عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار[16] مَسْأَلَة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

والجنب ممنوع عند مالك -رَحمَه الله - من قراءة القرآن إلا الآية والآيتين.
وعند أبي حنيفة إلا من بعض آية.
وعند الشافعي من قليله وكثيره.
وقال داود: يجوز له أن يقرأ القرآن كله، وكيف شاء.
والدليل لقولنا: ما رواه ابن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «لا يقرأ الجنب شيئاً من القرآن»، وهذا نهي عام إلا فيما قامت دلالته.
وما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة،

وقد قال -تعالى -: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾.

وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، إنَّك تأكل، وتشرب وأنت جنب، فقال عليه السلام: «آكل وأشرب وأنا جنب، ولا اقرأ وأنا جنب، فأعلمنا الفرق بين الأكل والشرب، والقرآن».
وأيضاً ما روي أن عبد الله بن رواحة وطئ أمتهن فقالت له امرأته: إنك وطئت المملوكة.
فقال: ما وطئت.
فقالت له: إن كنت

صادقاً فاقرأ لي قرآناً.
فلبس عليها وقال: شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمين وتحمله ثمانية شداد ... ملائكة الإله مسومينا فقالت: صدق الله وكذب بصري، ثم مرَّ عبد الله بن رواحة، وذكر ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتبسم وقال: «امرأتك أفقه منك»،

ففي هذا الخبر دليل من ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه كان ظاهراً مكشوفاً عند الصحابة حتى عند النساء أن الجنب لا يقرأ القرآن.
والثاني: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل له: ما احتجت إلى هذه الحيلة، هلا قرأت القرآن فإنه مباح للجنب.
والثالث: قوله عليه السلام: «امرأتك أفقه منك»، حيث اعتمدت على أن طالبتك بالقرآن الذي لا يقرأه الجنب.
ومن القياس: أن القراءة ركن ثابت في الصلاة في كل ركعة فوجب أن لا يجوز للجنب الإتيان به ودليله الركوع والسجود.
وأيضاً فإن حرمة القرآن أعظم من حرمة المسجد، فلمَّا منع الجنب من اللبث في المسجد كان منعه من قراءة القرآن أولى.

فإن قيل: فقد قال -تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾، وهذا عام في الجنب وغيره.
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من قرأ: قل هو الله أحد فكأنه قرأ ثلث القرآن»، وهذا عام لم يخص به جنباً من غيره.
قيل: الجواب عن الاستدلال بقوله -تعالى -: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾، من وجهين: أحدهما: أنه أراد فصلوا ما تيسر، فعبر عن الصلاة ببعض أركانها؛ بدليل أنه قال: ﴿اأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ.
. .﴾، الآية على قوله: ﴿آخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾؛ أي الذي أوجبت عليكم من قيام الليل قد خففت عنكم منه؛ لأن فيكم المريض والمسافر والمقاتل.

وجواب آخر: وهو أن لفظ -اقرؤوا - لفظ أمر، يقتضي قراءة مرة واحدة، وهذا قرأ قبل هذا، فلا يتكرر عليه إلا بدليل، ثم لو ثبت التكرار لكان لفظ الآية يدل على اليسير الخفيف، وكذلك نقول: ألا ترى أن القائل يقول: اعطني ما تيسر عليك، يريد به السهل اليسير.
وجواب آخر: وهو انَّه لو ثبت العموم فيه لكان خبراً أخص منه؛ لأنه في ذكر الجنب.
إن قيل: الخاص والعام -عندنا - سواء.
قيل: هذا في الخبرين إذا تقابلا أحدهما خاص والآخر عام، فإن مذهب داود فيهما كما تقولون، وعنه في الآيتين روايتان، فأما الآية والسنة فلا خلاف بين أصحاب داود أن الخاص مقدم على العام، وفي غير هذا يتعارضان ويسقطان.

فإن قيل: فقد قال عليه السلام: «من قرأ قل هو الله أحد فكأنه قرأ ثلث القرآن»، وهذا عام لم يخص جنباً من غيره.
وأيضاً فقد روي أنه عليه السلام قال: «لا حسد إلا في اثنتين، رجل أتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار»، وهذا عام في الجنب وغيره.
قيل: هو على أصلنا مخصوص بما ذكرناه م أالجنب لا يقرا: لأنه أخص منه.
فإن قيل: فقد قال -تعالى -: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، وهذا عام.
قيل: عنه جوابان: أن القراءة قول وليست فعلاً، فلم يدخل تحت الظاهر.
والجواب الآخر: هو أن قراءة الجنب ليست من فعل الخير، بل هي من فعل الشر، وإن كان القرآن في نفسه خيراً.
فإن قيل: فقد روت عائشة أن النبي عليه السلام كان لا يمتنع من ذكر الله على كل حال.

قيل: عنه جوابان: أحدهما: أننا نقول: إن الجنب غير ممنوع من ذكر الله -تعالى -، وليس كل الذكر القرآن.
والجواب الثاني: هو أنه لو كان في الخبر أنه ما كان يمتنع من قراءة القرآن على كل حال لكان خبرنا أخص منه.
فإن قيل: فإنه حدث يمتنع من الصلاة فوجب أن لا يمتنع من القراءة؛ كالطهارة الصغرى.
قيل: المعنى في المحدث أنه يجوز له دخول المسجد والجلوس فيه، وليس كذلك الجنب، وعلى هذا التعليل لا تقرا الحائض.
وإن شئنا قلنا: الغالب من أمر الناس الحدث فتلحقهم المشقة بالامتناع من القرآن خوف نسيانه.
على أنهم لا يقولون بالقياس فسقط، فإن نقلناه على أصولنا فنقول أيضاً: إن المحدث تحل له الصلاة بالطهارة الصغرى فجاز أن يقرأ.
ثم قياسنا أولى؛ لأن السنة تعضده، وفعل الصحابة يؤيده، والاحتياط يطابقه، وإعظام حرمة الدين وإعزاز القرآن يوافقه.

وأيضاً فإن اعتبار الأصول يشهد لما قلناه؛ وذلك أن للمصحف حرمتين: أعلى وأدنى، كما أن للصلاة حرمتين: أعلى وأدنى، فلمَّا منعت الجنابة حرمتي الصلاة، وهما دخول المسجد واللبث فيه وفعلها، وجب أن تمنع حرمتي المصحف، وهما حمله وقراءة ما فيه من القرآن، ولما كان الجنب ممنوعاً من اللبث في المسجد تعظيماً له، وهو مكان القراءة والصلاة كان بالمنع من نفس القرآن أولى.

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل