بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 253-292

وَالأَظْهَرُ: ضَمُّ الإِبْهَامِ إِلَيْهَا كَعَاقِدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ. وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضٌ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ، وَالأَظْهَرُ: سَنُّهَا فِي الأَوَّلِ. وَلَا تُسُنُّ عَلَى الآلِ فِي الأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَتُسَنُّ فِي الأَخِيرِ، وَقِيلَ: تَجِبُ

(والأظهر: ضمّ الإبهام إليها كعاقد ثلاثة وخمسين) لرواية مسلم عن ابن عمر ذلك عن فعله عليه السلام 1، والثاني: يُرسل الإبهامَ أيضًا مع طول المسبحة، وقيل: يَضعها على إصبعه الوسطى كأنه عاقد ثلاثةٍ وعشرين؛ لحديث ابن الزبير في ذلك عند مسلم 2. وصورة عقد ثلاثة وخمسين عند الفقهاء: وضعُ رأس الإبهام عند أسفل المسبحة على طرف الراحة، ومنهم من قرّره بجعل الإبهام مقبوضةً تحت المسبحة.
قال في "الدقائق": (عقد ثلاثةٍ وخمسين شرطُها عند الحُسَّاب: وضعُ طرف الْخِنصر على البِنصر، والمستحبّ هنا: وضعُهما معًا على الراحة وهي التي سماها الحُسَّاب تسعةً وخمسين، وإنما عبر الفقهاء بالأول دون الثاني تبعًا لرواية ابن عمر) 3. وأجاب في "الإقليد": بأن عِبرة وضعِ الْخِنصر على البِنصر في عَقد ثلاثةٍ وخمسين وهي طريقة أقباط مصر، ولم يَعتبر غيرُهم فيها ذلك.
(والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرضٌ في التشهد الأخير) لما مرّ.
(والأظهر: سَنُّها في الأول) لأنها ذكرٌ يجب في الأخير، فيسن في الأول؛ كالتشهد، والثاني: لا؛ لبنائه على التخفيف.
(ولا تسن على الآل في الأول على الصحيح) لبنائه على التخفيف، والثاني: يسن؛ كالصلاة، واختاره الأَذرَعي وغيرُه؛ لصحة الأحاديث فيه، ولا تطويل في قوله: (وآله).
(وتسن في الأخير، وقيل: تجب) لقوله عليه السلام في الحديث المار:

وَأَكْمَلُ التَّشَهُّدِ مَشْهُورٌ. وَأَقَلُّهُ: (التَّحِيَّاتُ للهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)، وَقِيلَ: يَحْذِفُ (وَبَرَكَاتُهُ) وَ (الصَّالِحِينَ)،

"قُولُوا: اللَّهُمَّ؛ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ" 1. وآله: هم بنو هاشم وبنو المطلب، وقيل: كلّ مسلم، واختاره في "شرح مسلم" 2. (وأكمل التشهد: مشهور) وفيه أحاديث صحيحة، واختار الشافعي رواية ابن عباس وهي: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله) رواه مسلم 3. وإنما قدمت على رواية ابن مسعود 4، وهي: (التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه).. لزيادة (المباركات) على وفق قوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾، ولأنّ صغرَ الراوي تَقوى معه رجحانُ التأخير، ولأنّ في لفظ ابن عباس ما يَدلُّ على ضبط لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قال: (كان يعلمنا ذلك كما كان يعلمنا السورة من القرآن).
(وأقله: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمةُ الله وبركاتُه، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله) لأن هذه الكلمات تأتي على معنى الجميع، ولورود إسقاط (المباركات) وما يليها في بعض الروايات؛ كما قاله في "شرح المهذب" 5. (وقيل: يحذف وبركاته والصالحين) أما حذف الأولى.. فرواه الصَّيْدَلاني عن

وَيَقُولُ: (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ). قُلْتُ: الأَصَحُّ: (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)، وَثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ"، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلِهِ: (اللَّهُمَّ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ)، وَالزِّيَادَةُ إِلَى (حَمِيدٌ مَجِيدٌ) سُنَّةٌ فِي الأَخِيرِ،

الشافعي رضي الله عنه، ولا وجهَ له، وأما (الصالحين).. فلأن (العباد) إذا أضيفتْ إلى الله تعالى.. انصرفتْ إلى الصالحين.
(ويقول: وأن محمدًا رسولُه، قلت: الأصح: وأن محمدًا رسولُ الله، وثبت في "صحيح مسلم"، والله أعلم) مراده: جواز إسقاط (أشهد)، ووجوب الإتيان باسم الله تعالى ظاهرًا لا ضميرًا.
واعترض في "المهمات" على قوله: (وثبت في "صحيح مسلم") بأن الثابت في ذلك ثلاث كيفيات: إحداها: (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) رواه الشيخان من حديث ابن مسعود 1، الثانية: (وأشهد أن محمدًا رسول الله) رواه مسلم 2، الثالثة: (وأن محمدًا عبدُه ورسولُه) بإسقاط (أشهد) رواه مسلم أيضًا من رواية أبي موسى 3، فليس ما قاله واحدًا من الثلاثة؛ لأن الإسقاط إنما ورد مع زيادة العبد.
انتهى 4. (وأقل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله: اللهم؛ صل على محمد وآله) لحصول اسم الصلاةِ المأمورِ بها في قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، والتسليمُ حصل بقوله: (السلام عليك... ) إلى آخره.
(والزيادة إلى حميدٌ مجيدٌ سنة في) التشهد (الأخير) للأمر به؛ كما هو مُخرَّج في الصحيح 5.

وَكَذَا الدُّعَاءُ بَعْدَهُ، وَمَأْثُورُهُ أَفْضَلُ، وَمِنْهُ: (اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ... ) إِلَى آخِرِهِ. وَيُسَنُّ أَلَّا يَزِيدَ عَلَى قَدْرِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ودليل عدم وجوبِها فيه وعدمِ استحبابها في الأول الإجماعُ، لكن أغرب الدارميُّ فحكى في استحبابِها في الأول قولين.
(وكذا الدعاء بعده) أي: بعد التشهد الأخير سنةٌ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وَلْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو بِهِ" متفق عليه 1، وفي رواية لمسلم: "ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ" 2. وقضية إطلاقه كـ "الروضة" و"أصلها": أنه لا فرق في جواز الدعاء بين الدِّيني والدُّنيوي 3. وقال الماوردي وغيرُه: إنه سنةٌ في الدِّيني مباحٌ في الدُّنيوي 4، واستحسن.
وقيل: يَمتنع الدعاءُ بمثل: (اللهم؛ ارزقني جاريةً صفتُها كذا) فإن دعا به.. بَطَلَتْ.
(ومأثوره) أي: المنقول من الدعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم (أفضل) من غيره؛ لتنصيص الشارع عليه.
(ومنه) أي: من المأثور (اللهم؛ اغفر لي ما قدمت، وما أخرت... إلى آخره) وهو: (وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت) رواه مسلم من حديث علي رضي الله عنه 5. (ويسن ألّا يزيد) في الدعاء (على قدر التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) لأنه تَبَعٌ لهما.

وَمَنْ عَجَزَ عَنْهُمَا.. تَرْجَمَ، وَيُتَرْجِمُ لِلدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ الْمَنْدُوبِ الْعَاجِزُ لَا الْقَادِرُ فِي الأَصَحِّ. الثَّانِيَ عَشَرَ: السَّلَامُ. وَأَقَلُّهُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ)، وَالأَصَحُّ: جَوَازُ: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ). قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: لَا يُجْزِئُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَأَنَّهُ لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ. وَأَكْمَلُهُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ)، مَرَّتينِ يَمِينًا وَشِمَالًا، مُلْتَفِتًا فِي

وقضيته تبعًا لأصله: أن المساواة لا يطلب تركها، لكن في "الشرحين": الأحب، وفي "الروضة" الأفضل: كون الدعاء أقلَّ 1. (ومن عجز عنهما) أي: عن التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم 2 (.. ترجم) كتكبيرة الإحرام، (ويترجم للدعاء والذكر المندوب العاجزُ لا القادر في الأصح) كالواجب؛ حِيازةً للفضيلة، والثاني: يجوز للقادر أيضًا؛ قياسًا على الدعاء خارجَ الصلاة، والجامع عدم الوجوب، والثالث: لا يجوز لهما؛ لأنه لا ضرورةَ إليهما، بخلاف الواجبات، ومحلُّ الخلاف: في المأثور، فليس للمصلِّي أن يخترعَ دعوةً ويدعوَ بها بالعجمية.
(الثاني عشر: السلام) لحديث: "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ"، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم 3، ويجب إيقاعُه في حال القعود.
(وأقله: السلام عليكم) لأنه المأثور عنه صلى الله عليه وسلم، ولم يُنقَل عنه خلافُه؛ كما قاله في "شرح المهذب" 4. (والأصح: جواز سلام عليكم) بالتنوين؛ قياسًا على التشهد، (قلت: الأصح المنصوص: لا يجزئه، والله أعلم) لأنه لم يُنقَل كما مرّ، بخلاف التشهد؛ فإنه ورد فيه التعريفُ والتنكيرُ، (وأنه لا تجب نية الخروج) كسائر العبادات، والثاني: تجب؛ كالتكبير في أول الصلاة، وتكون النيةُ مع السلام.
(وأكمله: السلام عليكم ورحمة الله مرتين يمينًا وشمالًا، ملتفتًا في) التسليمة

الأُولَى حَتَّى يُرَى خَدُّهُ الأَيْمَنُ، وَفِي الثَّانِيَةِ الأَيْسَرُ، نَاوِيًا السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ ويَسَارِهِ مِنْ مَلَائِكَةٍ وَإِنْسٍ وَجِنٍّ، وَيَنْوِي الإِمَامُ السَّلَامَ عَلَى الْمُقْتَدِينَ، وَهُمُ الرَّدَّ عَلَيْهِ. الثَّالِثَ عَشَرَ: تَرْتِيبُ الأَرْكَانِ كَمَا ذَكَرْنَا. فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا بِأَنْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ.. بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ سَهَا.. فَمَا بَعْدَ الْمَتْرُوكِ لَغْوٌ، فَإِنْ تَذَكَّرَ قَبْلَ بُلُوغِ مِثْلِهِ.. فَعَلَهُ،

(الأولى حتى يُرى خدُّه الأيمن، وفي الثانية الأيسرُ، ناويًا السلام على من عن يمينه ويساره من ملائكةٍ وإنسٍ وجنٍّ) من المسلمين منهما (وينوي الإمامُ السلامَ على المقتدين، وهم الردَّ عليه) لأحاديث وردت في ذلك كلِّه 1. (الثالث عشر: ترتيب الأركان كما ذكرنا) بالإجماع.
نعم؛ النيةُ والتكبيرُ لا ترتيبَ بينهما، وكذا القيامُ، فإنه يقارن التحرمَ والقراءةَ، والجلوس الأخير، فإنه يقارن التشهدَ والسلامَ، وقوله: (كما ذكرنا) قد يُفهِم ذلك.
وقضية كلامه: وجوبُ الترتيب بين التشهد والصلاةِ على النبي صلى الله عليه وسلم فيه؛ لأنهما ركنان، وهو ما في "شرح المهذب" تبعًا لـ" فتاوى البغوي"، ونقله في "الشفا" عن الشافعي، لكن في "شرح المسند" للرافعي نقلًا عن الحليمي وأقرّه: أنه كبعض التشهد، حتى يجوزُ فيه التقديمُ والتأخيرُ 2، والترتيبُ في السنن معتبرٌ ركنًا أو شرطًا في الاعتداد بها سنةً، لا في صحة الصلاة.
(فإن تركه عمدًا بأن سجد قبل ركوعه.. بطلت صلاتُه) إجماعًا؛ لتلاعبه.
نعم؛ لو قدم ركناَّ قوليًّا على فعلي؛ كتشهد على سجود، أو قوليًّا على قولي؛ كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على التشهد.. لم تبَطل، لكن لم يُعتدَّ بما قدمه بل يُعيده.
(وإن سها) أي: تركه سهوًا (.. فما بعد المتروك لغوٌ) لوقوعه في غير محله، (فإن تذكر) المتروك (قبل بلوغ) فعل (مثلِه) من ركعة أخرى (.. فعله) بمجرد

وَإِلَّا.. تَمَّتْ بِهِ رَكْعَته وَتَدَارَكَ الْبَاقِيَ، فَلَوْ تَيَقَّنَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ تَرْكَ سَجْدَةٍ مِنَ الأَخِيرَةِ.. سَجَدَهَا وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا.. لَزِمَهُ رَكْعَةٌ، وَكَذَا إِنْ شَكَّ فِيهِمَا. وَإِنْ عَلِمَ فِي قِيَامِ ثَانِيةٍ تَرْكَ سَجْدَةٍ؛ فَإِنْ كَانَ جَلَسَ بَعْدَ سَجْدَتِهِ.. سَجَدَ -وَقِيلَ: إِنْ جَلَسَ بِنِيَّةِ الاسْتِرَاحَةِ.. لَمْ يَكْفِهِ- وَإِلَّا.. فَلْيَجْلِسْ مُطْمَئِنًّا ثُمَّ يَسْجُدُ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ فَقَطْ

التذكر، (وإلّا) أي: وإن لم يتذكر حتى بلغ مثله (.. تمت به ركعتُه) لوقوعه في محلّه (وتدارك الباقيَ) لأنه لغى ما بينهما، هذا كلُّه إذا عرف عينَ المتروك وموضعَه، فإن لم يعرف.. أخذ بالمتيقن وأتى بالباقي، وفي الأحوال كلِّها يَسجد للسهو.
نعم؛ لو جُوِّز كونُ المتروك النيةَ أو التكبيرَ.. وجب الاستئنافُ ولا يسجد للسهو، وكذا لو كان المتروكُ السلامَ وتَذكَّره قبل طول الفصل.. سَلَّمَ ولا سجودَ للسهو.
(فلو تيقن في آخر صلاته تَرْكَ سجدةٍ من الأخيرة.. سجدها وأعاد تشهده) لما سبق، (أو من غيرها) أي: من غير الأخيرةِ (.. لزمه ركعة) لأن الناقصةَ قد تكمّلت بسجدة من الركعة التي بعدها، وألغي باقيها.
(وكذا إن شك فيهما) أي: في كونها من الأخيرة أو مما قبلها.. فإنه يجعلُها من غير الأخيرةِ، ويَلزمُه أيضًا ركعةٌ؛ أخذًا بالأحوط.
(وإن علم في قيام ثانيةٍ تركَ سجدةٍ) من الأولى.. نظر (فإن كان جلس بعد سجدته) التي أتى بها (.. سجد) في الحال من قيام؛ لأن ذلك الجلوسَ فاصلٌ (وقيل: إن جلس بنية الاستراحة.. لم يكفه) السجود عن قيامٍ، بل لا بدّ أن يجلس ثم يسجد؛ لأنه قصد السنةَ بجلوسه، فلا ينوب عن الفرض؛ كما لا يَقومُ سجودُ تلاوةٍ عن سجود الفرضِ، والأصحُّ: الاكتفاء؛ كما لو جلس في التشهد الأخير وهو يَظنُّه الأولَ ثم تَذكَّر.. فإنه يُجزئه.
(وإلّا) أي: وإن لم يجلس بعد سجدته (.. فليجلس مطمئنًا ثم يسجد) 1 لأن الجلوس ركنٌ، فلا بدّ منه، (وقيل: يسجد فقط) أي: من قيام؛ لأن

وَإِنْ عَلِمَ فِي آخِرِ رُبَاعِيَّةٍ تَرْكَ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ جَهِلَ مَوْضِعَهَا.. وَجَبَ رَكْعَتَانِ، أَوْ أَرْبَعٍ.. فَسَجْدَةٌ ثُمَّ رَكْعَتَانِ، أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ.. فَثَلَاثٌ، أَوْ سَبعٍ.. فَسَجْدَةٌ ثُمَّ ثَلَاثٌ. قُلْتُ: يُسَنُّ إِدَامَةُ نَظَرِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ-

الفصل حصل بالقيام.
ورُدَّ بأن الغَرَضَ الفصلُ عن هيئة الجلوس؛ كما لا يَقوم القيامُ مقامَ جلوسِ التشهد.
(وإن علم في آخر رباعيةٍ تركَ سجدتين أو ثلاثٍ جهل موضعَها.. وجب ركعتان).
أما في ترك السجدتين.. فلأنّ الأسوأ تقديرُ سجدةٍ من الركعة الأولى، وسجدةٍ من الثالثة، فتنجبر الركعةُ الأولى بسجدةٍ من الثانية، ويَلغُو باقيها، وتنجبر الثالثةُ بسجدةٍ من الرابعة، ويَلغُو باقيها، وتَصير الثالثةُ ثانيةً.
وأما في ترك الثلاث.. فلأنك إذا قَدَّرتَ ما ذكرناه في السجدتين، وقَدَّرتَ معه تركَ سجدةٍ أخرى من أيِّ ركعةٍ شئتَ.. لم يَختلف الحكمُ.
(أو أربعٍ.. فسجدةٌ تم ركعتان) لاحتمال ترك واحدةٍ من الأولى، وثنتين من الثالثة، وواحدةٍ من الرابعة، فتتم الأولى بالثانية، ويَلغُو باقيها، والثالثةُ باطلةٌ، فتحصل ركعةٌ ومعه سجدةٌ من الرابعة.
(أو خمسٍ أو ستٍّ.. فثلات) أي: ثلاثُ ركعات؛ لاحتمال ترك واحدةٍ من الأولى، وثنتين من الثانية، وثنتين من الثالثة، والسادسة من الأولى أو الرابعة، فتكمُل الأولى بالرابعة، وتبقى ثلاثُ ركعات.
(أو سبعٍ.. فسجدةٌ ثم ثلاثٌ) لأن الحاصل له ركعةٌ إلّا سجدةً، وفي ثماني سجداتٍ يَلزمه سجدتان، ثم ثلاثُ ركعاتٍ، ويُتصوَّر ذلك بترك طمأنينة، أو سجودٍ على عمامةٍ ونحوِهما.
(قلت: يُسن إدامةُ نظره إلى موضع سجودِه) في جميع صلاته؛ إذ جمعُ النظر في موضع واحد أقربُ إلى الخشوع، وموضعُ سجوده أشرفُ وأسهلُ.
ويستثنى حالة التشهد؛ فإنّ السنة إذا رفع مسبحته: ألّا يُجاوز بصرُه إشارتَه، ذكره في "شرح المهذب"، وفيه حديث صحيح في "سنن أبي داوود" 1.

وَقِيلَ: يُكْرَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ، وَعِنْدِي: لَا يُكْرَهُ إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا- وَالْخُشُوعُ وَتَدَبُّرُ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ، وَدُخُولُ الصَّلَاةِ بِنَشَاطٍ وَفَرَاغِ قَلْبٍ،

وكذا مَنْ صلّى في المسجد الحرام؛ فإنه يُستحب له أن يشاهد الكعبةَ؛ كما قاله الماوردي والروياني في "البحر" في (كتاب النذر)، كذا ذكره ابن الملقن 1، والذي ذكره الإسنوي وغيرُه: أن استحباب إدامة نظرِه إلى الكعبة وجهٌ ضعيفٌ، فليحرر.
قال في "العجالة": (وشمل إطلاقُ المصنف الأعمى والمصلّي في ظلمة، وفيه نظر) انتهى 2، وفي شموله الأعمى نظرٌ؛ إذ لا نظرَ له.
(وقيل: يكره تغميض عينيه) لأن فيه تكلفًا مُذهبًا للخشوع، وقد ورد النهيُ عنه، لكنه ضعيفٌ؛ كما أشار إليه البيهقي، (وعندي) تفقّهًا (لا يكره) لعدم صحة النهي عنه، لا سيما وهو مانعٌ من تفريق الذهن، (إن لم يخف ضررًا) بالتغميض، فإن خاف على نفسه أو غيرِه من عدوّه ونحوِه.. كُرِهَ، وقد يَحرم في بعض الصور.
(و) يسن (الخشوعُ) لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، وفسره علي رضي الله عنه: بلين القلب، وكفّ الجوارح، وقيل: الخشوع شرطٌ، قال المحب الطبري: ومحله: في بعض الصلاة، لا في كلّها.
والعَبَثُ في الصلاة مكروهٌ، وقيل: حرامٌ، ولو سقط رداؤُه أو طرفُ عمامته.. كُرِهَ له تسويتُه، إلّا لضرورة، قاله في "الإحياء" 3. (وتدبرُ القراءة) أي: تامّلها، (و) تدبر (الذكرِ) لأن به يَكمل مقصودُ الخشوع والأدب.
(ودخولُ الصلاة بنشاطٍ) لأن الله تعالى ذمّ تارك ذلك؛ حيث قال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾، (وفراغِ قلب) من شواغل الدنيا؛ لأنه أعونُ على الحضور والخشوع.

وَجَعْلُ يَدَيْهِ تَحْتَ صَدْرِهِ آخِذًا بِيَمِينِهِ يَسَارَهُ، وَالدُّعَاءُ فِي سُجُودِهِ، وَأَنْ يَعْتَمِدَ فِي قِيَامِهِ مِنَ السُّجُودِ وَالْقُعُودِ عَلَى يَدَيْهِ، وَتَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الأَصَحِّ، وَالذِّكْرُ بَعْدَهَا،

(وجعلُ يديه تحت صدره) وفوق سُرته (آخذًا بيمينه يسارَه) للاتباع؛ كما رواه ابن خزيمة 1. (والدعاءُ في سجوده) لحديث: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ" رواه مسلم 2. (وأن يعتمد في قيامه من السجود والقعود على يديه) لثبوته في الصحيح عن فعله صلى الله عليه وسلم 3. (وتطويلُ قراءةِ) الركعة (الأولى على الثانية في الأصح) لثبوته في "الصحيحين" 4، والثاني: أنهما سواءٌ، ورجحه الرافعي، ونقله في "الروضة" عن الجمهور، ونَصَّ عليه في "الأم" 5. نعم؛ يُستحب تطويلُ الأولى قطعًا في الكسوف، وصُبْحِ الجمعة حيث قرأ بـ (السجدة) و (هل أتى)، وتطويلُ الثانية قطعًا في العيد والجمعة إذا قرأ بـ (سبح) و (هل أتاك).
ويستحب للإمام: تخفيفُ قراءة الأولى في صلاة (ذات الرقاع) لأنها حالُ شغل، وتطويلُ الثانية حتى تأتي الفرقةُ الثانية.
ويستحب للطائفتين: التخفيفُ في الثانية؛ لئلا يَطول الانتظارُ، ذكره في "الروضة" 6. (والذكرُ بعدها) للاتباع 7، قال في "الروضة": والسنة: أن يكثر منه،

وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِلنَّفْلِ مِنْ مَوْضِعِ فَرْضِهِ، وَأَفْضَلُهُ: إِلَى بَيْتِهِ، وَإِذَا صَلَّى وَرَاءَهُمْ نِسَاءٌ.. مَكَثُوا حَتَّى يَنْصَرِفْنَ، وَأَنْ يَنْصَرِفَ فِي جِهَةِ حَاجَتِهِ، وَإِلَّا.. فَيَمِينِهِ. وَتنقَضِي الْقُدْوَةُ بِسَلَامِ الإِمَامِ، فَلِلْمَأْمُومِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِدُعَاءٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ،

ويستحب الدعاء أيضًا، ويُسرّ به، إلّا أن يكون إمامًا يريد تعليم الحاضرين 1. (وأن ينتقل للنفل من موضع فرضِه) لأن مواضعَ السجود تشهدُ له، فاستحب تكثيرُها، وقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ أن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلّاه من الأرض، ومَصعَد عملِه من السماء.
وقضية التوجيه: ندب الانتقال إلى الفرض من موضع نفلِه المتقدمِ، وأنه يَنتقل لكلّ صلاة يَفتتحها من الْمَقضيّات والنوافل؛ كالضحى والتراويح 2. (وأفضله: إلى بيته) لأنه أبعدُ عن الرياء، وهذا إذا لم يَخف فوتَ الراتبة؛ لضيق وقتٍ أو بُعد منزلٍ، أو كان معتكفًا.
ويستثنى: النافلة للمبكر يوم الجمعة، وركعتا الطواف، وركعتا الإحرام إذا كان بالميقات مسجدٌ.
(وإذ صلّى وراءهم نساءٌ.. مكثوا حتى ينصرفن) لأن الاختلاط بهن مظنةُ الفساد، والقياس في الخناثى: انصرافُهم فُرادى، إمّا قبل النساء أو بعدهن وقبل الرجال.
(وأن ينصرف في جهة حاجتِه) أيّ جهة كانت، (وإلّا) أي: وإن لم يكن له حاجة في جهة معينة (.. فيمينه) أي: فينصرف في جهة يمينه؛ لأن التيامن محبوب.
(وتنقضي القدوةُ بسلام الإمام) التسليمة الأولى؛ لخروجه من الصلاة.
نعم؛ يستحب له ألّا يسلم الأولى إلّا بعد التسليمتين جميعًا؛ كما صححه في "التحقيق" 3. (فللمأموم أن يشتغل بدعاءٍ وفحوِه، ثم يسلم) لانفراده، هذا إذا كان غيرَ

وَلَوِ اقْتَصَرَ إِمَامُهُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ.. سَلَّمَ ثِنْتَيْنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

مسبوق، أو مسبوقًا وجلوسُه مع الإمام في موضع تشهدِه الأول، أما غيرهما: فيلزمه القيامُ عقب التسليمتين، فإن مَكث.. حَرُمَ وبَطَلَتْ بعمده.
(ولو اقتصر إمامُه على تسليمة.. سلم ثنتين، والله أعلم) لزوال المتابعة، ولتحصيل الفضيلة.

بابٌ [شروط الصلاة]

شُرُوطُ الصَّلَاةِ خَمْسَةٌ: مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ. وَالاسْتِقْبَالُ. وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ: مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ،

(باب) هو مُنوّنٌ؛ أي: هذا بابٌ معقودٌ للشروط، والشرط لغة: العلامةُ، ومنه: أشراط الساعة، وشرعًا: ما يَلزم من عدمه العدمُ، ولا يَلزم من وجوده وجود ولا عدمٌ.
(شروط الصلاة: خمسة) زاد في "التحقيق" سادسًا، وهو: معرفة أفعال الصلاة؛ أي: تمييز فرضها من نفلها 1، فلو اعتقد جميعَ أفعالها سنةً، أو بعضَها فرضًا وبعضها سنةً، ولم يُميِّز.. لم يَصحّ، أو كلَّها فرضًا.. صحتْ في الأصحِّ.
وفي "فتاوى الغزالي": إذا لم يُميِّز العامي فرضًا من سنةٍ.. صحتْ إن لم يقصد التنفلَ بفرض، فإذا غفل عن التفصيل.. فَنِيَّة الجملة كافيةٌ، قال في "زيادة الروضة": وهذا هو الظاهرُ الذي تقتضيه أحوالُ السلف 2، قال في "التنقيح": وينبغي أن يُعدَّ من الشروط: ترتيبُ الأفعال والموالاةُ بينها، لكن الذي في "الشرح" و"الروضة" أنهما ركنان 3. (معرفةُ الوقت) ولو ظنًّا (والاستقبالُ) إلّا ما استثني منه على ما مرّ في بابه.
(وسترُ العورة) ولو كان خاليًا في ظلمة عند القدرة؛ لقيام الإجماع على الأمر به في الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، قال ابن عباس: المراد به: الثياب في الصلاة، ولقوله عليه السلام: "لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ حَائِضٍ -أي: بالغ- إِلَّا بِخِمَارٍ" حسنه الترمذي وقال الحاكم: إنه على شرط مسلم 4. (وعورةُ الرجل) ولو عبدًا وصبيًّا (ما بين سرته وركبته) لحديث: "عَوْرَةُ الرَّجُلِ

وَكَذَا الأَمَةُ فِي الأَصَحِّ، وَالْحُرَّةِ: مَا سِوَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ. وَشَرْطُهُ: مَا مَنَعَ إِدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ، وَلَوْ طِينٌ وَمَاءٌ كَدِرٌ. وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ التَّطَيُّنِ عَلَى فَاقِدِ الثَّوْبِ. وَيَجِبُ: سَتْرُ أَعْلَاهُ وَجَوَانِبهِ لَا أَسْفَلِهِ، فَلَوْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ جَيْبهِ فِي رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ.. لَمْ يَكْفِ، فَلْيَزُرُّهُ أَوْ يَشُدَّ وَسْطَهُ،

ما بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ" رواه الدارقطني والبيهقي عن أبي أيوب مرفوعًا، لكن بإسناد ضعيف 1، وقيل: الركبةُ من العورة لا السرة، وقيل: عكسُه.
(وكذا الأمة في الأصح) لأن رأسَها ليس بعورة إجماعًا، ومن ليس رأسُه عورةً.. فعورتُه ما بين سرتِه وركبتِه كالرجل، والثاني: أنها كالحرة إلّا في الرأس.
(و) عورة (الحرةِ) في الصلاة (ما سوى الوجهِ والكفين) إذ فُسِّرَ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بالوجه والكفين، ولأنهما لو كانا عورةً.. لما وجب كشفُهما في الإحرام.
وحكى ابنُ أبي عَصْرون في "الانتصار" وجهًا في جواز ظهور قدمي الحرة في الصلاة، واستُغربَ، وعورتُها في الخلوة وبحضرة مَحارم خارج الصلاة: ما بين السرة والركبة، وصوتُها ليس بعورة على الصحيح، فلا تبَطل الصلاةُ به لو جَهَرَتْ.
(وشرطُه) أي: الساتر (ما منع إدراكَ لون البشرة) لا حجمها، فلا يكفي ثوبٌ رقيقٌ، وزجاجٌ، وماءٌ صافٍ؛ لأن مقصودَ الستر لا يحصل به، وأُورِد عليه الظلمةُ، فإنها مانعةٌ من الإدراك ولا يكفي (ولو طينٌ وماءٌ كَدِرٌ) لمنعهما الإدراكَ، والصافي إذا غلبت فيه الخضرة كالكدر، (والأصح: وجوبُ التطين على فاقد الثوب) ونحوه؛ لقدرته على الستر، وقيل: لا؛ للمشقة والتلويث 2. (ويجب ستر أعلاه وجوانبه، لا أسفلِه) لأنه المقصودُ من الستر، (فلو رئيت عورتُه من جيبه) وهو المنفذ الذي يُدخل فيه الرأسَ (في ركوع أو غيرِه.. لم يكف) لعدم الشرط المذكور (فليَزُرُّه أو يَشُدَّ وسطه) أي: إن لم يجعل عليه رداءً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لسلمة بن الأكوع وقد قال: (إنا نصيد أفنصلي في الثوب الواحد؟

وَلَهُ سَتْرُ بَعْضِهَا بِيَدِهِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ وَجَدَ كَافِيَ سَوْأَتَيْهِ.. تَعَيَّنَ لَهُمَا، أَوْ أَحَدِهِمَا.. فَقُبُلَهُ، وَقِيلَ: دُبُرَهُ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ. وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ، فَإِنْ سَبَقَهُ.. بَطَلَتْ، وَفِي الْقَدِيمِ: يَبْنِي، وَيَجْرِيَانِ فِي كُلِّ مُنَاقِضٍ عَرَضَ بِلَا تَقْصِيرٍ، وَتَعَذَّرَ دَفْعُهُ فِي الْحَالِ، فَإِنْ أَمْكَنَ بِأَنْ كَشَفَتْهُ رِيحٌ فَسَتَرَ فِي الْحَالِ.. لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ قَصَّرَ بِأَنْ فَرَغَتْ مُدَّةُ خُفٍّ فِيهَا.. بَطَلَتْ

"نَعَمْ، وَأزْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ") رواه أبو داوود وصححه ابن خزيمة 1، (وله ستر بعضها) أي: العورة (بيده في الأصح) لحصول المقصود، والثاني: لا؛ لأن بعضَه لا يجوز كونُه لباسًا له.
واحترز بيده: عما لو وضع غيرُه يدَه عليها.. فإنه يَكفي قطعًا -وإن فعل محرمًا كما قاله في "الكفاية"- لانتفاء علة المنع 2. (فإن وجد كافيَ سوأتيه) وهما: قبلُه ودبرُه (.. تَعيّن لهما) لغلظهما وفُحشهما، (أو أحدِهما.. فقبله) أي: تعين قبلُه ذكرًا كان أو أنثى؛ لبروزه إلى القبلة، (وقيل: دبره) لأنه أفحش عند الركوع والسجود، (وقيل: يتخير) لتعارض المعنيين، والخلاف في الوجوب على الصحيح، بل في الشرطية؛ كما قاله في "شرح المهذب"، حتى لو خالف.. لم تصحّ صلاتُه 3. (وطهارةُ الحدث) الأكبر والأصغرِ عند القدرة بالإجماع، (فإن سبقه) الحدث (.. بطلت) صلاتُه؛ لبطلان طهارته بالإجماع، (وفي القديم) يتطهر و (يبني) على صلاته؛ لعدم تقصيره، فلو أحدث مختارًا.. بطلت قطعًا، (ويجريان) أي: القولان (في كل مُناقض) أي: مناف للصلاة (عَرَضَ بلا تقصير، وتعذر دفعُه في الحال) كما إذا تنَجَّس ثوبُه أو بدنُه واحتاج إلى غسله، أو طَيَّرت الريحُ ثوبَه إلى مكان بعيدٍ، (فإن أمكن) دفعُه في الحال (بأن كشفتْه ريحٌ فسَتَرَ في الحال.. لم تَبطل) لانتفاء المحذور، (وإن قَصَّر بأنْ فرغتْ مُدَّةُ خُفٍّ فيها.. بَطَلَتْ) قطعًا؛ لأنه يُشبه مَنْ أحدث مختارًا.

وَطَهَارَةُ النَّجَسِ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ، وَلَوِ أشْتبَهَ طَاهِرٌ وَنَجِسٌ.. اجْتَهَدَ، وَلَوْ نَجُسَ بَعْضُ ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ وَجُهِلَ.. وَجَبَ غَسْلُ كُلِّهِ، فَلَوْ ظَنَّ طَرَفًا.. لَمْ يَكْفِ غَسْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ غَسَلَ نِصفَ نَجِسٍ ثُمَّ بَاقِيَهُ.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ غَسَلَ مَعَ بَاقِيهِ مُجَاوِرَهُ.. طَهُرَ كُلُّهُ، وَإِلَّا.. فَغَيْرُ الْمُنْتَصَفِ

(وطهارةُ النجَس) الذي لا يُعفَى عنه (في الثوب والبدن والمكان) الذي يُصلِّي فيه؛ لثبوت الأمر باجتنابها بالكتاب والسنة 1، ولا يجب ذلك في غير الصلاة، فتعين أن يكون الأمرُ فيها، والأمرُ بالشيء نهيٌ عن ضده، والنهي في العبادات يَقتضي الفسادَ، فلزم ما ذكره.
(ولو اشتبه طاهرٌ ونَجِس.. اجتهد) لما مرّ في الأواني، (ولو نَجُس بعض ثوب أو) بعض (بدن، وجُهِل.. وجب غسل كله) لأن الأصل بقاءُ النجاسة ما بقي منه جزءٌ بغير غسل، (فلو ظَنّ طرفًا) أي: من موضعين متميزين، أو من مواضعَ متميزةٍ؛ كأحد طرفي الثوب، وأحد الكُمَّين واليدين والأصابع، فاجتهد وظنّ طرفًا (.. لم يكف غَسلُه على الصحيح) لعدم جواز الاجتهاد؛ لأن الثوب والبدن واحدٌ، والاجتهاد إنما يكون في شيئين.
(ولو غسل نصف نَجِس ثم باقيه.. فالأصح: أنه إن غسل مع باقيه مجاوره) من النصف المغسول أولًا (.. طهر كلُّه، وإلّا) أي: وإن لم يغسل معه مُجاوِرَه (.. فغير الْمُنْتَصَفِ) أي: فيطهر غير المنتصف وهو الطرفان فقط، ويبقى المنتصف نجسًا فيغسله وحده؛ لأنه رَطبٌ ملاقٍ لنجس.
والثاني: لا يطهر مطلقًا حتى يغسل الكلَّ دفعةً واحدةً؛ لأنه إذا تنَجَّس المجاورُ.. لزم تنَجُّس ما يجاور المجاورَ، وهَلُمَّ جَرًّا... إلى آخره، وهو مبني على أن الثوبَ الرطبَ إذا وقعت عليه نجاسةٌ.. تنجس كلُّه؛ كما هو وجهٌ في "التتمة"، وصحح في "شرح المهذب": أنه إن كان ذلك في جَفْنَةٍ؛ بأن وُضِعَ نصفُه ثم صُبَّ عليه ماءٌ يَغْمُره.. فلا يطهر؛ لملاقاة الماء جزءًا مما لم يغسله، وذلك الجزءُ نَجِسٌ وَرَدَ على

وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ مُلَاقٍ بَعْضُ لِبَاسِهِ نَجَاسَةً وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ، وَلَا قَابِضٍ طَرَفَ شَيْءٍ عَلَى نَجسٍ إِنْ تَحَرَّكَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ فِي الأَصَحِّ، فَلَوْ جَعَلَهُ تَحْتَ رِجْلِهِ.. صَحَّتْ مُطْلَقًا، وَلَا يَضُرُّ نَجِسٌ يُحَاذِي صَدْرَهُ فِي الرّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ وَصَلَ عَظْمَهُ بِنَجِسٍ لِفَقْدِ الطَّاهِرِ.. فَمَعْذُورٌ،

ماء قليلٍ فنَجَّسه، وإذا نَجِسَ الماءُ.. نَجِسَ الثوب، وإن غسل نصفه في غير جَفْنَةٍ بل بصَبِّ الماء عليه.. طَهُرَ 1، و (المنتصف) بفتح (الصاد).
(ولا تصح صلاةُ مُلاقٍ بعضُ لباسِه نجاسةً) في شيء من صلاته؛ لما مرّ، وبدنُه أولى بذلك (وإن لم يتحرك بحركته) كإلقاء طرف عمامته على نَجِس؛ لنسبته إليه.
(ولا قابضٍ طرف شيء على نَجِسٍ إن تحرك) الطرف الموضوع على النجس بحركته بارتفاعه وانخفاضه؛ لحمله ما هو مُتصلٌ بنجس، (وكذا إن لم يتحرك في الأصح) كما مرّ في طرف العمامة، والثاني: تصح؛ لأن الطرف الملاقي للنجاسة ليس محمولًا له، وإنما أبطلنا في العمامة لكونها من ثيابه، قال في "الشرح الصغير": وهذا أوجه الوجهين، واختاره الأذرعي، لكن في "الكبير": إن كلام الأكثرين يدل على أن الأول أرجحُ 2، والشد في يده ونحوها كالقبض.
(فلو جعله) أي: جعل طرفَ ما طرفُه الآخرُ نجسٌ أو على نجس (تحت رِجله.. صَحَّت مطلقًا) سواء تحرك بحركته أم لا؛ لأنه ليس لابسًا ولا حاملًا للنجاسة، ولا ما هو متصلٌ بها، فأشبه ما إذا صلّى على بساط طرفُه نجس، أو مفروش على نجاسة، (ولا يَضُرُّ نَجِسٌ يحاذي صدره) أو شيئًا من بدنه (في الركوع والسجودِ على الصحيح) إذ لا حمل ولا ملاقاة، والثاني: يضر؛ لأنه منسوبٌ إليه؛ لكونه موضعَ صلاته، فتعتبر طهارتُه كالذي يلاقيه، أما إذا لاقاه النجس.. فتبطل جزمًا.
(ولو وصل عظمَه) عند احتياجه إليه لكسر ونحوه (بنجِس) كعظم كلبٍ ونحوِه (لفقد الطاهر) أو عدم نفعه (.. فمعذور) للضرورة، فلو قال أهل الخبرة: إن لحم الآدمي لا يَنجبر سريعًا إلّا بعظم الكلب.. فيتجه أنه عذرٌ، وهو قياس ما ذكروه في

وَإِلَّا.. وَجَبَ نَزْعُهُ إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا ظَاهِرًا -قِيلَ: وَإِنْ خَافَ- فَإِنْ مَاتَ.. لَمْ يُنْزَعْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيُعْفَى عَنْ مَحَلِّ اسْتِجْمَارِهِ، وَلَوْ حَمَلَ مُسْتَجْمِرًا.. بَطَلَتْ فِي الأَصَحِّ. وَطِينُ الشَّارِعِ الْمُتَيَقَّنُ نَجَاسَتُهُ يُعْفَى مِنْهُ عَمَّا يَتَعَذَّرُ الاحْتِرَازُ مِنْهُ غَالِبًا، وَيَخْتَلِفُ بِالْوَقْتِ وَمَوْضعِهِ مِنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ

التيمم في بطء البرء، قاله الإسنوي.
(وإلّا) أي: وإن وصله به مع وجود الطاهر النافع (.. وجب نزعُه) للضرورة (إن لم يَخَفْ ضررًا ظاهرًا) وهو ما يُبيح التيمم، ولا يمنع تألمه به، (قيل: وإن خاف) ذلك فإنه ينزع أيضًا لتعديه، ولئلا يؤدي إلى أنه يصلي عمرَه كلَّه بنجاسة فَرَّطَ بحملها، ونحن نقتله بترك صلاة واحدة.
(فإن مات) مَنْ وجب عليه النزع (.. لم يُنزع على الصحيح) لأن فيه مُثْلَةً وهَتْكًا لحرمة الميت، والثاني: ينزع؛ لئلا يَلقى الله تعالى حاملًا نَجَسًا، والخلافُ في الوجوب؛ كما صرح به في "المحرّر"؛ فإنه قال: (فمان مات.. فالأصح: أنه لا يجب النزعُ) 1. (ويُعفى عن محلّ استجماره) لما مرّ من جواز الاستنجاء بالحجر، (ولو حمل) مصلٍّ (مستجمرًا.. بطلت) الصلاة (في الأصح) لأن العفوَ عن أثر النَّجْوِ للحاجة 2، ولا حاجة به إلى حمل الغير، والثاني: لا؛ كما في حق المحمول.
(وطينُ الشارع الْمُتيقَّنُ نجاستُه يعفى منه عمّا يتعذر الاحترازُ منه غالبًا) لأنه لا بدّ للناس من الانتشار في حوائجهم، وكثيرٌ منهم لا يَملك إلا ثوبًا واحدًا، فلو أُمِرُوا بالغسل كلّما أصابهم شيءٌ.. عظمت المشقةُ.
(ويختلف بالوقت وموضعِه من الثوب والبدنِ) فقد يتعذر الاحترازُ في الشتاء عن مقدار ما لا يتعذر الاحترازُ عنه في الصيف، ويعفى في الرِّجل وذيل القميص عما لا يُعفى عنه في اليد والكمّ، وضابطُ القدر المعفو عنه هو: الذي لا يُنسب صاحبُه إلى سقطة، أو قلةِ تَحفّظ، فإن نُسب إلى ذلك.. فلا يُعفى.

وَعَنْ قَلِيلِ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَوَنِيمِ الذُّبَابِ، وَالأَصَحُّ: لَا يُعْفَى عَنْ كَثِيرِهِ، وَلَا قَلِيلٍ انْتَشَرَ بعَرَقٍ، وَتُعْرَفُ الْكَثْرَةُ بِالْعَادَةِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ: الْعَفْوُ مُطْلَقًا، وَاللهُ أَعْلَمُ

واحترز بـ (المتيقن نجاسته): عن غير المتيقن نجاسته.
ثم تارة يغلب ظنّ نجاسته، ففيه قولان: أصحهما: الطهارة؛ تغليبًا للأصل على الظاهر، وتارةً لا يغلب ظنّ نجاسته، فهو طاهرٌ قطعًا.
(وعن قليلِ دمِ البراغيثِ) والقمل، (ووَنِيمِ الذُّباب) أي: ذرقه وغيرِ ذلك مما لا نفس له سائلةٌ؛ كما قاله في "شرح المهذب" لأنه مما تَعُمُّ به البَلوى، ويَشُقُّ الاحتراز عنه 1. (والأصح: لا يعفى عن كثيره) لندرته، وسهولة الاحتراز عنه، (ولا) عن (قليلٍ انتشر بعرق) لمجاوزته محلَّه، ولأن البلوى به لا تَعُمُّ، والثاني: يعفى عنهما؛ لأن الغالب في هذا الجنس عُسْرُ الاحتراز، فيُلحَق غيرُ الغالب منه بالغالب.
(وتُعرف الكثرة بالعادة) فما يقع التلطخ به غالبًا ويعسر الاحتراز عنه.. قليلٌ، وإن زاد.. فكثير، ويختلف الحالُ بين الأماكن والأوقات، ويُرجَع في هذا كلِّه إلى رأي المصلي، وقيل: إن الكثير ما يظهر للناظر من غير تأمل وإمعان نظر، والقليلَ دونه.
قال الإمام: والذي أقطعُ به: أنه لا بدّ أيضًا من اعتبار عادة الناس في غَسل الثياب، فإنّ من لا يَغسل ثوبَه الذي يصلِّي فيه عمّا يُصيبه من لَطْخٍ سنةً مثلًا.. يتفاحش مواقعُ النجاسة من هذه الجهات 2، قال الأَذْرَعي: وهو حق، ويجب الجزم به وإن عفونا عن الكثير في العادة؛ لأن الكثير هنا قد تَفاحش.
انتهى.
ولو كانت النجاسة متفرقةً ولو جُمعتْ لبلغت قدرًا لا يُعفى عنه.. ففيه احتمالان للإمام، وميله إلى العفو 3، وكلام "التتمة" يقتضي الجزمَ بخلافه.
(قلت: الأصح عند المحققين: العفو مطلقًا، والله أعلم) أي: قلّ أم كثر،

وَدَمُ الْبَثَرَاتِ كَالْبَرَاغِيثِ، وَقِيلَ: إِنْ عَصَرَهُ.. فَلَا. وَالدَّمَامِيلُ وَالْقُرُوحُ وَمَوْضِعُ الْفَصدِ وَالْحِجَامَةِ، قِيلَ: كَالْبَثَرَاتِ، وَالأَصَحُّ: إِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَدُومُ غَالِبًا.. فَكَالاسْتِحَاضَةِ، وَإِلَّا.. فَكَدَمِ الأَجْنَبِيِّ فَلَا يُعْفَى، وَقِيلَ: يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: أَنَّهَا كَالْبَثَرَاتِ، وَالأَظْهَرُ: الْعَفْوُ عَنْ قَلِيلِ الأَجْنَبِيِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ

انتشر بعرق أم لا؛ لأنه مما يَشُقُّ الاحترازُ منه غالبًا، فأُلْحِقَ نادرُه بغالبه.
(ودم البثرات كالبراغيث) لأن الإنسان لا يَخلو منها غالبًا، فلو وجب الغسلُ لكلّ مرة.. لشق، (وقيل: إن عَصَره.. فلا) يعفى عنه؛ للاستغناء عنه، [والأصحُّ فيما إذا كان قليلًا: العفو عنه] 1، (والدماميلُ، والقروح، وموضعُ الفصد والحجامةِ، قيل: كالبثرات) لعسر الاحتراز عن لَطْخِها، (والأصح: إن كان مثلُه يدوم غالبًا.. فكالاستحاضة) فيجب الاحتياط له بقدر الإمكان، ويعفى عما يتعذر أو يشق كما مرّ في موضعه.
(وإلّا.. فكدم الأجنبي) يصيبه (فلا يعفى) عنه، (وقيل: يعفى عن قليله) والحاصل: جعل ما لا يدوم غالبًا كدم الأجنبي، فلا يُعفى عن كثيره، وفي قليله الخلافُ، وقد جعل الأَذْرَعي وغيرُه قوله: (فلا يعفى) راجعًا إلى ما لا يدوم غالبًا، وجعله الإسنوي وغيرُه راجعًا إلى دم الأجنبي.
(قلت: الأصح: أنها كالبثرات) لما مرّ، ونقله في "الشرحين" عن قضية كلام الأكثرين 2، (والأظهر: العفو عن قليل) دم (الأجنبي، والله أعلم) وهو ما عدَّه الناسُ عفوًا؛ لأن جنس الدم يتطرق إليه العفوُ، فيقع القليل منه في محل المسامحة، وقيل: القليلُ ما دون الكفِّ، والثاني: لا يعفى عنه مطلقًا؛ لسهولة الاحتراز عنه.
وأطلق الخلاف، وقيده العمراني بغير دم الكلب والخنزير، وفرعِ أحدهما، وأشار إلى أنه لا يُعفى عن شيء من ذلك قطعًا؛ لغلظ حكمه، قال في "التحقيق": ولم أجد تصريحًا بموافقته، ولا مخالفته، ونقل في "المهمات" عن "المقصود"

وَالْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ كَالدَّمِ، وَكَذَا مَاءُ الْقُرُوحِ وَالْمُتَنَفِّطِ الَّذِي لَهُ رِيحٌ، وَكَذَا بِلَا رِيحٍ فِي الأَظْهَرِ.
قُلْتُ: الْمَذهَبُ: طَهَارَتُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ صَلَّى بِنَجِسٍ لَمْ يَعْلَمْهُ.. وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْجَدِيدِ، وَإِنْ عَلِمَ ثُمَّ نَسِيَ.. وَجَبَ عَلَى الْمَذْهَب.

