عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصارفصل
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قد اختلفت الرواية عن مالك - رَحمَه الله - في قراءة الحائض القرآن.
فروى عنه أكثر أصحابه جواز قراءتها ما شاءت من القرآن.
وروي عنه منعها كالجنب، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي.
فوجه قوله أنها تقرأ: هو أنها غير ممنوعة قبل الحيض، أي ما تسهل، وهذه يسهل عليها الكثير من القرآن، فهو عموم في الحائض وغيرها حتى يقوم دليل.

وأيضاً قوله -تعالى -: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾، ولم يخص.
وأيضاً قوله -تعالى - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، والعبادة عامة، وأفضلها قراءة القرآن، والتلاوة أيضاً من فعل الخير فهو عموم في الحائض والطاهر إلا أن تقوم دلالة.
وأيضاً قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من قرأ قل هو الله أحد فكأنه قرأ ثلث القرآن»، وهذا حث على قراءتها، ولم يخص حائض، من غيرها؛ لأن مَنْ لمن يعقل.
وأيضاً فإنَّها تقرأ إذا كانت طاهرة، فكذلك وهي حائض؛ بعلة أنها مسلمة محدثة بغير الجنابة، أو نقول: هي مسلمة ممنوعة من الصلاة بغير الجنابة.
فإن استدلوا بما روي أنه قال عليه السلام: «لا يقرأ جنب ولا حائض شيئاً من القرآن»، وقيل: نخصه.

فنقول: لا تقرأ في مصحف تمسكه؛ بدليل ما روي عن عائشة -رضي الله عنها - أنها كان يُمسك لها المصحف وهي حائض فتقرأ القرآن، وتفتي النساء بذلك، ولا يعرف لها مخالف، والصحابي إذا أفتى وانتشر قوله بذلك، ولم يظهر له مخالف، جرى مجرى الإجماع، والظاهر أن عائشة -رضي الله عنها - مع اختصاصها بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبمعرفة الحيض وأحكامه، لم تفعل ذلك، وتفت به إلا وعندها فيه توقيف من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ويخص خبرهم أيضاً بالقياس الذي ذكرناه أو نحمله على الكراهية دون التحريم.
فإن قا سوها على الجنب بعلة أنه ممنوع من الكون في المسجد، وأداء الصلاة بسبب يوجب الطهارة الكبرى.
قيل: المعنى في الجنب أنه لا يطول أمره مع قدرته على رفع الجنابة بالاغتسال، والحائض لا تقدر على ذلك إلا بانقضاء حيضها.
وأيضاً فإن الحيض يطول أمره وقدره ومدته وهو طبع في النساء حتى ربما حاضت نصف دهرها كما قال عليه السلام: «إنَّها تصلي نصف دهرها»، فلو منعت من القراءة لأدَّى ذلك على أن تنسى ما تحفظه من القرآن، أو لا تتعلم القرآن أصلا.

وعلى إنَّ بإزاء قياسهم قياسنا عليها لو كانت طاهرة أو محدثة بغير جنابة، ويكون قياسنا أولى؛ لأن ردها إلى حالها فيما تعتاد من الغالب، وكونها محدثة وحائض أولى من ردها إلى الجنابة.
فإن قيل: فإن حدث الجنابة أخف من حدث الحيض، ألا ترى أن الجنابة لا تمنع من الجماع ولا من الصوم، والحيض يمنع من ذلك، فلنا منع اخف الحدثين من قراءة القرآن فلأن يمنعه الحيض أولى واحرى.
ولن كل معنى يمنع منه الجنابة يمنع منه الحيض كالصلاة.
قيل: الحيض الذي يأتي من قبل الله -تعالى - قد اثر في إسقاط الصلاة عنها، فخفف عنها بأن جُوِّز لها القراءة، ومع هذا فإنَّه ينافي الصوم، فلمَّا لم تقدر على رفعه إلا بانقضاء وقته، سُهل لها في القراءة، كما سهل لها في ترك قضاء الصلاة، وهذا تخفيف عنها لا محالة، ولما كان الجنب مطالباً بقضاء الصلاة، لأنه [لا] يقدر على الاغتسال وأداء الصلاة، غلظ عليه في الامتناع من القراءة حتى يبادر إلى الغسل.
وقولكم: إن كل معنى يمنع الجنابة يمنع من الحيض كالصلاة، فقد ذكرنا أن الحيض لما اسقط الصلاة وقضاءها؛ لأنَّه يأتيها من قبل الله -تعالى -، لا تقدر على دفعه خفف عنها، وسهل عليها في باب القراءة.
فإن قيل: قولكم: إنَّها تنسى القرآن ولا تتعلمه، فإننا نقول: أنَّ

تقرأ بقلبها، وان تنظر في المصحف من غير أن تتلفظ به، ويجوز أن يقرأ عليها.
قيل: هذا يشق من وجهين: أحدهما: أنه ربما تعذر عليها من تسمع منه، ولعلها أن تتكلف له مؤونة، وهي فلا تمسك المصحف، ويتعذر عليها تصفحه، وربما احتاجت أن تتعلم القرآن فلا ينفعها قراءة غيرها، وكذلك لا تحفظه بالتذكر بقلبها كما تحفظه بالتلاوة.
فإن قيل: قياسنا أولى؛ لأنَّه يستند إلى نص السنة والاحتياط وإعزاز القرآن.
قيل: قياسنا اولى؛ لأنَّه يزيد حكماً وهو جواز قراءتها، ونحمل السنة على الكراهية، وأما لاحتياط فإنَّه معنا؛ لأنَّه احتياط لحفظ القرآن؛ لئلا تنساه، ولتتعلمه أيضاً، وأما إعزازه فإنَّه في المحافظة حفظه وتعلمه، وقد كان ينبغي أن تمنعوا المحدث بغير الجنابة أن يقرأ، فإنَّه كان أعز للقرآن على حسابكم.
فإن قيل: لما كان موجب حدثهما متفقاً وجب أن يستويا في المنع من القراءة؛ يريدون الحائض والجنب.
قيل: هو متنقض بالمحدث بغير الجنابة والمحدث بالجنابة؛ لأنَّه قد يتفق تيممها وحدثهما مختلف، ومع هذا فالمحدث يقرأ القرآن، ولا يقرأ الجنب.

ثم أرادوا أن الموجب فيهما واحد، ويعنون الغسل فإننا نقول: إنهما وإن اتفقا في الغسل فقد اختلفنا في وقته ن فالجنب يقدر على الغسل عقيب الجنابة فيرفع حكمها، والحائض لا تقدر على ذلك فكان الغسل عقيب الجنابة فيرفع حكمها، والحائض لا تقدر على ذلك فكان لهذا الفرق بينهما تأثير.
ألا ترى أنَّه قد أثر في إسقاط قضاء الصلاة عنها، ولم تسقط عن الجنب، فكذلك خفف عنها، وجُوزت لها القراءة ولم تجز للجنب.
ووجه الرواية الأخرى ما ذكرته من الحجاج على الوجه الآخر، وبالله التوفيق.

[17]

مَسْأَلَة

اختلف الناس في الإنسان إذا قعد لحاجته من غائط أو بول في استقبال القبلة واستدبارها على ثلاثة مذاهب: فذهب النخعي، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، واحمد، وأبو ثور، إلى أنه لا يجوز أن يستقبل القبلة ولا يستدبرها في الصحاري والبنيان جميعاً، وروي هذا عن أبي أيوب الأنصاري.
وروي عن عروة، وربيعة،

وهو مذهب داود أنه يجوز الاستقبال والاستدبار جميعاً في الصحارى والبنيان جميعاً.
وذهب مالك، والشافعي إلى أنه يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان، ولا يجوز في الصحارى والفلوات.
وقد رُوي عن أبي حنيفة أنه يجوز الاستدبار وحده في الصحارى والبنيان، وإنَّمَا الذي لا يجوز عنده الاستقبال في الصحارى والبنيان.
واستدل أصحابه بأربعة أخبار: أحدها: ما روى الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي

أيوب الأنصاري أنه قال: أل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولكن ليشرق أو ليغرب»، قال أبو أيوب: فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض جعلت إلى القبلة، فكذا ننحرف عنها ونستغفر الله.
قالوا: موضع الدليل منه: أنَّه نهى عن استقبال القبلة واستدبارها، فهو عام في كل المواضع.
والثاني: أنه أمر بالتشريق والتغريب، وأمره على الوجوب.
والثالث: أنَّ أبا أيوب حيث قدم الشام ن وجدهم يستقبلون القبلة، فانحرف عن مجالسهم ن فدلّ على أنَّ النهي متوجه إلى البنيان.
والحديث الآخر: هو ما رواه أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم لغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لغائط أو بول، وليستنج بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث، والرِّمَّة، وأم يستنجي الرجل بيمينه»، فنهى عليه السلام عن الاستقبال والاستدبار، ولم يفرق بين الصحارى والبنيان.
وأيضاً ما روي عن سلمان أنه قال: نهانا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نستقبل القبلة لغائط أو بول.
وروى معقل بن أبي معقل الأسدي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن

استقبال القبلتين، هي الكعبة وبيت المقدس؛ لأنَّه إذا استقبل بيت المقدس بالمدينة استدبر الكعبة.
والدليل لقولنا: ما رواه خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكروا استقبال القبلة بالفروج.

فقال عكرمة: قالت عائشة -رضي الله عنها - ذكر عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ناساً يكرهون أن يستقبلوا القبلة وأن يستدبروها، فقال النبي عليه السلام: «أو فعلوا ذلك؟»، وأمر بان تستقبل بمقعدته القبلة، وهذا

نص في موقع الخلاف؛ لأنَّه في البنيان، وهذا أمر منه عليه السلام ظاهر منتشر.
فإن قيل: إن خالد بن أبي الصلت لا يعرف.
قيل: هو معروف؛ لأنَّ أحمد بن حنبل قال: خالد بن أبي الصلت حسن.

وروى سفيان الثوري، وخالد الحذاء عنه، فدل على معرفته.
وقد روى محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن عبد الله بن عمر أنه قال: ارتقيت ذات يوم على السطح، فرأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالساً على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته.
وروي عنه أنه قال: ارتقيت سطح حفصة -وهي أخته - إلى أن

قال: مستقبل القبلة، وكيف ما كان، فإن فعله عليه السلام ذلك يدل على الجواز؛ لأنَّه إن كان استقبل بيت المقدس فقد استدبر الكعبة؛ لأنَّ من يستقبل بيت المقدس بالمدينة فهو مستدبر الكعبة، ومن يستقبل الكعبة بها فهو مستدبر لبيت المقدس.
وروى مجاهد عن جابر قال: نهانا نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نستقبل القبلة للبول، ثم رايته أن يقبض بعام يستقبلها لبول، وقد اتفقنا أنه

لم يفعل في الصحارى، فدل على أنه فعل في البنيان.
فإن قيل: فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما قصد بما فعله من ذلك الاستخفاء والاستتار وإنَّما يؤخذ الشرع من أفعاله التي يظهرها ليس لنا، فأما ما يقصد كتمانه ولا يظهر، ولا ينتشر عنه فلا يكون شرعاً.
قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أالذي يستسر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكون شرعاً لنا كالذي يظهره؛ لأنَّه عليه السلام لا يفعل في نفسه ما لا يسوغ ولا هو من شريعته، فسواء فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على وجه الاستسرار به أو الإظهار فهو ضرع لنا إذا وقفنا عليه.
وةقد حكى الله -تعالى - عن شعيب عليه السلام أنه قال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾.
ويشهد لما قلناه: أنَّ الصحابة لما اختلف في وجوب الغسل من الإيلاج، قالوا: النساء أعرف بهذا.
فبعثوا إلى عائشة -رضي الله عنها - فقالت لهم: إذا التقى الختانان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا، وقد حصل العلم بأنه عليه السلام

فعل ذلك مع عائشة مستسراً.
والجواب الثاني: هو أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد فعل ذلك مستسراً به، وقد فعله ظاهراً منتشراً؛ وذلك أننا روينا أنه عليه السلام أمر بأن تستقبل بمقعدته القبلة.
فإن قيل: إن هذه أخبار وردت في النهي بينه ظاهرة منتشرة على رؤوس الملأ، فلو كان المراد بالنهي فيها خصوص الصحارى والفلوات دون البنيان لم يترك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البيان والتخصيص، ولكن يظهره على رؤوس الملأ كما اظهر النهي العام.
قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أنه يجوز أن يرد الخبر ظاهراً، ويقع التخصيص إلى ألخاص من الواحد والاثنين، ولا يقع ظاهراً للجماعة، كما يكون مخصوصاً بالقياس الذي ربما علمه بعضهم، ثم يقع لباقيهم.

