بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 2-47

بداية المحتاج في شرح المنهاج

تأليف الإمام الفقيه القاضي بدر الدين أبي الفضل محمد بن أبي بكر الأسدي الشافعي ابن قاضي شهبة رحمه الله تعالى (798 هـ - 874 هـ)

عنى به أنور بن أبي بكر الشيخي الداغستاني

بمساهمة اللجنة العلمية بمركز دار المنهاج للدراسات والتحقيق العلمي

[المجلد الأول]

الطَّبْعَةُ الأولى 1432 هـ - 2011 م جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة للناشر

اسْم الْكتاب: بداية الْمُحْتَاج فِي شرح الْمِنْهَاج الْمُؤلف: الإِمَام ابْن قَاضِي شُهْبَة (ت 874 هـ) الإعداد: مَرْكَز دَار الْمِنْهَاج للدراسات وَالتَّحْقِيق العلمي مَوْضُوع الْكتاب: فقه شَافِعِيّ مقاس الْكتاب: (24 سم) تصنيف ديوي الموضوعي: (217.3) عدد الْأَجْزَاء: (4) عدد المجلَّدات: (4) نوع الْوَرق: أَبيض نوع التجليد: مجلَّد فني عدد الصفحات: (2528 صحيفَة) عدد ألوان الطباعة: لونان

التصميم والإخراج: مَرْكَز الْمِنْهَاج للصف والإخراج الفني

لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جزءٍ مِنْهُ بأيِّ شكلٍ من الأشكال، أَو نسخه، أَو حفظه فِي أَي نظام إلكتروني أَو ميكانيكي يمكِّن من استرجاع الْكتاب أَو أَي جزءٍ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَا يسمح بترجمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبقًا من الناشر.

الرقم المعياري الدولي ISBN: 978 - 9953 - 541 - 35 - 8

بدَايَةُ المُحْتَاجِ في شَرْحِ المِنْهَاجِ [1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الإهداء

إلى جميع أساتذتي ومَشايخي الذِّين عَلَّموني.
إلى أمِّي - حفظها الله تعالى - الَّتي سهرت ليالي عديدة لأنام، وجَاعت أيَّامًا لأشبعَ، صاحبة أنسٍ وحنانٍ وكرمٍ وسخاءٍ.
إلى أبي - أدامَهُ الله تعالى في صحَّة وعافيَة - ذاك الرَّجل المربِّي بصمت، المحبّ لِلْعِلم والعُلماءِ.
إلى زوجي الفاضلة الَّتي صبرت معي في رحلة هذا العمل.
إلى ياسمين الحياة بنتي صفيَّة، وإلى بشارة الفجر الآتي ابنِي حمزة.
المُحِبُّ وَالمُخْلِصُ لَكُمْ أنور

كلمة الشكر

انطلاقا من قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلَّم "من لم يشكر النَّاس... لم يشكر الله".
فإنني أتقدم بالشُّكر الجزيل، والثَّناء العطر إلى النَّجمة السَّاطعة، والرَّوضة المثمرة: دار المنهاج العامرة تعبيرًا عن الشُّكر إلى جميع الإخوة والزملاء المخلصينَ الَّذين كان لهم دور الإعانة في إخراج هذا الكتاب ولو بكلمة طيِّبَة.
سائلًا المولى القبول أنور

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي لا بداية له ولا نهاية، بل هو ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وأشكره وهو الذي أنار قلوب عباده العلماء بنور المعرفة والعلم، ورزقهم العمل به والخشية منه سبحانه وتعالى على أكمل وجه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، ورفع شأنهم بالعلم ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فجدوا واجتهدوا طمعًا في المزيد ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
والصلاة والسلام على أفضل خلق الله، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد القائل: "من يرد الله به خيرًا.. يفقهه في الدين" 1، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فلا شك أن العناية بالمخطوطات الإسلامية، والعملَ على تحقيقها تحقيقًا علميًّا مسؤولية كلّ من كان أهلًا لذلك، ويعتبر من الأمور التي ينبغي صرف الهمم إليها.
فهو تراث قديم، وكنز ثمين، بذل فيه سلف هذه الأمة جهدهم، وسهروا ليالي في تأليفها وتصنيفها، ثم ارتحلوا ملقين هذه الأمانة في أعناق الخلف، محسنين الظن بهم أنهم لن يهملوها، بل سيعتنون بها، ويستفيدون منها، ثم يورثونها من خلفهم.
ولم يتوفر هذا الكنز لأي أمة من الأمم، فامتلأت الخزانات العامة والخاصة بملايين الكتب، فبقيت تنتظر أصحاب الهمم العالية، ومن يغار على تاريخ وتراث هذه الأمة.
(ب) وانطلاقًا من ذلك كان من الواجب علينا تجاه هذه الثروة الكبيرة الغنية بنفائس المخطوطات.. إخراجُها إلى عالم المطبوعات، وتقديمها إلى أهل العلم، بعد

الدراسة والتحقيق، وطبعها بحلة جديدة بوسائل حديثة.
وتشمل هذه المخطوطات علومًا متعددة في مختلف الفنون، وإن من أهم وأشرف هذه العلوم منزلة، وأعظمها شأنًا، وأكملها فائدة: الفقه في الدين؛ لأنه به ينتظم الأمر ويعرف الحق، ونتبين به الحلال والحرام وصحيح المعاملات من فاسدها، وهو الطريق الموصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية، وهو من أعظم وأجل نعم الله تعالى على عباده.
قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (أعظم دليل على فضيلة الشيء النظر إلى ثمرته، ومن تأمل ثمرة الفقه.. علم أنه أفضل العلوم، فإن أرباب المذاهب فاقوا بالفقه على الخلائق أبدًا، وإن كان في زمن أحدهم من هو أعلم منه بالقرآن أو بالحديث أو باللغة) 1. وقال الشاعر: [من المتقارب] أَرَى الْفِقْهَ فِي الدِّينِ عَيْنَ الْعُلُومِ... وَطِيبُ الْمَعَاشِ بِهِ وَالْمَعَادْ وَفِيهِ الصَّلاةُ وَفِيهِ الزَّكَاةُ... وَفِيهِ الْوَصَايَا وَفِيهِ الْجِهَادْ فلما أدرك سلفنا الصالح ما لعلم الفقه من هذا الفضل والشرف.. أفنوا أعمارهم في الاشتغال به تعلمًا وتعليمًا وتصنيفًا.
(ج) وكان من هؤلاء الأعلام: الإمام العلامة بدر الدين ابن قاضي شُهْبة الأسدي، الذي صار بأخرة فقيه الشام بلا مدافع، وعليه مدار الفتوى، فأراد أن يكون له نصيب في خدمة الفقه الإسلامي، فشرح متنًا من متون الفقه الشافعي وهو "المنهاج" شرحين عظيمين: أحدهما: "إرشاد المحتاج إلى توجيه المنهاج" وهو أكبرهما حجمًا، والثاني: "بداية المحتاج في شرح المنهاج" وهو كتابنا هذا.
فـ "بداية المحتاج" شرح متميز من بين شروح "المنهاج"، أجاد فيه مؤلفه وأفاد، وحقق مسائله ودقق، مع حسن السبك، وجودة الإفصاح، ووضوح العبارة.

وهو كتاب يضم بين دفتيه ثروة فقهية غزيرة، وكنزًا علميًّا دقيقًا، وهو حلية الفقهاء المحققين، خال عن الحشو والتطويل، مبين للأقوال التي عليها المعول من كلام المتأخرين والأصحاب، حاو للدليل والتعليل، فبذلك غدا مرجعًا وعمدة لمن جاء بعده من المفتين وغيرهم ممن يتحرى الصواب.
وإن متن "المنهاج" لفريد عصره ووحيد دهره العلامة شيخ الإسلام النووي من أحسن المتون وأدقها، وهو العمدة في الفتوى، عكف عليه العلماء الأعلام تدريسًا وشرحًا.
وهو كتاب جليل القدر عظيم الفائدة، صغير الحجم كبير الفحوى، لم يؤلف مثله في المذهب.
ولله در القائل: [من الكامل] الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ هُوْ الْقُطْبُ الَّذِي... بَزَغَتْ شُمُوسُ الْعِلْمِ مِنْ أَبْرَاجِهِ لا يَرْتَقِي رُتَبَ الْمَعَالِي وَالتُّقَى... إِلَّا فَتى يَمْشِي عَلَى "مِنْهَاجِهِ" وقال آخر: [من الكامل] قَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ وَاخْتَصَرُوا فَلَمْ... يَأْتُوا بِمَا اخْتَصَرُوهُ كـ "الْمِنْهَاج" جَمَعَ الصَّحِيحَ مَعَ الْفَصِيحِ وَفَاقَ بِالتَّـ.... ــــرجِيحِ عِنْدَ تَلاطُمِ الأَمْوَاجِ وقال العلامة شمس الدين الرملي رحمه الله تعالى: (ولم تزل الأئمة الأعلام قديمًا وحديثًا كلٌّ منهم مذعن لفضله، ومشتغل بإقرائه وشرحه، وعاد على كلٍّ منهم بركة علامة نوى) 1. وقال الفقيه السيد أحمد مَيْقَري شُمَيْلة الأهدل رحمه الله تعالى: (ولم يزل كلٌّ من العلماء والأئمة الأعلام قديمًا وحديثًا مذعنًا لفضل "المنهاج" المذكور، ومشتغلًا بإقرائه، فالإقراء فيه مقدم على غيره عند كثير من أولي الفضل، وقد كثر الاعتناء به؛ لموقع العناية فيه، وصوب صوابه آثارُ نهج مقتفيه) 2.

قال الشاعر: [من الوافر] حَوَى فِي الشَّرْحِ "مِنْهَاجُ النَّوَاوِي"... بِتَصْحِيحِ الشَّرِيعَةِ وَالْفَتَاوِي كِتَابٌ لا يُعَادِلُهُ كِتَابٌ... يَزِيدُ عَلَى رِوَايَةِ كُلِّ رَاوِي رَوَى سَبْعِينَ أَلْفًا بِاخْتِصارٍ... وَكَمْ مِنْ كَامِنَاتٍ فِي الْفَحَاوِي فَحَسْبُكَ دَرْسُهُ فِي كُلِّ حِينٍ... فَهْوَ يَكْفِيكَ عَنْ "بَحْرٍ" وَ"حَاوِي" ولذلك كثرت الأعمال حول هذا المتن المبارك المفيد؛ من شرح وتحشية ونظم واختصار، وشرحِ بعضه، وكتابةِ النكت عليه، وهناك علماء رحمهم الله تعالى بدؤوا بشرحه ولكن وافتهم المنية قبل استكماله، فبلغت هذه الأعمال ما يقرب من مئتين وخمسين عملًا مما عُلم إلى الآن.
إن دلّ هذا على شيء.. فإنما يدل على جلالة قدر مؤلِّفه، وعناية الله سبحانه وتعالى به وبمصنفاته.
قال العلامة تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى: (لا يخفى على ذي بصيرة أن لله تعالى عناية بالنووي وبمصنفاته) 1. (د) ولقد نالت دار المنهاج سعادة غامرة عندما قام الأخ الأستاذ محمد أنور بن أبي بكر الشيخي الداغستاني بتقديم "بداية المحتاج" لها؛ لتكون واسطة خير لإخراجه إلى عالم النور وحيز الطبع، وقد اعتنى به على نسخة خطية فريدة عليها خط المؤلف الإمام ابن قاضي شهبة رحمه الله تعالى.
فزادت إلى عنايته عناية، واستقدمت ست نسخ خطية أخرى، ودفعت به إلى لجنتها العلمية بمزيد الاهتمام والعناية، حيث أعادت اللجنة مقابلته ودراسته، وتممت تخريج أحاديثه، وردت نقولاته إلى مظانها؛ مما توافر لها في مركزها العلمي.
فكان للدار مشاركة طيبة تضاف لما قام به الأستاذ محمد أنور.
وجزى الله خيرًا وبرًّا كل من شارك وساهم في إخراج هذا العمل المبرور

(هـ) وفي الختام: فإن دار المنهاج وقد أخرجت من إصداراتها شروحًا لـ "المنهاج" عديدة؛ لأن مقاصد الشراح مختلفة، ومراميهم متنوعة، وقد قال الأوائل (ما أغنى كتاب عن كتاب).
فمنها المبسوط، والمتوسط، والمختصر، ولكل ميزاته وخصائصه، فلا تكرار، بل إفادات وشروح تنشرح بها الصدور، ويتصيد منها طلبة العلم المسائل النفيسة، والصور المهمة، والأمثلة العديدة؛ مما تعطي دربة فقهية للناظر فيها، وتتسع مداركه، ويتنفس فقهًا وفهمًا وعلمًا.
والله تعالى أسأل أن ينفع بهذا الشرح كما نفع بأصله إنه سميع مجيب.
وصلى الله على سيدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلم النَّاشر

ترجمة شيخ الإسلام، إمام الأئمة العلام أبو زكريَّا يحيى بن شرف بن مري بن حزام محيي الدِّين النَّوويّ رَحِمَهُ الله تَعَالى (1) (631 - 676 هـ)

اسمه ونسبه

هو محيي الدين، أبو زكريا، يحيى بن شرف بن مُرِي 2 بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حِزَام، الحزامي 3، النووي 4. العالم الرباني، والإمام الصمداني، شيخ الإسلام، الحافظ المجتهد، الزاهد العابد الورع.
رضي الله تعالى عنه وأرضاه.1

مولده ونشأته

ولد الإمام رضي الله عنه بـ (نَوَى) في شهر محرم الحرام، سنة إحدى وثلاثين وست مئة للهجرة النبوية الشريفة 1، وبها نشأ وترعرع.
كانت بدايته رضي الله عنه مشرقة، فهذا أبوه يحدثنا عن شيء من ذلك فيذكر: أن الشيخ كان نائمًا إلى جنبه وقد بلغ من العمر سبع سنين، ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان، فانتبه نحوَ نصف الليل وأيقظني، وقال: يا أبت؛ ما هذا الضوء الذي قد ملأ الدار؟ ! فاستيقظ أهله جميعًا فلم نر كلُّنا شيئًا، قال والده: فعرفت أنها ليلة القدر 2. ويحدثنا أيضًا تلميذه العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى عن أمر آخر فيقول: (ذكر لي الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي ولي الله رحمه الله تعالى قال: رأيت الشيخ محيى الدين وهو ابن عشر سنين بنوى، والصبيان يُكرهونه على اللعب معهم، وهو يهرب منهم ويبكي لإكراههم، ويقرأ القرآن في هذه الحالة، فوقع في قلبي محبته، وكان قد جعله أبوه في دكان، فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن، قال: فأتيت معلمه الذي يقرئه القرآن، فوصيته به، فقلت له: هذا الصبي يرجى أن يكون أعلمَ أهل زمانه وأزهدَهم، وينتفع الناس به، فقال لي: أَمنَجِّمٌ أنت؟ فقلت: لا، وإنما أنطقني الله بذلك، فذكر المعلم ذلك لوالده، فحرص عليه إلى أن ختم القرآن وقد ناهز الاحتلام) 3. هذا في (نوى)، أما في (دمشق).. فقد أتاها وهو في التاسعة عشرة من العمر، سنة تسع وأربعين وست مئة طالبًا للعلم، فسكن المدرسة الرواحية، وانطلق في طلب العلم بهمة قعساء، وعزم ماض، ونشاط منقطع النظير.
فأكْرِمْ بها من نشأة.

قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى (1): (من الكامل) وإذا الفتى لله أخلص سرَّه... فعليه منه رداء طِيب يظهر وإذا الفتى جعل الإله مرادَه... فلذكره عرْف ذكي ينشر

طلبه للعلم

أجمع كل من ترجم للإمام النووي رضي الله عنه أنه لم يكن يميل إلى الراحة والدَّعَة، ولم يستلذَّ الكسل والتواني، بل إنه كان الجِدَّ والاجتهادَ متجسدَين في شخص اسمه النووي.
فبعد ختمه القرآن بـ (نوى).. أحب أن يستزيد من العلم ويروي غليله بالنهل من معينه، فما كان من أبيه - وهو الرجل الصالح الورع - إلا أن اصطحبه معه إلى قِبلة طلاب العلم، وكعبة المعرفة المحجوجة: (دمشق) وذلك لما ضمته بين جوانحها من جهابذة العلماء والمحققين.
ووجد الإمام فيها بغيته، وأدرك في مدارسها طِلْبته، فقد ذكر القطب اليونيني رحمه الله تعالى: أن الشيخ أول ما قدم دمشق.. اجتمع بخطيب الجامع الأموي وإمامه الشيخ جمال الدين عبد الكافي بن عبد الملك الرَّبعي الدمشقي (ت 689 هـ)، وعرَّفه - رحمه الله - مقصدَه.
فأخذه الشيخ جمال الدين وتوجه به إلى حلقة الشيخ تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاري، المعروف بالفركاح (ت 690 هـ) رحمه الله تعالى، فقرأ عليه دروسًا، ولازمه مدة، ولم يكن له موضع يأوي إليه، فطلب من الشيخ موضعًا يسكنه، فاعتذر الشيخ تاج الدين بأنه لا موضع لديه، غير أنَّه دلَّه على الشيخ كمال الدين إسحاق المغربي بالمدرسة الرواحيَّة، فتوجه الإمام إليه ولازمه، واشتغل عليه، وصار منه ما صار 2. قال الإمام ابن العطار رحمه الله تعالى: (قال - أي: الإمام النووي -: وحفظت1

"التنبيه" في نحو أربعة أشهر ونصف، وحفظت ربع العبادات من "المهذب" في باقي السنة) 1. وينقل الإمام ابن العطار رحمه الله تعالى عن الإمام النووي رضي الله عنه خبرًا يدل على عظيم عناية الله سبحانه به فيقول: (قال - أي: الإمام النووي -: وخطر لي الاشتغال بعلم الطب، فاشتريت كتاب "القانون" فيه، وعزمت على الاشتغال فيه، فأظلم عليَّ قلبي، وبقيت أيامًا لا أقدر على الاشتغال بشيء، ففكرت في أمري، ومن أين دخل عليَّ الداخل؛ ! فألهمني الله تعالى أن سببه اشتغالي بالطب، فبعت في الحال الكتاب، وأخرجت من بيتي كلَّ ما يتعلق بعلم الطب، فاستنار قلبي، ورجع إليَّ حالي، وعدت إلى ما كنت عليه أولًا 2. ويذكر غير واحد من مترجميه أنه رضي الله عنه كان مضرب المثل في إكبابه على طلب العلم ليلًا ونهارًا، وهجره النومَ إلا عن غلبةٍ، وضبط أوقاته بلزوم الدرس أو الكتابة، أو المطالعة، أو التردد إلى الشيوخ 3. وهذا تلميذه العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى يحدثنا عن الإمام النووي رضي الله عنه فيقول: (قال: فلما كانت سنة إحدى وخمسين حججت مع والدي، وكانت وقفة الجمعة، وكان رحيلنا من أول رجب، قال: فأقمت بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوًا من شهر ونصف.
قال لي والده رحمه الله: لمَّا توجهنا من "نوى" للرحيل.. أخذته الحمى، فلم تفارقه إلى يوم عرفة، قال: ولم يتأوَّه قط، فلما قضينا مناسكنا، ووصلنا إلى "نوى"، ونزل إلى دمشق.. صبَّ الله عليه العلم صبًّا.
ولم يزل يشتغل بالعلم، ويقتفي آثار شيخه المذكور - أي: الكمال المغربي - في العبادة؛ من الصلاة وصيام الدهر، والزهد والورع، وعدم إضاعة شيء من أوقاته إلى أن تُوفِّي رحمه الله تعالى ورضي عنه، فلما توفي شيخه.. ازداد اشتغاله بالعلم والعمل) 4.

وقال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى أيضًا: (وذكر لي - أي: النووي - أنه كان لا يضيع وقتًا في ليل ولا في نهار.. إلا في وظيفة من الاشتغال بالعلم، حتى في ذهابه في الطريق ومجيئه يشتغل في تكرار أو مطالعة، وأنه بقي على التحصيل على هذا الوجه نحو ست سنين، ثم اشتغل بالتصنيف والاشتغال والإفادة والمناصحة للمسلمين وولاتهم، مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه، والعمل بدقائق الفقه، والاجتهاد على الخروج من خلاف العلماء) 1. ولعل من أدلِّ الدلائل على مثابرة الإمام النووي في التحصيل، وهمته العالية في طلب العلم.. أنه كان يقرأ كلَّ يوم اثني عشر درسًا على المشايخ شرحًا وتصحيحًا.
فقد ذكروا أنه كان يقرأ درسين في "الوسيط"، ودرسًا في "المهذب"، ودرسًا في أصول الفقه، ودرسًا في أسماء الرجال، ودرسًا في أصول الدين، ودرسًا في "الجمع بين الصحيحين"، ودرسًا في "صحيح مسلم"، ودرسًا في "اللمع" لابن جني، ودرسًا في "إصلاح المنطق" لابن السِّكِّيت.
قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى نقلًا عن الإمام النووي رضي الله عنه: (وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل، وإيضاح عبارة، وضبط لغة، وبارك الله لي في وقتي واشتغالي، وأعانني عليه) 2. وقد سمع الإمام النووي رضي الله عنه العديد من الكتب، وكان من أهمها: الكتب الستة، و"الموطأ"، و"مسند الإمام الشافعي"، و"مسند الإمام أحمد ابن حنبل"، و"سنن الدارمي"، و"مسند أبي عوانة"، و"مسند أبي يعلى الموصلي"، و"سنن الدارقطني"، و"شرح السنة" للبغوي، و"معالم التنزيل" في التفسير للبغوي أيضًا، و"الأنساب" للزبير بن بكار، و"الرسالة القشيرية"، و"عمل اليوم والليلة" لابن السني، و"آداب السامع والراوي" للخطيب البغدادي، وغير ذلك الكثير.
وذكر القطب اليونيني رحمه لله تعالى عن الإمام النووي رضي الله عنه قوله: (... وبقيتُ نحو سنتين لم أضع جنبي إلى الأرض).
يعني أنه ما كان ينام إلا عن غلبة، وقد

سئل عن ذلك فقال: (كنت إذا غلبني النوم أتكئ على الكتب قليلًا ثم أنتبه) (1). فهذه إشارة موجزة إلى دأبه في الطلب، وحرصه على العلم، والمسكوت عنه في هذا المقام أكثر من هذا بكثير، فللَّه درُّه من طالبٍ اليوم، ولله درُّه من إمام كبير الشأن غدًا.

شيوخه

كان عصر الإمام النووي رضي الله عنه حافلًا بجهابذة العلماء في شتى الفنون، أمثال: الحافظ عبد القادر الرهاوي (ت 612 هـ)، والحافظ أبي المظفر السمعاني (ت 617 هـ)، والحافظ ابن الصلاح (ت 643 هـ)، والحافظ المنذري (ت 656 هـ)، والإمام العز بن عبد السلام (ت 665 هـ)، وغيرهم الكثير، وبتعدادهم فقط يطول بنا المقام جدًّا، رحمهم الله تعالى.
وقد حظي الإمام النووي رضي الله عنه بعناية علماء أجلاء، وشيوخ فضلاء، فقد ذكر تلميذه العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (أنه أخذ الفقه عن الإمام الجليل أبي إبراهيم الكمال المغربي، وأبي حفص عمر بن أسعد الرَّبَعي، وأبي الحسن سلَّار بن الحسن الإربلي.
وأخذ أصول الفقه عن جماعة أشهرهم: القاضي أبو الفتح عمر بن بندار التفليسي الشافعي؛ فقد قرأ عليه "المنتخب" للفخر الرازي، وقطعة من "المستصفى" للإمام الغزالي.
وأخذ اللغة والنحو والتصريف عن فخر الدين ابن المالكي، قرأ عليه "اللُّمع" لابن جني، وكذلك أخذ عن الشيخ أبي العباس أحمد بن سالم المصري النحوي اللغوي التصريفي، فقد قرأ عليه "إصلاح المنطق" لابن السِّكِّيت قراءة بحث، وكتابًا في التصريف، وكان له عليه درس إما في "كتاب سيبويه" أو في غيره، يقول ابن العطار: "الشك مني".
وقرأ أيضًا على العلامة حجة العرب أبي عبد الله بن مالك أحد تصانيفه وعلق عليه شيئًا.1

وأخذ فقه الحديث وأسماء الرجال وما يتعلق بذلك عن الشيخ المحقق أبي إسحاق، إبراهيم بن عيسى المرادي الأندلسي، قرأ عليه "الصحيحين"، والكثير من "الجمع بين الصحيحين" للحميدي، وقرأ "مقدمة ابن الصلاح" على جماعة من أصحاب ابن الصلاح نفسه، وقرأ "الكمال في أسماء الرجال" على الشيخ أبي البقاء، خالد بن يوسف النابلسي، وعلق عليه بعض الحواشى والأشياء المستجادة) انتهى ملخصًا 1. ولولا ضيق المقام.. لترجمنا لكلِّ واحد من هؤلاء الأعلام الكرام ترجمة تليق بمقامه، ولكن سوف نسلِّط شعاعًا من الضوء على من تسعفنا المصادر بذكرهم، فأولهم:

  • الشيخ العلامة، كمال الدين، أبو إبراهيم، إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي (ت 650 هـ)، وهو أول شيوخ الإمام النووي على التحقيق.
    وقد أثنى عليه الإمام النووي رضي الله عنه فقال: (... أولهم: شيخي الإمام المتفق على علمه وزهده، وورعه وكثرة عباداته، وعظم فضله، وتميزه في ذلك على أشكاله) 2.
  • الإمام العارف، الزاهد العابد، الورع المتقن، مفتي دمشق في وقته، أبو محمد عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن إبراهيم بن موسى المقدسي، ثم الدمشقي (ت 654 هـ)، أخذ عنه الفقه أيضًا) 3.
  • الإمام المفتي، جمال الدين، أبو محمد، عبد الرحمن بن سالم بن يحيى بن هبة الله الأنباري الأصل، البغدادي، ثم الدمشقي (ت 661 هـ). ذكره العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى في جملة الشيوخ الذين سمع منهم الإمام النووي 4.
  • شيخ الشيوخ، شرف الدين، أبو محمد، عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن

الأنصاري الأوسي (ت 662 هـ)، كان من ذوي الذكاء المفرط، وله محفوظات كثيرة 1. وذكر العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى أن الإمام النووي رضي الله عنه سمع منه وأخذ عنه الحديث 2.

  • الشيخ الإمام القاضي، عماد الدين، أبو الفضائل، عبد الكريم بن عبد الصمد بن محمد المعروف بـ (ابن الحرستاني)، خطيب دمشق (ت 662 هـ). أخذ عنه علم الحديث 3.
  • الحافظ الزين، أبو البقاء، خالد بن يوسف بن سعدبن حسن بن مفرج النابلسي، ثم الدمشقي (ت 663 هـ). قرأ عليه "كتاب الأربعين" للحاكم، و"الكمال في أسماء الرجال" للحافظ عبد الغني المقدسي، وعلق عليه حواشي، وضبط عنه أشياء حسنة 4.
  • الشيخ الإمام، رضي الدين، أبو إسحاق، إبراهيم بن عمر بن مضر بن محمد بن فارس، المضري الواسطي، التاجر، المعروف بابن البرهان (ت 664 هـ). روى عنه "صحيح مسلم" كاملًا، وقد أثنى عليه الإمام فقال: (أما إسنادي فيه.. فأخبرنا بجميع "صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" رحمه الله الشيخُ العدل الرضيُّ، أبو إسحاق، إبراهيم بن أبي حفص عمر بن مضر الواسطي رحمه الله بجامع دمشق، حماها الله وصانها وسائر بلاد الإسلام وأهله) 5.
  • الإمام الحافظ، شرف الدين، أبو الفضل، محمد بن محمد بن محمد البكري الدمشقي (ت 665 هـ). سمع منه الحديث 6.
  • الإمام الحافظ المتقن، ضياء الدين، أبو إسحاق، إبراهيم بن عيسى المرادي

الأندلسي، ثم المصري، ثم الدمشقي (ت 668 هـ). قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (أخذ عنه فقه الحديث، وشرح عليه "مسلمًا"، وقرأ "البخاري"، وجملة مستكثرة من"الجمع بين الصحيحين" للحميدي) 1. وقد أثنى عليه الإمام النووي رضي الله عنه ثناءً باهرًا فقال: (سمعت شيخنا وسيدنا، الإمام الجليل، والسيد النبيل، الحافظ المحقق، والمقتبس المدقق، الضابط المتقن، والمشفق المحسن، الورع الزاهد، والمجتهد العابد، بقية الحفاظ، شيخ الأئمّة والمحدثين، ضياء الدين، أبا إسحاق) 2.

  • مسند الشام ومحدثها، وفقيهها الحنبلي، زين الدين، أبو العباس، أحمد بن عبد الدائم بن نعمة بن أحمد بن محمد بن إبراهيم المعروف بالناسخ (ت 668 هـ). كان من جملة مشايخه في الحديث 3.
  • الإمام العلامة، مفتي الشام، كمال الدين، أبو الحسن، سلَّار بن الحسن بن عمر بن سعيد الإربلي، ثم الحلبي، ثم الدمشقي (ت 675 هـ). عدَّه الإمام النووي رضي الله عنه نفسه في سلسلة شيوخه في الفقه، فقال: (... ثم شيخنا أبو الحسن، سلَّار بن الحسن... المجمع على إمامته وجلالته، وتقدُّمِه في علم المذهب على أهل عصره بهذه النواحي رضي الله عنه) 4.
  • العلامة جمال الدين، أبو العباس، أحمد بن سالم المصري، النحوي اللغوي التصريفي (ت 672 هـ). ذكر العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى أنه قرأ عليه الصرف والنحو، ونقل عن الإمام قوله: (وكان لي درس؛ إما في "كتاب سيبويه"، وإما في غيره، والشك مني) 5.
  • العلامة الرئيس الفاضل، تقي الدين، أبو محمد، إسماعيل ابن الشيخ الإمام إبراهيم بن أبي اليسر، شاكر بن عبد الله التنوخي (ت 672 هـ). ذكر الإمام السخاوي أنه قرأ عليه أجزاءً من "المستقصى في فضل المسجد الأقصى" لأبي محمد، القاسم بن علي بن عساكر 1.
  • القاضي كمال الدين، أبو الفتح، عمر بن بندار بن عمر التفليسي الشافعي (ت 672 هـ)، كان ممن جالس الإمام أبا عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى.
    قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (قرأ عليه - أي: الإمامُ النوويُّ - "المنتخب" للإمام فخر الدين الرازي، وقطعة من كتاب "المستصفى" للغزالي) 2.
  • العلامة جمال الدين، أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجيَّاني (ت 672 هـ)، حجة العرب، وصاحب التصانيف العديدة، والتآليف المفيدة.
    قرأ عليه كتابًا من تصانيفه، وعلق عليه شيئًا 3.
  • الإمام المتقن، القاضي عز الدين، أبو حفص، عمر بن أسعد بن أبي غالب الرَّبَعي الإربلي (ت 675 هـ). أخذ عنه الفقه، وذكره في "تهذبب الأسماء واللغات" عند ذكر سنده في الفقه، ونعته بـ (الإمام المتقن) 4. وقال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (وكان شيخنا كثير الأدب معه، حتى كنا في الحلقة بين يديه، فقام منها، وملأ إبريقًا، وحمله بين يديه إلى الطهارة رضي الله عنهما، ورضي عنَّا بهم) 5.
  • الإمام العالم، المفتي المعمَّر، جمال الدين، أبو زكريا يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح بن رافع الحرَّاني، يعرف بابن الصيرفي وابن الحُبيشي (ت 678 هـ).

عابد متهجد، محمود الصفات، ذكره العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى في عداد المشايخ الذين سمع منهم 1.

  • شيخ الإسلام، وبقية العلماء، شمس الدين، أبو الفرج، عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد بن قُدَامة (ت 682 هـ). أخذ عنه الحديث، وقد نقل الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى عنه قوله: (قال شيخنا الإمام العلامة، ذو الفنون من أنواع العلوم والمعارف، وصاحب الأخلاق الرضية، والمحاسن واللطائف، أبو الفرج... ) 2، قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (وهو أجل شيوخه) 3.
  • العلامة الجليل، والسيد النبيل، ياسين بن عبد الله المغربي (ت 687 هـ). ذكره العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى باسم: ياسين بن يوسف المراكشي 4. وقال العلامة اليافعي رحمه الله تعالى: (كان السيد الجليل، الشيخ الإمام محيي الدين النواوي رحمه الله تعالى يزوره، ويتبرك به، ويتتلمذ له، ويقبل إشاراته، ويمتثل ما أمره به، ومن جملة إشاراته المباركة: أنه أمر الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى أن يردَّ الكتب المستعارة إلى أهلها، وأن يعود إلى بلاده، ويزور أهله ففعل ذلك، ثم توفي عند أهله رحمه الله تعالى) 5.
  • فقيه أهل الشام، وشيخ الإسلام، تاج الدين، أبو محمد، عبد الرحمن بن إبراهيم بن ضياء بن سباع، الفزاري الشافعي، الملقب بالفركاح (ت 690 هـ). قرأ عليه دروسًا، ولازمه مدة، ثم طلب منه موضعًا يأوي إليه، ولم يكن عنده موضع للسكن، فأرشده إلى الإمام الكمال المغربي، الذي صار من أجل شيوخه 6.
  • شيخ الإسلام، بركة الشام، تقي الدين، أبو إسحاق، إبراهيم بن علي بن أحمد بن فضل الواسطي الصالحي (ت 692 هـ).

تولّى في آخر عمره دار الحديث الظاهرية، وذكر العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى أنه سمع منه (1).

  • الإمام الكبير المحدِّث، ضياء الدين، أبو المظفر، يوسف بن أبي القاسم بن تمام بن إسماعيل، الدمشقي الحنفي (ت هـ). ذكره العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى (2). وقال العلامة ابن أبي الوفاء رحمه الله تعالى في أثناء ترجمته له: (لازمه النووي لسماع الحديث منه، وما يتعلق بعلم الحديث، وعليه تخرَّج، وبه انتفع) (3).

تصدره للتدريس

ما كادت تمضي مدة من الزمن يسيرة حتى بدأت ثمار هذه الشجرة الباسقة بالظهور.
قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (قال الإمام النووي: وجعلتُ أشرح وأصحح على شيخي الإمام الزاهد إسحاق المغربي رحمه الله تعالى، ولازمته، فأعجب بي؛ لِمَا رأى من اشتغالي وملازمتي، وعدم اختلاطي بالناس، وأحبني محبة شديدة، وجعلني معيدَ الدرس بحلقته لأكثر الجماعة) 4. ثم بعد ذلك باشر الإمام النووي رضي الله عنه التدريس في المدرسة الإقبالية، والمدرسة الفلكية، والمدرسة الركنية للشافعية نيابة عن شمس الدين ابن خلكان (ت 681 هـ) 5. غير أن أبرز ما أُسند إليه هو مشيخةُ دار الحديث الأشرفية؛ وقد ذكرت بعض المصادر أن واقف هذه المدرسة جعل من شروط وقف هذه الدار ألَّا تُسند إلا لأعلم أهل البلد بالحديث، فقد قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (إنه - أي: الكمال123

المعرِّي - انتزع دار الحديث الأشرفية من ابن كثير... ولم يلتفت لكون شرطها أن تكون لأعلم أهل البلد بالحديث) (1). وقال الإمام السخاوي نقلًا عن الحافظ الذهبي رحمهما الله تعالى: إن تولِّي الإمام النووي لدار الحديث كان مع صغر سنِّه، ونزول روايته في حياة مشايخه (2). وهذا لم يكن من باب المحاباة للإمام، أو أنه كان حريصًا على ذلك، ومما يدل له قوله لابن النجار في رسالة وجهها إليه: (أَوَ ما علمتَ - لو أنصفتَ - كيف كان ابتداء أمرها، أَوَ ما كنتَ حاضرًا مشاهدًا أخذي لها؟ ! ) (3). وقد كان تولِّيه رضي الله عنه لدار الحديث الأشرفية بعد وفاة الإمام أبي شامة عبد الرحمن بن إسماعيل سنة (665 هـ) رحمه الله تعالى، وبقي فيها حتى أتاه داعي ربه سنة (676 هـ).

ذكر بعض المدارس في عصره

المدرسة الرَّوَاحيَّة: بناها التاجر أبو القاسم هبة الله بن عبد الواحد بن رواحة الحموي (ت 622 هـ)، وقد كان من أصحاب الثراء والصلاح، ووقفها على الشافعية في حدود سنة (600 هـ)، وموقعها شرقي الجامع الأموي، وغربي المدرسة الدولعية، وفوض تدريسها إلى الحافظ ابن الصلاح، وناب عنه فيها الكمال المغربي شيخ الإمام النووي، وقد كانت الإعادة فيها بأمر شيخه الكمال المغربي 4. المدرسة الإقبالية الشافعية: أنشأها جمال الدولة إقبال، عتيق ستِّ الشام، أخت صلاح الدين الأيوبي، المتوفى سنة (653 هـ) في بيت المقدس، وتقع بين باب الفرج وباب الفراديس، شمالي الجامع الأموي، وجعل فيها خمسة وعشرين فقيهًا، وأعطاهم رواتب ضخمة في كل شهر، وقد ناب بها الإمام النووي عن شمس الدين ابن خلكان سنة (669 هـ)، ثم تولَّاها بعده ابن الجوَّاب 5.123

المدرسة الركنية الجوَّانية: أنشأها الأمير ركن الدين منكورس الفلكي، عتيق فلك الدين، أخي الملك العادل لأمه (ت 631 هـ)، وقد كان محتشمًا عفيفًا، كثير الصدقات، شيَّد الركنية في حدود سنة (625 هـ)، وتقع شرقي المدرسة الفلكية، في حي العمارة، في زقاق عبد الهادي، وقد تولَّى التدريس فيها ثلَّة من العلماء الأجلاء؛ أمثال الشيخ أبي شامة، وشمس الدين ابن خلكان، والإمام النووي رحمهم الله جميعًا 1. المدرسة الفلكية: أنشأها الأمير فلك الدين سليمان (ت 599 هـ)، أخو الملك العادل سيف الدين أبي بكر لأمه، وقد كانت دارًا له، ثم وقفها مدرسة في سنة وفاته أو قبل ذلك بقليل، وتقع بحارة الأفتريس، غربي المدرسة الركنية الجوَّانية، في حي العمارة، في زقاق عبد الهادي.
وَلِيَها شمس الدين بن سنيِّ الدولة، وابنه صدر الدين قاضي القضاة، أبو العباس أحمد، والإمام النووي رضي الله عنه كان ممن تولَّى التدريس فيها 2. دار الحديث الأشرفية: بناها الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن العادل (ت 635 هـ)، أخي صلاح الدين الأيوبي، وتقع جوار باب قلعة دمشق الشرقي، غربي سوق العصرونية، وقد درَّس بها عمالقة علماء الحديث، كانت في الأصل دارًا للأمير صارم الدين قايماز، واشتراها منه الملك الأشرف، وأعاد بناءها، وجعلها دارًا للحديث، وأنشأ فيها سكنًا للشيخ الذي يتولَّى مشيختها.
بدأ العمل بعمارتها سنة (628 هـ)، وانتهى تشييدها وافتتحت في ليلة النصف من شعبان سنة (635 هـ)، ووقف عليها الملك الأشرف أوقافًا عدة، وجعل فيها نعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأَوَّل من درَّس فيها وفي الرواحيَّة الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى، ثم آلت في سنة (665 هـ) إلى الإمام النووي، وكان لا يأخذ من عطائها شيئًا، بل كان يكتفي بما يرسله له أبوه من (نوى)، وقد بقي فيها حتى أجاب داعي ربِّه رضي الله عنه 3.

تلامذته

سمع من الإمام النووي رضي الله عنه خلق من العلماء والحفاظ، والصدور والرؤساء، وتخرج به خلق كثير من الآفاق.

  • الحافظ الزاهد، الثقة الثبت، علاء الدين، أبو الحسن، علي بن إبراهيم بن داوود بن العطار (ت 724 هـ). قال رحمه الله تعالى: (قرأت عليه كثيرًا من تصانيفه، ضبطًا وإتقانًا، وأذن لي في إصلاح ما يقع في تصانيفه، وكانت صحبتي له دون غيره، من أول سنة سبعين وست مئة وقبلها بيسير إلى حين وفاته، وقرأت عليه الفقه تصحيحًا وعرضًا، وشرحًا وضبطًا، خاصًّا وعامًّا) 1.
  • الإمام المقرئ، شهاب الدين، أبو عبد الله، محمد بن عبد الخالق بن عثمان بن مزهر الأنصاري الدمشقي (ت 690 هـ). قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (قرأ عليه - أي: على النووي - وسمع جميع "الأذكار"، ووصف قراءته في بعض البلاغات بالمتقنة المهذبة) 2.
  • الصدر الرئيس، نور الدين، أبو العباس، أحمد بن إبراهيم بن عبد الضيف بن مصعب الخزرجي الدمشقي (ت 696 هـ). قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (قرأ على الشيخ قدَّس الله روحه قطعة من "المنهاج في مختصر المحرر"، واستنسخ "الروضة" له، وقابلتُ له بعضها مع الشيخ) 3.
  • الحافظ الزاهد، شهاب الدين، أبو العباس، أحمد بن فرج اللخمي الإشبيلي الشافعي (ت 699 هـ). كان له ميعاد مع الإمام النووي رضي الله عنه يومي الثلاثاء والسبت، شرح في أحدهما "البخاري"، وفي الآخر "صحيح مسلم" 4.
  • الشيخ الإمام، المحقق الزاهد، شهاب الدين، أحمد بن محمد بن عباس بن جعوان الدمشقي الشافعي (ت 699 هـ). قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: (كان من تلامذة النواوي رحمهما الله) 1.
  • الشيخ الفاضل، نجم الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن إبراهيم بن سالم بن ركاب الأنصاري، المعروف بابن الخباز (ت 753 هـ). ذكره الإمام السخاوي رحمه الله تعالى في جملة تلامذته 2.
  • العلامة المفتي، والمحدث النحوي، شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن أبي الفتح بن أبي الفضل البعلي الحنبلي (ت 759 هـ). ذكره العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى، وعدَّه الإمام السخاوي رحمه الله تعالى من تلاميذه 3.
  • العلامة المفتي، رشيد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن عثمان بن المعلم الحنفي (ت 714 هـ). كان من كبار أئمّة عصره، عالمًا بالعربية والقراءات وغيرها، ذكر العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى أنه صاحبه في القراءة على الإمام النووي رضي الله عنه، وأنه قرأ عليه "معرفة السنن والآثار" للطحاوي 4 رحمه الله تعالى.
  • القاضي صدر الدين، أبو الفضل، سليمان بن هلال بن شبل بن فلاح الجعفري الداراني، خطيب داريَّا (642 - 725 هـ). قال التقي السبكي رحمه الله تعالى: (كان رجلًا صالحًا، تفقه على الشيخ تاج الدين بن الفركاح، والشيخ محيي الدين النووي... وكان يذكر نسبه إلى جعفر الطيار) 5.
  • العلامة أمين الدين، أبو الغنائم، سالم بن أبي الدُّر (645 - 726 هـ).

قال التقي السبكي رحمه الله تعالى: (تفقه على الشيخ محيي الدين النووي، ورتب "صحيح ابن حبان"، ودرَّس بالشامية الجوَّانية) 1.

  • قاضي القضاة، شيخ الإسلام، بدر الدين، أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة (ت 733 هـ). ذكره الإمام السخاوي رحمه الله تعالى في جملة تلاميذه، وقال: (ويقال: إن فتواه عرضت على الشيخ - أي: الإمام النووي - فاستحسن كتابته عليها) 2.
  • قاضي القضاة، جمال الدين، أبو محمد، سليمان بن عمر بن سالم الأنصاري الزرعي (ت 734 هـ). قال التقي الفاسي: (سمع على الشيخ محيي الدين النووي كتاب "الأذكار") 3.
  • الشيخ الأديب، شهاب الدين، أبو العباس، أحمد بن محمد بن سلمان بن حمائل الجعفري، المعروف بابن غانم (ت 737 هـ). قال الحافظ ابن حجر: (وكان يذكر أنه من ذرية سيدنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه)، وعدَّه الإمام السخاوي من تلاميذه 4.
  • الحافظ الكبير، شيخ المحدثين، وعمدة الحفاظ، أعجوبة الزمان، جمال الدين، أبو الحجاج، يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الملك القضاعي الكلبي الحلبي الدمشقي (654 - 742 هـ). تولَّى دار الحديث الأشرفية ثلاثًا وعشرين سنة، قرأ على الإمام النووي رضي الله عنه وأخذ عنه 5.
  • الإمام العلامة، بقية السلف، قاضي القضاة، شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر بن إبراهيم بن عبد الرحمن، المعروف بابن النقيب (ت 745 هـ).

قال التقي السبكي رحمه الله تعالى: (صاحب النووي، وأعظِمْ بتلك الصحبة رتبةً عليَّةً) (1).

  • الإمام الفقيه، علاء الدين، أبو الحسن، علي بن أيوب بن منصور المقدسي (ت 748 هـ). قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى - بعد أن عدَّه من تلامذته -: (نسخ "المنهاج" بخطه، وحرره ضبطًا وإتقانًا) (2).
  • الشيخ الإمام، زين الدين، أبو الفرج، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسي (ت 749 هـ). ذكره الإمام السخاوي رحمه الله تعالى في جملة تلاميذه (3).

وصفه وملبسه

كان عديم الميرة (4) والرفاهية والتنعيم، مع التقوى والقناعة والورع، والمراقبة لله في السر والعلانية، وتَرْكِ رعونات النفس؛ من ثياب حسنة، ومأكل طيب، وتجمل في هيئة، بل طعامه جلف الخبز بأيسر إدام، ولباسه ثوب خام وسختيانية لطيفة.
ووصفه بأنه كان أسمرَ، كثَّ اللحية، ربعة مهيبًا، قليل الضحك، عديم اللعب، بل هو جِدٌّ صِرْفٌ، يقول الحق وإن كان مرًّا، لا يخاف في الله لومة لائم، عليه هيبة وسكينة، وكان لا يتعاطى لَغَط الفقهاء وعياطهم في البحث، بل يتكلم بتؤدة وسمت ووقار (5).

بعض مناقبه

حاز الإمام النووي رضي الله عنه صفات عزَّ نظيرها في نظرائه، وقلَّ مثيلها في12345

أمثاله، فلقد بلغ من الزهد والورع والتقوى الغاية القصوى، إلى جانب رسوخ قدمه في العلم، وعلوِّ كعبه في التحقيق، ومع هذا وذاك فإنه رضي الله عنه كان آية في التواضع وحسن الخلق، ولعل الحديث في هذا الشأن يحتاج إلى مؤلَّف ضخم ليفيَ بالغرض، ولله در الإمام الذهبي رحمه الله تعالى حيث قال: (وذِكْرُ مناقبه يطول) 1. قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (كان رفيقًا بي، شفيقًا عليَّ، لا يمكِّن أحدًا من خدمته غيري، على جهد مني في طلب ذلك منه، مع مراقبته لي في حركاتي وسكناتي، ولطفه بي في جميع ذلك، وتواضعه معي في جميع الحالات، وتأديبه لي في كل شيء حتى الخطرات، وأعجز عن حصر ذلك).
فإذا كان هذا الأدب الجمُّ من الإمام مع تلميذه.. فماذا كانت حاله مع أشياخه ومعلميه؟ ! قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى أيضًا: عند ذكره للشيخ أبي حفص، عمر بن أسعد الربعي: (وكان شيخنا - أي: الإمام النووي - كثير الأدب معه، حتى كنا في الحلقة بين يديه، فقام منها، وملأ إبريقًا، وحمله بين يديه إلى الطهارة رضي الله عنهما، ورضي عنّا بهم) 2. وكان إذا ذكر الصالحين.. ذكرهم بتعظيم وتوقير، وذكر مناقبهم وكراماتهم.
هذا عن أدبه وتواضعه، أما الحديث عن زهده رضي الله عنه.. فهو الذي لا يكاد يصدِّقه أحد لولا أن الذين نقلوه هم من أصدق الناس لهجة، وأكثرهم تحرِّيًا وتثبتًا، فمن ذا الذي يقوى على ما صنعه الإمام الذي كان لا يأكل من فاكهة دمشق، وهي جنة الله في الأرض؟ ! كان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة بعد العشاء الآخرة، ولا يشرب إلَّا شربة واحدة عند السحر، وكان لا يشرب الماء المبرَّد، وكان لا يأكل فاكهة دمشق.
قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (فسألته عن ذلك؟ فقال: دمشق كثيرة الأوقاف وأملاكِ مَنْ هو تحت الحجْر شرعًا، والتصرفُ لهم لا يجوز إلَّا على وجه

الغبطة... فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك؟ ! ) 1. وقال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (قال لي شيخنا أبو المفاخر، محمد بن عبد القادر الأنصاري رضي الله عنه: لو أدرك القشيريُّ صاحبُ "الرسالة" شيخَكم وشيخَه - أي: الكمال المغربي -.. لَمَا قدَّم عليهما في ذكره لمشايخها أحدًا؛ لِمَا جُمع فيهما من العلم والعمل، والزهد والورع، والنطق بالحكم، وغير ذلك) 2. وقال العلامة ابن دقماق رحمه الله تعالى: (إنه كان يأكل من خبز يبعثه له أبوه من "نوى" يخبزونه له، ويشترون له ما يكفيه جمعةً فيأكله، ولا يأكل معه سوى لون واحد؛ إما دبس، وإما خلّ، وإما زيت، وأما اللحم.. ففي كل شهر مرة، ولا يكاد يجمع بين لونين من إدام أبدًا) 3. وقال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (رأيت رجلًا من أصحابه قشَّر له خيارة؛ ليطعمه إياها، فامتنع عن أكلها، وقال: أخشى أن ترطب جسمي، وتجلب النوم) 4. وقد كان أثر زهده وورعه وصلاحه واضحًا، فقد ذكر تلميذه العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى عنه حكاية فقال: (ذكر لي شيخنا العارف، القدوة المُسَلِّك، ولي الدين، أبو الحسن علي، المقيم بجامع بيت لهيا خارج دمشق "ت 685 هـ" قال: كنتُ مريضًا بمرض يسمى "النقرس" في رجلي، فعادني الشيخ محيي الدين - قدس الله روحه العزيز - فلما جلس عندي.. شرع يتكلم في الصبر، قال: فكلما تكلم.. جعل الألم يذهب قليلًا قليلًا، فلم يزل يتكلم فيه حتى زال جميع الألم، وكأنْ لم يكن قط، قال: وكنت قبل ذلك لم أنم الليل كلَّه من الألم، فعرفت أن زوال الألم من بركته رضي الله عنه) 5. ولقد نذر الإمام النووي رضي الله عنه حياته لله، فأعرض عن حطام الدنيا وزخرفها، قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (ولم يتزوج قط فيما علمت؛

لاشتغاله بالعلم والعمل)، وكذا جزم بكونه لم يتزوج غير واحد، منهم قاضي صفد (1). قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (وذكر لي صاحبنا الفاضل أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي في حياة الشيخ قال: كنت ليلة في أواخر الليل بجامع دمشق، والشيخ وأقف يصلي إلى سارية في ظلمة، وهو يردِّد قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ مرارًا، بخوف وخشوع حتى حصل عندي من ذلك أمر عظيم) (2). ويذكر العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (أن الشيخ العلامة المفتي، رشيد الدين، إسماعيل بن المعلم الحنفي أخبره أنه كان قد عذل الإمام النووي رحمه الله في عدم دخوله الحمام، وتضييق عيشه في الأكل واللبس ونحوه، وقال له: أخشى أن يصيبك مرض بسبب ذلك يعطلك عن كثير من الأعمال الصالحة التي هي أفضل مما أنت فيه من الضيق، فأجاب الإمامُ بقوله: إن فلانًا صام وعَبَدَ اللهَ تعالى حتى اخْضَرَّ عظمه، قال: فعرفت أنه ليس له غرض في المقام في دارنا، ولا يلتفت إلى ما نحن فيه) (3).

ثناء العلماء عليه

وعلى الرغم من زهده رضي الله عنه وتواضعه، ودماثة خلُقه، ولين عريكته، ورِفْقه ورحمته بالناس.. فقد كان قويًّا في الحق، صلبًا في مواجهة الظلم والظلَمة، يلين الحديد وهو في ذلك لا يلين، وتنحني الشُّمُّ الشوامخ وهو لا ينحني.
قال تلميذه العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (وكان مواجهًا للملوك والجبابرة بالإنكار، لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان إذا عجز عن المواجهة.. كتب الرسائل ويتوصل إلى إبلاغها) 4.123

وقال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: (وله غير رسالة إلى الملك الظاهر في الأمر بالمعروف) 1. وذكر القطب اليونيني رحمه الله تعالى طرفًا من جرأته فقال: (إنه واقَفَ الملكَ الظاهر رحمه الله غير مرة في دار العدل بسبب الحوطة على بساتين دمشق وغير ذلك، وحُكي لي أن الملك الظاهر قال عنه: أنا أفزع منه، أو ما هذا معناه) 2. وأما مواجهته لعلماء السوء.. فقد ذكر العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى في هذا الشأن رسالته الشهيرة لابن النجار الذي سعى لإحداث أمور باطلة على المسلمين فتصدى له الإمام النووي رضي الله عنه وبالغ في زجره، وكفِّه عن ذلك، فغضب ابن النجار، وبعث إلى الإمام يهدده ويتوعده، فما كان من الإمام إلا أن بادره برسالة تنبئ عن قوته في الحق، وجرأته في إزالة المنكر 3. ونحن ننقل لك من آخرها قطعة بليغة، حيث قال رضي الله عنه: (... واعلم: أني لا أتعرَّض لك بمكروه، سوى أني أبغضك في الله تعالى، وما امتناعي عن التعرُّض لك بمكروه من عَجْبر، بل أخاف الله رب العالمين من إيذاء من هو من جملة الموحدين، وقد أخبرني من أثق به وبخبره وصلاحه، وكراماته وفلاحه: بأنك إن لم تبادر بالتوبة.. حلَّ بك عقوبة عاجلة، تكون بها آية لمن بعدك، ولا يأثم بها أحد من الناس، بل هو عدل من الله تعالى يوقعه بك؛ عبرةً لمن بعدك.
فإن كنتَ ناظرًا لنفسك.. فبادر بالرجوع عن سيئ أفعالك، وتدارك ما أسلفته من قبيح مقالك... والسلام على من اتبع الهوى، والحمد لله رب العالمين) 4. قال تلميذه العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (ذو التصانيف المفيدة، والمؤلفات الحميدة، أَوْحَدُ دهره، وفريد عصره، الصوَّام القوَّام، الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، صاحب الأخلاق المرضية، والمحاسن السنية، العالم الرباني، المتفق على علمه وإمامته وجلالته، وزهده وورعه وعبادته، وصيانته في أقواله وأفعاله وحالته.

له الكرامات الطافحة، والمكرمات الواضحة، المؤثِر بنفسه وماله للمسلمين، والقائم بحقوقهم وحقوق ولاة أمورهم بالنصح والدعاء في العالمين.
وكان كثير التلاوة والذكر لله تعالى، حشرنا الله تعالى في زمرته، وجمع بيننا وبينه في دار كرامته، مع من اصطفاه من خليقته، أهل الصفاء والوفاء والودِّ، العاملين بكتاب الله تعالى، وسنة محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته) 1. ويضيف رحمه الله أيضًا: (وجرى لي معه وقائع، ورأيت منه أمورًا تحتمل مجلدات) 2. وقال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (شيخ الإسلام، وإمام الأئمَّة الأعلام، وقطب الأولياء الكرام، ونادرة الزهاد الوافر في ورعهم السهام، المجتهد في الصيام والقيام، والقائم بخدمة الملك العلام) 3. وقال الإمام التقي السبكي رحمه الله تعالى: (شيخ الإسلام، أستاذ المتأخرين، وحجة الله على اللَّاحقين، والداعي إلى سبيل السالفين، كان يحيى رحمه الله سيدًا وحصورًا، وليثًا على النفس هصورًا... لا يصرف ساعة في غير طاعة، هذا مع التفنن في أصناف العلوم، فقهًا ومتونَ حديث، وأسماء رجال، ولغة وتصوُّفًا، وغير ذلك) 4. حدث مرةً أن نازعه بعضهم في نقل عن "الوسيط" للإمام الغزالي رحمه الله تعالى، فقال: ينازعوني في "الوسيط" وقد طالعته أربع مئة مرة؟ ! وكان من سعة علمه عديمَ النظير 5. ولك أن تعجب وأنت تسمع الإمام التقي السبكي رحمه الله تعالى يذكر أنه عندما طُلِبَ إليه أن يصنع تكملة لـ "المجموع" بعد وفاة الإمام النووي رضي الله عنه من حيث وصل الشيخ.. هاب الأمر، وقدم رجلًا وأخَّر أُخرى، وحاول أن يعتذر عن ذلك

متعلِّلًا بقوله: (ولا شك أن ذلك - أي: إكمال "المجموع" - يحتاج بعد الأهلية إلى ثلاثة أشياء: أحدها: فراغ البال، واتساع الزمان، وكان رحمه الله قد أوتي من ذلك الحظ الأوفى، بحيث لم يكن له شاغل عن ذلك من تعيُّش ولا أهل.
والثاني: جمع الكتب التي يستعان بها على النظر، والاطلاع على كلام العلماء، وكان رحمه الله تعالى قد حصل له من ذلك حظ وافر؛ لسهولة ذلك في بلده في ذلك الوقت.
والثالث: حسن النية، وكثرة الورع والزهد، والأعمال الصالحة التي أشرقت أنوارها، وكان رحمه الله تعالى قد اكتال من ذلك بالمكيال الأوفى.
فمن تكون اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث أنَّى يضاهيه، أو يدانيه من ليست فيه واحدة منها؟ ! ) (1). وثمة شاهد ينطق بأفصح لسان، وأعذب بيان عن علم الإمام الغزير، ألا وهو ما تركه الإمام من كتب ومصنفات كانت نتاج فكره وبراعته.

مؤلفاته

يقول العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى بعد أن عدَّد طائفة من مؤلفاته: (ولقد أمرني ببيع كراريس؛ نحو ألف كراس بخطه، وأمرني بأن أقف على غسلها في الوراقة، وخوَّفني إن خالفت أمره في ذلك، فما أمكنني إلا طاعته، وإلى الآن في قلبي منها حسرات) 2. ودونك مسردًا لما استطعنا أن نصل إليه من مؤلفاته مرتبة على حروف المعجم:

  • أجوبة عن أحاديث سئل عنها.
  • أدب المفتي والمستفتي، أفرده من "شرح المهذب".
  • الأذكار من كلام سيد الأبرار، وقد صدر بحمد الله عن دار المنهاج محققًا على نسخ خطية.1
  • الأربعون النووية، وقد صدر بحمد الله عن دار المنهاج محققًا مضبوطًا على ثلاث نسخ خطية نفيسة.
  • إرشاد طلاب الحقائق، مطبوع.
  • الإرشاد والتقريب، مطبوع.
  • الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات في متون الأسانيد.
  • الإشارات لما وقع في الروضة من الأسماء واللغات، وصل فيه إلى أثناء (الصلاة).
  • الأصول والضوابط في المذهب.
  • الأمالي في الحديث.
  • الإملاء على حديث "إنما الأعمال بالنيات".
  • الإيجاز شرح سنن أبي داوود، وصل فيه إلى أثناء (الوضوء).
  • الإيجاز في المناسك.
  • الإيضاح في مناسك الحج والعمرة، مطبوع.
  • بستان العارفين، وسيصدر بعون الله تعالى عن دار المنهاج محققًا.
  • التبيان في آداب حملة القرآن، وقد صدر بحمد الله عن دار المنهاج محققًا مضبوطًا على نسخ خطية عزيزة.
  • تحرير ألفاظ التنبيه، مطبوع.
  • تحفة الطالب النبيه في شرح التنبيه، وصل فيه إلى أثناء (باب الحيض).
  • تحفة الوالد وبغية الرائد.
  • التحقيق، مطبوع.
  • الترخيص بالقيام لذوي الفضل والمزية من أهل الإسلام، مطبوع.
  • تصحيح التنبيه، مطبوع.
  • تقريب الإرشاد إلى علم الإسناد.
  • التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير.
  • التلخيص شرح البخاري، لم يكتمل، وصل فيه إلى (كتاب العلم).
  • التنقيح في شرح الوسيط، مطبوع مع "الوسيط" للإمام الغزالي.
  • تهذيب الأسماء واللغات، مطبوع.
  • جامع السنة، شرع في أوله، ولم يكمله.
  • حزب أدعية وأذكار (حزب الإمام النووي)، مطبوع.
  • خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام.
  • الخلاصة في أحاديث الأحكام، وصل فيه إلى أثناء (كتاب الزكاة).
  • دقائق المنهاج، مطبوع.
  • رؤوس المسائل وتحفة طلاب الفضائل، مطبوع.
  • روضة الطالبين، مطبوع.
  • رياض الصالحين من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد العارفين، وقد صدر بحمد الله عن دار المنهاج محققًا على نسخ خطية.
  • شرح صحيح مسلم، مطبوع.
  • فتاوى الإمام النووي، رتبها تلميذه ابن العطار، مطبوع.
  • المجموع شرح المهذب، مطبوع.
  • مختصر آداب الاستسقاء.
  • مختصر أسد الغابة لابن الأثير.
  • مختصر البسملة لأبي شامة.
  • مختصر تأليف الدارمي في المتحيرة.
  • مختصر سنن الترمذي.
  • مختصر مبهمات الخطيب البغدادي.
  • مختصر وجوه الترجيح، جمعه مختصرًا من "الناسخ والمنسوخ" لأبي بكر الحازمي.
  • مسألة تخميس الغنائم.
  • مسألة نية الاغتراف.
  • مناقب الشافعي.
  • منتخب طبقات الشافعية.
  • المنتخب مختصر التذنيب للرافعي، لم يكتمل.
  • منهاج الطالبين، وقد صدر بحمد الله عن دار المنهاج محققًا مضبوطًا على أربع نسخ خطية برواية ابن البيشي عن عدَّة علماء منهم: الحافظ العراقي والحافظ ابن الملقن رحمهم الله تعالى.
  • مهمات الأحكام، وصل فيه إلى أثناء طهارة البدن والثوب.
  • نُكت المهذب.
    هذه ما تمكنَّا من الوصول إليه من مؤلفات الإمام النووي رضي الله عنه، ولعله فاتنا ذكر بعضها، والعذر من الكرام مأمول.
    ويمكن القول: إن تصانيفه رضي الله عنه كلها بديعة مفيدة.
    قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (قال اليافعي: ولقد بلغني أنه حصلت له نظرة جمالية من نظرات الحق سبحانه وتعالى بعد موته، فظهرت بركتها على كتبه، فحظيت بقبول العباد، والنفع في سائر البلاد.
    وقال العثماني قاضي صفد في ترجمته من "طبقات الشافعية" له: سمعت الخطيب جمال الدين محمود بن جملة، الخطيب بالجامع الأموي يقول بحضرة جماعة من مشايخ العصر: إنه سمع من شخص يخاطبه وهو بين النائم واليقظان: إن الله أفاض على النووي في قبره فيضًا، فصرف ذلك الفيض إلى كتبه، فمن ثَمَّ شاعت وذاعت) (1).

وفاته

وهكذا بعد مسيرة حافلة بالعمل الصالح، وخدمة الدين الحنيف، آن للفارس أن يترجَّل، والمسافر أن يحطَّ الرحال، فقد كاد الآمل أن يبلغ الغاية، ويدرك المرام.
لقد شعر الإمام النووي رضي الله عنه بدنوِّ الأجل، وقرب الرحيل عن هذه الدار، ولنصغِ إلى العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى وهو يحدثنا عن ذلك، إذ يقول: قال لي: قد أُذِن لي في السفر، فقلت: كيف أُذِنَ لك؟ قال: بينا أنا جالس هنا - وأشار إلى بيته بالرواحية وتجاهه طاقة مشرفة عليها - مستقبل القبلة، إذ مر عليَّ شخص في الهواء من هنا، ومر كذا - يشير من غرب1

المدرسة إلى شرقها - وقال: قم سافر لزيارة القدس.
قال: وكنت حملت كلام الشيخ على ظاهره، ثم تبين لي أنه إنما عنى السفر الحقيقي، ولما انتهى من حكاية ذلك.. قال لي: قم حتى نودع أصحابنا وأحبابنا.
قال: فخرجت معه إلى المقبرة التي بها بعض شيوخه، فزار وقرأ شيئًا، ودعا وبكى، ثم زار أصحابه الأحياء؛ كالشيخ يوسف الفقاعي (ت 679 هـ)، والشيخ محمد الأخميمي (ت 684 هـ)، والشيخ شمس الدين ابن أبي عمر (ت 682 هـ). وسافر صبيحة ذلك اليوم إلى نوى، ثم زار القدس والخليل عليه السلام، ثم عاد إلى نوى، ومرض عقب زيارته بها وهو في بيت والده.
فبلغني مرضه، فتوجهت من دمشق لعيادته، فسُرَّ بذلك، ثم أمرني بالرجوع إلى أهلي، فودعته بعد أن أشرف على العافية في يوم السبت العشرين من رجب، وانصرفت.
فتوفي بعد أيام 1. وقد كانت وفاته في الثلث الأخير من الليل، ليلة الأربعاء في الرابع والعشرين من شهر رجب، سنة ست وسبعين وست مئة، ودفن في مسقط رأسه نوى.
رضي الله عنه ورحمه رحمة المقربين الأبرار، وحشرنا وإياه في زمرة المصطفَيْن الأخيار.
ويحسُن القول أخيرًا: إنه بعد وفاة الإمام رضي الله عنه أراد أهله وجيرانه - في نوى أن يبنوا على ضريحه قبة، واستقر رأيهم على ذلك، فرأته إحدى قريباته - ويُظن أنها عمته - في المنام وهو يقول لها: قولي لهم لا يفعلوا هذا الذي عزموا عليه من البنيان؛ فإنهم كلما بنوا أشياء.. تهدمت، فاستيقظت منزعجة وأخبرتهم، فامتنعوا عن البنيان، وحوطوا على قبره بحجارة تمنع الدواب وغيرها.
ذكر ذلك العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى في "تحفة الطالبين" (ص 47)، وأضاف قائلًا: (وقال لي جماعة من أقاربه وأصحابه بـ "نوى": إنهم سألوه يومًا ألَّا ينساهم في عرصات القيامة، فقال لهم: إن كان ثَمَّ جاهٌ.. والله لا دخلتُ الجنة

وواحد ممن أعرفه ورائي، ولا أدخلها إلا بعدهم، فرحمه الله، ورضي عنه، لقد جمعتْ هذه الحكاية من الأدب مع الله عز وجل، ومن الكرم ما لا يخفى على متأمل فطن).

رثاؤه

قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: (وقد رثاه غير واحد، يبلغون عشرين نفسًا بأكثر من ست مئة بيت، منهم: مجد الدين ابن الظهير، وقاضي القضاة نجم الدين ابن صَصْرى، ومجد الدين ابن المهتار، وعلاء الدين الكندي الكاتب، والعفيف التلمساني الصوفي الشاعر) 1. وقد أورد العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى بعضًا من مراثيه، نذكر منها طرفًا، فمن ذلك: مرثيَّة أبي الفضل يوسف بن محمد بن عبد الله الكاتب قارئ دار الحديث، الذي قال 2. (من الكامل) تبكيهِ دارٌ للحديثِ وأهلُها... لخلوِّها منْ فضلهِ المعتادِ لمْ يبقَ بعدَكَ للصحيحِ معرِّفٌ... قدْ كنتَ فيهِ جهبذَ النقَّادِ ونصرتَ دينَ اللهِ وحدَكَ جاهدًا... ودفعتَ عنهُ شبهةَ المرَّادِ وكذلك: رثاء شيخ الأدب محمد بن أحمد بن شاكر الإربلي رحمه الله تعالى الذي قال: (من البسيط) عزَّ العزاءُ وعمَّ الحادثُ الجللُ... وخابَ بالموتِ في تعميرِكَ الأملُ واستوحشَتْ بعدَما كنتَ الأنيسَ بها... وساءَها فقدُكَ الأسحارُ والأُصُلُ قدْ كنتَ للدينِ نورًا يُستضاءَ بهِ... مسدَّدٌ منكَ فيهِ القولُ والعملُ يا محيِيَ الدينِ كمْ غادرْتَ منْ كبدٍ... حرَّى عليكَ وعينٍ دمعُها هطلُ ومما رثاه به نجم الدين ابن صَصْرى رحمه الله تعالى: (من الطويل) أعينيَّ جودا بالدموعِ الهواملِ... وجودا بها كالساريات الهواطلِ

على الشيخِ محييِ الدينِ ذي الفضلِ والتقى... وربِّ الهدى والزهدِ حاوي الفضائلِ لقدْ كانَ بالمعروفِ للناسِ آمرًا... وناهيَهُمْ عنْ منكراتٍ وباطلِ وأخبرًا نقول: كان هذا قبسًا من نور شمس طلعت في فلك الإسلام، ثم أَفَلَتْ فغاب جِرمها، وبقي نورها ينير طريق طلبة العلم والمعرفة، ويهدي أهل الإسلام في حالك الظلام.
فرحم الله الإمام النووي، وقدس روحه، ونور ضريحه، وأدخلنا وإياه الجنة بغير حساب، فهو أكرم مسؤول، وأجل منعم.
والحمد لله الَّذي بنعمته تتمُّ الصَّالِحاتُ

جارٍ التحميل