عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار[76] مَسْأَلَة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

غسل الجمعة سنة، وبه قال جميع الفقهاء إنه ليس بفرض.
إلا ما روي عن كعب الأحبار أنه قال: لو وجدت ماء بدينار لأشتريته وهذا يدل على أنه يذهب إلى وجوبه، به قال داود.
واحتج بما رواه ابن عمر أن النبي عليه السلام قال: «من أتى الجمعة فليغتسل»، وهذا يقتضي الوجوب.
وروي عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «غسل الجمعة واجب يوم الجمعة على كل محتلم»، وهذا أشد خبر يحتجون به.
وروت حفصة أنه عليه السلام قال: «على كل مسلم أن يروح إلى الجمعة، فمن راح إلى الجمعة فليغتسل».
والدليل لقولنا: ما رواه الثوري عن يزيد الرقاشي عن أنس بن

مالك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من توضأ فبها نعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل»، والدليل منه من وجهين:

أحدهما: أنه جوز الاقتصار على الوضوء بقوله: «فبها ونعمت»، فلعم به أن الغسل ليس بفرض.
والوجه الآخر: هو أنه أخرج الاغتسال مخرج الفضيلة.
وأيضا: ما رواه صفوان بن عسال المرادي قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمرنا إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا إلا من جنابة، لكن من غائط.

ونوم وبول فأمر عليه السلام باستدامة لبس الخف، ذكر نزعه عند الجنابة حسب، فمن زعم أن نزعه يجب لغسل الجمعة خالف ظاهر الخبر، وأوجب ما لم يذكر فيه.
ولنا أيضا ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما وعائشة - رحمة الله عليها - أن الناس كانا عمال أنفسهم، وكانوا يروحن إلى الجمعة - وعليهم الصوف والمسجد ضيق -، وروي: إن عليهم الجلود، فكانوا يعرقون، ويتأذى بعضهم بروائح بعض، فقال عليه السلام: «لو اغتسلتم»، أي اغتسلتم لتزول الرائح من العرق، فعلل علليه السلام الغسل وبين أنه للتنظيف.
وأيضا ففي المسألة إجماع الصحابة، وذلك ما رواه مالك عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر أن عثمان دخل في يوم الجمعة، وعمر رضي الله عنه يخطب، فقال لعثمان: أية ساعة هذه؟.
فقال: ما زدت على أن توضأت بعد أن انقلبت من السوق.
فقال له: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأمرنا بالغسل، فترك

عثمان الغسل، ولو كان واجبا ما تركه، ثم إن عمر أقره على ذلك بحضرة الصحابة لم ينكر أحد ذلك، فلو كان واجبا ما أقره على ذلك.
وقول عمر: والوضوء أيضا.
يعني أنك تأخرت إلى هذا الوقت ولم تغتسل.
وقوله: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأمرنا بالغسل.
إنما هو على طريق الاستحباب؛ بدليل ما قاله عليه السلام: «من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل»، وبهذا الإجماع.
ما روي أنه قال: «غسل الجمعة واجب»، محمول على وجوب سنة، بما ذكرناه من الدلائل.
ونقول أيضا: هو غسل لأمر مستقبل لم يتقدم سببه فوجب أن يكون غير واجب.
أصله الغسل للحج، لأن الغسل الواجب هو ما تقدم سببه.
ولنا أن نقول: إن هذا الغسل مأمور به لأجل الجمعة أو لصلاة جماعة لا لحدث، فأشبه الغسل لصلاة العيدين والاستسقاء وغير ذلك من الحج، فلما لم يكن الغسل لجميع ذلك فرض ... أو لما ذكرناه فكذلك للجمعة.

فإن قيل كفقد روي أنه عليه السلام قال: «غسل الجمعة»، وروي أنه قال: «غسل الجمعة واجب كغسل الجنابة» وهذا آكد ما يكون في كونه فرضا.
والأخبار التي رويتموها فهي عن أنس وسمرة.
وأما يزيد الرقاشي عن أنس فضعيف الحديث، وقد يرويه بعضهم عن الحسن عن سمرة، وليس بالوجه الواضح.
وما رويتموه عن عثمان مع عمر - رَحمَه الله عليهما، فإنه لم يأمره بالخروج والغسل؛ لأن الوقت كان قد ضاق فيما ذكرتموه.
قيل: أما الخبر الذي قال فيه: «غسل الجمعة فريضة» فالفرض: هو التقدير في الموضع، كقوله - تعالى -: ﴿سورة أنزلناها وفرضناها﴾، ومثله يقال: فرض القاضي النفقة، أي قدرها، ولم يرد الفرض الذي هو في الشريعة من تركه فقد عصى؛ بدليل ما روي

عنه أنه قال: «غسل الجمعة سنة»، وبدليل الأخبار التي ... ذكرناها.
وقولكم: إن يزيد الرقاشي ضعيف فليس كذلك؛ لأن الأعلام الثقات قد رووا عنه.
وأما حديث سمرة، أنه روى بعضهم عن السحن عن سمرة فلا يضر مثل هذا في الحديث إذا أرسل أو أسند.
وأما حديث عثمان مع عمر - رضي الله عنهما، فإن كان لم يأمره بالخروج والغسل لضيق في الوقت فذلك أقوى دليل على أنه ليس بفرض؛ إذ لو كان فرضا لكان أولى من استماع الخطبة، ولا يسقط فرض في الجمعة لضيق الوقت، ولم يكن دخل في الصلاة بعد فيقال: تفوته الصلاة.
مع أنه لو كان شرطا في صحة الجمعة لم يجز أن يدخل فيها بغير شرطها، والغسل كالخطبة التي يختص بأدائها الإمام وحده؛ لأن الغسل على ما يزعمون مفترض على كل إنسان في نفسه، فلما لم يخرج عثمان، وقد ترك الغسل عامدا، ولم يأمره عمر رضي الله عنه بالخروج والغسل، ولم ينكر أحد من الصحابة، دل ذلك على سقوط فرضه، وعلم أن نكير عمر على عثمان - رضي الله عنهما - بالخروج إنما هو لتركه سنة مؤكدة، ولكن السنن إذا ضاق الوقت وحصل استماع الخطبة الذي هو واجب.
خاصة مع استماع الحاضر خطبة الإمام صارت السنن ما قد فات وقتها، فيتشاغل عنها بالأهم.

وقوله عليه السلام: «غسل الجمعة واجب كغسل الجنابة»، فإنه عليه السلام أراد وجوب سنة، وهو في صفته كغسل الجنابة بالدلائل التي تقدمت، وبالله التوفيق.

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل