وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْعَرْضُ لِلتِّجَارَةِ إِذَا اقْتَرَنَتْ نِيَّتُهَا بِكَسْبِهِ بمُعَاوَضَةٍ كَشِرَاءٍ، وَكَذَا الْمَهْرُ وَعِوَضُ الْخُلْعِ فِي الأَصَحِّ، لَا بِالْهِبَةِ وَالاحْتِطَابِ وَاسْتِرْدَادٍ بِعَيْبٍ. وَإِذَا مَلَكَهُ بِنَقْدِ نِصَابٍ.. فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ مِلْكِ النَّقْدِ، أَوْ دُونَهُ أَوْ بِعَرْضِ قُنْيَةٍ.. فَمِنَ الشِّرَاءِ، وَقِيلَ: إِنْ مَلَكَهُ بِنِصَابِ سَائِمَةٍ.. بَنَى عَلَى حَوْلهَا
(وإنما يصير العرض للتجارة إذا اقترنت نيتها بكسبه بمعاوضة؛ كشراء) لانضمام قصد التجارة إلى فعلها؛ كما لو نوى وسار.. يصير مسافرًا، وإذا ثبت حكم التجارة.. لم يحتج في كلّ معاملة إلى نية جديدة.
(وكذا المهر وعوض الخلع في الأصح) لأنهما مُلكا بمعاوضة، ولهذا ثبتت الشفعة فيما ملك بهما، والثاني: لا؛ لأنهما ليسا من عقود المعاوضات المحضة.
(لا بالهبة) المحضة (والاحتطاب) والاصطياد، والإرث؛ لأن التملك مجانًا لا يعدُّ تجارة؛ فإن شرط في الهبة ثوابًا معلومًا.. صارت كالبيع.
(واسترداد بعيب) كأن باع عرضًا للقِنْية، ثم ردّ عليه بعيب فقصد به التجارة.. فإنه لا يصير مال تجارة؛ لأنه ليس بعقد معاوضة.
(وإذا ملكه) أي: مال التجارة (بنقدِ نصابٍ) وهو الذهب والفضة اللذان تجب الزكاة فيهما وإن لم يكونا مضروبين (فحوله من حين ملك النقد) أي: بنى حول التجارة على حول النقد؛ لاشتراكهما في قدر الواجب وفي جنسه، هذا إذا كان الشراء بعين النصاب، فإن اشترى في الذمة ثم نقد ما عنده فيه.. لم يَبْنِ؛ لأن صرفه إلى هذه الجهة لم يتعين؛ كذا جزم به في "الروضة"، وقال في "شرح المهذب": إنه لا خلاف فيه 1.
(أو دونه) أي: أو ملكه بدون نصاب (أو بعرض قِنْية) كالثياب (.. فمن الشراء) لأن ما ملكه لم يكن مال زكاة، (وقيل: إن ملكه بنصاب سائمة.. بنى على حولها) لأنها مال زكاة جارٍ في الحول؛ كالنقد، والصحيح: المنع؛ لاختلاف الزكاتين قدرًا ومتعلقًا.
وَيَضُمُّ الرِّبْحَ إِلَى الأَصْلِ فِي الْحَوْلِ إِنْ لَمْ يَنِضَّ، لَا إِنْ نَضَّ فِي الأَظْهَرِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ وَلَدَ الْعَرْضِ وَثَمَرَهُ مَالُ تِجَارَةٍ،
(ويضم الربح إلى الأصل في الحول إن لم يَنِضّ) كالنِّتاج مع الأمهات، فلو اشترى في المُحرَّم عرضًا يساوي مئتين، فساوى قبيل آخر الحول ولو بلحظة ثلاث مئة.. زكّى الجميع عند تمام الحول.
وقوله: (ينضّ) هو بكسر النون؛ أي: يصير ناضًّا، وهو: الدراهم والدنانير.
(لا إن نضَّ في الأظهر) بجنس رأس المال؛ كعرض اشتراه بمئتين، وباعه بعد ستة أشهر بثلاث مئة درهم، وأمسكها إلى تمام الحول، أو اشترى بها عرضًا، وهو يساوي ثلاث مئة في آخر الحول.. فيخرج الزكاة عن مئتين؛ فإذا مضت ستة أشهر أخرى.. أخرج عن المئة؛ لأن الربح متميز، فاعتبر بنفسه، بخلاف ما لم يَنِضّ؛ فإنه كامن فيه، والثاني: يضمّ؛ كما يضمّ النتاج إلى الأمهات.
وفرق الأول: بأن النتاج جزء من الأصل، فألحقناه به، بخلاف الربح؛ فإنه ليس جزءأ، وحصوله إنما هو بحسن التصرف، ولهذا يردّ الغاصب نتاج الحيوان دون الربح، ولو نضَّ بغير جنس رأس المال؛ كعرض بمئتين باعه بعشرين دينارًا.. فهو كإبدال عرض بعرض؛ إذ لا يقوّم به.
وقيل: كالجنس، وجميع ما ذكرناه فيما إذا اشترى العَرْض بنصاب من النقد، أو بعرض قيمته نصاب، فأما إذا اشتراه بمئة درهم مثلًا، وباعه بعد ستة أشهر بمئتي درهم، وبقيت عنده إلى تمام الحول من حين الشراء؛ فإن قلنا بالأصح: إن النصاب لا يشترط إلا في آخر الحول.. بني على القولين في أن الربح من الناضّ هل يضمّ إلى الأصل في الحول؟ إن قلنا: نعم.. فعليه زكاة المئتين، وإن قلنا: لا.. لم يزك مئة الربح إلا بعد ستة أشهر أخرى.
(والأصح: أن ولد العرض وثمره مال تجارة) لأنهما جزءان من الأم، والشجر، والثاني: لا؛ لأنهما لم يحصلا بالتجارة، فإن هذا نماء وهي استنماء.
والوجهان فيما إذا لم تنقص قيمة الأم بالولادة، فإن نقصت؛ بأن كانت قيمة الأم ألفًا فصارت بالولادة ثمان مئة، وقيمة الولد مئتان.. جبر نقص الأم بالولد، وزكّى
وَأَنَّ حَوْلَهُ حَوْلُ الأَصْلِ. وَوَاجِبُهَا رُبُعُ عُشْرِ الْقِيمَةِ، فَإِنْ مُلِكَ بِنَقْدٍ.. قُوِّمَ بِهِ إِنْ مُلِكَ بِنِصَابٍ، وَكَذَا دُونَهُ فِي الأَصَحِّ، أَوْ بِعَرْضٍ.. فَبِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلدِ، فإِنْ غَلَبَ نَقْدَانِ وَبَلَغَ بأَحَدِهِمَا نِصَابًا.. قُوِّمَ بِهِ،
الألف، وفيه احتمال للإمام 1.
(وأن حوله حول الأصل) تبعًا؛ كنتاج السائمة، والثاني: لا، بل يفرد بحول؛ كربح الناضّ.
(وواجبها: ربع عشر القيمة) أما كونه ربع عشر.. فلا خلاف فيه؛ كالنقد، وأما كونه من القيمة.. فهو الجديد؛ لأن القيمة متعلق هذه الزكاة، ولا يجوز الإخراج من عين العرض، والقديم: يخرج من عين العرض؛ لأنه الذي يملكه، والقيمة تقدير؛ فلو كان عرضه مئة قَفيز يساوي مئتين.. فعلى الجديد: واجبه: خمسة دراهم، وعلى القديم: قَفيزان ونصف.
(فإن مُلك بنقد.. قُوِّم به إن مُلك بنصاب) لأن الحول مبني على حوله، والزكاة واجبة فيه؛ فإن بلغ به نصابًا.. زكَّاه، وإلا.. فلا وإن كان يبلغ نصابًا بنقد البلد، وحكى صاحب "التقريب" قولًا: أن التقويم لا يكون إلا بنقد البلد دائمًا.
(وكذا دونه في الأصح) لأنه أصله، والثاني: يقوَّم بغالب نقد البلد؛ كما لو اشترى بعرض.
ومحله: ما إذا لم يملك من جنس النقد الذي اشترى به ما يُتمّ به النصاب، فإن ملكه.. قوِّم بذلك الجنس قطعًا، قاله الرافعي، قال في "الروضة": (ولكن يجري فيه القول الذي حكاه صاحب "التقريب") 2.
(أو بعرض.. فبغالب نقد البلد) لأنه لمَّا تعذر التقويم بالأصل.. رجع إلى نقد البلد؛ جريًا على قاعدة التقويمات؛ كما في الإتلاف ونحوه.
(فإن غلب نقدان، وبلغ بأحدهما نصابًا.. قُوّم به) لبلوغه نصابًا بنقد غالب لا مغلوب.
فَإِنْ بَلَغَ بِهِمَا.. قُوِّمَ بِالأَنْفَعِ لِلْفُقَرَاءِ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ. وَإِنْ مُلِكَ بِنَقْدٍ وَعَرْضٍ.. قُوِّمَ مَا قَابَلَ النَّقْدَ بِهِ، وَالْبَاقِي بِالْغَالِبِ. وَتَجِبُ فِطْرَةُ عَبْدِ التِّجَارَةِ مَعَ زَكَاتِهَا. وَلَوْ كَانَ الْعَرْضُ سَائِمَةً، فَإِنْ كَمُلَ نِصَابُ إِحْدَى الزَّكَاتينِ فَقَطْ.. وَجَبَتْ، أَوْ نِصَابُهُمَا.. فَزَكَاةُ الْعَيْنِ فِي الْجَدِيدِ
(فإن بلغ بهما.. قُوّم بالأنفع للفقراء) كاجتماع الحِقاق وبنات اللبون، (وقيل: يتخير المالك) فيقوّم بأيهما شاء؛ كما يتخير معطي الجُبْران بين الشاتين والدراهم، وصححه في "أصل الروضة"، وكلام "الشرح الكبير" يقتضيه، ولا ترجيح في "الصغير"، قال في "المهمات": والفتوى على ما في "الروضة" 1.
(وإن مُلك بنقد وعرض) بأن اشترى بمئتي درهم وعرض قِنْية (.. قُوّم ما قابل النقد به، والباقي بالغالب) لأن كلًّا منهما لو انفرد.. لكان حكمه كذلك، فإن كان النقد دون النصاب.. عاد الخلاف المارّ فيما إذا ملكه بنقد دون النصاب.
(وتجب فطرة عبد التجارة مع زكاتها) 2 أي: زكاة التجارة؛ لأنهما يجبان بسببين مختلفين: أحدهما: المال، والآخر: البدن، فلا يتداخلان؛ كالقيمة والكفارة في العبد المقتول.
(ولو كان العرض سائمة؛ فإن كمل نصاب إحدى الزكاتين فقط) كتسعة وثلاثين من الغنم قيمتها مئتان، أو أربعين من الغنم قيمتها دون المئتين (.. وجبت) زكاة ما يكمل به نصابه؛ لوجود سببها من غير معارض.
(أو نصابُهما.. فزكاة العين في الجديد) لقوتها فإنها مجمع عليها، بخلاف زكاة التجارة فإنها مختلف فيها، ولهذا لا يكفر جاحدها بخلاف الأولى، والقديم: تقدم زكاةُ التجارة؛ لأنها أنفع للمساكين، فإنها تجب في كلّ شيء، وزكاة العين مختصة ببعض الأعيان، ولا خلاف أنه لا يجمع بين الزكاتين، والأصح: طرد الخلاف سواء اتفق وقت الوجوب أو اختلف.
وتعبيره بالسائمة ناقص فإن الثمار والزرع يأتي فيهما ما ذكره في السائمة.
فَعَلَى هَذَا: لَوْ سَبَقَ حَوْلُ التِّجَارَةِ؛ بِأَنِ اشْتَرَى بِمَالِهَا بَعْدَ سِتة أَشْهُرٍ نِصَابَ سَائِمَة.. فَالأَصحُّ: وُجُوبُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ لِتَمَامِ حَوْلهَا، ثُمَّ يَفْتَتِحُ حَوْلًا لِزَكَاةِ الْعَيْنِ أَبَدًا، وَإِذَا قُلْنَا: عَامِلُ الْقِرَاضِ لَا يَمْلِكُ الرِّبح بالظُّهُورِ.. فَعَلَى الْمَالِكِ زَكَاةُ الْجَمِيعِ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ.. حُسِبَتْ مِنَ الرِّبْحِ فِي الأَصحِّ
(فعلى هذا) وهو تقديم زكاة العين (لو سبق حول التجارة؛ بأن اشترى بمالها بعد ستة أشهر نصابَ سائمة) ولم يقصد القِنْية (.. فالأصح: وجوب زكاة التجارة لتمام حولها) لئلا يحبط بعض حولها، ولأن الموجب قد وُجد ولا معارض له، ولا يتصوَّر سبق حول العين؛ لأنه ينقطع بالمبادلة، قاله الرافعي 1.
ويصوّر سبقُ زكاة العين في الثمار ببدو الصلاح فيها قبل تمام الحول وزرعها ببِذْر التجارة.
(ثم يفتتح حولًا لزكاة العين أبدًا) من منقرض حول التجارة 2، وتستمر زكاة العين أبدًا، وما مضى من السوم في بقية الحول الأول غير معتبر، والثاني: أنَّا نعطل ما سبق من حول التجارة، وإنما نوجب زكاة العين عند تمام حولها؛ لما سبق من كونها أقوى، والثالث: يُبنى حول السائمة على حول التجارة كعكسه، أما إذا غلّبنا زكاة التجارة.. فيزكيها في آخر حولها جزمًا.
(وإذا قلنا: عامل القراض لا يملك الربح بالظهور) وهو الأصح، بل بالقسمة؛ كما سيأتي في بابه (.. فعلى المالك زكاةُ الجميع) أي: رأسِ المال والربح؛ لأن الجميع مِلكه.
(فإن أخرجها من مال القراض.. حُسبت من الربح في الأصح) المنصوص؛ كالمؤن التي تلزم المال؛ من أجرة الدَّلال، وفطرة عبيد التجارة، وجنايتهم، والثاني: أنها من رأس المال خاصةً؛ لأن الوجوب على من له المال، والتفريع على أنه للمالك لا للعامل، والثالث: زكاة الربح من الربح، وزكاة الأصل من الأصل؛ لأنها وجبت فيهما.
وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ.. لَزِمَ الْمَالِكَ زَكَاةُ رَأْسِ الْمَال، وَحِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَامِلَ زَكَاةُ حِصَّتِهِ.
(وإن قلنا: يملك بالظهور.. لزم المالكَ زكاةُ رأس المال، وحصتِه من الربح) لأنه مالك لهما (والمذهب: أنه يلزم العامل زكاةُ حصته) من الربح؛ لتمكنه من التوصل إليه متى شاء بالقسمة، فأشبه الدين الحالَّ على مليء، والطريق الثاني: القطع بالمنع؛ لعدم استقرار ملكه؛ لكونه وقايةً لرأس المال عن الخسران، والطريق الثالث: أنه على قولين؛ كالمغصوب؛ لأنه غير متمكن من كمال التصرف.
وإذا أوجبنا الزكاة على العامل.. لم يلزمه إخراجها قبل القسمة على المذهب.
بابُ زكاة الفِطر
تَجِبُ بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ فِي الأَظْهَرِ، فَتُخْرَجُ عَمَّنْ مَاتَ بَعْدَ الْغُرُوبِ دُونَ مَنْ وُلِدَ. وَيُسَنُّ أَلَّا تُؤَخَّرَ عَنْ صَلَاتِهِ،
(باب زكاة الفِطر)
سُمِّيت بذلك؛ لأن وجوبها بدخول الفطر، ويقال: زكاة الفطرة بكسر الفاء والتاء في آخره؛ لأنها تُخرج عن الفطرة، وهي الخِلْقَة.
(تجب بأول ليلة العيد في الأظهر) 1 لأنها مضافة في الحديث إلى الفطر من رمضان، وهو ما في "الصحيحين" عن ابن عمر رضي الله عنهما: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير، على كلّ حرّ أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين) 2.
وبأول الليل: خرج وقتُ الصوم، ودخلَ وقتُ الفطر.
والثاني: أنها تجب بطلوع الفجر يوم العيد؛ لأنها قربة متعلقة بالعيد، فلا تتقدم على وقتها؛ كالأضحية؛ كذا علّله الرافعي 3، واعترضه الإسنوي: بأن وقت العيد من طلوع الشمس لا الفجر 4، والثالث: أنها تجب بمجموع الوقتين؛ لتعلقها بالفطر والعيد جميعًا.
(فتُخرج) تفريعًا على الأظهر (عمن مات بعد الغروب) ممن يُؤدَّى عنه؛ من زوجة، وقريب، وعبد؛ لوجود السبب في حياته، بشرط: أن يكون فيه عند الغروب حياة مستقرة، (دون من وُلد) وتجدد؛ من زوجة، ورقيق بعد الغروب؛ لعدم إدراكه الموجب، وعلى الثاني: ينعكس الحكم، وعلى الثالث: لا وجوب فيهما.
(ويسن ألا تؤخر عن صلاته) بل يندب تقديمها عليها؛ لحديث ابن عمر: (أن
وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِهِ. وَلَا فِطْرَةَ عَلَى كَافِرٍ إِلَّا فِي عَبْدِهِ وَقَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ فِي الأَصَحِّ،
النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصدقة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) متفق عليه 1.
قال السبكي: ولو قيل: بوجوب إخراجها قبل الصلاة.. لم يبعد؛ لظاهر الأمر.
(ويحرم تأخيرها عن يومه) بلا عذر؛ لأنه قد ورد: "أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ" 2، فلو أخّر.. عصى، وقضى؛ لخروج الوقت.
(ولا فطرة على كافر) أصلي في نفسه ولا غيره من الكفار إجماعًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مِنَ الْمُسْلِمِينَ" 3، والمراد: أنه ليس بمطالب بإخراجها.
وأما العقوبة في الآخرة: فعلى الخلاف في تكليفه بالفروع، كما قاله في "شرح المهذب" 4، وقال السبكي: يحتمل أن هذا التكليف الخاص لم يشملهم، لقوله في الحديث: "مِنَ الْمُسْلِمِينَ".
وأما المرتد.. ففي وجوبها عليه وعلى من يَمُونه الأقوال في بقاء مِلكه، قاله في "شرح المهذب" 5.
(إلا في عبده وقريبه المسلم) وكلّ مسلم يلزم الكافر نفقته؛ كمستولدته المسلمة، وزوجته الذمية إذا أسلمت وغربت الشمس وهو متخلف، وأوجبنا نفقة مدة التخلّف؛ كما هو الأصحُّ، ومستولدة والدهِ المسلم، وخادم زوجته (في الأصح) كالنفقة عليهم.
والخلاف مبني على أن من وجبت فطرته على غيره هل وجبت عليه ثمّ تحملها عنه المُخرِج، أو وجبت على المُخرِج ابتداءً؟ وفيه وجهان: أصحهما: أنه بطريق التحمل.
وكان ينبغي أن يقول: (المسلمين) بالتثنية، أو يعطف القريب بـ (أو).
وَلَا رَقِيقٍ -وَفِي الْمُكَاتَبِ وَجْهٌ، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ يَلْزَمُهُ قِسْطُهُ- وَلَا مُعْسِرٍ. فَمَنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ فِي نَفَقَتِهِ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ شَيْءٌ.. فَمُعْسِرٌ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ لَزِمَهُ فِطْرَتُهُ.. لَزِمَهُ فِطْرَةُ مَنْ لَزِمَهُ نَفَقَتُهُ،
(ولا رقيق) لعدم ملكه، أو ضعفه، (وفي المكاتب وجه) أنها تجب عليه في كسبه عن نفسه، وزوجته، ورقيقه؛ كنفقتهم، وفي وجه: أنها تجب على السيد؛ لأنه مِلكه، والأصح: المنع مطلقًا؛ لضعف ملكه، والخلاف في الكتابة الصحيحة، أما الفاسدة.. فتجب على السيد جزمًا.
(ومن بعضه حرّ.. يلزمه قسطه) 1 أي: يلزمه من الفطرة بقدر ما فيه من الحرية، وباقيها على مالك الباقي؛ لأن الفطرة تتبع النفقة وهي مشتركة.
نعم؛ إن كان بينهما مهايأة.. فتجب على من وقع وقت الوجوب في نوبته في الأصح، وحكم العبد المشترك: حكم المبعض.
(ولا معسرٍ) بالإجماع، ثم حدَّه بقوله: (فمن لم يفضُلْ عن قوته وقوتِ مَنْ في نفقته) من آدمي أو بهيمة (ليلة العيد ويومَه شيءٌ.. فمعسر) لأن القوت لا بدّ منه.
(ويشترط: كونه فاضلًا عن مسكن، وخادم يحتاج إليه) لخدمته (في الأصح) كما في الكفارة بجامع الطهر، ويشترط: كونهما لائقين به، والثاني: لا يشترط كونه فاضلًا عن ذلك؛ لأن الكفارة لها بدل، بخلاف الفطرة، فهي كالدين.
ويشترط أيضًا: كونه فاضلًا عن دَسْت ثوب يليق به، وعن كسوة من تلزمه نفقتهم على الصحيح، وكذا عمَّا عليه من الدين؛ كذا نقل الإمام الاتفاق عليه، وحكاه المصنف في "نكت التنبيه" عن الأصحاب، وجزم به في "الحاوي الصغير"، لكن الأصح في "الشرح الصغير": أنه لا يشترط ذلك، وهو مقتضى كلام "الكبير"، وقال الأَذْرَعي: إنه المذهب المنصوص 2.
(ومن لزمه فطرتُه.. لزمه فطرة من لزمه نفقتُه) بقرابة، أو زوجية، أو ملك إذا
لكِنْ لَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ فِطْرَةُ الْعَبْدِ وَالْقَرِيبِ وَالزَّوْجَةِ الْكُفَّارِ، وَلَا الْعَبْدَ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ، وَلَا الابْنَ فِطْرَةُ زَوْجَةِ أَبيهِ، وَفِي الابْنِ وَجْهٌ. وَلَوْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ أَوْ كَانَ عَبْدًا.. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ فِطْرَتُهَا، وَكَذَا سَيِّدُ الأَمَةِ
كانوا مسلمين ووجد ما يؤدي عنهم؛ لقوله عليه السلام: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ" رواه مسلم 1.
والباقي بالقياس عليه، والجامع: وجوبُ النفقة، والإجماع منعقد على أن الفطرة تجب على الغير بسبب الغير في الجملة.
(لكن لا يلزم المسلمَ فطرةُ العبد والقريب والزوجة الكفار) وإن وجبت نفقتهم؛ لقوله عليه السلام في الحديث المار: "من المسلمين" 2.
(ولا العبدَ فطرةُ زوجته) وإن أوجبنا عليه نفقتها في كسبه ونحوه؛ لأنه ليس أهلًا لزكاة نفسه فكيف يتحمل عن غيره؟ !
واحترز بـ (العبد) عن المبعَّض؛ فإنه يجب عليه المقدار الذي يجب على نفسه.
(ولا الابنَ فطرةُ زوجة أبيه) وإن وجبت عليه نفقتها؛ لأن فقد النفقة يسلطها على الفسخ، فيحتاج الولد إلى تزويجه، بخلاف الفطرة، (وفي الابن وجه) أنها تجب عليه كنفقتها، والفرق: ما ذكرناه.
ويستثنى أيضًا مسائل؛ منها: عبدُ بيت المال تجب نفقته ولا تجب فطرته على الأصح، ومنها: الموقوف على جهة، أو مُعيَّن على الأصح أيضًا.
(ولو أعسر الزوج، أو كان عبدًا.. فالأظهر: أثه يلزم زوجته الحرةَ فطرتُها) إذا أيسرت بها.
(وكذا سيد الأمة) في الأصح؛ بناء على أن الوجوب يلاقي المؤدّى عنه ابتداءً، ثم يتحملها المؤدِّي، فإذا لاقى الزوجة أولًا ولم يكن الزوج أهلًا للتحمل؛ لإعساره.. استقرَّ الأمر على من وجب عليه أولًا، والثاني: لا يجب عليهما؛ بناءً على أنه يلاقي المُخرِج ابتداءً.
قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: لَا تلزَمُ الْحُرَّةَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوِ انْقَطَعَ خَبَرُ الْعَبْدِ.. فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ إِخْرَاجِ فِطْرَتِهِ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ: إِذَا عَادَ، وَفِي قَوْل: لَا شَيْءَ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ مَنْ أَيْسَرَ بِبَعْضِ صَاعٍ.. يَلْزَمُهُ، وَأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ بَعْضَ الصِّيعَانِ.. قَدَّمَ نَفْسَهُ، ثُمَّ زَوْجَتَه، ثُمَّ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ، ثُمَّ الأَبَ، ثُمَّ الأُمَّ، ثُمَّ
(قلت: الأصح المنصوص: لا تلزم الحرة، والله أعلم) لكمال تسليمها، بخلاف الأمة، فإنها وإن سلمت إليه.. فهي في قبضة السيد، ألا ترى أنَّ له استخدامها والمسافرةَ بها، وحينئذ فلا تكون الفطرة متحولة عنه، وإنما الزوج كالضامن لها، فماذا لم يقدر على الأداء.. بقي الوجوب على السيد كما كان.
(ولو انقطع خبرُ العبد.. فالمذهب: وجوب إخراج فطرته في الحال) أي: في يوم العيد أو ليلته؛ لأن الأصل بقاء حياته، (وقيل: إذا عاد) كزكاة المال الغائب، وفرق الأول: بأن التأخير إنما جوز هناك للنماء، وهو غير معتبر في زكاة الفطر، (وفي قول: لا شيء) بالكلية؛ لأن الأصل براءة الذمة.
ومحل الخلاف: ما إذا لم تنته الغيبة إلى مدة يجوز للحاكم أن يحكم فيها بموته وأنَّ مثله يورث؛ فإن انتهى إلى ذلك.. فلا خلاف في عدم الوجوب، قاله الرافعي في (الفرائض) 1.
ولو لم ينقطع خبر العبد؛ فإن كان في طاعة سيده.. وجبت فطرته، وإن كان آبقًا.. فكالمغصوب والضال، والمذهب: الوجوب.
(والأصح: أن من أيسر ببعض صاع.. يلزمه) اعتبارًا بالميسور، والثاني: لا؛ كبعض الرقبة في الكفارة، وفرق الأول: بأن الكفارة لها بدل، بخلاف الفطرة.
(وأنه لو وَجد بعض الصيعان.. قدَّم نفسه) لحديث: "أبْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ" 2، (ثم زوجتَه) إن فضل عن نفسه صاع آخر؛ لأن نفقتها معاوضة لا تسقط بمضي الزمان.. فهي آكد، (ثم ولدَه الصغير) لأنه أعجز ممن بعده، ونفقته ثابتة بالنصّ والإجماع، (ثم الأبَ) لشرفه، (ثم الأمَّ) لقوة حرمتها بالولادة، (ثم)
الْكَبِيرَ. وَهِيَ: صَاعٌ، وَهُوَ: سِتُّ مِئَةِ دِرْهَمٍ وَثَلَاثةٌ وَتِسْمعُونَ وَثُلُثٌ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: سِتُّ مِئَةٍ وَخَمْسَة وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ؛ لِمَا سَبَقَ فِي زَكَاةِ النَّبَاتِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَجِنْسُهُ: الْقُوتُ الْمُعَشَّرُ،
الولد (الكبيرَ) حيث تجب نفقته يقدم في الفطرة على الرقيق؛ لأن علاقته لازمة بخلاف الملك.
وهذا الترتيب ذكراه أيضًا هكذا في "الشرح" و"الروضة" 1، لكن صححا في (النفقات): تقديمَ الأم في النفقة على الأب 2، وفرَّق في "شرح المهذب": بأن النفقة لسدِّ الخَلَّة والأم أحوج، والفطرةَ لتطهير المُخرَج عنه وتشريفه، والأب أحقّ به؛ فإنه منسوب إليه ويشرف بشرفه.
انتهى 3.
ونُقِض الفرقُ بتقديم الولد الصغير على الأبوين، وهما أشرف منه؛ فدلّ على اعتبارهم الحاجة في البابين، ومقابل الأصح في كلام المصنف: تسعة أوجه، تُعرف بمراجعة المبسوطات.
(وهي: صاع) لحديث ابن عمر المارّ في أول الباب 4؛ فهو خمسة أرطال وثلث تقريبًا؛ كما نقله في "الروضة"، و"شرح المهذب" عن الدارمي، وخالف في "رؤوس المسائل"، فقال: إنه تحديد 5.
(وهو ست مئة درهم وثلاثة وتسعون وثلث، قلت: الأصح: ست مئة وخمسة وثمانون درهمًا وخمسة أسباع درهم؛ لما سبق في زكاة النبات) من كون الرطل مئة وثمانية وعشرين درهمًا وأربعة أسباع درهم (والله أعلم) وقد سبق في (زكاة النبات) إيضاحه.
(وجنسه: القوت المعشَّر) أي: الذي يجب فيه العشر أو نصفه على ما سبق في
وَكَذَا الأَقِطُ فِي الأَظْهَرِ. وَتَجِبُ مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ، وَقِيلَ: قُوتهِ،
موضعه؛ لأن النصَّ قد ورد في بعض المعشرات؛ كالبرّ والشعير والتمر والزبيب، وقيس الباقي عليه بجامع الاقتيات.
(وكذا الأقِطُ في الأظهر) لثبوته في "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدري 1، ولهذا قطع بعضهم به، والثاني: أنه لا يجزئ؛ لأنه لا عشر فيه، فأشبه التين ونحوه، وقيل: يجزئ أهل البادية دون الحاضرة، حكاه في "شرح المهذب" 2، وإذا جوزناه.. فلا يجزئ المملّح الذي أفسد كثرة الملح جوهره؛ لأنه معيب، وإذا كان الملح ظاهرًا فيه ولم يفسده.. اشترط أن يخرج منه قدرًا يكون محض الأَقِط منه صاعًا.
وقد يفهم اقتصاره على (الأقط) أنه لا يجزئ الجبن الذي لم ينزع زبده، واللبن، والمذهب: إجزاؤهما، بخلاف المنزوع زبده.
(وتجب من قوت بلده) كالكفارة، قال في "البسيط" و"الوسيط": والمعتبر: غالب قوت البلد وقت وجوب الفطرة لا في جميع السنة، وقال في "الوجيز": غالب قوت يوم الفطر، قال الرافعي: وهذا التقييد لم أظفر به في كلام غيره، قال في "شرح المهذب": وهو غريب كما قال، والصواب: أن المراد: قوت السنة، كما سنوضحه، ثم بسط ذلك، قال في "المهمات": وحاصله -يعني: ما في "شرح المهذب"-: تصحيح اعتبار الغلبة في وقت من أوقات السنة، قال: وتقييد "الوسيط" ذكره أيضًا في "الذخائر"، وهو القياس.
انتهى 3
(وقيل: قوتِه) لأنها تابعة للمؤنة وواجبة في الفاضل عنها، فكانت منها، وكما تعتبر في الزكاة ماشيته، والمراد بـ (قوته) هو: اللائق به، لا ما يأكله بخلًا أو تنعمًا على الأصح.
وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الأَقْوَاتِ، وَيُجْزِئُ الأَعْلَى عَنِ الأَدْنَى، وَلَا عَكْسَ، وَالاعْتِبَارُ بِالْقِيمَةِ فِي وَجْهٍ، وَبِزِيَادَةِ الاقْتِيَاتِ فِي الأَصَحِّ، فَالْبُرُّ خَيْر مِنَ التَّمْرِ وَالأَرُزِّ، وَالأَصحُّ: أَنَّ الشَّعِيرَ خَيْرٌ مِنَ التَّمْرِ، وَأَنَّ التَّمْرَ خَيْر مِنَ الزَّبِيبِ. وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ قُوتٍ، وَعَنْ قَرِيبهِ أَعْلَى مِنْهُ. وَلَا يُبَعَّضُ الصَّاعُ. وَلَوْ كَانَ فِي بَلَدٍ أَقْوَات لَا غَالِبَ فِيهَا.. تَخَيَّرَ، وَالأَفضَلُ أَشْرَفُهَا
(وقيل: يتخير بين الأقوات) لظاهر حديث أبي سعيد الخدري: (صاعًا من طعام، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من شعير) 1، وأجاب الأول: بأن (أو) فيه للتنويع.
(ويجزئ الأعلى عن الأدنى) لأنه زاد خيرًا، (ولا عكس) لما فيه من الإضرار بالمستحقين.
(والاعتبار) في الأعلى والأدنى (بالقيمة في وجه) رفقًا بالمساكين (وبزيادة الاقتيات في الأصح) لأنه المقصود، ثم فرع عليه فقال:
(فالبر خير من التمر والأرُزِّ) لأنه أقوت منهما، (والأصح: أن الشعير خير من التمر) لأنه أبلغ في الاقتيات، (وأن التمر خير من الزبيب) لما ذكرناه، والثاني: أن التمر خير من الشعير، وأن الزبيب خير من التمر؛ نظرًا إلى القيمة، وأخذ من كلامه: أن الشعير خير من الزبيب من باب أولى.
(وله أن يخرج عن نفسه من قوت، وعن قريبه أعلى منه) لأنه زاد خيرًا.
(ولا يبعّض الصاع) المخرج عن الشخص الواحد؛ بأن يخرج بعضه من الغالب وبعضه من الأعلى؛ كما لا يجوز في كفارة واحدة أن يطعم خمسة ويكسو خمسة.
(ولو كان في بلد أقوات لا غالب فيها.. تخير) إذ ليس تعيين البعض بأولى من تعيين الآخر.
(والأفضل: أشرفها) لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ولو كانوا في بلد لا قوت لهم فيها.. أخرجوا من قوت أقرب البلاد إليهم؛ فإن استوى بلدان.. تخيروا الأفضل الأعلى.
وَلَوْ كَانَ عَبْدُهُ بِبَلَدٍ آخَرَ.. فَالأَصَحّ: أَنَّ الاعْتِبَارَ بِقُوتِ بَلَدِ الْعَبْدِ. قُلْتُ: الْوَاجِبُ الْحَبّ السَّلِيمُ، فَلَوْ أَخْرَجَ مِنْ مَالِهِ فِطْرَةَ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ الْغَنِيِّ.. جَازَ كَأَجْنَبِيٍّ أَذِنَ، بِخِلَافِ الْكَبِيرِ،
(ولو كان عبده ببلد آخر.. فالأصح: أن الاعتبار بقوت بلد العبد) بناء على أنها وجبت على العبد ثم تحملها السيد، والشيء لا يتحمل إلا كما وجب، والثاني: الاعتبار ببلد السيد؛ بناء على أنها وجبت عليه ابتداء.
(قلت: الواجب: الحبّ) فلا تجزئ القيمة قطعًا، ولا الدقيق والسويق والخبز؛ لأن الحبّ يصلح لما لا تصلح هذه الثلاثة، (السليم) فلا يجزئ المعيب بسُوس ونحوه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ واستثنى القاضي: ما إذا لم يكن له سواه وهو يقتاته، حكاه عنه في "الكفاية" وأقره، ثم قال: وعلى هذا: ينبغي أن يخرج من المُسوِّس قدرًا يتحقق أن حبه يملأ الصاع؛ كما سبق نقله في الأَقِط 1.
(فلو أخرج من ماله فطرةَ ولده الصغير الغني.. جاز) لأنه مستقلّ بتمليكه، فكأنه مَلّكه ذلك ثم أخرجه عنه، والجد كالأب، والمجنون كالصغير، أما الوصي والقيّم.. فلا يجوز لهما ذلك إلا بإذن القاضي؛ كما جزم به في "شرح المهذب" 2؛ لأن اتحاد المُوجِب والقابل يختص بالأب والجد.
وقضية إطلاق المصنف: أنه لا فرق في الأب بين أن يلي المال أم لا، وقضية التعليل: أنه مختص بمن يلي المال؛ فإن لم يكن لعدم الأهلية.. فيكون كالأجنبي.
(كأجنبي أَذن) كما لو قال لغيره: (اقض ديني) فإن لم يأذن له.. لم يجزه قطعًا؛ لأنها عبادةٌ مفتقرة إلى النية.
(بخلاف الكبير) فإنه لا بد من إذنه؛ لعدم استقلاله بتمليكه، وقيده في "شرح المهذب" بالرشيد 3؛ فأفهم أن السفيه كالصغير، وفيه نظر؛ لأنه من أهل قبول الهبات بغير إذن الولي على الصحيح.
وَلَوِ اشْتَرَكَ مُوسِرٌ وَمُعْسِرٌ فِي عَبْدٍ.. لَزِمَ الْمُوسِرَ نِصْفُ صَاعٍ، وَلَوْ أَيْسَرَا وَاخْتَلَفَ وَاجِبُهُمَا.. أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ وَاجِبِهِ فِي الأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(ولو اشترك موسر ومعسر في عبد) والمعسر محتاج إلى خدمته بحيث لا يُكلَّف بيعَه؛ كما سبق (.. لزم الموسر نصف صاع) إذا كانت حصته منه النصف؛ لأنه الواجب عليه.
(ولو أيسرا) أي: السيدان (واختلف واجبهما) لاختلاف قوت بلدهما؛ بأن كان السيدان في بلدين مختلفي القوت (.. أخرج كلُّ واحد نصفَ صاع من واجبه في الأصح، والله أعلم) لأنهما إذا أخرجا هكذا.. أخرج كلُّ واحد منهما جميعَ واجبه من جنس واحد، والثاني: لا يجزئ التبعيض؛ لأن المخرج عنه واحد، بل يخرجان من أدنى القوتين؛ لما في تكليف أعلاهما من الحرج على الشريك، والثالث: من أعلاهما؛ نظرًا للفقراء، والرابع: من قوت بلد العبد؛ لأنه طُهْر له.
واعلم: أن الأوجه الثلاثة الأُوَلَ مفرعة على أن الفطرة تجب ابتداء على المُخرِج؛ فإن قلنا: بالتحمل، وهو الأصحُّ.. تعين الرابع، كذا صرح به الرافعي بعد أن صحح كما صحح المصنف، لكنه في "الروضة" أهمل هذا التفريع نسيانًا، وجعلها مسألة مستقلة، فحصل ما حصل، ثم أخذ من "الروضة" إلى زيادة "المنهاج" وإلى "التصحيح"، وقد ذكره في "شرح المهذب" على الصواب، وكيف يستقيم ما في "الكتاب" مع قوله أولًا: (فالأصح: أن الاعتبار بقوت بلد العبد)، نبه عليه الإسنوي 1.
باب من تلزمه الزكاة، وما تجب فيه
شَرْطُ وُجُوبِ زَكَاةِ الْمَالِ: الإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَتلزَمُ الْمُرْتَدَّ إِنْ أَبْقَيْنَا مِلْكَهُ، دُونَ الْمُكَاتبَ. وَتَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ،
(باب من تلزمه الزكاة، وما تجب فيه)
أي: شروط من تجب عليه، وشروط المال الذي تجب فيه.
(شرط وجوب زكاة المال) السالفِ ذكرُه، وهو: الحيوان والنبات والنقدان والمعدن والركاز والتجارة (الإسلامُ) فلا تجب على كافر أصلي؛ بمعنى: أنه لا يطالب بها في حال كفره، ولا بعد إسلامه، أما أصل الوجوب المقتضي للعقاب.. فعلى الخلاف في تكليفه بالفروع، (والحرية) فلا زكاة على قِنٍّ ولو مدبرًا، وأم ولد؛ لعدم مِلكه.
(وتلزم المرتدّ إن أبقينا مِلكه) مؤاخذةً له بحكم الإسلام، فإن قلنا بزواله.. فلا تلزمه، أو موقوف.. فموقوف.
وصورة المسألة: إذا مضى عليه حول في الردة أو ارتدّ قبل تمامه بساعة ولم يُقتل، أو لم يسلم إلا بعد انقضاء الحول، فلو قتل في أثنائه.. فلا زكاة، أما إذا وجبت الزكاة، ثم ارتدّ.. أُخذت من ماله بالاتفاق، كما قاله في "شرح المهذب" 1.
(دون المكاتب) لضعف مِلكه، ولم يكن به حاجة إلى هذا؛ لأنه عُلم من اشتراط الحرية.
ويشترط أيضًا: كون المالك معينًا، فلا زكاة في الموقوف على جهة عامة بخلاف المعيَّن، وكونه متيقن الوجود، فلا زكاة في مال الحمل بإرث أو وصية على الأصحِّ.
(وتجب في مال الصبي والمجنون) لحديث: "ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيتامَى لَا تَسْتَهْلِكْهَا الصَّدَقَةُ" رواه الشافعي مرسلًا 2، وقد اعتضد بقول خمسة من الصحابة رضي الله عنهم؛ كما قاله الإمام أحمد، وبالقياس على زكاة المُعشَّرات وزكاة الفطر،
وَكَذَا مَنْ مَلَكَ بِبَعْضِهِ الْحُرِّ نِصَابًا فِي الأَصَحِّ، وَفِي الْمَغْصُوبِ وَالضَّالِّ وَالْمَجْحُودِ فِي الأَظْهَرِ، وَلَا يَجِبُ دَفْعُهَا حَتَّى يَعُودَ،
فإن الخصم -وهو أبو حنيفة- قد وافق عليهما.
وهل يقال: وجبت عليهما في مالهما والولي مخاطب بالأداء؛ كنفقة الأقارب، أو لا يجب عليهما وإنما تجب في مالهما والولي مخاطب بأدائها؟ وجهان في "الكفاية"، والأصحُّ: أنها تجب عليهما، والولي مخاطب بالأداء؛ كنفقة الأقارب 1.
قال القفال في "فتاويه": والاحتياط لقيِّم الصبي إذا كان حنفيًا: أن يحبس زكاته حتى يبلغ فيخبره، ولا يخرجها فيغرمه الحاكم.
(وكذا من ملك ببعضه الحرِّ نصابًا في الأصح) لتمام مِلكه عليه، ولهذا قال الشافعي: يُكَفِّر كالموسر 2، وتلزمه زكاة الفطر بقدر ما فيه من الحرية، والثاني: لا؛ لنقصانه بالرقِّ، كالمكاتب.
(وفي المغصوب والضالّ والمجحود في الأظهر) لملك النصاب وتمام الحول، والثاني: لا؛ لامتناع النماء والتصرف، فأشبه مال المكاتب، لا تجب فيه الزكاة على السيد، وقيل: إن عاد بالنماء؛ كالسائمة.. وجبت، وإلا؛ كالنقد.. فلا.
ومن أمثلة القولين: المسروق، وما إذا وقع في بحر ونحوه، وما دفنه ثم نسي مكانه.
وشرط المغصوب والمجحود: ألَّا يكون له به بينة، فإن كان.. وجب الإخراج قطعًا؛ لأنه مقصِّر، وكذلك إذا علم القاضي به وقلنا: يقضي بعلمه، قاله الرافعي 3.
(ولا يجب دفعها حتى يعود) أي: المغصوب وغيره مما تقدم، لعدم التمكن قبله، فإذا عاد.. زكَّاه للأحوال الماضية، بشرط كون الماشية: سائمة عند المالك
وَالْمُشْتَرَى قَبْلَ قَبْضِهِ، وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ. وَتَجِبُ فِي الْحَالِ عَنِ الْغَائِبِ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا.. فَكَمَغْصُوبٍ. وَالدَّيْنُ إِنْ كَانَ مَاشِيَةً، أَوْ غَيْرَ لَازِمٍ كَمَالِ كِتَابَةٍ.. فَلَا زَكَاةَ،
والغاصب، وألَّا ينقص النصاب بما يجب إخراجه؛ فإن كان نصابًا فقط وليس عنده من جنسه ما يُعوّض قدرَ الواجب.. لم تجب زكاة ما زاد على الحول الأول.
(والمشترى قبل قبضه) أي: تجب فيه الزكاة قطعًا إذا مضى عليه حول من حين دخوله في مِلكه لا من الشراء؛ لتمكنه من قبض المبيع بدفع الثمن 1، (وقيل: فيه القولان) في المغصوب ونحوه؛ لأن التصرف فيه لا يصح.
(وتجب في الحال عن الغائب إن قَدَرَ عليه) لأنه كالمال الذي في صندوقه، ويجب أن يخرج في بلد المال إن منعنا نقل الزكاة، هذا إذا كان المال مستقرًا في بلد، فإن كان سائرًا.. لم تُخرج زكاته حتى يصل إليه، نقلاه عن صاحب "العدة"، وأقراه، وقاله الماوردي أيضًا 2.
(وإلا) أي: وإن لم يقدر عليه؛ لانقطاع الطريق ونحوه (.. فكمغصوب) فيأتي فيه ما سلف؛ لعدم القدرة في الموضعين.
(والدين إن كان ماشيةً) بأن أقرضه أربعين من الغنم، أو أسلم إليه فيها، ومضى عليه حول قبل قبضه.
(أو غير لازم؛ كمال كتابةٍ.. فلا زكاة) لأن علة الزكاة في الماشية النماءُ ولا نماء فيها في الذمة، بخلاف النقد؛ فإن العلة فيه كونه نقدًا وهو حاصل، ولأن السوم شرط، وما في الذمة لا يتصف بالسوم، وأما دين الكتابة.. فلكونه غير لازم، كما ذكره المصنف 3؛ إذ للعبد إسقاطه متى شاء بتعجيز نفسه.
أَوْ عَرْضًا أَوْ نَقْدًا.. فَكَذَا فِي الْقَدِيمِ، وَفِي الْجَدِيدِ: إِنْ كَانَ حَالًّا وَتَعَذَّرَ أَخْذُهُ لإِعْسَارٍ وَغَيْرِهِ.. فَكَمَغْصُوبٍ، وَإِنْ تَيَسَّرَ.. وَجَبَ تَزْكِيَته فِي الْحَالِّ. أَوْ مُؤَجَّلًا.. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَمَغْصُوبٍ، وَقِيلَ: يَجِبُ دَفْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهِ. وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَهَا فِي أَظْهَرِ الأَقْوَالِ،
(أو عرضًا) للتجارة (أو نقدًا.. فكذا في القديم) أي: لا زكاة فيه؛ إذ لا ملك فيه حقيقة، فأشبه دين المكاتب، (وفي الجديد: إن كان حالًّا وتعذر أخذه لإعسار وغيره) كغيبة ومطل وجحود، ولا بينة (.. فكمغصوب) فيأتي فيه الخلاف السالف، فلو كان مُقَرًّا له في الباطن.. وجبت الزكاة دون الإخراج قطعًا، قاله في "الشامل".
(وإن تيسر) بأن كان على مقرٍّ مليء باذل، أو جاحد وبه بينة، أو يعلمه القاضي وقلنا: يقضي بعلمه (.. وجبت تزكيته في الحال) لأنه مقدور على قبضه؛ فهو كالمودع.
(أو مؤجلًا.. فالمذهب: أنه كمغصوب) فيجيء فيه ما سلف؛ لأنه لا يتوصل إلى التصرف فيه قبل الحلول، وقيل: تجب الزكاة قطعًا، وقيل: عكسه.
ومثار الخلاف: أن الدين مملوك أم لا؟ وفيه خلاف، وإذا قلنا بالمِلك.. فتصرفه فيه متعذر.
(وقيل: يجب دفعها قبل قبضه) كالغائب الذي يسهل إحضاره، والأصحُّ: الأول؛ لأن المؤجل إذا كان مثلًا مئتين.. فلا سبيل إلى القناعة بما دون الخمسة، ولا إلى التكليف بالخمسة؛ لأن الخمسة نقدًا أكثر منها نسيئة.
قال السبكي: وينبغي أن يكون المراد بقولهم: (قبل قبضه): قبل حلوله؛ فإن محل الخلاف: إذا كان الدين على مليء مُقِرّ، ولا مانع سوى الأجل، وحينئذ فمتى حلَّ.. وجب الإخراج قبض أم لم يقبض.
(ولا يمنع الدينُ وجوبَها في أظهر الأقوال) لإطلاق النصوص الموجبة، والثاني: يمنع؛ لأن الزكاة حقّ يجب في الذمة بوجود مال، فمنع الدينُ وجوبها كالحج.
ومحل الخلاف: ما إذا لم يزد المال على الدين، فإن زاد وكان الزائد نصابا..
