب، لكن في "شرح المسند" للرافعي: أن مذهب الشافعي: أنه باجتهاد عمر رضي الله عنه، وقال المصنف في "شرح مسلم": إنه الصحيح، وهو ما نصّ عليه في "الأم" 4.
ويستثنى من إطلاق المصنف: الأجير، فإن عليه أن يُحرم من ميقات الميت، أو المستأجر الذي يحجّ عنه، وإن مرّ بغير ذلك الميقات.. أحرم من موضع بإزائه إذا كان أبعد من ذلك الميقات من مكة، حكاه في "الكفاية" عن الفوراني، وأقره، وفي "التهذيب"، و"البسيط"، و"الذخائر" نحوُه 5.
(والأفضل: أن يحرم من أول الميقات) ليقطع الباقي محرمًا (ويجوز من آخره) لصدق الاسم عليه، واستثنى السبكي من ذلك: ذا الحليفة، وقال: ينبغي أن يكون الإحرام فيها من عند المسجد الذي أحرم من عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعًا.
(ومن سلك طريقًا) في البرّ أو البحر (لا ينتهي إلى ميقات؛ فإن حاذى ميقاتًا..
أَحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاتِهِ، أَوْ مِيقَاتينِ.. فالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مُحَاذَاةِ أَبْعَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُحَاذِ.. أَحْرَمَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ. وَمَنْ مَسْكَنُهُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ.. فَمِيقَاتهُ مَسْكَنُهُ. وَمَنْ بَلَغَ مِيقَاتًا غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا، ثُمَّ أَرَادَهُ.. فَمِيقَاتُهُ مَوْضِعُهُ،
أحرم من مُحاذاته) اتباعًا لعمر رضي الله عنه، فإنه وقَّت ذات عِرْق لأهل الكوفة والبصرة؛ اعتبارًا بقَرْن؛ لأنه يحاذيهما، كما رواه البخاري 1، ولم يخالفه أحد.
فإن اشتبه عليه موضع المحاذاة.. اجتهد.
(أو ميقاتين.. فالأصح: أنه يُحرم من محاذاة أبعدِهما) عن مكة، وهو الأقرب إليه، وليس له الانتظار إلى الوصول إلى محاذاة الأقرب؛ كما ليس للآتي من المدينة أن يجاوز ذا الحليفة ليحرم من الجُحْفة، والثاني: أنه يتخير؛ إن شاء أحرم من الموضع المحاذي لأبعدهما، وإن شاء لأقربهما؛ لأنه لم يمرّ على ميقات منصوص عليه فتركه، وقد أحرم محاذيًا لميقات.
(وإن لم يحاذ.. أحرم على مرحلتين من مكة) لأنه لا شيء من المواقيت أقلُّ مسافة من هذا القدر، قاله الإمام تخريجًا لا نقلًا 2.
والمراد بعدم المحاذاة: في علمه لا في نفس الأمر؛ لأن المواقيت تعمّ جهات مكة، فلا بدّ أن يحاذي أحدها.
(ومن مسكنه بين مكة والميقات.. فميقاته مَسكنُه) قريةً كانت أو حِلَّةً أو منزلًا منفردًا؛ لقوله عليه السلام في الحديث المار بعد ذكر المواقيت: "فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ.. فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ" 3.
(ومن بلغ ميقاتًا غيرَ مريد نُسُكًا، ثم أراده.. فميقاته موضعُه (ولا يُكلَّف العودَ؛ للحديث المار: "هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ" 4، فدلّ على أن وجوب الإحرام من تلك المواقيت خاصّ بمن أراد
وَإِنْ بَلَغَهُ مُرِيدًا.. لَمْ تَجُزْ مُجَاوَزَتُهُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، فَإِنْ فَعَلَ.. لَزِمَهُ الْعَوْدُ لِيُحْرِمَ مِنْهُ
النسك، وإذا لم يجب عليه الإحرام منها.. وجب من موضعه؛ لأنه الآن دون الميقات، فدخل في عموم قوله: "فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ.. فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ" 1.
وفُهِمَ من قوله: (فميقاته موضعه) أنه لو جاوز موضعه غير محرم.. يلزمه دم، وهو كذلك.
(وإن بلغه مريدًا.. لم تجز مجاوزتُه بغير إحرام) للحديث السابق، والمراد: مجاوزته إلى جهة الحرم، أما إذا جاوزه يمينًا أو شمالًا، وأحرم من مثل ميقات بلده أو أبعد.. جاز، قاله الماوردي، ومثَّله بالعراقي ينزل ذات عِرْف، ويعرج إلى ذي الحليفة، ولو عكس المدني.. لم يجز، وعليه دم؛ كذا نقله في "المهمات" معترضًا به على إطلاقهم 2.
قال في "التوسط": إذا أخذ عن يمين الميقات أو يساره.. لم يُقَل: جاوزه، وعبارة الماوردي: يعرج 3؛ فانتقاد مثل هذا غفلة.
