بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 151-161

وَلَوْ وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَةَ بِلَا شُبْهَةٍ.. فَزَانٍ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: جَهِلْتُ تَحْرِيمَهُ إِلَّا أَنْ يَقْرُبَ إِسْلَامُهُ، أَوْ يَنْشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ. وَإِنْ وَطِئَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ.. قُبِلَ دَعْوَاهُ جَهْلَ التَّحْرِيمِ فِي الأَصَحِّ وَلَا حَدَّ، وَيَجِبُ الْمَهْرُ إِنْ أَكْرَهَهَا، وَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلرَّاهِنِ. وَلَوْ أُتْلِفَ الْمَرْهُونُ وَقَبَضَ بَدَلَهُ.. صَارَ رَهْنًا،

وقيل: يصدق؛ لأنه أمين؛ كالمودع.
(ولو وطئ المرتهن المرهونةَ بلا شبهة.. فزانٍ) تترتب عليه أحكام الزنا كلُّها، ولا يكون الرهن شبهة، كما لو استأجرها وعليه مهر المكرهة لا المطاوعة في الأصح.
واحترز بقوله: (بلا شبهة) عما لو ظنها زوجتَه أو أمته.
(ولا يقبل قولُه: "جهلت تحريمه" إلا أن يقرب إسلامه، أو ينشأ ببادية بعيدة عن العلماء) لأنه قد يخفى عليه، بخلاف غيرهما.
(وإن وطئ بإذن الراهن.. قُبل دعواه جهلَ التحريم في الأصحِّ) لأن التحريم بعد الإذن؛ لمَّا خفي على عطاء مع أنه من علماء التابعين لا يبعد خفاؤه على العوام، والثاني: لا يقبل؛ لبعد ما يدعيه إلا أن يقرب إسلامه، كما مرَّ.
(ولا حدَّ) للشبهة (ويجب المهر إن أكرهها) لأن وجوب المهر حيث لا يجب الحدُّ حقُّ الشرع؛ فلا يؤثر فيه الإذن؛ كالمفوضة، وقيل: لا يجب؛ لإذن المستحق، وحكاه في "المحرر" 1، وحذفه المصنف.
واحترز بالمكرهة: عن المطاوعة؛ فإنه لا مهر لها؛ لانضمام إذن المستحق إلى طواعيتها، إلا أن تكون صغيرة؛ فإنه لا عبرة بمطاوعتها؛ كما قاله الجرجاني وغيره.
(والولد حرٌّ نسيب) لأن الشبهة كما تدرأ الحدَّ تثُبتُ النسب والحرية (وعليه قيمته للراهن) لأن الإذن في الوطء رضا بإتلاف المنفعة لا بالإحبال.
(ولو أتلف المرهونُ وقبض بدلَه.. صار رهنًا) لقيامه مقامه، ويجعل في يد من كان الأصلُ في يده، ولا يحتاج إلى إنشاء رهن، كما اقتضاه كلام الشيخين هنا،

وَالْخَصْمُ فِي الْبَدَلِ الرَّاهِنُ، فَإِنْ لَمْ يُخَاصِمْ.. لَمْ يُخَاصِمِ الْمُرْتَهِنُ فِي الأَصَحِّ. فَلَوْ وَجَبَ قِصَاصٌ.. اقْتَصَّ الرَّاهِنُ وَفَاتَ الرَّهْنُ، فَإِنْ وَجَبَ الْمَالُ بعَفْوِهِ أَوْ بِجِنَايَةِ خَطَإٍ.. لَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ عَنْهُ وَلَا إِبْرَاءُ الْمُرْتَهِنِ الْجَانِيَ. وَلَا يَسْرِي الَرَّهْنُ إِلَى زِيَادَتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ؛ كَثَمَرٍ وَوَلَدٍ،

وقضية كلامه: أنه لا يكون رهنًا قبل قبضه، والأصح في "زوائد الروضة": خلافُه 1. (والخصم في البدل الراهنُ) لأنه المالك (فإن لم يخاصِم.. لم يخاصِم المرتهنُ في الأصحِّ) لأنه غير مالك، والثاني: يخاصم؛ لتعلق حقِّه بما في ذمته، ونسبه الإمام إلى المحققين 2. ومحل الخلاف: إذا تمكن الراهن من المخاصمة، أما لو باع المالك العينَ المرهونة.. فللمرتهن المخاصمة جزمًا، كذا أفتى به البُلْقِيني، وهو ظاهر.
(فلو وجب قصاص) في النفس (.. اقتصَّ الراهن) المالك؛ لعموم الأدلة؛ كقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (وفات الرهن) لفوات العين وبدلها، أما إذا كانت الجناية على طرف واقتصّ.. بقي الرهن بحاله.
(فإن وجب المال بعفوه، أو بجناية خطأ.. لم يصحَّ عفوه) أي: عفو الراهن (عنه) لتعلق حقِّ المرتهن به.
وكان الأحسن حذف قوله: (بعفوه، أو بجناية خطأ) ليشمل ما لو وجب المالُ ابتداءً بجناية عمد لا قصاص فيها؛ كالهاشمة، أو لكون الجاني حرًّا، أو أصلًا، أو غير ذلك مما يمنع القصاص.. فإن الحكم كذلك أيضًا.
(ولا إبراء المرتهن الجانيَ) لأنه غيرُ مالك، فإن فعل.. لم يبطل حقُّه من الوثيقة في الأصح.
(ولا يسري الرهن إلى زيادته المنفصلة؛ كثمر وولد) وصوف ولبن؛ لأنه لا يزيل

فَلَوْ رَهَنَ حَامِلًا وَحَلَّ الأَجَلُ وَهِيَ حَامِلٌ.. بِيعَتْ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ.. بِيعَ مَعَهَا فِي الأَظْهَر، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ الْبَيْعِ دُونَ الرَّهْنِ.. فَالْوَلَدُ لَيْسَ بِرَهْنٍ فِي الأَظْهَرِ.

فصلٌ [في جناية المرهون]

جَنَى الْمَرْهُونُ.. قُدِّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ،

الملك عن الرقبة فلم يسر إليها؛ كالإجارة، أما المتصلة؛ كالسمن والتعليم.. فإنها تتبع الأصل.
(فلو رهن حاملًا وحلَّ الأجلُ وهي حامل.. بيعتْ) لأنا إن قلنا: إن الحمل يُعلم.. فكأنه رهنهما، وإلا.. فقد رهنها موصوفةً بالحمل.
(وإن ولدته.. بيع معها في الأظهر) بناءً على أن الحمل يُعلم، والثاني: لا؛ بناءً على أنه لا يُعلم.
(وإن كانت حاملًا عند البيع دون الرهن.. فالولد ليس برهن في الأظهر) بناءً على أنه يُعلم، والثاني: نعم؛ بناءً على مقابله فيتبع؛ كالسمن.
وقضية كلامه: أن الولد على هذا يكون مرهونًا، وليس كذلك؛ لأنه مُفرَّعٌ على أن الحمل لا يُعلم، فكيف يرهن؛ ! وإنما المراد: أنه يُباع معها تبعًا.
وعلى الأول: قال الرافعي: يتعذر بيعها حتى تضع؛ لأن استثناء الحمل لا يمكن، ولا سبيل إلى بيعها بحملها، ويوزع الثمن؛ لأن الحمل لا تُعرف قيمتُه 1.

(فصل: جنى المرهون.. قُدِّم المجني عليه) لأنه لا حقَّ له في غير الرقبة، فلو قدِّم المرتهن عليه بها.. لضاع حقُّه، وأما المرتهن.. فإن حقَّه في الذمة أيضًا، فلا يفوت بفوات العين.
هذا إذا لم يأمره السيد بالجناية، فإن أمره بها وكان لا يميز، أو أعجميًّا يعتقد وجوبَ طاعته.. فالجاني هو السيد حتى يجب عليه القصاص أو المال، ولا يتعلق

فَإِنِ اقْتَصَّ أَوْ بِيعَ لَهُ.. بَطَلَ الرَّهْنُ، وَإِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ فَاقْتَصَّ.. بَطَلَ، وَإِنْ عُفِيَ عَلَى مَالٍ.. لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الصَّحِيحِ فَيَبْقَى رَهْنًا. وَإِنْ قَتَلَ مَرْهُونًا لِسَيِّدِهِ عِنْدَ آخَرَ فَاقْتَصَّ.. بَطَلَ الرَّهْنَانِ. وَإِنْ وَجَبَ مَالٌ.. تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ مُرْتَهِنِ الْقَتِيلِ فَيُبَاعُ وَثَمَنُهُ رَهْنٌ، وَقِيلَ: يَصِيرُ رَهْنًا،

برقبة العبد شيء على الأصح.
(فإن اقتص) في النفس (أو بيع له) أي: لحقه (.. بطل الرهن) لفوات محلِّه، حتى لو عاد إلى ملك الراهن.. لم يكن رهنًا.
(وإن جنى على سيده فاقتصَّ.. بطل) في المقتص منه نفسًا كان أو طرفًا؛ كما صرح به في "المحرر" 1. والتاء في (اقتص) مفتوحة، والضمير يعود إلى المستحق، فشمل السيد والوارث والسلطان فيمن لا وارث له.
(وإن عُفي على مال.. لم يثبت على الصحيح، فيبقى رهنًا) لازمًا لا يباع في الجناية؛ لأن السيد لا يثبت له على عبده مالٌ، والثاني: يثبت، ويتوصل به إلى فكِّ الرهن.
وقوله: (عفي) هو بضم العين، كما نقل عن خطِّ المصنف؛ ليشمل عفو السيد والوارث.
(وإن قتل) المرهون (مرهونًا لسيده عند) مرتهن (آخر فاقتصَّ) السيد (.. بطل الرهنان) لفوات محلِّهما.
(وإن وجب مال) بعفوه، أو بجناية خطأ، أو غير ذلك (.. تعلق به حقُّ مرتهن القتيل) لأن السيد لو أتلف المرهون.. غرم قيمتَه لحق المرتهن، فإذا أتلفه عبده.. كان تعلق الغرم به أولى، وإنما وجب المال وإن كان للسيد على عبده؛ لأجل تعلق حقِّ الغير.
(فيباع وثمنه رهن) لأن حقَّ مرتهن القتيل في مالية العبد القاتل لا في عينه، ولأنه قد يرغب راغب بزيادة فيتوثق مرتهن القاتل بها، (وقيل: يصير رهنًا) أي: ينقل

فَإِنْ كَانَا مَرْهُونَيْنِ عِنْدَ شَخْصٍ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ.. نَقَصَتِ الْوَثيقَةُ، أَوْ بِدَيْنَيْنِ وَفِي نَقْلِ الْوَثيقَةِ غَرَضٌ.. نُقِلَتْ. وَلَوْ تَلِفَ الْمَرْهُونُ بِآفَةٍ.. بَطَلَ. وَيَنْفَكُّ بِفَسْخِ الْمُرْتَهِنِ وَبِالْبَرَاءَةِ مِنَ الدَّيْنِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُ.. لَمْ يَنْفَكَّ شَيْءٌ مِنَ الرَّهْنِ

العبد القاتل إلى يد مرتهن القتيل، ولا يباع، لأنه لا فائدة في البيع، قال الرافعي: (والوجهان إنما يظهران إذا طلب الراهن النقل، وطلب مرتهن القتيل البيع، أما إذا طلب الراهن البيعَ، ومرتهن القتيل النقلَ.. فالمجاب الراهن؛ لأنه لا حقَّ للآخر في عينه) 1. (فإن كانا مرهونين عند شخص) أو عند اثنين (بدين واحد.. نقصت الوثيقة) كما لو مات أحدهما، (أو بدينين وفي نقل الوثيقة غرض) للمرتهن (.. نُقلت) وإلا.. فلا، فإذا كان الدينان مختلفين حلولًا وتأجيلًا.. فله التوثقُ لدين القتيل بالقاتل؛ لأنه إن كان الحالُّ دينَ القتيل.. ففائدته: الاستيفاء من ثمنه في الحال، وإن كان دين القاتل.. ففائدته: تحصيل التوثقة بالمؤجل، والمطالبة بالحالِّ في الحال، وكذا لو اختلفا في قدر الأجل.
وإن لم يختلفا في ذلك، واختلفا في القدر؛ كعشرة وعشرين، والقتيل مرهون بأكثرهما.. نقل، وإلا.. فلا، ولو اتفقا في القدر.. نقل من القاتل قدر قيمة القتيل إلى دين القتيل، وبقي الباقي رهنًا كما كان إن كانت قيمة القاتل أكثر، وإلا.. فلا؛ إذ لا فائدة.
(ولو تلف المرهون بآفة.. بطل) الرهن؛ لفواته (وينفك بفسخ المرتهن) لأن الحقَّ له، وهو جائز من جهته، أما بفسخ الراهن.. فلا؛ للزُوُمه من جهته (وبالبراءة من الدين) بأيِّ وجهٍ كان.
(فإن بقي شيء منه.. لم ينفكَّ شيء من الرهن) بالإجماع؛ كما نقله ابن المنذر 2.

وَلَوْ رَهَنَ نِصْفَ عَبْدٍ بِدَيْنٍ وَنصْفَهُ بِآخَرَ فَبَرِئَ مِنْ أَحَدِهِمَا.. انْفَكَّ قِسْطُهُ، وَلَوْ رَهَنَاهُ فَبَرِئَ أَحَدُهُمَا.. انْفَكَّ نَصِيبُهُ.

فصلٌ [في الاختلاف في الرهن وما يتعلق به]

اخْتَلَفَا فِي الرَّهْنِ أَوْ قَدْرِهِ.. صُدِّقَ الرَّاهِنُ بِيَمِينِهِ إِنْ كَانَ رَهْنَ تَبَرُّعٍ، وَإِنْ شُرِطَ فِي بَيعٍ.. تَحَالَفَا. وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُمَا رَهَنَاهُ عَبْدَهُمَا بِمِئَةٍ وَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا.. فَنَصِيبُ الْمُصَدِّقِ رَهْنٌ بِخَمْسِينَ، وَالْقَوْلُ فِي نَصِيبِ الثانِي قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَتُقبَلُ شَهَادَةُ الْمُصدِّقِ عَلَيْهِ. وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِهِ؛ فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ، أَوْ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَقَالَ الرَّاهِنُ:

(ولو رهن نصفَ عبدٍ بدين، ونصفَه بآخر فبرئ من أحدهما.. انفكَّ قسطه) لتعدد الصفقة بتعدد العقد، (ولو رهناه فبرئ أحدُهما.. انفك نصيبه) لتعددها بتعدد العاقد 1.

(فصل: اختلفا في) أصل (الرهن أو قدره.. صُدِّق الراهن بيمينه إن كان رهنَ تبرع) ليس مشروطًا في بيع؛ لأن الأصل عدمُ الرهن.
ولو عبر بـ (المالك) بدل (الراهن).. لكان أولى؛ لأن منكر الرهن ليس براهن.
(وإن شرط في بيع) أي: اختلفا في اشتراط الرهن في البيع أو في قدره (.. تحالفا) كما لو اختلفا في سائر كيفيات البيع.
(وإن ادعى أنهما رهناه عبدهما بمئة) 2 وأقبضاه (وصَدَّقه أحدُهما.. فنصيب المصدِّق رهن بخمسين، والقول في نصيب الثاني قولُه بيمينه) لما مرَّ.
(وتُقبل شهادة المصدق عليه) أي: على النافي؛ لخلوها عن جلبِ نفعٍ له، ودفع ضرر عنه، وحينئذ فيحلف معه، أو يقيم شاهدًا آخر.
(ولو اختلفا في قبضه؛ فإن كان في يد الراهن، أو في يد المرتهن وقال الراهن:

(غَصَبْتَهُ).. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (أَقْبَضْته عَنْ جِهَةٍ أُخْرَى) فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِهِ ثُمَّ قَالَ: (لَمْ يَكُنْ إِقْرَارِي عَنْ حَقِيقَةٍ).. فَلَهُ تَحْلِيفُهُ، وَقِيلَ: لَا يُحَلِّفُهُ إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ لإِقْرَارِهِ تَأْوِيلًا؛ كَقَوْلهِ: (أَشْهَدْتُ عَلَى رَسْمِ الْقَبَالَةِ). وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: (جَنَى الْمَرْهُونُ)، وَأَنْكَرَ الآخَرُ.. صُدِّقَ الْمُنْكِرُ بِيَمِينهِ. وَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ: (جَنَى قَبْلَ الْقَبْضِ).. فَالأَظْهَرُ: تَصْدِيقُ الْمُرْتَهِنِ بِيَمِينِهِ فِي إِنْكَارِهِ،

"غَصَبته".. صدق بيمينه) لأن الأصل: عدمُ اللزوم، وعدم الإذن في القبض.
(وكذا لو قال: "أقبضته عن جهة أخرى") كإعارة ونحوها (في الأصح) لأن الأصل عدمُ اللزوم، والثاني: يصدق المرتهن؛ لاتفاقهما على قبض مأذون فيه، والراهن يريد صرفَه إلى جهة أخرى، وهو خلاف الظاهر؛ لتقدم العقد المحوج إلى القبض.
(ولو أقر بقبضه، ثمَّ قال: "لم يكن إقراري عن حقيقة".. فله تحليفه) لأن الوثائق يشهد فيها غالبًا قبل تحقيق ما فيها، (وقيل: لا يحلِّفه إلا أن يذكر لإقراره تأويلًا؛ كقوله: "أشهدت على رسم القَبالة") أي: على الكتابة الواقعة في الوثيقة، لكي أعطي بعد ذلك، وكقوله: (اعتمدت كتاب وكيلي فبان مزورًا) لأنه إذا لم يذكر تأويلًا.. يكون مكذبًا لدعواه بإقراره السابق.
وقضية كلامه: أنه لا فرق بين أن يكون الإقرار في مجلس الحكم بعد الدعوى أم لا، قال الأَذْرَعي: وهو قضية إطلاق النصِّ والعراقيين، لكن في "الشرح"، و"الروضة" عن القفال - من غير اعتراض -: أنه ليس له تحليفه حينئذ وإن ذكر تأويلًا؛ لأنه لا يكاد يقرُّ عند القاضي إلا عن تحقيق 1. (ولو قال أحدهما: "جنى المرهون") بعد القبض (وأنكر الآخر.. صدق المنكِر بيمينه) إذ الأصل عدمُها.
(ولو قال الراهن: "جنى قبل القبض".. فالأظهر: تصديق المرتهن بيمينه في إنكاره) لأن الراهن قد يواطئ مدعي الجناية؛ لغرض إبطال الرهن.