فَصْلٌ [في ذكر بعض مبطلات الصلاة]

تبطُلُ بِالنُّطْقِ بِحَرْفَيْنِ

للشيخ نصر المقدسي موافقتَه 1. (والقيحُ والصديدُ كالدم) في كل ما مرّ؛ لأنهما دمان استحالا إلى نَتْنٍ وفَساد، (وكذا ماءُ القُروحِ والْمُتَنَفِّطِ الذي له ريحٌ) قياسًا على القيح والصديد، (وكذا بلا ريحٍ في الأظهر) قياسًا على الصديد الذي لا رائحةَ له، والثاني: طاهرٌ؛ كالعرق.
(قلت: المذهب: طهارته) قطعًا (والله أعلم) وصححها في "شرح المهذب" ثم قال: (وحيث نجسناه فهو كالبثرات) 2. (ولو صلى بنجِس) غيرِ معفو عنه (لم يعلمه.. وجب القضاءُ في الجديد) لفوات الشرط؛ كما لو بان محدثًا، والقديم: لا يجب؛ لحديث فيه مؤول 3، (وإن عَلِمَ) به (ثم نَسي.. وجب على المذهب) 4 لتفريطه بتركها لمّا علم بها، وقيل: القولان فيمن لم يَعلم به.

(فصل: تَبْطُل بالنطق بحرفين) سواء أفادا؛ كـ (قُمْ)، أو لم يفيدا؛ كـ (من) و (عن) و (اس) و (ار) لحديث معاوية بن الحكم قال: (بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عَطَسَ رجلٌ من القوم، فقلتُ: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلتُ: واثُكْلَ أُمِّياه ما شأنْكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يَضربون

أَوْ حَرْفٍ مُفْهِمٍ، وَكَذَا مَدَّةٌ بَعْدَ حَرْفٍ فِي الأَصَحِّ

بأيديهم على أفخاذهم، فلمّا رأيتُهم يُصَمِّتُونني.. سكت، فلمّا صلّى النبي صلى الله عليه وسلم.. قال: "إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ") رواه مسلم 1. والحرفان من جنس الكلام، بخلاف الحرف؛ إذ أقلُّ ما يُبنى عليه الكلامُ حرفان.
(أو حرفٍ مفهمٍ) كقولك إذا أمرتَ بالوفاء والوقاية والوعي: (فِ) و (قِ) و (عِ) لأنه كلام تامٌّ لغةً وعرفًا وإن أخطأ بحذف (هاء) السكت.
(وكذا مَدةٌّ بعد حرفٍ) غير مفهم (في الأصح) لأن المدة (ألف) أو (واو) أو (ياء)، وهي حروفٌ مخصوصةٌ فضمُّها إلى الحرف كضمّ حرف إليه.
والثاني: لا تبطل؛ لأن المدة قد تَتَّفِقُ لإشباع الحركة، فلا تُعَدُّ حرفًا، واستثني من الإبطال: ما لو ناداه النبي صلى الله عليه وسلم في حياته فأجابه.. فلا تبطل على الأصح، ويلتحق به سيدُنا عيسى صلى الله عليه وسلم عند نزوله على الأشبه في "الخادم".
وهل يلتحق بإجابته صلى الله عليه وسلم ما لو استدعاه صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فمشى إليه خطوات كثيرة؟ فيه احتمالان للإسنوي، قال: والمتجه: إلحاقه به 2، وعلى هذا يتمّ صلاته في الموضع الذي انتهى إليه، ولا يعود إلى مكانه إلّا في الموضع الذي نجوّزه في سبق الحدث.
وفي إجابة أحد الوالدين ثلاثةُ أوجه في "البحر": أصحها عنده: أن الإجابة لا تجب، وثانيها: تجب، وتبطل الصلاة، وثالثها: تجب، ولا تبطل 3. وما لو تلفظ بالنذر فلا تبطل به الصلاةُ على الأصحِّ في "شرح المهذب" لأنه مناجاة، قال في "المهمات": وقياسه التعدي إلى الإعتاق والوصية والصدقة وسائر

وَالأَصَحُّ: أَنَّ التَّنَحْنُحَ وَالضَّحِكَ وَالْبُكَاءَ وَالأَنِينَ وَالنَّفْخَ إِنْ ظَهَرَ بِهِ حَرْفَانِ.. بَطَلَتْ، وَإِلَّا.. فَلَا. وَيُعْذَرُ فِي يَسِيرِ الْكَلَامِ إِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ، أَوْ نَسِيَ الصَّلَاةَ، أَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ إِنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالإِسْلَامِ، لَا كَثيرِهِ فِي الأَصَحّ، وَفِي التَّنَحْنُحِ وَنَحْوِهِ لِلْغَلَبَةِ وَتَعَذُّرِ الْقِرَاءَةِ،

القرب المنجزة.
انتهى 1، ومحلّه: إذا لم يكن فيها خطاب، كما قيده في "شرحه".
(والأصح: أن التنحنُح، والضحك، والبكاء، والأنين، والنفخ إن ظهر به حرفان.. بَطَلَتْ، وإلّا.. فلا) لما مر، والثاني: لا تبطل وإن بان منه حرفان؛ لأنه ليس من جنس الكلام، وكلامُه يوهم جريان الخلاف وإن لم يظهر حرفان، وليس كذلك، وجهلُ كون التنحنح مبطلًا عذرٌ في حق العوام، [قاله في "الأنوار"] 2. (ويُعذر في يسير الكلامِ إن سبق لسانُه) لأن الناسي مع قصده إلى الكلام معذورٌ كما سيأتي، فهذا أولى لعدم قصده، (أو نسي الصلاةَ) لأنه صلى الله عليه وسلم تكلّم معتقدًا أنه ليس في صلاة ثم بنى عليها في قصة ذي اليدين 3، (أو جهل تحريمَه إن قَرُب عهدُه بالإسلام) لخبر معاوية المارّ 4، وكذا لو بعد عهدُه ولكن نشأ ببادية بعيدة عن الإسلام؛ كما قاله الخوارزمي 5، فإن بَعُدَ عهدُه بالإسلام ولم ينشأ ببادية بعيدة.. بطلت؛ لتقصيره بترك التعلم.
(لا كثيرِه في الأصح) أي: في جميع ما ذكره من الثلاث؛ لأنه يَقطع نظمَ الصلاة وهيئتها، والقليل يحتمل لقلته، والثاني: أنه يعذر؛ لأنه لو أبطل كثيرُه.. لأبطل قليله كالعمد، ويُرجع في القليل والكثير إلى العرف في الأصحِّ.
(وفي التّنحنُح ونحوِه) ممّا مرّ معه (للغلبة) إذ لا تقصير (وتعذرِ القراءة) للضرورة، والمراد: القراءة الواجبة؛ كما ذكره في "التحقيق" و"شرح

لَا الْجَهْرِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْكَلَامِ.. بَطَلَتْ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ نَطَقَ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ بِقَصْدِ التَّفْهِيمِ كَـ ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ إِنْ قَصَدَ مَعَهُ قِرَاءَةً.. لَمْ تَبْطُلْ، وَإِلَّا.. بَطَلَتْ،

المهذب" 1، (لا الجهرِ في الأصح) لأنه سنةٌ، فلا ضرورة إلى احتمال التنحنح لأجله، والثاني: إنه عذر إقامة لشعار الجهر، كذا علل به الرافعي 2. وقضيته: أنه إذا قرأ من السورة ما يتأتى به أصلُ السنة ثم عرض ذلك.. لم يعذر قطعًا، وشمل كلامُ المصنف الجهرَ بالقراءة والقنوتِ وأذكارِ الانتقالات عند الحاجة إلى إسماع المأمومين، قال الإسنوي: ويتجه في هذا الثالث: أنه عذرٌ 3. (ولو أُكره على الكلام.. بطلت في الأظهر) لندرته، والثاني: لا؛ كالنسيان.
(ولو نطق بنظم القرآن بقصد التفهيم كَـ ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾) لمن استَأذن في أخذ شيء، وكقوله لمن استأذن في الدخول: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ (إن قصد معه قراءةً.. لم تَبطل) لأنه قرآنٌ، فصار كما لو قصد القرآنَ وحدَه، (وإلّا) أي: وإن لم يَقصد معه قراءةً (.. بطلت) كما لو أفهم بعبارة أخرى.
قال في "الدقائق": يفهم من قول "المنهاج" أربع مسائل: إحداها: إذا قَصَدَ القراءةَ، الثانية: إذا قصد القراءةَ والإعلامَ، الثالثة: إذا قصد الإعلامَ فقط، الرابعة: ألّا يَقصِد شيئًا، ففي الأولى والثانية لا تبَطل، وفي الثالثة والرابعة تبَطل، وتُفهم الرابعةُ من قوله: (وإلّا.. بطلت) كما تُفهم منه الثالثةُ، وهذه الرابعة لم يذكرها "المحرّر" وهي نفيسة لا يستغنى عن بيانها، وسبق مثلها في قول "المنهاج": (وتحل أذكاره لا بقصد قرآن) انتهى 4. وفي أخذ المسألة الأولى والرابعة منه نظرٌ؛ لأنه جعل الكلام فيما لو قصد التفهيم، وجعل في ذلك قسمين، وهما: قصد القراءة معه، وعدم قصدها معه، فلا يندرج في

وَلا تبْطُلُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعاءِ،

ذلك قصد القراءة فقط، وعدم قصد شيء أصلًا؛ لأن ما قصد فيه التفهيم.. يستحيل أن يندرج فيه ما لا يقصد فيه التفهيم، وما جزم به في "الدقائق" من الإبطال في الرابعة.. قال في "شرح المهذب": إنه ظاهر كلام المصنف وغيره؛ لأنه يُشبه كلامَ الآدمي، ثم قال: وينبغي أن يقال: إن انتهى في موضع قراءتِه إليه.. لم تبطل، وإلّا.. بطلت انتهى 1. ونازعه ابنُ الرفعة في دعوى كون البطلان ظاهرَ كلام "المهذب"، وقال: إن كلامه منصرف إلى الإعلام لا إلى الإطلاق، قال: والفرق بين الجنب وما نحن فيه: أن كونه في الصلاة قرينة تصرف ذلك إلى القرآن.
وقوله: (بنظم قرآن) احترز به عمّا إذا أتى بكلمات مفرداتُها في القرآن دون نظمها؛ كقوله: (يا إبراهيم) (سلام) (كن)، فإن أتى بذلك موصولًا.. بطلت، وإن فَرَّقَ الكلامَ.. لم تبطل؛ أي: إذا قصد بها القرآنَ كما قاله في "شرح المهذب" 2. (ولا تبطل بالذكر والدعاءِ) لمشروعيتهما في الصلاة، قال الإسنوي: (بشرط النطق بالعربية إن كان يُحسنها، وبشرط ألّا يقصد به شيئًا آخر، فإن قصد بـ "سبحان الله" التنبيهَ، وبتكبيرات الانتقالات التبليغَ ونحوَ ذلك.. كان على التفصيل السابق في القراءة، هذا ملخص كلام الرافعي، وهو قضيةُ كلام "المحرّر" حيث قال بعد التفصيل في القراءة: "والأذكار والأدعية كالقرآن") انتهى 3. قال الإسنوي: والمتجه: أن ما لا يصلح لكلام الآدميين من القرآن والأذكار لا يُؤثِّر وإن قصد به الإفهامَ فقط، وبه صرح الماوردي.
انتهى، وبه جزم في "المهذب"، وأقره المصنفُ في "شرحه" 4.

إِلَّا أَنْ يُخَاطِبَ؛ كَقَوْلهِ لِعَاطِسٍ: (رَحِمَكَ اللهُ). وَلَوْ سَكَتَ طَوِيلًا بِلَا غَرَضٍ.. لَمْ تبطُلْ فِي الأَصَحِّ. وَيُسَنُّ لِمَنْ نَابَهُ شَيْءٌ كَتَنْبيهِ إِمَامِهِ، وَإِذْنِهِ لِدَاخِلٍ، وَإِنْذَارِهِ أَعْمَى: أَنْ يُسَبِّحَ، وَتُصَفِّقَ الْمَرْأَةُ بِضَرْبِ الْيَمِينِ عَلَى ظَهْرِ الْيَسَارِ

(إلّا أن يُخاطِب؛ كقوله لعاطسٍ: رحمك الله) لأنه كلامٌ وضع لمخاطبة الآدميين، فهو كرد السلام، فلو قال: (رحمه الله).. لم يضر، وأَطلق الخطابَ، وقَيّده الرافعي بغير خطاب الله تعالى، وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم 1، وقضيتُه: البطلانُ بما عدا النبي صلى الله عليه وسلم؛ من الملائكة والأنبياء عليهم السلام.
(ولو سكت طويلًا بلا غرض) عامدًا (.. لم تبطل في الأصح) لأنه لا يَخرِم هيئةَ الصلاة، ويستثنى: ما إذا كان في اعتدال الركوع أو السجود بناءً على أنهما قصيران، فتبطل الصلاةُ بتطويلهما بسكوت وغيرِه، والثاني: تبطل؛ لإشعاره بالإعراض عنها.
واحترز بقوله: (طويلًا) عن اليسير، فإنه لا يَضُرُّ جزمًا، و (بلا غرض) عن السكوت ناسيًا، أو لتذكر شيء نَسِيَهُ، فالأصحُّ فيهما: القطع بعدم البطلان.
(ويسن لمن نابه شيءٌ كتنبيه إمامه) إذا سها (وإذنِه لداخل) استأذن في الدخول عليه، (وإنذارِه أعمى) أن يَقع في محذور ونحوِ ذلك؛ كغافل وغيرِ مُميِّز، ومن قصده ظالِمٌ أو سَبُعٌ ونحو ذلك (أن يُسبِّح، وتُصفِّقَ المرأة) لحديث: "مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ.. فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ.. الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ للنِّسَاءِ" متفق عليه 2. ولو عكسا.. فخلاف السنة، ولا تبطل الصلاة، قاله في "شرح المهذب" 3، والخنثى كالمرأة.
(بضرب اليمين على ظهر اليسار) يشمل الضربَ ببطن اليمين على ظهر اليسار، وبظهر اليمين على ظهر اليسار؛ لأنه لم يقيد بالظهر إلّا في اليسار، وفي "الشرح"

وَلَوْ فَعَلَ فِي صَلَاتِهِ غَيْرَهَا، إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهَا.. بَطَلَتْ إِلَّا أَنْ يَنْسَى،

و"الروضة" الاقتصارُ على الكيفية الأولى، وليس بقيد، ولهذا عَبَّرَ في "التحقيق" بقوله: تصفق بظهر كفٍّ على بطن أخرى ونحوه، لا بطنٍ على بطن 1، فتناول كلامُه أولًا جوازَ الضرب بظهر اليمنى على بطن اليسرى، وبظهر اليسرى على بطن اليمنى.
وقوله: (ونحوه) عكسُهما، وهو: الضرب ببطن اليمنى على ظهر اليسرى، وببطن اليسرى على ظهر اليمنى، فهذه أربع صور، وامتناعُ الضرب ببطن إحداهما على بطن الأخرى.
وقال الرافعي في هذه الصورة: لا ينبغي فعلُه فإنه لعب، فلو فعلتْه على وجه اللعب عالمةً بالتحريم.. بطلت صلاتُها وإن كان قليلًا، فإنّ اللعبَ ينافي الصلاةَ 2. وإذا لم يَحصل الإنذارُ الواجبُ بالتسبيح ونحوه، فإن لم يحصل إلا بالكلام.. وجب عليه، وفي بطلان الصلاة اختلافُ ترجيحٍ، وإن لم يحصل إلا بفعلٍ كثيرٍ كثلاث خطوات فأكثر.. قال المحب الطبري: الظاهر: تخريجه على الخلاف في القول، فإن لم نَقُلْ ببطلان الصلاة.. أَتَمَّ صلاتَه في الموضع الذي انتهى إليه، ولا يَعودُ إلى الأول، إلّا إن جوزناه في سبق الحدث وإن حصل بكل من القول والفعل.
قال الإسنوي: فإن أبطلنا بذلك.. تَخيَّر، وإلَّا.. فالمتجه: تعين الفعل؛ إذ القليل من الفعل يُغتفر دون القليل من الكلام، ويحتمل عكسه؛ لأن الفعل أقوى من القول، ولهذا يَنفُذ إحبالُ السفيه دون إعتاقه، ويحتمل التخيير لهذين المعنيين 3. (ولو فعل في صلاته غيرَها) أي: غير أفعال الصلاة (إن كان) المفعول (من جنسها) أي: من جنس أفعالها؛ كزيادة ركوع أو سجود لا على وجه المتابعة من مسبوق (.. بطلت) لتلاعبه، (إلّا أن ينسى) فلا تبطل وإن كثر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم (صلّى الظهر خمسًا سهوًا، ولم يُعد صلاتَه، بل سجد للسهو) متفق عليه 4.

وَإِلَّا.. فَتَبْطُلُ بِكَثيرِهِ لَا قَلِيلِهِ، والْكَثْرَةُ بالْعُرْفِ، فَالْخَطْوَتَانِ أَوِ الضَّرْبَتَانِ.. قَلِيلٌ، وَالثَّلَاثُ كَثِيرٌ إِنْ تَوَالَتْ

وخرج بقوله: (فعل) ما لو نقل ركنًا قوليًا.. فإنه لا يضر على الأصحِّ؛ لأنه قولٌ لا فعلٌ.
نعم؛ يستثنى منه أيضًا مسائل: منها: ما لو هوى ليسجد، فجلس قبل سجوده جلسةً خفيفةً.. فلا تبطل، قاله الإمام في سجود السهو، وتابعاه 1، ومنها: ما لو نزل من قيامه لحدّ الراكع لقتل حَيَّةٍ ونحوِها.. فإنه لا يضرّ، قاله في "الكافي" 2. (وإلّا) أي: وإن لم يكن من جنس أفعال الصلاة (.. فتبطل بكثيرِه) لأن الحاجةَ لا تدعو إليه، ويستثنى: شدة الخوف، كما سيأتي في بابه، (لا قليلِه) للأحاديث الصحيحة فيه؛ كحمله صلى الله عليه وسلم أُمامةَ ووضعِها، وخلعه نعليه في صلاته، وأمره بقتل الأسودين: الحيةِ والعقربِ 3. (والكثرةُ بالعرف) فلا يضرّ ما يَعدُّه الناسُ قليلًا؛ كخلع النعل، ولبس الثوب الخفيف، ونحو ذلك، (فالخطوتان أو الضربتان قليلٌ) لحديث خلع النعلين، وقيل: كثير؛ لتكرر الفعل، بخلاف الواحدة.
نعم؛ لو قصد أن يخطو ثلاث خطوات متواليةٍ 4، فخطا واحدة.. بطلت، نص عليه في "الأم"، وجرى عليه العراقيون، فليُقيَّد به الإطلاقُ.
(والثلاثُ كثيرٌ إن توالت) بالاتفاق، فلو تفرقت.. لم يضرّ وإن كثرت، وحَدُّ التفرق: أن يُعدَّ الثاني منقطعًا عن الأول.
ولو تردد في فعلٍ هل انتهى إلى حدّ الكثرة أم لا؟ قال الإمام: فينقدح فيه ثلاثة

وَتَبْطُلُ بِالْوَثْبَةِ الْفَاحِشَةِ، لَا الْحَرَكَاتِ الْخَفِيفَةِ الْمُتَوَالِيَةِ؛ كَتَحْرِيكِ أَصَابِعِهِ فِي سُبْحَةٍ أَوْ حَكٍّ فِي الأَصَحِّ. وَسَهْوُ الْفِعْلِ كَعَمْدِهِ فِي الأَصَحِّ. وَتبطُلُ بِقَلِيلِ الأُكْلِ. قُلْتُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا تَحْرِيمَهُ،

أوجه: أظهرها: أنه لا يؤثر، وثالثها: يتبع ظنه، فإن استوى الظنّان.. لم تبطل 1. (وتبطل بالوثبة الفاحشةِ) ونحوها؛ كالضربة المفرطة؛ لمنافاة ذلك للصلاة، (لا الحركاتِ الخفيفةِ المتواليةِ؛ كتحريك أصابعِه في سبحةٍ أو حكٍّ في الأصح) إذ لا يُخل بهيئة الخشوع والتعظيم، فأشبه الفعل القليل، والثاني: تبطل إن كثرت؛ كالخطوات.
والتعبير بتحريك الأصابع يقتضي: أن ذلك مع قرار الكفّ، فلو حَرَّكَ كفَّه في الحك ثلاثًا.. بطلت، إلّا أن يكون به جَرَبٌ لا يقدر معه على الصبر، قاله الخوارزمي في "الكافي".
(وسهوُ الفعل كعمده في الأصح) فيبطل كثيره وفاحشه؛ لندور السهو، ولأنه يقطع نظمَ الصلاة 2، والثاني: لا يضر، واختاره المصنفُ في "التحقيق" والسبكي 3؛ لأن حديث ذي اليدين قد ورد فيه: (أن سَرَعان الناس قد خرجوا من المسجد) 4، ومع ذلك لم يؤمروا بالإعادة، بل بنوا على صلاتهم.
(وتبطل بقليل الأكل) لشدة منافاته لها، وقيل: لا، بل بكثيره؛ كسائر الأفعال.
ومثار الخلاف: أن الإبطال هل هو لِمَا فيه من الفعل، أو لوصول المفطر جوفَه؟ والأصح: الثاني، وينبني على ذلك مسألة ذوب السكرة الآتية.
(قلت: إلّا أن يكون ناسيًا) للصلاة (أو جاهلًا تحريمه) لقرب عهده بالإسلام،

وَاللهُ أَعْلَمُ. فَلَوْ كَانَ بِفَمِهِ سُكَّرَةٌ فَبَلِعَ ذَوْبَهَا.. بَطَلَتْ فِي الأَصَحِّ. وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي إِلَى جِدَارٍ، أَوْ سَارِيَةٍ، أَوْ عَصًا مَغْرُوزَةٍ، أَوْ بَسَطَ مُصَلَّىً، أَوْ خَطَّ قُبَالَتَهُ.. دَفْعُ الْمَارِّ،.