(فإن فعل.. لزمه العود ليُحرم منه) لأن الإحرام منه كان واجبًا عليه فتركه، وقد أمكنه تداركُه، فيأتي به، وإذا عاد.. فلا دم عليه.
وكلامه يوهم تعين العود إليه، وليس كذلك، بل لو عاد إلى مثل مسافته من ميقات آخر.. جاز، قاله ابن المَرْزُبان والماوردي والإمام وغيرهم، قال الإسنوي: (ويؤيده أن المفسد لمَّا أوجبوا عليه القضاءَ من الميقات الذي أحرم منه في الأداء.. قالوا: إنه يجوز له تركه، والإحرام من مثل مسافته من موضع آخر، حتى ادعى في "زيادة الروضة" عدمَ الخلاف) 4.
ويوهم أيضًا: وجوب تأخير الإحرام إليه، قال الإسنوي: وليس كذلك، بل إذا قلنا: بأن العود بعد الإحرام مُسقط للدم، وهو الصحيح - كما سيأتي -.. فله أن
إِلَّا إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، أَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ.. لَزِمَهُ دَمٌ، وَإِنْ أَحْرَمَ ثُمَّ عَادَ.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ عَادَ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ.. سَقَطَ الدَّمُ، وَإِلَّا.. فَلَا
يحرم، ثم يعود إلى الميقات محرمًا؛ لأن المقصود قطعُ المسافة محرمًا 1.
(إلا إذا ضاق الوقت، أو كان الطريق مَخُوفًا) فلا يلزمه العود، لخوف الضرر، ويريق دمًا، وكذلك الحكم لو خاف الانقطاع عن الرُّفقة، أو على ماله لو تركوه، أو كان به مرض شاقّ؛ لما ذكرناه.
(فإن لم يَعُد.. لزمه دم) لقول ابن عباس: (من نسي من نسكه شيئًا أو تركه.. فليهرق دمًا) رواه مالك في "الموطأ" 2.
وشرط وجوب الدم: أن يحرم إما بالعمرة مطلقًا، وإما بالحج في تلك السنة؛ فإن لم يحرم أصلًا.. لم يلزمه شيء؛ لأن الدم إنما يجب لنقصان النسك، ولا يجب بدلًا عن النسك، حكاه في "المهمات" عن الماوردي وغيره 3.
وإن أحرم بالحج بعد انقضاء تلك السنة.. لم يلزمه شيء أيضًا؛ كما حكاه في "شرح المهذب" عن الدارمي، وفي "الكفاية" عن القاضي الحسين والبغوي 4.
والفرق بين الحج والعمرة: أن إحرام هذه السنة لا يصلح لحجّ سنة قابلة، بخلاف العمرة، فإنه لا يتأقت وقت إحرامها.
وقد يستثنى من إطلاقه: ما لو مرّ العبد بالميقات غيرَ محرم مريدًا للنسك، ثم عَتَقَ قبل الوقوف.. فإنه لا دم عليه على الصحيح.
(وإن أحرم ثُمَّ عاد.. فالأصح: أثه إن عاد قبل تلبسه بنُسُك.. سقط الدم) لقطعه المسافةَ من الميقات محرمًا، وأداء المناسك بعده.
(وإلا.. فلا) أي: وإن لم يعد إلا بعد تلبسه بنسك.. لم يسقط، سواء كان ذلك النسك ركنًا؛ كالوقوف، أو سنةً؛ كطواف القدوم؛ لتأدية ذلك النسك بإحرام ناقص.
وَالأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنَ الْمِيقَاتِ. قُلْتُ: الْمِيقَاتُ أَظْهَرُ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
وكان ينبغي التعبير بالمذهب؛ فإن الخلاف طريقان، الذي قطع به الجمهور: التفصيل المذكور.
وقيل: قولان، وقيل: وجهان، وجه عدم السقوط تأكدُ الإساءة؛ لإنشاء الإحرام من غير موضعه، وحيث سقط الدم بالعود لا تكون المجاوزة حرامًا على الأصحِّ في "البيان"، وحكاه عنه في "شرح المهذب"، وأقره 1، وبه جزم الروياني.
وقال المَحاملي في "التجريد": شرطُ انتفاء التحريم: أن تكون المجاوزة بنية العود، قال في "المهمات": ولا بدّ منه.
وظاهر كلام المصنف يقتضي: أن الدم وجب، ثم سقط بالعود، وهو وجهٌ في "الحاوي"، وصحح - أعني: الماوردي - أنه لا يجب إلا بفوات العود 2.
(والأفضل: أن يُحرم من دُوَيْرةِ أهله) لأنه أكثر عملًا، ولأن عمر وعليًّا رضي الله عنهما فسرا إتمام الحج والعمرة في الآية الكريمة بأن يحرم بهما من دُوَيْرة أهله 3.
(وفي قول: من الميقات) تأسيًا به صلى الله عليه وسلم، فإنه أحرم في حجة الوداع منه بالإجماع، وكذا في عمرة الحديبية؛ كما رواه البخاري في (كتاب المغازي) 4، ولأنه أقلّ تغريرًا بالعبادة؛ لما في المحافظة على واجبات الإحرام من المشقة.