وَالأَصحُّ: أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ.. غَرِمَ الرَّاهِنُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَغْرَمُ الأَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ نَكَلَ الْمُرْتَهِنُ.. رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، لَا عَلَى الرَّاهِنِ. فَإِذَا حَلَفَ.. بِيعَ فِي الْجِنَايَةِ. وَلَوْ أَذِنَ فِي بَيع الْمَرْهُونِ فَبِيعَ وَرَجَعَ عَنِ الإِذْنِ وَقَالَ: (رَجَعْتُ قَبْلَ الْبَيع)، وَقَالَ الرَّاهِنُ: (بَعْدَهُ).. فَالأَصحُّ: تَصْدِيقُ الْمُرْتَهِنِ

والثاني: يصدق الراهن؛ لأنه أقرَّ في ملكه بما يضرُّه.
ومحل الخلاف: إذا عيَّن الراهن المجني عليه، وصدقه، وادعاه، فإن لم يعينه، أو عينَّه ولم يصدقه، أو لم يدعه.. فالرهن باقٍ بحاله.
(والأصح: أنه إذا حلف.. غرم الراهن للمجني عليه) كما لو قتله؛ لأنه حالَ بينه وبين حقِّه، والثاني: لا يغرم؛ لأنه أقرَّ في رقبة العبد بما لا يقبل إقراره به؛ فكأنه لم يُقرّ.
(وأنه يغرم الأقلَّ من قيمة العبد وأرشِ الجناية) كما في جناية أم الولد؛ لامتناع البيع، وقيل: على القولين في فداء العبد الجاني: أظهرهما: بالأقلِّ من قيمته، وأرش الجناية.
وثانيهما: بأرش الجناية بالغًا ما بلغ.
(وأنه لو نكل المرتهن.. رُدَّت اليمين على المجنيِّ عليه لا على الراهن) لأن الحقَّ له، والراهن لا يدعي لنفسه شيئًا.
والثاني: على الراهن؛ لأنه مالك العبد، والخصومة بينه وبين المرتهن، (فإذا حلف.. بيع في الجناية) لثبوتها باليمين المردودة.
(ولو أذن) المرتهن (في بيع المرهون فبيع، ورجع عن الإذن وقال: "رجعت قبل البيع"، وقال الراهن: "بعده".. فالأصحُّ: تصديق المرتهن) لأن الأصل عدمُ رجوعه في الوقت الذي يدعيه.
والأصل: عدم بيع الراهن في الوقت الذي يدعيه، فيتعارضان، ويبقى أن الأصل: استمرار الرهن.
والثاني: يصدق الراهن؛ لتَقَوِّي جانبه بالإذن.

وَمَنْ عَلَيْهِ أَلْفَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ فَأَدَّى أَلْفًا وَقَالَ: (أَدَّيْته عَنْ أَلْفِ الرَّهْنِ) صُدِّقَ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا.. جَعَلَهُ عَمَّا شَاءَ، وَقِيلَ: يُقَسَّطُ.

فصلٌ [في تعلق الدين بالتركة]

مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ.. تَعَلَّقَ بتَرِكَتِهِ تَعَلُّقَهُ بِالْمَرْهُونِ، وَفِي قَوْلٍ: كَتَعَلُّقِ الأَرْشِ بِالْجَانِي. فَعَلَى الأَظْهَرِ: يَسْتَوِي الدَّيْنُ الْمُسْتَغْرِقُ وَغَيْرُهُ فِي الأَصَحِّ

ومحل الخلاف: إذا صدق الراهن على الرجوع؛ فإن أنكر أصلَ الرجوع.. فالقول قولُه بيمينه؛ لأن الأصل عدمُه.
(ومن عليه ألفان بأحدهما رهنٌ فأدى ألفًا وقال: "أديته عن ألف الرهن".. صدق) بيمينه؛ لأنه أعرف بقصده وكيفية أدائه.
(وإن لم ينو شيئًا.. جعله عمَّا شاء) لأن التعيين إليه ولم يوجد.
(وقيل: يُقسَّط) لعدم أولويَّة أحدِهما على الآخر.
وهل التقسيط على قدر الدينين أو عليهما بالسوية؟ تردد فيه الصَّيْدَلاني، وجزم الإمام بالأول، وصاحب "البيان" و"الانتصار" بالثاني 1.

(فصل: من مات وعليه دين.. تعلَّق بتركته) مراعاةً للميت (تعلُّقه بالمرهون) لأنه أحوط للميت؛ إذ يمتنع على هذا التقدير تصرفُ الوارث فيه جزمًا، بخلاف إلحاقه بالجناية؛ فإنه يأتي فيه الخلاف المذكور في البيع.
(وفي قول: كتعلق الأرش بالجاني) لأن كلَّ واحد منهما ثبت شرعًا بغير رضا المالك، وقيل: كحجر المفلس، واختاره في "المطلب".
(فعلى الأظهر: يستوي الدَّين المستغرق وغيره في الأصحِّ) نظرًا للميت، وتوفيةً بقاعدة الرهن.

وَلَوْ تَصَرَّفَ الْوَارِثُ وَلَا دَيْنَ ظَاهِرٌ، فَظَهَرَ دَيْنٌ بِرَدِّ مَبِيعٍ بِعَيْبٍ.. فَالأَصحُّ: أَنَّهُ لَا يَتبَيَّنُ فَسَادُ تَصَرُّفِهِ، لكِنْ إِنْ لَمْ يُقْضَ الدَّيْنُ.. فُسِخَ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ لِلْوَارِثِ إِمْسَاكَ عَيْنِ التَّرِكَةِ وَقَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ مَالِهِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ لَا يَمْنَعُ الإِرْثَ،

والثاني: إن كان الدين أقلَّ.. تعلق بقدره من التركة، فينفذ تصرف الوارث إلى ألَّا يبقى إلا قدر الدين؛ لأن الحجر في مالٍ كثير بشيء حقير بعيدٌ.
(ولو تصرف الوارث ولا دين ظاهرٌ، فظهر دين بردِّ مبيع بعيب.. فالأصحُّ: أنه لا يتبيَّن فسادُ تصرفه) لأنه تصرَّفَ تصرفًا سائغًا له في الظاهر.
والثاني: يتبين فساده؛ إلحاقًا لما تجدد من الدين بالمقارن؛ لتقدم سببه.
وكان الأولى أن يقول: (ثم طرأ دين) لأن ما يجب بالردِّ لم يكن خفيًّا ثم ظهر، بل لم يكن ثم كان، لكن سببه متقدمٌ.
(لكن إن لم يقض الدين.. فُسخ) ليصل المستحقُّ إلى حقِّه.
وقوله: (يُقض) هو بضم الياء؛ ليعُمَّ قضاء الوارث والأجنبي، قاله في "الدقائق" 1. ولو عبر بالسقوط.. لعمَّ الإبراءَ أيضًا.
(ولا خلاف أن للوارث إمساكَ عين التركة وقضاءَ الدين من ماله) لأنه خليفة المورث، والمورث كان له ذلك.
نعم؛ لو أوصى ببيع عين في وفاء دينه.. عمل بها.
(والصحيح: أن تعلق الدين بالتركة لا يمنع الإرث) لأنه لو كان باقيًا على ملك الميت.. لوجب أن يرثه من أسلم أو أعتق من أقاربه قبل قضاء الدين، وألا يرثه من مات قبل القضاء من الورثة.
والثاني: يمنع؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ أي: من بعد إعطاء وصية وإيفاء دين إن كان.

فَلَا يَتَعَلَّقُ بِزَوَائِدِ التَّرِكَةِ كَالْكَسْبِ وَالنِّتَاجِ

وأجيب عن الآية: بأن المعنى المقادير لا المقدر.
(فلا يتعلق بزوائد التركة، كالكسب والنِّتاج) لأن زوائد المرهون لا تكون مرهونة؛ أما إذا قلنا: إن الدين يمنع انتقالَها.. تعلق بزوائدها؛ لبقائها على ملك الميت، وصححاه في (النكاح) في الكلام على إجبار العبد 1.

جارٍ التحميل