أو نشأ في بادية بعيدةٍ عن العلماء، فلا تبطل بقليله قطعًا (والله أعلم) فإن كثر الأكلُ.. بَطَلَ على الأصحِّ، بخلاف الصوم؛ لأن للصلاة نظامًا يَختلُّ بالأكل، ولها حالة مُذكِّرةٌ فنُسِبَ إلى تقصير فيها، بخلاف الصوم، ويُرجَع في القليل والكثير إلى العرف.
(فلو كان بفمِه سُكَّرةٌ فبَلعَ ذوبَها) بمص ونحوِه لا مَضْغٍ (.. بطلت في الأصح) لمنافاته الصلاةَ كما مرّ، والثاني: لا؛ لأنه لم يوجد منه فعلٌ.
(ويسن للمصلي إلى جدار، أو سارية، أو عصًا مغروزةٍ، أو بَسَطَ مصلّى، أو خَطَّ قُبالتَه.. دَفعُ المار) الذي يمرّ بينه وبين ذلك؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ ألنَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ.. فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى.. فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" متفق عليه 1. ويستحب أيضًا: الصلاةُ إلى هذه المذكورات، فلو قال المصنف: (تسن الصلاة إلى كذا وكذا، ودفع المار بينه وبينها).. لفُهِمَ منه ذلك.
وشرط الاعتداد بالخطِّ والمصلَّى: عدمُ الشاخص، وهما في مرتبةٍ واحدةٍ؛ كما هو ظاهر كلام "الشرح" و"الروضة"، وقال في "المهمات": إنه الحق، لكن في "التحقيق": فإن عجز عن سترة.. بسط مُصلّى، فإن عجز.. خَطَّ خطًّا على المذهب، فرتب الخط على المصلّى، وذكر مثلَه في "شرح مسلم"، ونقله عن الأصحاب، قال في "الروضة": والمختار في صفة الخط: أن يكون طولًا إلى جهة القبلة 2. ويُعتبر كونُ الشاخص قدرَ مؤخرة الرَّحْلِ، وهو قدرُ ثلثي ذراعٍ، والقياس: كون المصلَّى والخط كذلك، قاله الإسنوي 3.

وَالصَّحِيحُ: تَحْرِيمُ الْمُرُورِ حِينَئِذٍ. قُلْتُ: يُكْرَهُ الالْتِفَاتُ إِلَّا لِحَاجَةٍ،

وإذا دفع.. دفع بالأسهل فالأسهل؛ كالصائل، فإن أَدَّى إلى موته.. فهَدَرٌ.
(والصحيح: تحريم المرور حينئذ) أي: حين وجود ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ.. لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" متفق عليه، وفي رواية للبخاري: "مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ" 1، والثاني: لا يحرم، بل يكره؛ لما رواه ابن ماجه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُصلِّي في حجره، فمرّت زينبُ بنت أم سلمة، فقال بيده هكذا -أي: مشيرًا للرجوع- فمضت، فلما صلّى عليه الصلاة والسلام.. قال: "هُنَّ أَغْلَبُ") 2، وجه الدلالة: أن المرورَ لو كان حرامًا.. لبينه، لكنه حديثٌ ضعيفٌ.
ويستثنى من التحريم: ما إذا وجد الداخلُ فُرْجَةً في الصف المتقدم.. فله المرورُ بين يدي الصف الثاني، ويقف فيها؛ لتقصير أصحاب الثاني بتركها.
وأفهم: عدم تحريم المرور إذا لم تكن ستر، وهو الأصحُّ، وكذا لو كانت وكان بينه وبينها أكثر من ثلاثة أذرع، وليس له الدفعُ على الأصحِّ؛ لتقصيره 3، قال في "الروضة": لكن الأولى: تركُ المرور، وفي "التحقيق" و"شرح مسلم": أنه مكروه 4، وقال في "الكافي": إنه يحرم المرور في حريمه إذا لم يكن سترةً، وهو: قدرُ إمكان السجود، فيحتمل كونُ ذلك تقييدًا، ويحتمل كونُه وجهًا.
(قلت: يُكره الالتفاتُ) بوجهه يمينًا وشمالًا، فإنه اختلاسٌ يختلسه الشيطان من صلاة العبد، كما صَحَّ في "البخاري" 5، ولمنافاته الخشوعَ، (إلّا لحاجة) فلا

وَرَفع بَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَفُّ شَعْرِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى فَمِهِ بِلَا حَاجَةٍ، وَالْقِيَامُ عَلَى رِجْلٍ،

يكره؛ للاتباع كما رواه أبو داوود 1، ولا بأسَ بلَمْحِ العين بدون الالتفات، ففي "صحيح ابن حبان" من حديث علي بن شيبان الحنفي قال: (قدمنا على النبي صلّى الله عليه وسلم، فصلّينا معه، فلمح بمؤخر عينه رجلًا لا يقيم صُلْبَهُ في الركوع والسجود، فقال: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ") 2. (ورفع بصره إلى السماء، وكفُّ شعره أو ثوبه) لثبوت النهي عن ذلك كلِّه في "الصحيحين" 3، و (الكفّ): نقيضُ الإرسال.
قال في "شرح المهذب": ومن ذلك: أن يَعْقِص شعرَه أو يَردَّه تحت عِمامته أو يُشمِّر ثوبَه أو كُمَّه ونحو ذلك؛ كشَدِّ الوسط وغَرْزِ العَذَبَةِ، والحكمة في النهي عنه: أن ذلك يَسجُد معه 4. (ووضعُ يده على فمِه بلا حاجةٍ) لثبوت النهي عنه 5، فإن كان لحاجة.. لم يكره؛ كما لو تثاءب.. فإنه يستحق وضعها 6؛ لصحة الحديث في ذلك 7، قال ابن الملقن: (والظاهر: أنه يضمع اليسرى؛ لأنه لتنحية الأذى) 8. (والقيامُ على رجل) لمنافاته هيئة الخشوع، نعم؛ إن كان لحاجة.. لم يكره.

وَالصَّلَاةُ حَاقِنًا أَوْ حَاقِبًا، أَوْ بِحِضْرَةِ طَعَامٍ يَتُوقُ إِلَيْهِ، وَأَنْ يَبْصُقَ قِبَلَ وَجْهِهِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ،

(والصلاةُ حاقنًا) أي: مدافعًا للبول (أو حاقبًا) أي: مدافعًا للغائط، (أو بحضرةِ طعامِ يَتُوقُ إليه) لقوله عليه الصلاة والسلام: "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ" رواه مسلم 1. ويكره أيضًا مدافعةُ الريح، كما قاله الرافعي 2، والشربُ كالأكل، وتوقانُ النفس في غيبة الطعام كحضوره، قاله في "الكفاية" في (صلاة الجماعة) تبعًا لابن يونس 3. وتعبيره بالتوقان قد يُفهم أنه إنما يأكل ما يَنكسر به التوقانُ، وهو ما حكياه عن الأصحاب في الكلام على الأعذار المرخِّصة في ترك الجماعة، قالا: إلّا أن يكون الطعامُ يؤتى عليه مرةً واحدة كالسويق واللَّبَنِ، لكن المصنف صوب في شرحي "المهذب" و"مسلم" أنه يأكل حاجتَه من الأكل بكمالها، والصورتان: إذا كان الوقت واسعًا، فإن ضاق.. فالأصحُّ: أنه يصلي مع المدافعة والتوقان 4. (وأن يبصق قِبَلَ وجهه، أو عن يمينه) لصحة النهي عن ذلك 5، بل عن يساره، ثم إن كان في المسجد بَصَقَ في ثوبه وحَكَّ بعضَه ببعض، وإن كان في غيره بَصَقَ في ثوبه أو تحت قدمِه، والأول أولى، قاله في "شرح المهذب" 6. (ووضعُ يده على خاصرته) للنهي عن أن يصلي الرجلُ مختصرًا، متفق عليه 7، واختلفوا في تفسيره على أقوال: أصحها: ما ذكره المصنف، والثاني: أن يتوكأ على

وَالْمُبَالَغَةُ فِي خَفْضِ الرَّأْسِ فِي رُكُوعِهِ، وَالصَّلَاةُ فِي الْحَمَّامِ وَالطَّرِيقِ وَالْمَزْبَلَةِ وَالْكَنِيسَةِ

عصًا، الثالث: أن يختصر السورةَ فيقرأ آخرها، والرابع: أن يختصر صلاتَه فلا يتم حدودها، والخامس: أن يقتصر على الآيات التي فيها السجدةُ ويسجد فيها، والسادس: أن يختصر السجدةَ إذا انتهى في قراءته إليها ولا يسجدها.
(والمبالغةُ في خَفض الرأسِ في ركوعه) لأنه خلافُ المنقول، فإنه عليه الصلاة والسلام كان إذا ركع.. لم يُشخِّص رأسَه ولم يُصوِّبه؛ أي: لم يَرفعه ولم يَخفضه 1، وقضيته: أنه لا يكره الخفض بدون مبالغة، وهو خلافُ ما دلّ عليه الحديثُ وكلام الشافعي والأصحاب، قاله السبكي.
(والصلاةُ في الحمام) لحديث: "الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ" صحح ابن حبان إسناده 2، وهل علة الكراهة كونه مأوى الشياطين أو خوفُ النجاسة؟ وجهان: أصحهما: الأول، فتكره في المسلخ، وفي الموضع المتحقق طهارتُه، وهي كراهةُ تنزيه.
(والطريقِ) لورود النهي عنه 3، ثم قيل: النهي لغلبة النجاسة، وقيل: لأن مرور الناس يُشغله، فتكره في طرق البراري إذا لم يكن هناك طارقون على الأول، لا الثاني، ورجح في "التحقيق" الثانِيَ، فصحَّح الكراهةَ في البنيان دون البرية 4. (والْمَزبَلةِ) لغلبة النجاسة، (والكنيسةِ) والبِيعَةِ ونحوِهما من أماكن الكفر؛ لأنها مأوى الشياطين، ونقل عن ابن عباس وابن عمر.
نعم؛ لو منع أهلُ الذمة من دخولها.. حرمت؛ لأن لهم منعَنا عن ذلك كما نمنعهم من دخول مساجدنا.

وَعَطَنِ الإِبِلِ وَالْمَقْبَرَةِ الطَاهِرَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

(وعَطَنِ الإبلِ) لقوله عليه الصلاة والسلام: "صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الإبِلِ، فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ" 1. والفرق بينهما: أن خوف نِفار الإبل يُذهب الخشوع، بخلاف الغنم، ومأوى الإبل ليلًا كعَطَنِها، إلّا أنه أخفّ من العطن، والعطنُ فسره الشافعي وأصحابُه بالموضع الذي تُنَحَّى إليه الإبلُ الشاربةُ ليشرب غيرُها، فإذا اجتمعت.. سِيقت إلى المرعَى، قال ابن المنذر: وعطن البقر كالغنم.
(والْمَقبَرةِ الطاهرةِ، والله أعلم) للنهي عنه 2، والمعنى فيه: ما تحت مصلّاه من النجاسة، قال ابن الرفعة: وقضية كلام القاضي: أن الكراهةَ لحرمة الموتى 3. قال الإسنوي: وقضية المعنيين: فرض ذلك فيما إذا حاذى الميت، حتى إذا وقف بين الموتى.. فلا كراهة، وقال ابن الرفعة بعد ذكر المعنيين: ولا فرق في الكراهة بين أن يُصلّي على القبر، أو بجانبه، أو إليه، ومنه يؤخذ كراهةُ الصلاة بجانب النجاسة، وخلفَها، قال في "المهمات": (وفيه نظر، ويحتاج إلى نقل) 4. واحترز بـ (الطاهرة): عن النجسة، وهي المنبوشة، فلا تصح الصلاةُ فيها بلا حائلٍ، فإن صلّى على حائل.. فكالطاهرة، فلو شكّ في نبشِها.. صحت بلا حائل في الأظهر مع الكراهة.

بابٌ [سجودُ السَّهْو]

سُجُودُ السَّهْوِ سُنَّةٌ عِنْدَ تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ، أَوْ فِعْلِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ. فَالأَوَّلُ: إِنْ كَانَ رُكْنًا.. وَجَبَ تَدَارُكُهُ، وَقَدْ يُشْرَعُ السُّجُودُ لِزِيَادَةٍ حَصَلَتْ بِتَدَارُكِ رُكْنٍ كَمَا سَبَقَ فِي التَّرْتِيبِ، أَوْ بَعْضًا؛ وَهُوَ: الْقُنُوتُ، أَوْ قِيَامُهُ، أَوِ التَّشَهُّدُ الأَوَّلُ، أَوْ قُعُودُهُ، وَكَذَا

(باب) أي: هذا بابٌ.
(سجود السهو سنةٌ) أما طلب فعله.. فللأحاديث الآتية فيه، وأما عدم وجوبه.. فلأنه لم يَنُب عن الفرض، بل شُرع لترك غير واجب، والبدل إما كالمبدل أو أخفّ.
(عند ترك مأمورٍ به، أو فعل منهيٍّ عنه) في الصلاة بشرطه الآتي، لا لغير الصلاة من العبادات، ولا لكلّ مأمور به ومنهي عنه فيها على الإطلاق، وأهمل سببًا ثالثًا وهو: إيقاع بعض الفرض مع التردد في وجوبه؛ كما إذا شكّ هل صلّى ثلاثًا أم أربعًا؟ فإنه يقوم للرابعة ويسجد، قاله الإسنوي وغيرُه 1، وفيه نظر.
وقضية إطلاقه: أنه لا فرق في مشروعية السجود بين فرض الصلاة ونفلِها، وهو كذلك، وفي قول: لا يشرع في النفل.
(فالأول) من السببين، وهو ترك مأمور به (إن كان ركنًا.. وجب تداركُه) ولا يغني عنه السجودُ؛ لأن حقيقة الصلاة لا توجد بدونه، (وقد يُشرع السجودُ؛ لزيادةٍ حصلت بتدارك ركنٍ كما سبق في الترتيب) وهو الركن الثالثَ عشرَ من أركان الصلاة، وذلك من قوله: (وإن سها.. فما بعد المتروك لغوٌ... ) إلى آخر المسألة، ففي تلك الصور كلِّها إذا تدارك.. سجد للسهو، كما مرّ، ومراده بما سبق: بيانُ الزيادة لا السجود، فإنه لم يذكره هناك.
(أو بعضًا) أي: وإن كان المتروك من المأمور به بعضاَّ (وهو: القنوت) أو كلمة منه، كما قاله المحب الطبري، (أو قيامُه، أو التشهدُ الأولُ، أو قعودُه، وكذا

الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ فِي الأَظْهَرِ.. سَجَدَ، وَقِيلَ: إِنْ تَرَكَ عَمْدًا.. فَلَا. قُلْتُ: وَكَذَا الصَّلَاةُ عَلَى الآلِ حَيْثُ سَنَنَّاهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ

الصلاةُ على النبي صلى الله عليه وسلم فيه) أي: في التشهد الأول (في الأظهر.. سجد) في الكل؛ لأنه عليه الصلاة والسلام (ترك التشهد الأول ناسيًا، فسجد قبل أن يُسلم) متفق عليه 1، وقيس الباقي عليه، ولأن هذه الأمورَ من الشعائر الظاهرةِ المخصوصةِ بالصلاة.
واحترز بالمخصوصة عن تكبيرات العيد، فإنه لا يسجد لها؛ لأنها تشُرع في غير الصلاة، ويستثنى: قنوت النازلة، فلا يشرع السجود له على الأصحِّ.
والخلاف في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول مبني على استحباب الصلاة فيه.
ويُتصور تركُ قعود التشهد دون التشهد فيمن لا يُحسن التشهد، فإنه يقعد بقدره، فإذا تركه.. فقد ترك القعودَ فقط، وكذلك قيامُ القنوت، قاله ابن الرفعة 2، وشمل إطلاقه تركَ التشهد الأول في النفل، وبه صرح البغوي.
(وقيل: إن ترك) البعض (عمدًا.. فلا) يسجد لتقصيره، والأصحُّ: نعم؛ لأن خلل العمد أكثرُ، فكان للجبر أحوجَ.
(قلت: وكذا الصلاة على الآل) تكون بعضًا (حيث سننَّاها، والله أعلم) كما في التشهد الأول على وجه، وفي الأخير على الأصح، فإذا تركها.. سجد؛ كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه نظر؛ لأنها لم تجب في محلّ مخصوص، بخلاف الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، قيل: وقياسه: أن تُعدّ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت من الأبعاض، بل هي أولى؛ لمشروعيتها في محلّ مخصوص، وتبطل الصلاةُ بتركها في الجملة.
وقد يُفرَّق بين الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت وبين الصلاة عليه في التشهد الأول بأنها واجبة في التشهد في الجملة، قال الإسنوي: وينبغي عدّ الصلاة على الآل في القنوت بعضًا حيث ندبناها فيه، وهو الصحيح، وقد جزم بعدّه في

وَلَا تُجْبَرُ سَائِرُ السُّنَنِ. وَالثَّانِي: إِنْ لَمْ يُبْطِلْ عَمْدُهُ كَالالْتِفَاتِ وَالْخَطْوَتينِ.. لَمْ يَسْجُدْ لِسَهْوِهِ، وَإِلَّا.. سَجَدَ إِنْ لَمْ تَبْطُلْ بِسَهْوِهِ؛ كَكَلَامٍ كَثيرٍ فِي الأَصَحِّ. وَتَطْوِيلُ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ يُبْطِلُ عَمْدُهُ فِي الأَصَحِّ

"الإقليد" انتهى، وفيه نظر؛ لما ذكرناه، ويتصور السجود بترك الصلاة على الآل بما إذا تيقن تركَ إمامه له بعد أن سلم إمامُه وقبل أن يُسلم هو.
(ولا تُجبَر سائرُ السنن) أي: باقيها بالسجود؛ لأن سجود السهو زيادةٌ في الصلاة، فلا تجوز إلا بتوقيف، ولم يرد إلّا في بعض الأبعاض، وقسنا باقيها عليه لتأكده، وبقي ما عداها على الأصل.
(والثاني) وهو فعل المنهي عنه (إن لم يُبطل عمدُه؛ كالالتفات والخطوتين.. لم يسجد لسهوه) ولا لعمده؛ إذ عمده في محلّ العفو، فسهوه أولى، وسيأتي ما يستثنى من ذلك.
(وإلّا) أي: وإن أبطل عمده الصلاة (.. سجد إن لم تبطل بسهوه) كزيادة ركوع وسجود، وقليل كلام؛ لأنه عليه السلام (صلّى الظهر خمسًا ثم سجد للسهو) متفق عليه 1، فإن بطلت بسهوه (ككلامٍ كثيرٍ في الأصح) فلا سجود؛ لأنه ليس في صلاة.
وقوله: (في الأصح) عائد على التمثيل وهو الكلام الكثير، لا إلى قوله: (سجد).
ويستثنى: ما لو تنفل على دابةٍ وحَوَّلَها عن صَوْب مَقصِده، وعاد على الفور.. فإنّ عمد ذلك مبطل، لاسهوَه، ولا يسجد لسهوه على النص، وصححه في "التحقيق" و"شرح المهذب" وهو قضية "الروضة" هناك 2. (وتطويل الركن القصير يُبطِل عمدُه في الأصح) لأنه يُخل بالموالاة؛ كما قاله الإمام 3، وسواء طوله بسكوت أو قنوت في غير موضعه، أو ذكر آخر، والثاني: أنه

فَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، فَالاعْتِدَالُ قَصِيرٌ، وَكَذَا الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتينِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًّا كـ (فَاتِحَةٍ) فِي رُكُوعٍ أَوْ تَشَهُّدٍ.. لَمْ تبطُلْ بِعَمْدِهِ فِي الأَصَحِّ، ويسْجُدُ لِسَهْوِهِ فِي الأَصَحِّ، فَعَلَى هَذَا: تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ عَنْ قَوْلِنَا: (مَا لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ لَا سُجُودَ لِسَهْوِهِ)

لا يبطل، لصحة الحديث فيه في "مسلم" 1. (فيسجد لسهوه) قطعًا إن قلنا: يبطل عمده، وكذا إذا قلنا: لا يبطل عمده على الأصحِّ؛ لإخلاله بصورة الصلاة.
(فالاعتدال قصيرٌ) بالنسبة إلى غير القنوت وصلاةِ التسبيح؛ لأنه ليس مقصودًا لنفسه وإن كان ركنًا، وإنما الغرض منه الفصلُ بين الركوع والسجود، (وكذا الجلوسُ بين السجدتين في الأصح) لأن المقصود الفصل؛ كالاعتدال، والثاني: أنه طويل؛ لصحة الحديث بتطويله 2، وصححه في "التحقيق" 3. (ولو نقل ركنًا قوليًّا؛ كفاتحة) أو بعضها (في ركوعٍ أو تشهدٍ.. لم تبطل بعمده في الأصح) لأنه لا يُخل بصورتها، بخلاف نقل الركن الفعلي، والثاني: تبطل؛ كتكرير الركن الفعلي.
ويستثنى من إطلاقه الركن القولي: نقل السلام، فإنه مبطل.
(ويسجد لسهوه في الأصح) لتركه التحفظ المأمور به، والثاني: لا؛ كغيره مما لا يبطل عمده.
وقضية قوله: (لسهوه): أنه لا يسجد لعمده، وفي "شرح المهذب" خلافه 4. (فعلى هذا) أي: الأصح (تستتثى هذه الصورةُ عن قولنا: ما لا يُبطِل عمدُه لا سجودَ لسهوه) ويستثنى أيضًا مسائلُ: منها: ما لو قنت قبل الركوع.. فإنّ عمدَه لا يبطل، ويسجد لسهوه على الأصحِّ المنصوص؛ كما ذكره في "الروضة" في

وَلَوْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ فَذَكَرَهُ بَعْدَ انْتِصَابِهِ.. لَمْ يَعُدْ لَهُ، فَإِنْ عَادَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ.. بَطَلَتْ، أَوْ نَاسِيًا.. فَلَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، أَوْ جَاهِلًا.. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ، وَلِلْمَأْمُومِ الْعَوْدُ لِمُتَابَعَةِ إِمَامِهِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: وُجُوبُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ

(صفة الصلاة) 1، وقيده الخوارزمي والمعافى الموصلى بما إذا أتى به على نية القنوت، وإلّا.. فلا يسجد، ومنها: إذا فرقهم في الخوف أربعَ فرق وصلّى بكل فرقةٍ ركعةً، أو فرقتين وصلّى بإحداهما [ركعة وبالأخرى] ثلاثًا 2.. فإنه يجوز على المشهور مع الكراهة، ويسجد للسهو؛ للمخالفة بالانتظار في غير موضعه، نقله في "الروضة" هناك عن النص 3، ومنها: المسألة الآتية عقبه.
(ولو نسي التشهدَ الأولَ) إما مع نسيان القعود، أو مع الإتيان به (فذكره بعدَ انتصابه.. لم يعد له) لأنه تلبس بفرض فلا يقطعه بسنة، (فإن عاد) عامدًا (عالمًا بتحريمه.. بطلت) لأنه زاد قعودًا عمدًا، (أو) عاد له (ناسيًا.. فلا) تبطل وإن كان عالمًا بالتحريم؛ لرفع القلم عنه.
نعم؛ يلزمه القيامُ عند التذكر، (ويسجد للسهو) لأنه ترك تشهدًا وزاد جلوسًا، (أو جاهلًا) بتحريم العود (.. فكذا في الأصح) أي: هو كالناسي؛ لأنه مما يخفى على العوام، والثاني: تبطل، لتقصيره بترك التعلم.
(وللمأموم العَوْدُ لمتابعة إمامِه في الأصح) فيما إذا جلس الإمام للتشهد الأول وانتصب المأموم ناسيًا، أو نهضا جميعًا، ولكن تذكر الإمامُ فعاد قبل انتصابه، وانتصب المأموم؛ لأن المتابعة فرضٌ، فرجوعُه رجوعٌ إلى فرض لا إلى سنة، والثاني: يحرم العود، كالمنفرد، بل ينتظر إمامَه قائمًا.
(قلت: الأصح: وجوبُه، والله أعلم) لأن متابعة الإمام آكد مما ذكروه من التلبس بالفرض، ولهذا سقط بها القيامُ والقراءة عن المسبوق، فإن لم يعد.. بطلت صلاته، وشمل إطلاقه القائم عمدًا، لكن رجح هنا في "التحقيق" و"شرح

جارٍ التحميل