وَالثَّالِثُ: يَمْنَعُ فِي الْمَالِ الْبَاطِنِ، وَهُوَ النَّقْدُ وَالْعَرْضُ. فَعَلَى الأَوَّلِ: لَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِدَيْنٍ، فَحَالَ الْحَوْلُ فِي الْحَجْرِ.. فَكَمَغْصُوبٍ. وَلَوِ اجْتَمَعَ زَكَاةٌ وَدَيْنُ آدَمِيٍّ فِي تَرِكَةٍ.. قُدِّمَتْ، وَفِي قَوْلٍ: الدَّيْنُ، وَفِي قَوْلٍ: يَسْتَوِيَانِ
وجبت زكاتُه قطعًا، ومحله أيضًا: ما إذا لم يكن له من غير المال الزكوي ما يقضي به الدين، فإن كان.. لم يمنع قطعًا.
(والثالث: يمنع في المال الباطن، وهو النقد والعرض) دون الظاهر، وهو المواشي، والزروع والثمار، والمعادن، والفرق: أن الظاهر ينمو بنفسه، أو هو نماء في نفسه، والباطنَ ليس كذلك، وإنما ألحق بالنامي؛ لاستعداده للاسترباح بالتصرف فيه وإخراجه، والدين يمنع من ذلك.
والتعبير بـ (النقد) مخرج غير المضروب؛ فالصواب: التعبير بـ (الذهب والفضة).
(فعلى الأول) وهو أن الدين لا يمنع الوجوب (لو حُجر عليه لدين، فحال الحول في الحجر.. فكمغصوب) لأنه حيل بينه وبين ماله؛ لأن الحَجْر مانع من التصرف.
هذا إذا لم يُفرّق القاضي ماله، ولا عَيّن لكل واحد شيئًا من المال بدينه؛ لأن الحَجْر منعه التصرف فأشبه المغصوب، أما إذا عيَّن لكل واحد شيئًا من مال المفلس بحسب التقسيط، وأذن له في أخذه، فحال الحول قبل أخذه.. فنقل الرافعي هنا عن قطع المعظم بأنه لا زكاة؛ لضعف مِلكه، فلو فَرَّق القاضي ماله بين الغرماء.. فقد زال ملكه، فلا زكاة عليه قطعًا 1.
(ولو اجتمع زكاة ودين آدمي في تركة.. قُدمت) لتعلُّقها بالعين، وفي الخبر: "فَدَيْنُ الله أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ" 2، ولأن مَصرِفها أيضًا إلى الآدميين، فقدمت؛ لاجتماع الأمرين فيها، (وفي قول: الدين) لأن حقوق الآدميين مبنية على المضايقة، (وفي قول: يستويان) فيوزع المال عليهما؛ لأن الحقّ المالي المضاف إلى الله تعالى يعود إلى الآدميين أيضًا، وهم المنتفعون به.
وَالْغَنِيمَةُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ إِنِ اخْتَارَ الْغَانِمُونَ تَمَلُّكَهَا وَمَضَى بَعْدَهُ حَوْلٌ، وَالْجَمِيعُ صِنْفٌ زَكَوِيّ، وَبَلَغَ نَصِيبُ كُلِّ شَخْصٍ نِصَابًا، أَوْ بَلَغَهُ الْمَجْمُوعُ فِي مَوْضِعِ ثبُوتِ الْخُلْطَةِ.. وَجَبَتْ زَكَاتُهَا، وَإِلَّا.. فَلَا. وَلَوْ أَصْدَقَهَا نِصَابَ سَائِمَةٍ مُعَيَّنًا.. لَزِمَهَا زَكَاتُهُ إِذَا تَمَّ حَوْلٌ مِنَ الإِصْدَاقِ. وَلَوْ أَكْرَى دَارًا أَرْبَعَ سِنِينَ بِثَمَانِينَ دِينَارًا وَقَبَضَهَا.. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ إِلَّا زَكَاةَ مَا اسْتَقَرَّ، فَيُخْرِجُ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ الأُولَى زَكَاةَ عِشْرِينَ لِسَنَةٍ،
ويجري الخلاف في اجتماع حقّ الله تعالى مطلقًا مع الدين، فيدخل في ذلك الحج، وجزاء الصيد، والكفارة، والنذر " كما صرح به في "شرح المهذب" 1.
نعم؛ يستثنى: اجتماع الجزية والدين، فإن الأصحَّ: استواؤهما، مع أن الجزية حقّ الله تعالى.
(والغنيمة قبل القسمة) وبعد الحيازة (إن اختار الغانمون تملّكها، ومضى بعده حولٌ، والجميع صنفٌ زكويّ، وبلغ نصيب كلّ شخص نصابًا، أو بلغه المجموع في موضع ثبوت الخُلطة.. وجبت زكاتها) كسائر الأموال، (وإلا) أي: وإن لم يختاروا التملك، أو اختاروا ولم يمض حول، أو مضى وهي أصناف، أو صنف غير زكوي، أو لم يبلغ نصيب كل واحد نصابًا، ولم يوجد شرط الخُلطة (.. فلا) زكاة؛ لعدم المِلك، أو ضعفه عند عدم اختيار التملّك، بدليل أنها تسقط بمجرد الإعراض، ولعدم معرفة كلّ واحد ما يحصل له، وما مقداره عند تعدد الأصناف.
(ولو أصدقها نصاب سائمة مُعيَّنًا) وعلمت بسومها (.. لزمها زكاته إذا تمّ حولٌ من الإصداق) سواء استقر بالدخول والقبض أم لا؛ لأنها ملكته بالعقد.
وخرج بالمعين: ما في الذمة، لأن ما في الذمة لا يتصف بالسوم؛ كما مرّ.
(ولو أكرى دارًا أربع سنين بثمانين دينارًا، وقبضها.. فالأظهر: أنه لا يلزمه أن يخرج إلا زكاة ما استقرَّ) لضعف المِلك قبل الاستقرار، لتعرضه للسقوط بانهدام الدار.
(فيُخرج عند تمام السنة الأولى زكاةَ عشرين لسنة) وهو نصف دينار؛ لأنها التي استقرَّ عليها مِلكه الآن.
ولِتَمَامِ الثَّانيَةِ زَكَاةَ عِشْرِينَ لِسَنَةٍ، وَعِشْرِينَ لِسِنَتَيْنِ، وَلِتَمَامِ الثَّالِثَةِ زَكَاةَ أَرْبَعِينَ لِسَنَةٍ وَعِشْرِينَ لِثَلَاثِ سِنِينَ، وَلِتَمَامِ الرَّابِعَةِ زَكَاةَ سِتِّينَ لِسَنَةٍ وَعِشْرِينَ لِأرْبَعٍ، وَالثَّانِي: يُخْرِجُ لِتَمَامِ الأُولَى زَكَاةَ الثَّمَانِينَ.
(ولتمام الثانية زكاةَ عشرين لسنة، وعشرين لسنتين) لأنه استقرَّ مِلكه على أربعين دينارًا، وكانت في مِلكه سنتين، ففيها ديناران، فيسقط منها ما أخرجه في السنة الأولى، وهو نصف دينار فيبقى عليه دينار ونصف.
(ولتمام الثالثة زكاةَ أربعين لسنة، وعشرين لثلاث سنين) لأنه استقرَّ مِلكه على ستين ثلاثَ سنين، وفيها أربعة دنانير ونصف، فيسقط منها ما أخرجه في الحولين، وهو ديناران فيبقى عليه ديناران ونصف.
(ولتمام الرابعة زكاةَ ستين لسنة، وعشرين لأربع) لأنه استقرَّ مِلكه على الثمانين، وكان يملكها أربع سنين، وفيها ثمانية دنانير، فيسقط منها ما أخرجه قبل ذلك، وهو أربعة دنانير ونصف، فيخرج الباقي وهو ثلاثة ونصف.
(و) القول (الثاني: يُخرج لتمام الأولى زكاةَ الثمانين) لأنه ملكها مِلكًا تامًّا؛ بدليل أنه لو كانت الأجرة جارية.. حلَّ له وطؤها، واحتمال سقوطها بالانهدام لا يقدح؛ كما في الصداق قبل الدخول.
وفرق الأول بين الأجرة والصداق: بأن الأجرة تجب في مقابلة المنافع، فينفسخ العقد بفواتها، والصداقَ ليس في مقابلتها؛ بدليل استقراره بموتها قبل الدخول.
وقضية حكايته الخلاف في الإخراج: أن الوجوب ثابت قطعًا، وهو المرجَّح، ومنهم من طرده في الوجوب.
وقوله: (وقبضها) ذكره لأجل الخلاف فقط، فإنه إذا لم يقبضها؛ فإن كانت في الذمة.. ففيها الخلاف في الدين، وإن كانت معينة.. فكالمبيع قبل القبض، والصحيح في الحالتين: وجوب الزكاة.
ومحل ما ذكره: إذا كان الإخراج من غيره؛ فإن كان من عينه.. نقص الواجب في السنة الثانية وما بعدها بقدر واجب ما أخرجه، ولا يخفى أن المثال فيما إذا كانت أجرة السنتين متساوية، فإن كانت متفاوتة.. زاد القدر المستقرّ في بعض السنين، ونقص في بعضها.
فَصْلٌ [في أداء الزكاة]
تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْفَوْرِ إِذَا تَمَكَّنَ، وَذَلِكَ بِحُضُورِ الْمَالِ وَالأَصْنَافِ. وَلَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ بِنَفْسِهِ زَكَاةَ الْمَالِ الْبَاطِنِ، وَكَذَا الظَّاهِرُ عَلَى الْجَدِيدِ، وَلَهُ التَّوْكِيلُ،
(فصل: تجب الزكاة) أي: أداؤها (على الفور إذا تمكَّن) بعد الحول (وذلك) أي: التمكن (بحضور المال والأصناف) للأمر بإيتاء الزكاة، مع حاجة المستحقين الدالة على الطلب، فيتحقق الوجوب في الحال.
نعم؛ لو أخَّر لانتظار قريب أو جار أو أحوج أو أصلح.. جاز على الأصحِّ، بشرط: عدم شدة ضرر الحاضرين، لكن يضمن إن تلف المال على الأصحِّ.
ويشترط في إمكان الأداء أيضًا: ألَّا يكون مشتغلًا بشيء يهمه من أمر دينه أو دنياه، قاله البغوي، وأقرَّاه 1.
(وله أن يؤدي بنفسه زكاة المال الباطن) وهو النقد، والعرض، والركاز، وزكاة الفطرة بالإجماع؛ كما قاله في "شرح المهذب" 2.
(وكذا الظاهر) وهو المواشي، والزروع، والثمار، والمعادن (على الجديد) قياسًا على الباطن، والقديم: وجوب الدفع إلى الإمام أو نائبه؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية، وظاهره: الوجوب، وإذا لزم الأخذ.. لزم المالك الدفع، وخالف الباطن؛ لأن للناس غرضًا في إخفاء أموالهم، ولا ينبغي تفويت ذلك عليهم، والظاهر لا يطلب إخفاؤه، ولا فرق في جريان الخلاف بين العادل وغيره على الأصح.
ومحل الخلاف: إذا لم يطلب الإمام، فإن طلب.. وجب الدفع إليه بلا خلاف؛ كما في "الروضة"، و"شرح المهذب" 3.
(وله التوكيل) في التفرقة حيث يجوز له التفرقة بنفسه؛ لأنه حقّ مالي فجاز التوكيل في أدائه؛ كحقوق الآدميين.
وَالصَّرْفُ إِلَى الإِمَامِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الصَّرْفَ إِلَى الإِمَامِ أَفْضَلُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَائِرًا. وَتَجِبُ النِّيَّةُ، فَيَنْوِي: (هَذَا فَرْضُ زَكَاةِ مَالِي)، أَوْ (فَرْضُ صَدَقَةِ مَالِي)، وَنَحْوَهُمَا، وَلَا يَكْفِي: (فَرْضُ مَالِي)،
وقضية إطلاقه: جواز توكيل الكافر والصبي، وهو كذلك؛ كما صرح به الرافعي في (الأضحية)، لكن ذكر الروياني في "البحر" أنه يشترط في الكافر والصبي: تعيين المدفوع إليه، وذكر البغوي مثله في الصبي، ولم يتعرض للكافر 1.
(والصرف إلى الإمام) لأنه نائب المستحقين، فجاز الدفع إليه؛ كولي اليتيم.
(والأظهر: أن الصرف إلى الإمام أفضل) لأنه أعرف بالمستحقين، وأقدر على التفرقة، (إلا أن يكون جائرًا) فالأفضل: أن يفرق بنفسه؛ لأن الجائر قد لا يعطيها لمستحقها، والثاني: الأفضل: الصرف إليه مطلقًا، والثالث: الأفضل: تفرقته بنفسه مطلقًا؛ ليخص الأقارب ونحوهم، وينال أجر التفريق.
ومحل الخلاف: في الأموال الباطنة؛ أما الظاهرة.. فدفعها إلى الإمام إذا كان عادلًا أفضلُ قطعًا؛ للخروج من الخلاف، وقيل: على الخلاف، وصحح في "شرح المهذب" استحباب صرف الظاهر إليه وإن كان جائرًا 2.
(وتجب النية) للخبر المشهور 3، والاعتبار فيها بالقلب (فينوي: هذا فرض زكاة مالي، أو فرض صدقة مالي ونحوهما) كزكاة مالي المفروضة، أو الصدقة المفروضة.
وقضية كلامه: اشتراط نية الفرضية مع نية الزكاة، وليس كذلك، بل الصحيح في "الروضة": القطع بعدم الاشتراط؛ لأنها لا تكون إلا فرضًا، وبهذا خالفت الصلاة 4.
(ولا يكفي فرض مالي) لأن ذلك يصدق على الكفارة، والنذر، وغيرهما،
وَكَذَا الصَّدَقَةُ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَالِ، وَلَوْ عَيَّنَ.. لَمْ يَقَعْ عَنْ غَيْرِهِ. وَتلزَمُ الْوَليَّ النّيَّةُ إِذَا أَخْرَجَ زَكَاةَ الصَبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. وَتَكْفِي نِيَّةُ الْمُوَكِّلِ عِنْدَ الصَّرْفِ إِلَى الْوَكِيلِ فِي الأَصَحِّ،
(وكذا الصدقة في الأصح) لصدقها على صدقة التطوع، والثاني: يكفي؛ لأنها قد عُهدت في القرآن لأداء الزكاة؛ كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية.
وقوله: (الصدقة) كذا في "الشرحين" و"الروضة" و"الكفاية" 1، لكن في "شرح المهذب": لو نوى الصدقة فقط.. لم يجزه على المذهب، وبه قطع الجمهور، وحكى الرافعي فيه وجها ضعيفًا، ولو نوى صدقة ماله، أو صدقة المال.. فوجهان: أصحهما: لا يجزيه 2.
والفرق بين المسألتين: أن الصدقة تطلق على غير المال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "فَكُلُّ تَكْبيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَة" 3.
(ولا يجب تعَيين المال) المخرج عنه؛ كالكفارات، فلو كان له خَمس من الإبل، وأربعون شاة، فأخرج شاة ناويًا للزكاة، ولم يعين بقلبه أحد النوعين.. جاز، وعَيَّنه لما شاء.
(ولو عين.. لم يمع عن غيره) ولو بان المعين تالفًا؛ لأنه لم ينو ذلك الغير؛ فإن نوى أنه إن بان ذلك المعيَّن تالفًا فعن غيره.. وقع عن ذلك الغير.
(وتلزم الولي النية إذا أخرج زكاة الصبي والمجنون) لأن النية واجبة، وقد تعذرت من المالك، فقام بها وليه؛ كالإخراج، والسفيه ملحق بهما؛ كما جزم به في "شرح المهذب"، وادعى الاتفاق عليه 4.
(وتكفي نية الموكل عند الصرف إلى الوكيل في الأصح) أي: عن نية الوكيل عند الصرف إلى المستحقين؛ لوجود النية من المخاطب بالزكاة مقارنة لفعله، والثاني: لا؛ كالحج.
وَالأَفْضَلُ أَنْ يَنْوِيَ الْوَكيلُ عِنْدَ التَّفرِيقِ أَيْضًا. وَلَوْ دَفَعَ إِلَى السُّلْطَانِ.. كَفَتِ النّيَّةُ عِنْدَهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ.. لَمْ يُجْزِ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِنْ نَوَى السُّلْطَانُ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ تلزَمُ السُّلْطَانَ النِّيَّةُ إِذَا أَخَذَ زَكَاةَ الْمُمْتَنِعِ، وَأَنَّ نِيَّتَهُ تَكْفِي
وفرق الأول: بأن العبادة في الحج فعلُ النائب فوجبت النية منه، وهي هنا بمال المُوكِّل فكفت نيته، ولو عزل مقدار الزكاة، ونوى عند العزل.. جاز في الأصحِّ، ولو نوى الموكِّل وحده عند تفرقة الوكيل.. جاز قطعًا، وكذا لو لم ينو الموكل، لكن فوَّض النية إلى الوكيل فنوى إذا كان الوكيل أهلًا للنية لا كافرًا وصبيًّا.
(والأفضل: أن ينوي الوكيل عند التفريق أيضًا) للخروج من هذا الخلاف.
(ولو دفع إلى السلطان.. كلفت النية عنده) وإن لم ينو السلطان عند الصرف؛ لأنه نائب المستحقين، فالدفع إليه كالدفع إليهم.
(فإن لم ينو) عند الدفع إليه (.. لم يُجْزِ على الصحيح وإن نوى السلطان) لأنه نائب المستحقين، ولو دفع المالك إليهم بلا نية.. لم يُجز فكذا نائبهم، والثاني: يجزيه؛ لأن العادة فيما يأخذه الإمام ويفرقه على الأصناف إنما هو الفرض، فأغنت هذه القرينة عن النية، وهذا هو المنصوص عليه في "الأم"، [وظاهر نص "المختصر"] 1، وقطع به كثير من العراقيين 2، وحينئذ فلا يحسن التعبير بـ (الصحيح).
(والأصح: أنه تلزم السلطانَ النيةُ إذا أخذ زكاة الممتنع، وأن نِيَّته) أي: السلطان (تكفي) عن نية الممتنع؛ لأنَّ الممتنع مقهور يقوم غيره مقامه في إعطاء المستحقين، فقام مقامه في وجوب النية، وفي الاكتفاء بها؛ كولي المحجور عليه، والثاني: لا يلزمه، ولا تكفي، لأن التقصير من المالك في تركه ما يعتدّ به، فإن أراد براءة ذمته بما أخذ له.. فينوي.
ومحل الخلاف: في الاكتفاء بنية السلطان في إسقاط الفرض باطنًا، أما الاكتفاء ظاهرًا بمعنى أنه لا يطالب بها ثانيًا.. فلا خلاف فيه.
فصلٌ [في تعجيل الزكاة]
لَا يَصِحُّ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ عَلَى مِلْكِ النِّصَابِ، وَيَجُوزُ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَلَا تُعَجَّلُ لِعَامَيْنِ فِي الأَصَحِّ
(فصل: لا يصح تعجيل الزكاة على مِلك النصاب) لفقد سبب الوجوب وهو المال الزكوي، فأشبه أداء الثمن قبل البيع، وهذا في الزكاة العينية، أما زكاة التجارة؛ كما إذا اشترى عَرْضًا قيمته مئة، فعجل عن مئتين، وحال الحول، وهو يساويها.. فإنه يجوز في الأصحِّ، لأن النصاب في التجارة معتبر بآخر الحول.
ولو ملك مئة وعشرين شاة، فعجّل عنها شاتين، ثم حدثت سخلة قبل الحول.. فالأكثرون على ما صرح به في "الشرح الصغير"، واقتضاه كلام "الكبير": أنه لا يجزئ عن النصاب الذي كمل الآن، لما ذكرناه، وعموم كلام المصنف يدلّ عليه، وقيل: يجوز، وجزم به في "الحاوي الصغير" 1 لأن النتاج في أثناء الحول بمثابة الموجود في أوله.
(ويجوز قبل الحول) أي: بعد انعقاده وقبل تمامه؛ لأن العباس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تَحِلّ، فرخص له في ذلك، قال الحاكم: صحيح الإسناد 2.
ولأنه حقّ وجب بسببين، وهما: النصاب والحول، فجاز تقديمه على أحدهما، كتقديم كفارة اليمين على الحنث، فإن المخالفين قد وافقوا عليها.
(ولا تُعجَّل لعامين) فصاعدًا (في الأصح) لأن زكاة السنة الثانية لم ينعقد حولها، والتعجيل قبل انعقاد الحول لا يجوز؛ كالتعجيل قبل إكمال النصاب، والثاني: يجوز، لأنه روي أنه عليه السلام تسلف صدقة عامين، وأجاب البيهقي بأنه
وَلَهُ تَعْجِيلُ الْفِطْرَةِ مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ، وَالصَّحِيحُ: مَنْعُهُ قَبْلَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَلَا الْحَبِّ قَبْلَ اشْتِدَادِهِ،
مرسل، وبأنه محمول على أنه تسلف مرتين 1.
وما صححه نقل الرافعي عن الأكثرين منهم معظم العراقيين، وصاحب "التهذيب"، لكن نقل في "المهمات" تصحيح الجواز عن الأكثرين وعن النص، وبسط ذلك بسطًا شافيًا، ثم قال: ولم أظفر بأحد صحح المنع إلا البغوي بعد الفحص البليغ والتتبع الشديد، قال: وقد حصل في كلام الرافعي هنا اختلاط في حال التصنيف، وانعكاس في النقل، وكان الصواب أن يقول: والأكثرون على تصحيح الجواز، ومنهم معظم العراقيين.
انتهى 2.
وإذا جوزنا.. فشرطه: أن يبقى بعد التعجيل نصاب كامل؛ كما إذا ملك اثنين وأربعين شاة فعجّل شاتين، فإن لم يبق؛ كما إذا ملك أربعين، أو إحدى وأربعين فعجّل منها شاتين.. فالأصحُّ: المنع.
(وله تعجيل الفطرة من أول رمضان) لأن التقديم بيوم أو يومين جائز باتفاق المخالف، فألحق الباقي به قياسًا بجامع إخراجها في جزء منه.
(والصحيح: منعه قبله) لأنه تقديم على السببين، وهما: رمضان والفطر، والثاني: يجوز؛ لأن وجود المخرج نفسه سبب.
وأجاب أبو الطيب بأن ما له ثلاثة أسباب لا يجوز تقديمه على اثنين منها؛ بدليل كفارة الظهار، فإن سببها الزوجية، والظهار والعود، ومع ذلك لا يقدم على الأخيرين.
(وأنه لا يجوز إخراج زكاة الثمر قبل بدوّ صلاحه، ولا الحبّ قبل اشتداده) لأن وجوبها بسبب واحد، وهو إدراك الثمار، فيمتنع التقديم عليه، والثاني: يجوز؛ كزكاة المواشي، والنقود قبل الحول.
وَيَجُوزُ بَعْدَهُمَا. وَشَرْطُ إِجْزَاءِ الْمُعَجَّلِ: بَقَاءُ الْمَالِكِ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ إِلَى آخِرِ الْحَوْلِ، وَكَوْنُ الْقَابِضِ فِي آخِرِ الْحَوْلِ مُسْتَحِقًّا، وَقِيلَ: إِنْ خَرَجَ عَنِ الاسْتِحْقَاقِ فِي أَثناءِ الْحَوْلِ.. لَمْ يُجْزِئْهُ،
ومحل الخلاف: فيما بعد ظهوره، أما قبله.. فيمتنع قطعًا.
(ويجوز بعدهما) أي: بعد بدوّ الصلاح واشتداد الحبّ؛ لثبوت الوجوب وإن لم يلزم الإخراج، فهو تعجيل على وجوب الإخراج لا على أصل الوجوب؛ فهو أولى بالإجزاء من تعجيل الزكاة قبل الحول، والثاني: لا يجوز؛ للجهل بالقدر.
(وشرط إجزاء المعجَّل: بقاء المالك أهلًا للوجوب إلى آخر الحول) فلو مات، أو تلف ماله، أو باعه.. لم يكن المعجَّل زكاة، ويشترط أيضًا: بقاء المال إلى آخر الحول.
واعلم: أنه قد يبقى المال وأهلية المالك، لكن تتغير صفة الواجب؛ كما لو عجَّل بنت مخاض عن خمس وعشرين، فتوالدت قبل الحول حتى بلغت ستًّا وثلاثين 1.. فلا يجزئ المعجَّل على الأصحِّ وإن صارت أيضًا بنت لبون في يد القابض، بل يستردها ويعيدها، أو يعطي غيرها.
(وكون القابض في آخر الحول مُستحِقًا) فلو خرج عن الاستحقاق؛ بأن تبين استحقاق الزكاة عند الحول لغيره؛ لحصول المال المؤدَّى عنه ببلد غير بلده عند الحلول؛ كأموال التجار أهل الأسفار، أو بخروجه عن الأهلية بموت، أو ردة.. لم يكن المدفوع مجزئًا؛ لخروجه عن الأهلية عند الوجوب، والقبضُ السابق إنما يقع عن هذا الوقت.
(وقيل: إن خرج عن الاستحقاق في أثناء الحول.. لم يجزئه) كما لو لم يكن عند الأخذ من أهله، ثم صار عند تمام الحول من أهله، والأصحُّ: الإجزاء؛ اكتفاء بالأهلية في طرفي الوجوب والأداء، وهنا حالة الأخذ غير متعد بخلاف تلك، وقد يفهم أنه لا بدّ من العلم بكونه مستحقًا في آخر الحول، فلو غاب عند الحول ولم تُعلم حياتُه، أو احتياجه.. لم يجزئه، لكن في "فتاوى الحَنَّاطي": الظاهر: الإجزاء،
وَلَا يَضُرُّ غِنَاهُ بِالزَّكَاةِ. وَإِذَا لَمْ يَقَعِ الْمُعَجَّلُ زَكَاةً.. اسْتَرَدَّ إِنْ كَانَ شَرَطَ الاسْتِرْدَادَ إِنْ عَرَضَ مَانِعٌ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ قَالَ: (هَذِهِ زَكَاتِي الْمُعَجَّلَةُ فَقَطْ).. اسْتَرَدَّ،
وهو أقرب الوجهين في "البحر"، ولم يصرح الشيخان بالمسألة.
(ولا يضر غناه بالزكاة) المعجلة إما لكثرتها، أو توالدها ودَرِّها، أو التجارة فيها؛ لأنا إنما أعطيناه الزكاة ليستغني، فلا يصير ما هو المقصود مانعًا من الإجزاء، فإن استغنى بغيرها.. بان فساد القبض؛ لخروجه عن الأهلية عند الوجوب، ولو استغنى بالزكاة وبغيرها.. لم يضرّ أيضًا، ولو استغنى بزكاة أخرى معجلة أو غير معجلة.. قال الفارقي: فكما لو استغنى بغير الزكاة.
(وإذا لم يقع المعجَّل زكاةً.. استردَّ إن كان شَرَطَ الاسترداد إن عرض مانع) لأنه مال دفعه عمّا يستحقه القابض في المستقبل، فإذا عرض ما يمنع الاستحقاق.. استردّ؛ كما إذا عجَّل أجرة الدار، ثم انهدمت في المدة.
وأفهم: أنه ليس له الاسترداد قبل عروض المانع، وهو كذلك؛ لأنه تبرع بالتعجيل، فلم يكن له الرجوعُ فيه؛ كمن عجَّل دينًا مؤجَّلًا.
(والأصح: أنه إن قال: هذه زكاتي المعجَّلة فقط.. استردّ) لأنه عيَّن الجهة، فإذا بطلت.. رجع؛ كما سبق في تعجيل الأجرة، والثاني: لا؛ لأن العادة جارية بأن المدفوع إلى الفقير لا يستردّ؛ فكأنه ملكه بالجهة المعينة إن وجد شرطها، وإلا.. كان صدقة.
وكان ينبغي التعبير بـ (المذهب)، فإن الصحيح في "شرح المهذب" وغيره هو: القطع بالأول 1.
وقوله: (هذه زكاتي) يقتضي: أن محلّ الخلاف فيما إذا دفع المالك بنفسه، أما إذا فرق الإمام.. فيستردّ قطعًا إذا ذكر التعجيل، ولا حاجة إلى شرط الرجوع، وهو كذلك.
والخلاف جار فيما إذا لم يصرح بالتعجيل، ولكن علم به القابض، والأصحُّ: الاسترداد أيضًا.
وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّعْجِيلِ وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْقَابِضُ.. لَمْ يَسْتَرِدَّ، وَأَنَّهُمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي مُثْبِتِ الاسْتِرْدَادِ.. صُدِّقَ الْقَابِضُ بِيَمِينِهِ. وَمَتَى ثبَتَ وَالْمُعَجَّلُ تَالِفٌ.. وَجَبَ ضَمَانُهُ، وَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ قِيمَةِ يَوْمِ الْقَبْضِ،
(وأنه إن لم يتعرض للتعجيل، ولم يعلمه القابض.. لم يستردّ) لتفريط الدافع، والثاني: يسترد؛ لأنه لم يقع الموقع، والثالث: إن كان المعطي هو الإمام.. رجع، وإن كان هو المالك.. فلا؛ لأن الإمام يعطي مال الغير، فلا يمكن وقوعه تطوعًا، ولا تهمة أيضًا في استرداده، بخلاف المالك، وهذا هو المنصوص، وصححه في "الكفاية"، واقتضى كلام الرافعي: أن الأكثرين عليه 1.
واحترز بقوله: (ولم يعلمه القابض) عما إذا علمه، وقد تقدم.
(وأنهما لو اختلفا في مُثبِت الاسترداد) وهو التصريح بالرجوع عند عروض مانع، أو في ذكر التعجيل على الوجه الأصح (.. صدق القابض بيمينه) لأن الأصل عدمُ الاشتراط، والغالب: كون الأداء في الوقت، والثاني: وهو الأصحُّ في "شرح المهذب": تصديق الدافع؛ لأنه أعرف بقصده، والمعتمد: ما في "الكتاب"، بل ما وقع في "شرح المهذب" عُدَّ من سبق القلم.
(ومتى ثبت) الاسترداد (والمعجَّل تالف.. وجب ضمانه) لأنه قبضه لغرض نفسه، ويضمنه بالمثل إن كان مثليًّا، وبالقيمة إن كان مُتقوَّمًا، وصحح السبكي: أنه يضمن الحيوان بالمثل الصوري، وعزاه إلى ظاهر النص، وفي "البحر" عن الماوردي: أن محل الخلاف: إذا خرج الدافع عن أهلية الوجوب، فإن خرج القابض.. وجب المثل الصوري قطعًا؛ لأن الاسترداد هاهنا ليدفعه إلى مُستحِقه، قال الأَذْرَعي: والأصحُّ: أنه لا فرق بينهما.
(والأصح: اعتبار قيمة يوم القبض) لأن ما زاد عليها حصل في ملك القابض، فلا يضمنه، والثاني: يوم التلف؛ لأنه وقت انتقال الحقّ إلى القيمة، والثالث: أقصى القيم، والرابع: يوم الرجوع.
وَأَنَّهُ إِنْ وَجَدَهُ نَاقِصًا.. فَلَا أَرْشَ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَرِدُّ زِيَادَةً مُنْفَصِلَة. وَتَأْخِيرُ خِيرُ الزَّكَاةِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ يُوجبُ الضَّمَانَ وَإِنْ تلَفَ الْمَالُ، وَلَوْ تلَفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ.. فَلَا، وَلَوْ تلَفَ بَعْضُهُ.. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَغْرَمُ قِسْطَ مَا بَقِيَ. وإِنْ أَتْلفَهُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ.. لَمْ تَسْقُطِ الزَّكَاةُ.
(وأنه إن وجده ناقصًا.. فلا أرش) له؛ لأنه حدث في ملكه، فلا يضمنه، والثاني: نعم؛ لأن جملته مضمونة، فكذلك جزؤه.
ومحل الخلاف: في نقص الصفة؛ كالمرض، والهُزال، أما نقص الجزء؛ كتلف شاة من شاتين.. فإنه يرجع ببدل التالف قطعًا؛ كما قاله في "شرح المهذب"، و"الكفاية" 1.
(وأنه لا يستردّ زيادة منفصلة) بناء على أنه ملكه الآخذ ملك قرض، وأن القرض يُملك بالقبض، والثاني: يستردها؛ بناء على الوقف، وإنّا تبَينا عدم الملك.
وتعبيره بـ (الأصح) يقتضي: إثبات الخلاف وقوّته، وعبر في "الروضة" بالمذهب الذي قطع به الجمهور، ونصَّ عليه الشافعي 2، وقيل: وجهان.
واحترز بـ (المنفصلة) عن المتصلة؛ كالثمن، فإنها تتبع الأصل.
(وتأخير الزكاة بعد التمكن) وهو حضور المال والأصناف؛ كما مر (يوجب الضمان وإن تلف المال) أو أتلف؛ لتقصيره بحبس الحقّ عن مُستحِقّه، والمراد بـ (الضمان) هو: إخراج ما كان يخرجه قبل التلف، لا ضمان المتلفات.
(ولو تلف قبل التمكن) بلا تفريط (.. فلا) لعدم التقصير.
(ولو تلف بعضُه.. فالأظهر: أنه يَغْرَم قسط ما بقي) فإذا كان نصابًا؛ كخمسة أبعرة، فتلف واحد بعد الحول وقبل التمكن.. سقط ما يخصه، ووجب أربعة أخماس شاة؛ بناء على أن التمكن شرط في الضمان، والثاني: لا يلزمه شيء؛ بناء على أن التمكن شرط في الوجوب؛ كما لو نقص النصاب في الحول.
(وإن أتلفه) المالك (بعد الحول وقبل التمكن.. لم تسقط الزكاة) لأنه متعدٍّ بإتلافه.
وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ تَعَلُّقَ الشَّرِكَةِ، وَفِي قَوْلٍ: تَعَلّقَ الرَّهْنِ، وَفِي قَوْلٍ: بِالذِّمَّةِ، فَلَوْ بَاعَهُ قَبْلَ إِخْرَاجِهَا.. فَالأَظْهَرُ: بطْلَانهُ فِي قَدْرِهَا، وَصِحَّته فِي الْبَاقِي.
(وهي تتعلق بالمال تعلُّقَ الشركة) لأنها تجب بصفة المال من الجودة والرداءة، وتؤخذ من عينه قهرًا عند الامتناع كما يقسم المشترك قهرًا عند الامتناع منها.
وإنما جاز الإخراج من غيره على خلاف قاعدة المشتركات رفقًا بالمالك، وتوسيعا عليه؛ لكونها وجبت مجانا على سبيل المواساة.
(وفي قول: تعلق الرهن) أي: يكون الواجب في ذمّة المالك، والنصابُ مرهون به؛ لأنه لو امتنع من الأداء ولم نجد الواجبَ في ماله.. باع الإمام بعضَه وشرى واجبه؛ كما يباع المرهون في الدين.
(وفي قول: بالذمة) ولا تعلق لها بالعين؛ كالفطرة، وقضية إطلاقه: جريان الخلاف وإن كان الواجبُ من غير جنس المال؛ كالشاة الواجبة في الإبل، وهو أصحٌّ الطريقين، والثاني: القطع بتعلقها بالذمة.
(فلو باعه قبل إخراجها.. فالأظهر: بطلانه في قدرها) تفريعًا على قول الشركة؛ لأن بيع مِلك الغير من غير مُسوِّغ باطلٌ، (وصحته في الباقي) بناء على الصحة في تفريق الصفقة.
والخلاف هنا مُفرَّع على الأقوال السَّالفة: فإن قلنا: بقول الشركة.. فالأصحٌّ: ما ذكره المصنف، وإن قلنا: تعلق رهن.. فالأظهر: الصحة مطلقًا؛ لأن هذه العُلْقة ثبتت بغير اختيار المالك، وليست لمعين، فسومح فيها بما لا يسامح به في الرهن، وإن قلنا: إنها في الذمة، والمال خِلْوٌ منها.. صحّ.
وإذا فرعنا على قول الشركة؛ فإن كان قدر الزكاة جزءًا معلومًا؛ كالمعشرات، والنقدين.. كان كمن باع عبدًا له نصفُه، وإن لم يكن كذلك؛ كأن باع أربعين شاة.. فهو كما لو باع عبده وعبدَ غيره، قاله الرافعي 1.
واستشكله السبكي، وقال: ينبغي أن يبنى على أن الواجب مُشاع أو مبهم، فعلى
..................................
الأول: يكون كما لو باع عبدًا له نصفُه، وعلى الثاني: لا يصحّ البيع في شيء؛ لأن المملوك منها غير معين.
انتهي
وهذا كله في بيع الجميع؛ كما أشار إليه بقوله: (فلو باعه)، فأما إذا باع بعضه؛ فإن لم يبق قدر الزكاة.. فهو كما لو باع الجميع، وإن بقي قدرها إما بنية صرفه إلي الزكاة، وإما بغيرها وفرّعنا علي قول الشركة.. ففي صحّة البيع وجهان: أقيسهما: البطلان، كذا نقلاه عن ابن الصباغ، ثم قالا: إنهما مبنيان علي أن الواجب شائع، أو حيوان مبهم، فإن قلنا بالأول.. بطل، أو بالثاني.. صح 1.
وهذا كله في زكاة الأعيان، أما زكاة التجارة.. فيصح بيع الكلّ بعد وجوب الزكاة على الأصحِّ؛ لأن متعلق هذه الزكاة هو القيمة، وهي لا تفوت بالبيع، والله أعلم.
كتابُ الصِّيام يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِإِكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، أَوْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ. وَثُبُوتُ رُؤْيَتِهِ بِعَدْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: عَدْلَانِ
﴿كتاب الصيام﴾
هو لغة: الإمساك، ومنه ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي: صمتًا، وفي الشرع: إمساك مخصوص من شخص مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص.
(يجب صوم رمضان) بالإجماع (بإكمال شعبان ثلاثين، أو رؤية الهلال) لقوله تعالي: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، والمراد بالشهادة هنا: العلم، والعلم إما بالرؤية، وإما باستكمال شعبان؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ.. فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ" رواه البخاري 1، والمراد: رؤيته في الجملة بشرطه الآتي.
(وثبوت رؤيته بعدل) لأن ابن عمر رآه فأخبر رسول الله صلي الله عليه وسلم بذلك، فصام، وأمر الناس بصيامه، رواه أبو داوود، وصححه ابن حبان 2، (وفي قول: عدلان) كهلال شوال، وسائر الشهادات.
ومحل ثبوته بواحد: إنما هو بالنسبة للصوم فقط، فلا يقع الطلاق والعتق المعلَّقان به، ولا تحلّ الآجال المعلَّقة به، قاله البغوي، وبحث فيه الرافعي 3.
وَشَرْطُ الْوَاحِدِ: صِفَةُ الْعُدُولِ فِي الأَصَحِّ، لَا عَبْدٍ وَامْرَأَةٍ. وَإِذَا صُمْنَا بِعَدْلٍ وَلَمْ نَرَ الْهِلَالَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ.. أَفْطَرْنَا فِي الأَصَحِّ وَإِنْ كَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً. وَإِذَا رُئِيَ بِبَلَدٍ.. لَزِمَ حُكْمُهُ الْبَلَدَ الْقَرِيبَ دُونَ الْبَعِيدِ فِي الأَصَحِّ. وَالْبَعِيدُ: مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَقِيلَ: بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ. قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ
(وشرط الواحد: صفة العدول في الأصحِّ: لا عبد وامرأة) مثار الخلاف: أن هذا من باب الشهادة، وهو الأصحُّ، فلا يكفي قولهما فيه، أو من باب الرواية، فيكفي.
وقوله: (وشرط الواحد: صفة العدول) بعد قوله: (بعدل) فيه رِكَّة؛ فإن العدل من كانت فيه صفة العدول، وما زعمه من أن العبد والمرأةَ ليسا عدلين ممنوعٌ؛ إذ العدل: من لم يرتكب كبيرة، ولا أصرَّ على صغيرة.
نعم؛ ليسا من أهل قبول الشهادة.
(وإذا صمنا بعدل، ولم نر الهلال بعد ثلاثين.. أفطرنا في الأصح وإن كانت السماء مُصحِيةً) لإكمال العدد؛ كما لو صمنا بعدلين، والثاني: لا؛ لأن الفطر يؤدي إلي إثبات شوال بقول واحد، وهو ممتنع.
وأجاب الأول: بأن الشيء قد يثبت ضمنًا ولا يثبت مقصودًا؛ كما في شهادة النساء، لا يثبت بها النسب والميراث مقصودًا، ويثبتان ضمنًا للولادة.
(وإذا رُئي ببلد.. لزم حكمُه البلدَ القريب) قطعًا؛ لأنهما كبلد واحد (دون البعيد في الأصح) قياسًا علي أوقات الصلاة؛ فإنَّ لكلّ بلد حكمَه من الطوالع والغوارب؛ كطلوع الشمس وغروبها، والثاني: تلزم البعيد أيضًا؛ لأن الهلال واحد والخطابَ شاملٌ.
(والبعيد: مسافة القصر) لأن الشرع علّق بها كثيرًا من الأحكام، واعتبار المطالع يُحوج إلي حساب، وتحكيم المنجِّمين، وقواعدُ الشرع تأباه.
(وقيل: باختلاف المطالع، قلت: هذا أصح، والله أعلم) وبه أجاب جمهور العراقيين والصَّيْدَلاني وغيرهم؛ لأن أمر الهلال لا تعلُّق له بمسافة القصر؛ فعلي هذا: لو شكّ في اتفاقهما.. لم يجب الصوم علي الذين لم يروا؛ لأن الأصل عدم الوجوب.
وَإِذَا لَمْ نُوجِبْ عَلَي الْبَلَدِ الآخَرِ، فَسَافَرَ إِلَيْهِ مِنْ بَلَدِ الرُّؤْيَةِ.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُوَافِقُهُمْ فِي الصَّوْمِ آخِرًا. وَمَنْ سَافَرَ مِنَ الْبَلَدِ الآخَرِ إِلَي بَلَدِ الرُّؤْيَةِ.. عَيَّدَ مَعَهُمْ وَقَضَي يَوْمًا. وَمَنْ أَصْبَحَ مُعَيِّدًا فَسَارَتْ سَفِينَتُهُ إِلَي بَلْدَةٍ بَعِيدَةٍ أَهْلُهَا صِيَامٌ.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُمْسِكُ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ.
(وإذا لم نوجب علي البلد الآخر، فسافر إليه من بلد الرؤية 1.. فالأصح: أنه يوافقهم في الصوم آخرًا) وإن كان قد أتمَّ ثلاثين؛ لأنه بالانتقال إلي بلدهم صار واحدًا منهم، فيلزمهم حكمهم، والثاني: يفطر؛ لأنه التزم حكم البلد الأول، فيستمرّ عليه 2.
(ومن سافر من البلد الآخر إلي بلد الرؤية.. عيَّد معهم) ولو كان صام ثمانيةً وعشرين فقط، بأن كان رمضانُ أيضًا عندهم ناقصًا، فوقع عيدُه معهم في التاسع والعشرين من صومه؛ بناءً علي أنَّ للمنتقِل حكمَ المنتقَل إليه، (وقضي يومًا) إذا كان تعييده معهم في التاسع والعشرين من صومه؛ كما في "الشرحين"، و"المحرر"، و"الروضة" 3؛ لأن الشهر لا يكون ثمانية وعشرين، بخلاف ما إذا عيَّد معهم يوم الثلاثين.. فإنه لا قضاء؛ لأنه يكون تسعةً وعشرين.
(ومن أصبح معيِّدًا، فسارت سفينته إلي بلدة بعيدةٍ أهلُها صِيام.. فالأصح: أنه يمسك بقية اليوم) وجوبًا؛ بناء علي أن لكلّ بلد حكمَ نفسه، وأن للمنتقَل إليه حكمَه لا حكم المنتقل عنه، وهذا ما قاله الشيخ أبو محمد، واستبعده الإمام والغزالي من حيث إنه لم يرد فيه أثر، وتجزئة اليوم الواحد بإمساك بعضه دون بعض بعيدة 4، وهذا الاستبعاد هو المقابِل للأصح في كلام المصنف.
فَصْلٌ [في أركان الصوم]
النِّيَّةُ شَرْطٌ لِلصَّوْمِ، وَيُشْتَرَطُ لِفَرْضِهِ التَّبْيِيتُ.
(فصل: النية شرط للصوم) لما سبق في الوضوء، ومحلها: القلب، والمراد بالشرط هنا: ما لا بدّ منه، لا المعني المصطلح عليه؛ لأن النية هنا ركن داخل في الماهية؛ كما صرح به الرافعي، وعبارة "المحرر": (ولا بدّ من النية في الصوم) 1.
وكلام المصنف قد يوهم أنه لو تسحّر ليقوي علي الصوم.. لم يكن ذلك نية، وبه صرح أبو المكارم في "العدة"، وعن أبي العباس الروياني: أنه لو تسحَّر للصوم، أو شرب لدفع العطش نهارًا، أو امتنع من الأكل والشرب؛ مخافةَ الفجر.. كان ذلك نيةً للصوم، قال الشيخان: وهذا هو الحقّ إن خطر بباله الصوم بالصفات التي يشترط التعرض لها؛ لأنه إذا تسحَّر ليصوم صومَ كذا.. فقد قصده 2.
(ويشترط لفرضه التبييت) لحديث: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ.. فَلَا صِيَامَ لَهُ" صححه الدارقطني والخطابي والبيهقي 3، وفي لفظ: "مَنْ لَمْ يُبَيِّت" رواه الدارقطني، وقال: رجاله كلّهم ثقات 4.
والمراد بقوله: "لَا صِيَامَ": نفي الصحة؛ لأنه الحقيقة، لا نفي الكمال.
ولا بدّ من التبييت لكلّ يوم، وقد يفهم هذا من قوله بعد: (صوم غد)، وكلام المصنف قد يخرج الصبي المميز، فإنه لا فرض عليه، والذي في "شرح المهذب" تبعًا للروياني وغيره أنه كالبالغ في ذلك 5.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ النِّصْفُ الآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ الأَكْلُ وَالْجِمَاعُ بَعْدَهَا، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّجْدِيدُ إِذَا نَامَ ثُمَّ تَنَبَّهَ. وَيَصِحُّ النَّفْلُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَكَذَا بَعْدَهُ فِي قَوْلٍ،
(والصحيح: أنه لا يشترط النصف الأخير من الليل) لإطلاق التبييت في الحديث، ولما فيه من المشقة، والثاني: يشترط؛ لأن الأصل وجوبُ اقتران النية بأول العبادة؛ وهو طلوع الفجر، فلما سقط ذلك.. أوجبنا النصف الأخير؛ كما في أذان الصبح، وغسل العيد.
(وأنه لا يضرّ الأكل والجماع بعدها) وكذا غيرهما من المنافيات؛ لأن الله تعالي أحلَّ الأكل إلي طلوع الفجر، ولو كان يبطل النية.. لما جاز أن يأكل إليه؛ لأنه يبطل النية، ومقابله غلط بالاتفاق؛ كما قاله في "شرح المهذب" 1.
(وأنه لا يجب التجديد إذا نام ثم تنبَّه) ليلًا؛ لما سبق، بل أولى؛ لعدم منافاة النوم الصوم، والثاني: يجب؛ تقريبًا للنية من العبادة بقدر الوسع، أما إذا استمرّ النوم إلي الفجر.. لم يضرّ قطعًا.
(ويصحّ النفل بنية قبل الزوال) لأنه عليه السلام دخل على عائشة رضي الله عنها يومًا، فقال: "هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ غَدَاءٍ" قالت: لا، قال: "فَإِنِّي إِذَنْ أَصُومُ"، رواه الدارقطني، وقال: إسناده صحيح 2.
والغداء: اسم لما يؤكل قبل الزوال، والذي يؤكل بعده يسمى: عَشاء.
ويستثنى: صوم الصبي رمضان، فإنه نفل، ولا بدّ فيه من التبييت؛ كما مرّ.
(وكذا بعده في قولٍ) إن لم تتصل آخر نيته بالغروب؛ تسويةً بين أجزاء النهار؛ كما في النية ليلًا، أما إذا اتصلت نيته بالغروب.. فلا يصح قطعًا، قاله البَنْدَنيجي، والصحيح: عدم الصحة؛ لخلوّ معظم العبادة عن النية، بخلاف ما قبل الزوال، وللمعظم تأثير إدراكًا وفواتًا؛ كما في إدراك المسبوق الركعة.