(قلت: الميقات أظهر، وهو الموافق للأحاديث الصحيحة، والله أعلم) ونقله في "شرح المهذب" عن تصحيح الأكثرين والمحققين 5، بل أطلق جماعة: الكراهة على تقديم الإحرام على الميقات.
وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ لِمَنْ هُوَ خَارِجَ الْحَرَمِ: مِيقَاتُ الْحَجِّ، وَمَنْ بِالْحَرَمِ: يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ وَلَوْ بِخَطْوَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَأَتىَ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ.. أَجْزَأَتْهُ فِي الأَظْهَرِ وَعَلَيْهِ دَمٌ، فَلَوْ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ بَعْدَ إِحْرَامِهِ.. سَقَطَ الدَّمُ عَلَى الْمَذْهَبِ
(وميقات العمرة لمن هو خارجَ الحرم: ميقاتُ الحج) لقوله عليه السلام في الحديث المار: "مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ" 1.
(ومن بالحرم) مكيًّا وغيره (: يلزمه الخروج إلى أدنى الحِلِّ ولو بخُطوة) من أيِّ جهةٍ شاء من جهات الحرم؛ لأنه عليه السلام أرسل عائشة بعد قضاء الحج إلى التنعيم فاعتمرت 2، فلو لم يكن الخروج واجبًا.. لاعتمرت مكانها؛ لضيق الوقت.
وقوله: (ولو بخطوة) قد يوهم أن الخُطوة أقلُّ ما يكفي، وليس كذلك، فلو قال: (ولو بقليل)، أو اكتفى بقوله: (إلى أدنى الحلّ).. لكان أولى.
(فإن لم يخرج، وأتى بأفعال العمرة.. أجزأته في الأظهر) لانعقاد إحرامه، وإتيانه بعده بالواجبات (وعليه دم) لتركه الإحرام من الميقات، والثاني: لا يجزئه؛ لأن العمرة أحدُ النسكين، فيشترط فيه الجمع بين الحلّ والحرم؛ كما في الحاج؛ فإنه لا بدّ له من عرفة، وهي من الحلّ.
وقال في "الأم" بعد ذكره القولين: إن هذا أشبههما 3، وعلى القولين: فإحرامه منعقد، ونقل الإمام الاتفاق عليه 4؛ وحينئذ فيبقى على إحرامه حتى يخرج إلى الحلّ، ثم يطوف ويسعى ويحلق، وقيل: القولان في انعقاده، وهو مؤولٌ.
(فلو خرج إلى الحِلِّ بعد إحرامه) وقبل الطواف والسعي (.. سقط الدم على المذهب) ولا يتخرج على الخلاف المارّ في عود مَنْ جاوز الميقات إليه محرمًا؛ لأن المسيء من انتهى إلى ميقات مريدًا للنسك، ثم جاوزه، ولم يوجد هنا، بل هو شبيه بمن أحرم قبل الميقات، وهذا ما أورده الجمهور.
وَأَفْضَلُ بِقَاعِ الْحِلِّ الْجِعْرَانَةُ، ثُمَّ التَّنْعِيمُ، ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةُ.
والطريق الثاني: تخريجه على الخلاف المذكور؛ فعلى المذهب: الواجب خروجُه إلى الحدّ قبل الأعمال إما في ابتداء الإحرام وإما بعده، بل نصَّ المحاملي في "المجموع"، والجرجاني في "التحرير" على أنه يستحب فعلُه قبل الخروج، واستُغرب.
وعلى القول بعدم سقوطِ الدم فالواجبُ: الخروج في ابتداء الإحرام.
وقضية إطلاقه: أنه لا فرق بين خروجه إلى الحلّ للنسك، أو لشغل، وبه قال القفال والبغوي.
وتعبيره بالسقوط: أرأد به عدمَ الوجوب، وعبارة "المحرر": (لم يلزمه دم)، وعبارة "البيان": (لا شيء عليه) 1.
(وأفضل بقاع الحِلِّ الجِعْرانة) لمن أراد الاعتمار؛ لإحرامه عليه السلام منها، متفق عليه 2، (ثم التنعيم) لأنه عليه السلام أمر عائشة بالاعتمار منه؛ كما مر 3، (ثم الحُدَيبية) لأنه عليه السلام صلَّى بها، وأراد المدخل لعمرته منها بعد أن أحرم بها من ذي الحليفة فصُدَّ؛ كما رواه البخاري في غزوة الحديبية 4.
وليس التفضيل المذكور لبعد المسافة، وإنما قدَّم الأصحابُ ما فعله، ثم ما أمر به، ثم ما همَّ به؛ أي: من سلوك تلك الطريق لا همّه بالإحرام؛ لما مرّ من أنه أحرم بذي الحليفة 5.
ويستحب لمن أحرم من بلده، أو من مكة: أن يَخرج عقب إحرامه، ولا يمكث بعده؛ كما نقله الشيخ أبو حامد عن النصِّ.