والجواب الآخر: هو أن بيانه قد حكيناه بيننا ظاهراً من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «استقبلوا بمقعدتي القبلة».
فإن قيل: فيه جوابان: أحدهما: أنه يجوز أن تكون حانت منه التفاتة فرآه، ولم يكن قاصداً لذلك، فنقل ما رأى، ومثل هذا يجوز كما لا يتعمد الشهور والنظر إلى الزنا ثم قد يجوز أن تقع أبصارهم عليه، ويجوز أن يحملوا الشهادة بعد ذلك.
والجواب الآخر: هو أنَّه يجوز أن يكون ابن عر قصد ذلك، ولكنه رأى رأسه عليه السلام دون ما عداه من بدنه، ثم تأمل قعوده فعرف كيف هو جالس على اللبنتين؛ ليستفيد فعله عليه السلام، فنقل نا شاهد.
فإن قيل: يجوز أن يكون فعل ذلك لضرورة كانت به إلى ذلك.
قيل: هذا غلط؛ لأنَّه فعل ما كان نهى عنه، ونهيه إنَّمَا ينصرف إلى حال الاختيار دون الضرورة؛ إذ لا يجوز أن ينهى عما هو مضطر إليه؛ لأن التكليف لا يتعلق بالاضطرار، وقول الراوي: رأيته عليه السلام قبل موته بعام يستقبلها لبول، معناه أنه استقبلها وهو على الحالة التي وقع النهي عنها، وإنَّما أراد الراوي أن يفيدنا جوازه على هذه الصفة لغير ضرورة.
وأيضاً فإننا رأينا الصحارى والفلوات لا تخلو في الغالب من مصل فيها، فمنع من استقبال القبلة أو استدبارها للحاجة؛ لئلا يرى

المصلي عورته وفرجه ودبره من خلف، وذكره م قدام، وهذا المعنى معدوم في البنيان؛ لأن البناء يمنع م المشاهدة والنظر إلى العورة.
وقد روي عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: لا تستقبلوا القبلة في الصحارى؛ فإن الملائكة تشهد الصحارى وتصلي فيها، فيكون قد بدا عورته للملائكة، وهذا يشبه المعنى الذي ذكرناه.
وقد روي: «إن لله -تعالى - ملائكة سياحين يصلون، فيكره أن يروا فرج المستقبل أو دبره إن استدبره».

فأما الجواب عن الأخبار التي رووها فهو أن هذه الأخبار كلها واردة في الصحارى دون البنيان، ألا ترى لقوله عليه السلام: «إذا أتى أحدكم الغائط»، والغائط هو الفضاء المتسع بين ربوتين.
وروي أيضاً في خبر آخر: «إذا أراد ألحدكم البراز لغائط أو بول»، والبراز: هو الصحراء.
ولأن النبي عليه السلام إذا خاطب أهل المدينة، والنهي توجه إليهم، ولم تكن لهم أخلية ولا حشوش، وإنما كانوا يخرجون لحاجتهم إلى الصحراء؛ بدليل ما روي أن عمر رضي الله عنه رأى سودة خرجت إلى الصحراء، فقال لها: قد عرفتك، وإنما قال لها ذلك؛ لأنه غار عليها.

وجواب آخر: وهو أنه لو كان النهي مطلقاً، ولم يكن فيه ما يقتضي الصحارى لكان عاماً، وأخبارنا تخصه، لأنها في البنيان فهي أولى.
وأيضاً فالذي رويناه متأخراً والمتأخر ينسخ المتقدم، لما روي عن جابر أن نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان ينهانا عن استقبال القبلة لبول، ثم قال: رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها لبول.
فإن قيل: إن أبا أيوب هو الراوي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو الذي ذهب إلى أن النهي وارد في البنيان، ألا ترى أنه لما رأى مراحيض الشام إلى القبيلة تحرف عنها.
قيل: يجوز أن يكون أبو أيوب إنما ذهب إلى ذلك؛ لأنَّه لم يعرف أخبار الإباحة.
فإن قيل: فإنَّه مستقبل بفرجه الكعبة من غير ضرورة فوجب ألا يجوز، دليله الصحراء.
وأيضاً فإن ما تعلق بحرمة الكعبة لا يفترق الحكم فيه من البنيان والصحارى، كاستقبال القبلة للصلاة، فإنَّه يجب فيها جميعاً.
وأيَاً فإنَّه ليس في البنيان أكثر من حصول حائل بينه وبين الكعبة، وهو الحائط والسترة، وهذا لا يمنع من وجود المنع منه، والنهي عنه، بدليل أن الصحارى تحول فيما بينه وبين الكعبة جبال وأبنية وحيطان وأشجار وغير ذلك، ثم كان المنع من استقبالها

واستدبارها موجوداً ثابتاً.
قيل: أما قياسكم على الصحارى والفضاء، فإن المعنى فيهما أنَّها لا تخلو من مصل في الغالب: فلم يجز خيفة أن تظهر عورته للمصلي، وليس كذلك البناء؛ لأنَّه يمنع من النظر إليه فلهذا جاز.
وقولكم: إن ما تعلق بحرمة الكعبة يستوي فيه حكم الصحراء والبنيان كاستقبال القبلة للصلاة، فإننا نقول: هذا قياس بحكم مجهول لا يصح، لأنه لا يمكنهم إظهار حكمه؛ لأنَّكم إن قلتم: يستوي فيه البنيان والصحارى في الوجوب لم تجدوا ذلك في الفرع؛ لأنَّ من الفرع عندكم المنع والترك، وإذا قلتم بالمنع في الفرع لم تجدوه في الأصل، لأن حكمه على الوجوب.
وعلى أنه قياس فاسد في الموضوع، لأن الفرع إنما يرد إلى الأصل ليجعل حكم الفرع حكمه، وإن كان حكمه الوجوب جعل حكم الفرع الوجوب، وإن كان حكم الأصل السقوط كان حكم الفرع مثله، فأما أن يكون حكم الأصل بالضد م حكم الفرع فلا يكون قاسياً صحيحاً.
ثم إننا نفرق فيما يقع بحرمة الكعبة بين الصحارى والبنيان، ألا ترى أنه لا يجوز له في البنيان ترك القبلة في الصلاة أصلاً مع القدرة، وإذا كان مسافراً فبان من البيوت جاز له ترك القبلة في النوافل.
وقولكم: إن الحائل بينه وبين القبلة في الصحارى من الجبال

وغيرها لم يمنع من أن يكون ممنوعاً من الاستقبال والاستدبار، فكذلك الحائل في البنيان لا يمنع أن يكون ممنوعاً منه؛ إذ لو أباح له هذا لأباحه له في الصحارى.
فجوابه: أننا نحن لم نجوز له الاستقبال والاستدبار في البنيان لوجود الحائل بينه وبين القبلة، ولكن لوجود الحائل بينه وبين مصل يراه في الغالب، ويرى عورته، وهذا المعنى معدوم في الصحارى، فإن وجد هذا المعنى فيها جاز أن يبول مستقبلاً.
وجملة الأمر: هو أنه قد روي في هذا الباب أخبار تفيد الحظر على العموم، وأخبار تقتضي الإباحة.
فمن قال بالحظر في الصحراء والبنيان أسقط أخبار الإباحة، ومن قال بالإباحة في الموضعين جميعاً أسقط أخبار الحظرِ، ونحن نستعمل الجميع فنحمل عموم الحظر على الصحارى، وعموم الإباحة على البنيان، والاستعمال أولى.
وقد روي أن ابن عمر أناخ راحلته، وجلس يبول إلى القبلة، فقيل له: إن النبي عليه السلام نهى عن الاستقبال.
فقال: ذاك في الفضاء الذي ليس بينك وبينها حائل.
فأما إذا كان يسترك عن القبلة فلا بأس.

فإن قيل: فإنا نستعمل الأخبار كما استعلمتم، على الرواية التي رواها أبو يوسف عن أبي حنيفة، من جواز الاستدبار في الصحارى والبنيان، والمنع من الاستقبال في الصحارى والبنيان.
قيل: قد بينا الفرق بين الصحارى والبنيان؛ لأن الصحارى لا تخلو من مصل، فلا ينبغي أن يرى فرج الإنسان ولا دبره، والبنيان ليس كذلك، واستعمال الجميع من الاستقبال والاستدبار يجوز في البنيان لما ذكرناه، ويمتنع في الصحارى لما ذكرناه.
واستعمالنا أولى من وجه آخر؛ وهو أنه يضيق على الناس في الأبنية أن تكون مراحيضهم غير مستقبلة القبلة، ويشق عليهم في الغالب أن يتحرفوا فيها عن الاستقبال، وربما ضاقت عن ذلك، وليس في الصحارى أن يتحرفوا فيها عن الاستقبال، وربما ضاقت عن ذلك، وليس في الصحارى ما يمنعهم من الانحراف ن مع ما ذكرناه من أنها لا تخلو م مصل يرى فروجهم وأدبارهم.
ويجوز أن نقول: قد اتفقنا على جواز الاستدبار في البنيان، فكذلك الاستقبال، بعلة أنَّه مستقبل بأحد فرجيه القبلة من وراء حائل يخففه.

فإن قيل: قد اتفقنا على المنع من الاستقبال في الفضاء فكذلك في البنيان؛ بعلة أنه مستقبل بفرجه القبلة مع القدرة على الاستدبار.
قيل: قد ذكرنا الفرق بين الفضاء والبنيان، وأنه لم يمكنه في الغالب الانحراف حتى لا يرى فرجيه جميعاً مصل، وأنه في البنيان دونه حائل، ويضيق أيضاً عليهم بناء المراحيض غير مستقبلة القبلة، ويشق الانحراف في الغالب، وبالله التوفيق.
.

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل