عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار[69] مَسْأَلَة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

إذا كان في الخف خرق يسير مما دن الكعبين، يظهر من الرجل شيء يسير جاز المسح عليه، وإن تفاحش لم يجز المسح ووجب نزعه وغسل الرجلين.
وبه قال الشافعي في القديم.
وقال في الجديد: لا يجوز المسح سواء كان الخرق يسيرا أو كبيرا، وبه قال أحمد.
وقال الثوري، وأبو ثور، وإسحاق: إنه يجوز المسح عليه ما دام يمكنه المشي فيه.
وقال الأوزاعي: يجوز المسح، ويمسح على ما ظهر من الرجل وعلى باقي الخف.

وقال أبو حنيفة: إن كان الخرق مقدار ثلاث أصابع لم يجز المسح، وأن كان دونها جاز، وذهب إلى جواز التفليق إن كان في فرد خف، وإن كان في الخفين جميعا لم يلفق أحدهما إلى الآخر، فإذا كان في فرد خف خروق في مواضع منه متفرقة قال: إن بلغ كله إذا ... ضم بعضه إلى بعض ثلاث أصابع لم يجز المسح عليه، وإن كان أقل من ثلاث أصابع مسح عليه، وإن كان في خف واحد قدر أصبع مثلا، وفي الآخر قدر أصبعين لم يلفق، وجاز المسح على الخفين جميعا وإن بلغ الجميع ثلاث أصابع.
فحصل الخلاف في المسح بالخروق على خمسة مذاهب.
والدليل لقولنا في جواز المسح إذا كان الخرق يسيرا، ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن الصحابة رضي الله عنهم في المسح على الخفين، وفي جوازه قولا وفعلا، في السفر والحضر، ولم يفرقوا بين أن يكون الخف صحيحا أو فيه خرق يسيرا أو كثير؛ لأن اسم الخف لا يزول عنه مع كون الخرق فيه، فلو خلينا وهذا الظاهر من فعلهم وقولهم لجوزنا المسح على الخف بأي خرق كان، ولكن قامت دلالة منعت من المسح إذا تفاحش الخرق، ولم تقم دلالة في المنع من الخرق اليسير، فبقي على حكم الظاهر في جواز المسح؛ لأن اسم الخف موجود.
وأيضا فإن خفاف الناس تختلف على حسب أحوالهم وحاجاتهم، وفي الجدة والخلوة، فرخص له في المسح ترفيها لحاجتهم إلى

الخفاف، وأنهم يحتاجون إلى لبسها في أسفارهم ومواضع البرد والثلوج، والمشي في طول الطرق، وحيث لا يجدون من يخرزها لهم، فعفي لهم عن الخرق اليسير.
كما عفي عن العلم القليل في الصلاة؛ لأنه يشق التحرز منه، فكذلك يشق التحرز من الخرق اليسير في الخف في مثل ما ذكرنا، وليس كل أحوال الناس تتفق؛ لأن منهم من لا يستحسن لبس الخف المخرق، ومنهم من لا يمكنه غير ذلك، ويشق تتبع كل خرق يسير في خف، خاصة للماشة في طرقهم كلها، وقد عفي عن الدم اليسير الذي يشق التحفظ منه في الصلاة كدم البراغيث، وكذلك عفي عن الغرر اليسير في البياعات، وعن أشياء أخرجت عن أصولها؛ للرفق والحاجة إليها.
وأيضا فإن المعنى الذي لأجله جوز المسح على الخف الصحيح السليم هو أن الحاجة تدعو إلى لبسه، وتلحق المشقة في نفسه في نزعه، وهذا المعنى موجود لا محالة فيمن في خفه خرق يسير.
وأيضا فإن المسح على الخفين رخصة عامة لجميع من يحتاج إلى لبسه فلو قلنا: لا يمسح على خف مخرق صارت الرخصة خاصة لبعض أصحاب الخفاف دون بعض.
فإن قيل: قد روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ فغسل وجهه إلى أن غسل رجليه، ثم قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الطهارة إلا به»، فهو على عمومه إلا، يقوم دليل المسح.
وكذلك ظاهر القرآن يدل على غسل الرجلين لكل صلاة إلا أن يقوم دليل.
قيل: الآية والخبر وردا فيمن كانت رجلاه باديتين، فإما كانتا في الخف جاز المسح بما روي عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن الصحابة في المسح على الخفين لم يخصوا خفا فيه خرق من غيره.
فإن قيل: فإن ظهر من رجله ما يلزمه غسله عند ظهور جميعه، فوجب أن لا يجوز له المسح عليه، أصله إذا كان كبيرا.
قبل: ليس المعنى ما ذكرتم؛ إن الكبير يكون نادرا، وليس هو الغالب، ولأن أكثر القدم يظهر، ليس كذلك اليسير؛ لأن خفاف الناس في الغالب لا تخلو منه، مثل أن يظهر منه ظفر أو رأس أصبع، وقد عفت الشريعة في الرخص عن القليل، كما ذكرنا في العمل القليل في الصلاة، وكدم البراغيث.
فإن قيل: فإن الرجلين لو كانتا باديتين لكان الفرض فيهما الغسل، وإذا كانتا مستورتين جاز المسح، فإذا تخرق بعض الخف، وظهر بعض الرجل فلا بد من تغليب أحدهما على الآخر، فتغليب حكم الغسل أولى؛ لأنه أصل، والمسح بدل عنه.
قيل: إذا تفاحش ظهور الرجل فهو كما قلتم، يغلب حكم الغسل،

فأما إذا كان الخرق يسيرا غلب عليه حكم المسح، كما قلنا في الدم: الأصل كون الثوب طاهرا من الدم، فإن حصل فيه دم البراغيث غلب حكم العفو عنه، وإن كان على غير ذلك غلب حكم الإزالة، وكذلك حكم العمل القليل في الصلاة يخالف الكثير.
على أنه إنما يغلب حك الأصل وهو المبدل على البدل إذا جد جميع المبدل، وها هنا لم يجد حكم جميع المبدل من ظهور القدمين أو أكثرهما.
ألا ترى أن واجد الرقبة في الكفارة يمنع جواز البدل الذي هو الصم؛ لأن القبة - التي هي الأصل - موجودة فمنعت البدل، وليس كذلك إذا وجد بعض الرقبة، لم يقدر على باقيها، فإن الصوم - الذي هو البدل - جائز؛ لأن جميع الأصل معدوم، فكذلك ظهور القليل من القدم لا يمنع المسح الذي هو البدل، ويصير في حكم ما لم يظهر.
فإن فصلوا بين الموضعين بأن واجد بعض الرقبة لا يقدر على باقيها، والذي ظهر اليسير من رجله يقدر على الغسل، الذي هو الأصل.
قيل: هذا الفرق لا ينجي مما ذكرناه؛ لأننا قد رأينا الفصل بين ظهر المبدل مع البدل وبين عدمه، وهو موجود في الموضعين جميعا، وإنما كسرنا ما قلتم بما ذكرناه فلم.

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل