في رجل صلَّى وعليه نجاسة، فقلنا: صلاته صحيحة، وقالوا: هي فاسدة، فالدليل لقولنا: قوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا قد فعل الصلاة، ونوى أن تكون له صلاة، فله ما نواه.
وأيضاً قوله عليه السلام: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وهذا قد
صلى وقرأ فيها بفاتحة الكتاب.
وأيضاً قول الله -تعالى -: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾، إلى آخر الآية، ولم يذكر غسل شيء سوى ما ذكر من الأعضاء، وهذا قد فعل ما أمره به.
وأيضاً قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لن تجزئ عبداً صلته حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ويديه»، وأعلمنا أن الصلاة تجزئ بهذا الفعل، ولا تجزئ بما دونه.
وكذلك قوله للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك ويديك»، ولم يذكر له شيئاً غير ما ذكره، وهو موضع تعليم، وبين له القدر الذي أمره الله به، فمن فعل ذلك فقد امتثل المأمور به، فلا يلزمه غيره إلا بدليل.
ولنا أن نفرض المسألة فيمن اخطأ أو نسي غسل النجاسة حتى صلى، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»، وهذا عام
في رفع الحكم والمأثم؛ لأنَّ المراد الحكم؛ لأن الفعل قد وقع فلا يمكن رفعه، بل ينبغي أن يحمل على رفع الحكم في الفساد والقضاء لا على رفع المأثم؛ لأن رفع المأثم معلوم من هذا الخبر، فلا يحمل كلامه إلا على ما يعلم من جهته بهذا الخبر حتى تكون فيه فائدة مستأنفة، وهو الحكم الشرعي.
وأيضاً قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المستحاضة: «تصلي وإن قطر الدم على الحصير»، فلو كانت إزالة النجاسة فرضاً لوجب منم هذا أحد أمور: إما أن لا تصلي أصلاً لهذه الضرورة، كما لا تصلي إذا كانت حائضاً، أو إن كان صلت قضت الصلاة حتى تتمكن من إزالتها، فلمَّا جوز لها الصلاة على حل النجاسة، وأجزأتها صلواتها، دل على أن إزالتها ليست بفرض.
وقد صلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجرحه يثعب دماً بحضرة الصحابة، وكانت حاله كحالة المستحاضة.
وأيضاً فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في الصلاة، فخلع نعله فخلع الناس نعالهم، فلمَّا فرغ من صلاته قلا: «ما لكم خلعتم نعالكم؟»، قالوا: رأيناك قد خلعت فخلعنا.
فقال: «إنه أتاني جبريل فأخبرني أن فيهما قذراً»، فقد علم عليه السلام في الصلاة بالقذر في نعله، وبنى على صلاته، فلو كان إزالة النجاسة فرضاً، لكان فرضه من أجل الصلاة، فلم يجز أن يبني عليها، بل كان الواجب أني قطع ويستأنفها، كما يجوز له أن يبتدئها بالنجاسة.
فإن قيل: فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد خلع النعلين، فلم تكن إزالة النجاسة فرضاً بها.
خلعهما: ليعلمنا الاستحباب، وبنى على صلاته ليعلمنا أن الإزالة ليست بفرض.
فإن قيل: فقول مالك أنه يجب أني قطع الصلاة إذا رأى في ثوبه نجاسة ويخرج فيغسلهما.
وأيضاً فقد قال مالك: إن من تعمد الصلاة بذلك أعاد في الوقت وغيره، وليس الفرض أكثر من هذا، وان الوعيد يلحقه، ولا يقدح في فرضه قوله: إذا صلَّى ناسياً لنجاسة أنه يعيد في الوقت؛ لأن عنده أن الموالاة واجبة في الوضوء والغسل، ويفرق فيما بين العمد والنسيان، ويكون هذا فرضاً بمنزلة من يصلي أن عليه فرضاً أن أل ي قوم إلا خامسة، فلو قام إليها ناسياً لم يفسد، وكنا يقول على التسمية على الذكاة، إنها واجبة يفرق بين عمدها ونسيانها.
قيل: أما ما كان مثل النعل يلقيها عنه، ومثل أن يرى في ثوبه نجساً، وعليه ما يستره غير ذلك الثوب فإنَّه يلقيه عنه ويمضي على صلاته، كما فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في النعل.
فأما إن كان النجس على بدنه أو في ثوب يستره فإننا نقول:
اقطع صلاتك حتى تأتي بالسنة المؤكدة في صلاتك ولا تعتمد تركها، وقد قال مالك - فيمن نسي الوتر حتى دخل في صلاة الصبح وذكر الوتر -: إنه يقطع الصبح -التي هي فرض - لأجل الوتر - الذي هو سنة - فيصلي الوتر، ثم يعود على صلاة الصبح إلا أن يحاف فواتها، فكذلك نقول له في الصلاة، إنه يقطعها إلا أن يخاف فواتها فيمضي ولا يقطع، كمن لم يجد إلا ثوباً نجساً يستره فإنَّه يصلي به.
وقوله: إن من تعمد الصلاة بالنجس فإنَّه يعيد الصلاة في الوقت وغيره؛ يريد من يتعمدها لغير عذر، فإن الإنسان لا يجوز له تعمد ترك سنن النبي عليه السلام لغير تأول أو عذر من نسيان وغيره، وول كانت إزالته فرضاً لم تتخلف لضرورة وغير ضرورة، فلما جاز للمستحاضة، ولمن جرحه يثعب دماً أن يصلي ولا يعيد، ثبت أن ذلك ليس بفرض.
وأما الموالاة في الوضوء فقد تقدم ثبوتها بظاهر الآية، ولم يتقدم ثبوت إزالة النجاسة في الوجوب، وقد يكون في السنن ما بعضه
آكد من بعض، فلما اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو واجب، وقال بعضهم: هو مسنون آكد مما اتفقوا فيه على أنه مسنون، فكل ما كان آكد فإن مالكاً يشدد فيه.
ولنا في المسألة أيضاً: ما روي أن النبي عليه السلام صلى صلاة الصبح، فلمَّا قضى صلاته واقبل على الناس بوجهه، نظر فإذا لمعه من دم الحيض، في ملحفة قد صلَّى فيها، فصرها في يد بعض أصحابه، ووجه بها عائشة -رضي الله عنها - لتغسلها، ولم يعد الصداة،
فلو كانت إزالة ذلك فرضاً لأعاد الصاة، وهذا لا يلزم أبا حنيفة، لأنَّه يجوز أني كون أقل من الدرهم، ولكنه يلزم أصحاب الشافعي؛ لأنهم يسوون بين قليله وكثيره.
ولنا أيضاً: القياس على المستحاضة إذا صلت، فإن صلاتها مجزئة، فكذلك إذا صلَّى من به نجاسة، والمعنى فيه: أنه مصل بجميع شرائط الصلاة، غير أن عليه نجاسة لم يتعمد تركها لغير تأويل.
فإن قيل: المستحاضة معذورة بها ضرورة، ولا يمكن زوالها حتى يزول الوقت.
قيل: هذا منتقض بمسألة فرع، وذلك أن رجلاً لو اقعد في ماء نجس إلى نصفه أو إلى حلقه، ومع أن يخرج منه أياماً، وأوقات الصلاة تحضر، وهو لا يقدر أن يتوضأ إلا بالماء النجس، وهو لا ينفك من النجاسة عليه، وهو مع هذا يخالف المستحاضة -عنكم -؛ لأنَّكم إما أن تقولوا يصلي ويعيد، أو لا يصلي في الحال ويصلي إذا تخلص، أو لا يصلي أصلاً، فأمتا أن يصلي ويجزئه كالمستحاضة فلا نظنه قولكم؛ لأنَّه كالمحبوس في الحش، وقولكم فيه معروف، وضرورة هذا أشد من ضرورة المستحاضة.
فإن قيل: فإن الدليل قد قام على وجوب إزالة الأنجاس، وهو قوله -تعالى - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، والثياب في الإطلاق وما جرى به العرف، والتطهير بما علمناه في الشرع من نجس.
قيل: الجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن الثياب وإن كانت من العرف على ما نعلمه من ثيابنا فإن هذه الآية قد وقع التنازع في المراد منها، فقال ابن عباس رضي الله عنه: إن الله -تعالى - أراد وقلبك فطهر، واستشهد على ذلك بقول امرئ القيس:
وإن تك قد ساءتك مني خليقة ... فسُلِّي ثيابي من ثيابِك تَنْسُلِ
فإذا كان الخلاف بيننا فيما أريد بالثياب في هذه الآية لم تكن لكم فيها حجة، لأننا لا نوجب شيئاً ونفرضه بأمر متنازع فيه.
وجواب آخر؛ وهو أن حقيقة قولنا: طهر ثوبك، إنما هو أمر لمن في ثوبه نجس، ولا يقول أحد: إنه كان في ثوب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نجس، فيحمل قوله -تعالى -: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، على معنى بعدها من النجس، وهكذا نقول: وهذا مثل قوله -تعالى - في عيسى عليه السلام: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي مبعدك منهم.
لا إن قيل: يحتمل أن يكون كان في ثيابه شيء من نجس.
قيل: ويحتمل ألا يكون، فلا نوجب شيئاً بمحتمل.
وجواب آخر: وهو أن التطهير اسم مشترك، فلا نجعل هذا لنجاسة إلا بدليل، وقد قيل: إنه لنا أمر بتطهير الثياب قبل اجتناب الرجز دل على أن المراد القلب، لأنه محال أن يؤمر بإزالة النجاسة عن ثوبه أو بدنه قبل اجتناب الرجز، وقبل أن تفرض عليه الصلاة التي لأجلها أمر بتطهير الثياب.
فإن قيل: فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بصبِّ الماء على بول الأعرابي، وأمره على الوجوب.
وكذلك في دم الحيض حيث قال لأسماء: «حتيه ثن اقرصيه ثم اغسليه بالماء»، وهذا كله على الوجوب.
قيل: هذا واجب كما ذكرتم وجوب سنة، وخلافنا في الفرض، والفرض كما يفرضه القرآن، أو يكون ذكره مجملاً في القرآن فيبينه عليه السلام فأما ما يبتدئ عليه السلام فيبينه فليس بفرض.
قوله: فليس بفرض من عندي، وقد فرق المسلمون بين الفرض والسنة، فالفرض ما كان بالقرآن، والسنة ما كان من النبي عليه السلام وهكذا قولنا، وهذه كان الشيخ أبو بكر -رَحمَه الله - يختارها.
وقد حُكي عن سعيد بن جبير لما قيل له: إن إزالة النجاسة
فرض أنه قال: اتل علي بها قرآناً، فرأى أن الفرض لا يكون إلا بقرآن.
وعلى أن هذا يجوز أن يصرف إلى السنة والندب بالدلالة، وقد ذكرنا في المسألة دلائل من الأخبار والقياس.
فإن قيل: فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما: فكان لا يستنزه»، وفي خبر: «لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة»، وهذا إخبار منه عليه السلام عن تعذيبه بسبب البول، وتوعد وتحذير لمن يسمع ذلك، فثبت بهذا أن الإزالة فرض.
قيل: هذا إخبار عن عين واحدة، واللفظ قد اختلف فيه، فقيل: «لا يستبرئ».
وقيل: «لا يستنزه»، فيحتمل أن يكون يدع البول يسيل عليه فيصلي بغير طهر؛ لأن الوضوء لاي صح مع وجوده.
ويجوز أن يكون أيضاً يفعل ذلك على عمد له لغير عذر، - وعندنا - أن من تعمد ترك سنن النبي عليه السلام لغير عذرٍ ولا تأويلٍ متوعد مأثوم، وكذلك من لا يستنزه ويتعمد استعمال النجس ولا يجتنبه، فأما إذا لم يتعمد ذلك أو ترك إزالته متأولاً أو لعذر فصلاته ماضية وقد
أساء، ألا ترى أننا قدذ كرنا حديث المستحاضة، وحديث عمر رضي الله عنه أنَّه صلَّى وجرحه يثعب دماً، وكذلك تأول أكثر أصحابنا في الناسي إذا صلَّى وفي ثوبه نجس أو في بدنه جَعْلَه معذوراً بالنسيان كالمستحاضة، وقالوا في العمد لغير عذر، لا تجوز الصلاة وتعاد في الوقت غيره، فإن كان هذا هكذا فالمعذور لا يلحقه الوعيد، وإنما يلحق القاصد لغير عذر.
لإإن قيل: فما الفرق بين الفرض والسنة إذا كنتم توجبون الإعادة في ترك الفرض في الوقت وغيره، وتوجبونها في السنة كذلك؟!
قيل: الفرق بينهما هو أنه قد صلَّى وترك فرضاً أعاد الصلاة، سواء تعمد ذلك أو نسي أو لعذر، وإذا صلَّى وترك السنة لضرورة أو نسيان لم يعد، فأما إذا تعمَّد لغير عذر أو تأويل أعاد أبداً.
كما لو ترك الفرض.
مثال هذا: لو فاتته صلاة العيد، ونام عن الوتر حتى طلعت الشمس لم يعد، ولو تعمد ترك ذلك أعاد الوتر، فأما العيد فسنتها الجماعة فإذا فاتت لم تجب إعادتها إذا تركها عمداً، كما لو تعمد ترك الجمعة لم يعدها جمعة.
فإن قيل: فقد بان بهذا أن الموالاة في الوضوء والغسل مسنون؛ لأنَّه يمضي مع النسيان، وإن كان يعيد مع العمد إذا صلَّى.
قيل: قد بينا أن في الفروض مثل ذلك، ألا ترى أن الإمساك عن الأكل والشرب قي رمضان فرض، ثم لو نسي فأكل لم يبطل صومه - عندكم -، ولو تعمد بطل.
وكذلك الإمساك عن القيام إلى خامسة في صلاة الفرض، ويفترق عمده ونسيانه.
فإن قيل: فقد استوت الفرائض والسنن في مواضع فبأي شيء يعلم الفرق بينهما في الابتداء؟
قيل: ما كان فرضاً فأصله في القرآن، إما مفسراً، أو مجملاً يبينه النبي عليه السلام، وما كان مسنوناً فهو ابتداء من النبي عليه السلام.
وقد دخل في الحِجَاجِ حجةُ مَنْ قال مِن أصحابنا: إن إزالتها فرض، وبيّنا حجةَ ظاهر قول مالك -رَحمَه الله - إن إزالتها سنة، فمن قال: إنها فرض، لزمه أن يكون الاستنجاء فرضاً، وعلى قول مالك يكون الاستنجاء مسنوناً، والله أعلم.
ب ل يكون الفرق بين الاستنجاء وبين سائر الأنجاس على قول من يقول: إن الإزالة فرض أو سنة من وجه، وهو: أنَّه خفف في الاستنجاء بالأحجار دون الماء؛ ليقلع العين دون الأثر، والموالاة داخلة في جملة الفرض، لأن ظاهر القرآن يدل عليها، ولي سفي إزالة النجس ظاهر القرآن، فهو في حيز المسنونات، والله أعلم.