قد مضى [في] الكلام في الصلاة على الجنازة في الحضر بالتيمم إذا خاف فوات الكلام على أبي حنيفة، وفي آخر الكلام عن الشعبي الطبري لم أستقصه.
ورأيت أن أفرده ها هنا، وذلك أن الشعبي وابن جرير الطبري يقولان: صلاة الجنازة غر مفتقرة إلى الطهارة أصلا، لا بالماء ولا بالتيمم، وليست عندهما صلاة وإنما هي دعاء.
قالا: هي كالصلاة على الني عليه السلام.
ألا ترى إنها لا تفتقر إلى ركوع ولا سجود فلم تفتقر إلى الصلاة.
والوجه أن يدل على أنها تسمى صلاة، والدليل على ذلك: ما روي أن النبي عليه السلام صلى على النجاشة وكبدا أربعا، وما روي أنه عليه السلام صلى على مسكينة.
وروي أنه عليه السلام صلى على شهداء أحد، وروي عنه لم يصل.
وروي أنه صلى على حمزة، فإذا ثبت إنها تسمى صلاة، فقال الله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾، فأمر بغسل هذه الأربعة الأعضاء لمن قام إلى الصلاة، والألف واللام في الصلاة للجنس، فهو عموم في كل ما يسمى صلاة إلا أن تقوم دلالة.
وأيضا قول النبي عليه السلام: «لا صلاة إلا بطهور»، فهو عام في كل
صلاة ما لم يمنع منه دليل.
وقال: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء».
وأيضا فإن كل عبادة افتقر افتتاحها إلى التوجه إلى القبلة والتكبير فإنها مفتقرة إلى الطهارة، أصله سائر الصلوات.
وفإن صلاة الجنازة مفتقرة إلى التوجه، وستر العورة، وإزالة النجاسة، والتكبير، وقطع الكلام فيها، وكذلك هي في وجوب الطهارة مثل سائر الصلوات.
وأما قولهم: إنها لم تفتقر إلى ركوع وسجود ولم تفتقر إلى طهارة، فإننا نقول: الصلوات تختلف، فمنها أربع ركعات، ومنها ثلاث، ومنها ركعتان، ومنها ركعة - هي الوتر -، ومنها ما فيه ركوعان ومنها ما لا ركوع فيه ولا سجود كالطواف، وقال عليه السلام: «الطواف بالبيت صلاة»، فليس من أجل خلافها للصلوات ما يخرج عن جميع
أحكامها.
ألا ترى أنها شاركت الصلوات في التوجه والتكبير والسلام فهي مثلها في الطهارة.
فأما إلى الصلاة على النبي عليه السلام فإنها قول لا فعل.
ألا ترى أنها لا تفتقر إلى شيء مما في الصلوات من الأفعال فلم تفتقر إلى الطهارة، والله أعلم.
[64]
مَسْأَلَة
اختلف أصحاب مالك - رَحمَه الله وإياهم - في المهدوم عليه والمربوط على خشبة تحضرهم الصلاة.
فذكر ابن القاسم أن عليهم إعادة الصلاة.
وهذا يدل أنهم يصلون في الوقت بالإيماء، ويعيدون إذا قدروا؛ لأنه لم يقل يقضون، وإنما قال: يعيدون.
وأيضا يعيد من قد صلى، وظاهر قوله يعيدون واجبا.
وقال أشهب: لا إعادة عليهم:، وظاهر هذا يدل على أنهم يصلون في الوقت، فيحتمل أن يصلوا واجبا، ولا إعادة، ويحتمل أن يريد يصلون استحبابا ولا إعادة عليهم.
وعندي أنهم إن كانا على طهارة فغنهم يقدرون على الصلاة إيماء، فيجب عليهم أن يصلوا على حسب قدرتهم، كالمريض والمسايف، وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول ابن القاسم في الإعادة أنها مستحبة، وإن لم يقدروا على استعمال الماء ولا التيمم لم يصلوا ولا إعادة عليهم.
ويحمل قول أشهب على أنهم يصلون استحبابا ولا إعادة عليهم، ويحتمل أن يصلوا واجبا ولا إعادة عليهم.
وحكي عن أبي حنيفة أنهم لا يصلون ولا إعادة عليهم، وهذا الذي اختاره.
واختلف قول الشافعي في هل يصلون في الوقت على طريق الوجوب أو الاستحباب، ولم يختلف قوله في أن عليهم الإعادة.
وقال المزني: يصلون واجبا ولا إعادة عليهم.
وقد يحتمل قول أشهب مثل هذا.
ووجه القول أنه لا تجب عليهم الصلاة ولا القضاء: لقول النبي عليه السلام: «لا قبل الله صلاة بغير طهور»، وهذا دليل على سقوط حكمها إذا صلى بغير طهور، وإذا سقط عنه أن يصلي بغير طهور،
وعقله معه، وهو ذاكر غير ناس لم يجب القضاء، كالمراهق والحائض.
وكذلك قوله عليه السلام: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يضع الوضوء مواضعه» وهذا غير قادر على ذلك.
وقوله عليه السلام لعمار: «إنما كان يكفيه هكذا» في التيمم حين لم يقدر على استعمال الماء، فيدل أن غير ذلك لا يكفيه جملة، ولم يقل: إنما كان يكفيك أن تصلي إن لم تقدر على الماء والتيمم.
وأيضا فإنه ممن معه عقله، وقد عجز عن استعمال الماء والتيمم بأمر لا يمكنه دفعه، فأشبه الحائض.
فإن قيل: الحائض مع قدرتها على الماء لا تصلي، وليس كذلك هذا، فالحائض ليست عاجزة.
قيل: عجزها عن استعمال الماء بالشرع، وعجز ذلك بعدم القدرة، ولا يخرجهما أن يكونا عاجزين، وإن افترق وجه عجزهما.
ويجوز أن يستدل باستصحاب الحال، فإن ذمته بريئة من وجوب شيء حتى يقوم دليل.
وأيضا فلو وجب عليه ابتداء الدخول أن تسقط فرضه، فلما قالوا: لا تسقط فرضه لم يجب عليه كالنوافل.
وأيضا فلو وجب عليه أن يبتدئ الصلاة حتى يتمها ويقضي،
لأوجبنا عليه صلاتي فرض من جنس واحد، في يوم واحد، كظهرين وعصرين، وهذا لا يجوز، فكيف وقد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا ظهرين في يوم» يعني واجبتين.
ووجه قول المزني الذي يحتمله قول أشهب: هو أن كل من أدى الفرض على ما كلفه لم يلزمه قضاؤه، كالمستحاضة، ومن به سلس البول، والعاجز عن أركان الصلاة يصلي على حسب حاله، وكذلك المسايف والمسافر يحبس الماء خوفا على نفسه العطش يتيمم، كل هؤلاء إذا صلوا على حسب تمكنهم لم تجب عليهم الإعادة.
فإن قيل: الدليل على أنهم تلزمهم الصلاة في وقتها والقضاء إذا
قدروا: قوله - تعالى -: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل﴾، وهو عام في كل أحد، إلا أن الفرض لا يسقط؛ لقوله عليه السلام: «أو صلاة إلا بطهور».
قيل: هذا الخبر يقضي على الآية، فصار تقدير قوله - تعالى -: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ إذا كنت طاهرا، وقوله عليه السلام: «لا صلاة إلا بطهور»، أي لا يصلي بغير طهر، وإن أراد لا حكم لصلاة فلا حكم لها في أن تبتدأ ولا تجزئ.
فإن قيل: فإنه مكلف أدرك الوقت فوجب أن تلزمه إقامة فرض الوقت، كالمريض والمعذور ومن عجز عن القيام والقراءة وغيره لمرض
قيل: إن أردتم أنه مكلف لهذه الصلاة على هذا الوجه ففيه اختلفنا، وإن أردتم عن علقه معه، فقولكم: تلزمه إقامة فرض الوقت فإنه لا فرض عليه في هذا الوقت إلا أن يقدر على الضوء أو التيمم، وفي هذا أيضا اختلفنا.
فأما المريض العاجز عن القيام وغيرهم فإنما لزمهم أن يصلوا إن كانوا على طهارة، فأما لو لم يقدروا على الوضوء والتيمم فإن حكمهم حكم المربوط الذي تحت الهدم.
فإن قيل: إن المربوط قادر على الركوع والسجود وإنما الحائل منعه منه.
قيل: كلامنا فيه إذا لم يقدر على لطهارة أصلا، فإن كان المربوط والذي تحت الهدم على طهارة أو يمكنه الوضوء والتيمم فواجب عليهم أن يصلوا في الوقت ولا إعادة عليهم كالمسايف.
ووجه قول ابن القاسم على ما خرجناه من وجوب الإعادة: هو أن الله - تعالى - قد أوجب على العاقل البالغ من المسلمين الصلاة لوقتها فلا تسقط عنه إلا بدليل، وعجزه عن الطهارتين جميعا ومعه عقله، وليس ممن يحيض لا يسقط عنه حكم الصلاة؛ لأنه إذا عجز عن فرض الصلاة وعقله معه لم يسقط عنه حكمها، فعجزه عن شرط أخذ عليه الصلاة.
قيل: الدخول فيها أولى أن لا يسقط حكم الصلاة.
ألا ترى أن المريض إذا لم يقدر على القيام والمسايف وغيره ممن لا يقدر على الركوع والسجود لا يسقط عنهم أحكام الصلاة.
وأيضا فإن النائم قد غاب عقله حتى خرج وقت الصلاة لم يسقط عنه حكمها، فمن معه عقله وهو ممن يصح منه أداؤها في الحال لو كان على طهر أولى أن لا يسقط عنه حكم الصلاة، والله أعلم.
فإن قيل: على الوجه الأول إن قولكم: لو كان يلزمه الدخول فيها لوجب أن يسقط فرضه باطل بمن أدرك الإمام في السجود، وبمن أفسد حجه يلزمه المضي ولا يسقط فرضه.
قيل: هذا لا يدخل في على ما ذكرناه؛ لأنه لا يجب عليه أن يدخل مع الإمام في السجود، ولو دخل معه لم يكن هذا القدر مما يعتد به لو كان على طهارة؛ والصلاة كلها إذا دخل فيها يعتد بها لو كان طاهرا.
والذي أفسد حجه لو كان في الابتداء لم يدخل فيه، وهذا توجبون عليه أن يدخل في الصلاة مع إنها لا تجزئه فلم يشتبها.
فإن قيل: إن قولكم: هذا يؤدي إلى إيجاب ظهرين في يوم فإننا نقول: هذا غير ممتنع، كما إذا فاتته صلاة من خمس صلوات ونسيها فإنه يصلي خمس صلوات.
قيل: هذا يصلي خمس صلوات مختلفة حتى يصيب تلك الصلاة، وفي مسألتنا توجبون عيه أن يصلي الظهر على أنه يعيدها بعينها واجبا، وهذا إيجاب ظهرين في يوم واحد فلا يجب، والله الموفق.
[65]
مَسْأَلَة
من كتاب المسح على الخفين
اتفق العلماء - مالك منهم - على جاز المسح على الخفين.
ورويت عن مالك - رَحمَه الله - فيه روايات، والذي استقر عليه مذهبه ومذ ... هب أصحابه جوازه.
ومذهب الخوارج أنه لا يجوز أصلا؛ لأن القرآن لم يرد به.
وقالت الشيعة: لا يجوز؛ لأن عليا رضي الله عنه امتنع منه.
والدليل لقول الفقهاء: ما روي عنه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الطرق
التي اشتهرت وظهرت، وعن الصحابة الذين كانوا لا يفارقونه في الحضر والسفر.
فممن نقل ذلك عنه عليه السلام: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وخزيمة بن ثابت،
والمغيرة بن شعبة، وصفوان بن عسال، وأبو بكر ة،
وأبي بن عمارة - رضي الله عنهم - وقد صلى النبي عليه السلام في بيته
القبلتين، وبلال - خادم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جرير بن عبد الله، وأنس بن
مالك - وهو خادم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد كان صبيا، وغير هذه الطائفة ممن يكثر عددهم، حتى قال الحسن البصري: إنه روي المسح على الخفين عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبعون نفسا، فنقلوه فعلا منه عليه السلام، وقولا، وأمرا لغيره في الحضر والسفر، في أحوال مفترقة، وبألفاظ
مختلفة.
منها ما بدأ هو بفعله، ومنها أجوبة عن أسئلة سائلين، حتى جرى ذلك مجرى التواتر، وخرج عن طريق خبر الواحد.
ثم عملت الصحابة - رضي الله عنهم - بذلك في حياته وبعد وفاته، وهو قول أبي بكر، وعمر،
وعثمان، وعلي، وابن عباس،
وعائشة، وسعد، وزيد بن ثابت، والصحابة كلهم،
ولم يرد بعضهم على بعض ذلك، بل كان من لم يسافر معه عليه السلام يحيل على من سافر، كقول عائشة للسائل: ائت عليا فإنه كان يسافر مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيعلم كيف المسح.
ومنهم من كان يسافر معه عليه السلام، ثم يبعد عنه، فحيل على من قرب منه، مثل علي وبلال وأنس والمغيرة، فإن هؤلاء ممن كان يختصه لفطانته وخدمته، ولم ينقل عن أحد منهم إنكار ذلك.
فإن قيل: فقد قال الله - تعالى -: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾، فنصبها عطفا على غسل الوجه واليدين، فوجب أن يكون الفرض فيه الغسل.
وأيضا فإن المسح في ظاهر القرآن ورد في الرجلين حسب دون الخفين بقوله: ﴿وأرجلكم﴾، بالخفض عطفا على الرأس.
قيل: الجواب عن السؤال الأول في الآية من وجهين:
أحدهما: إنها قرئت بالنصب، وقرئت بالخفض، فيحمل النصب على غسل الرجلين، والخفض على المسح على الخفين؛ لأن الآية تقتضي المسح.
والجواب الثاني: أن قوله: ﴿وأرجلكم﴾ منصوب عام فيمن كان لابسا للخف ومن لا خف له، فنحمله على من ليس بلابس للخف.
وأما السؤال الثاني عن كان في الآية ذكر الرجلين إلا ذكر الخفين، فإنه لا يمتنع أن يرد القرآن ذكر شيء، ترد السنة بجواز الشيء آخر.
فيكون بيانا للمراد بظاهر الآية، فيصير تقدير القراءة بالخفض: وامسحوا برؤوسكم وخفافكم، ويجو أن يعبر عن الخف إذا كانت الرجل فيه بالرجل، كقوله - تعالى -: ﴿وقرآن الفجر﴾، أراد صلاة الفجر، فعبر عن الصلاة بالقرآن؛ لأنه يكون فيها.
ويجوز أن يكون تقدير الآية أيضا: وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إن اخترتم مباشرتها بالماء، وإن اخترتم فامسحوا على الفخين؛ بدليل مسح النبي عليه السلام على خفيه، وأمره بذلك.
ومن الدليل على صحة قولنا: ما رواه سفليان عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن همام عن جرير بن عبد الله البجلي أنه توضأ ومسح على الخفين.
فقيل له أو تفعل ل؟ فقال كيف قد رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل ذلك؟.
فقيل له: قبل المائدة أو بعدها؟.
فقال
سبحان الله، وهل أسلمت إلا بعد المائدة، هذا نص: لأن سائر أخبارنا يحملونها على أن مسحه كان قبل نزول المائدة، وأن الآية نسخت ذلك، هذا بعد المائدة.
وأيضا فإن حديث المغيرة بن شعبة الثابت الذي لا يتداخله شك أنه كان مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة غزاها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذهب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحاجته، فاتبعه المغيرة بماء، فسكب عليه فتوضأ ومسح على خفيه.
رواه الزهري عن عباد ابن زياد من ولد المغيرة عن المغيرة.
ورواه الزهري أيضا وغيره عن حمزة بن المغيرة عن المغيرة.
ورواه الشعبي عن عروة بن المغيرة عن المغيرة.
ورواه نافع بن جبير بن مطعم عن عروة بن المغيرة عن المغيرة.
ورواه الأشعث بن سليمان عن الأسود بن هلال عن المغيرة.
فتفقت الروايات وغيرها مما لم نذكره عن المغيرة عنه عليه السلام بالمسح على الخفين في غزوة تبوك، وهي آخر الغزوات، فيسقط بهذا قول من يقول: إن آية الوضوء مدنية، والمسح منسوخ بها؛ لأنه متقدم؛ لأن غزوة تبوك آخر غزاة كانت بالمدينة، والمائدة نزلت بالمدينة قبل هذه الغزاة.
فإن قيل: إن إجماع الصحابة معنا.
فروي عن علي أنه ابن القاسم: ما أبالي أمسح على الخفين أو على ظهر عير بالفلاة.
وروي عن أبي هريرة أنه كره ذلك.
وروي عن عائشة - رحمها الله - إنها قلت: لأن تقطع رجلاي
أحب إلي من المسح على الخفين.
وروي عن ابن عبسا أنه قال كسبق كتبا الله المسح على الخفين.
وروي أن أبا مسعود البدري: قال مسح رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على
الخفين.
فقال له علي عليه السلام: قبل المائدة أو بعدها؟ فسكت أبو مسعد، فدل علي أن الخبر منسوخ بقوله: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾؛ لأنه في المائدة، وبين علي أن المسح قبلها.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه لم ينقل عن أحد منهم نقلا صحيحا أنه قال: لا يجوز.
والجواب الآخر: أننا نسلم ما حكي عنهم، ولكنهم رجعوا عنه، لأننا قد روينا فعلهم وفعل الأئمة منهم عبد النبي عليه السلام، والمسح بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يكون، وكيف يمتنعون منه وقد روينا عنهم ذلك، ولكن المسح على الخفين كان بالمدينة قليلا؛ لقلة حاجتهم إليه؛ لأن أرض الحجاز يقل فيها الرد الذي يحتاج معه إلى لبس الخفاف، ولهذا قالت عائشة - رضي الله عنها - للسائل ائت عليا فإنه أن يسافر مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكان أكثر مسحه ومسحهم على الخفاف إنما هو
في الأسفار التي يحتاج فيها إلى لبس الخفاف، كما روي أن الطائفة التي اشتد عليهم البرد في سفرهم فأمرهم عليه السلام بالمسح على العصائب والتساخين.
والعصائب: العمائم، التساخين: الخفاف.
وكذلك أنكر ابن عمر على سعد بالكوفة، فلما عرف ذلك مسح بعد ذلك بالمدينة.
وأيضا فإن السائل لما قالت له عائشة: ائت عليا فاسأله، فقال علي للسائل: قال النبي عليه السلام: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة».
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لو كان الدين بالقياس لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه، ولكني رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح على ظاهر الخف.
وأما حديث أبي هريرة فقد روي عنه أنه قال: مسح النبي عليه السلام على الخفين.
وروي أنه هو مسح على الخفين.
ما ذكروه عن عائشة - رضي الله عنها - فعنه جوابان:
أحدهما: أنه قد روي عنها أنها قالت: مسح رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الخفين إلى أن مات.
وقالت لشريح بن هانئ:
سل عليا.
والجواب الثاني: فإنه يجوز أنها كانت تكره المسح على الخفين وتقول: غسل رجلي أسهل في نفسي، والإنسان قد يختار العزائم على الرخص؛ لقوته في الدين، ولم تقل: إنه لا جوز.
وأما حديث ابن عباس رضي الله عنه، فقد روي عن عطاء قال سألت ابن عباس عن المسح على الخفين فقال: مسح النبي عليه السلام على الخفين.
فقلت له: إن عكرمة روى عنك أنك تقول: سبق القرآن المسح على الخفين.
فقال: كذب عكرمة.
يعني غلط.
وأما قل علي رضي الله عنه لأبي مسعود، فإنما قال له ذلك؛ لأن أبا مسعود البدري كان قعد عن بيعة علي، فأراد أن يبين للناس ضعف
علمه وقلته، أنه لا يعلم الناسخ والمنسوخ، لم يقصد به أن الخبر منسوخ؛ بدليل ما رويناه عن علي رضي الله عنه في المسح.
فإن قيل: فإنها طهارة من حدث فلا يجوز فيها المسح على الخفين كالجنابة.
وأيضا فإنه حائل منفصل عن العضو فوجب أن لا يجوز المسح عليه لغير عذر كالعمامة، وقولهم: منفصل؛ احتراز من الشعر.
قيل: أما القياس على الجنابة فعنه جوابان:
أحداهما: أن القياس إذا أدى إلى إسقاط السنن سقط، وقد ذكرنا عن النبي عليه السلام جوز المسح.
والجواب الآخر: هو أن الجنابة أغلظ من الوضوء حتى إنه يسقط مسح الرأس بالماء ويصير غسلا، ويجب غسل جميع البدن الذي كان يسقط في الوضوء، فلم يجز المسح فيه على الخفين.
وكيف يجوز أن يغتسل ويغسل ساقيه إلى حد الكعبين وهو لابس للخف؟.
فبان بهذا مخالفة أمر الجنابة للوضوء المبني على التخفيف، وسقط فيه غسل أكثر البدن، وجوز فيه مسح الرأس دون غسله فلم يشتبها.
وأما القياس على محس العمامة فهو أيضا فاسد؛ لأن فيه إسقاط جواز المسح الثابت بالسنة.
على أننا نفرق بينهما فنقول: لما كانت الرجلان يقع السعي عليهما، وظهورهما أكثر من ظهور الرأس اليدين في غالب الحال، والوجه أكثر صبرا على البرد والحر منهما؛ لكثرة مباشرة ذلك بالوجه
وجرى العادة به فجازت الرخصة في الرجلين للمشقة التي تلحق في نزع الخفين عند كل طهارة، والحاجة إليه أكثر؛ لأن نزعه يؤدي إلى التخلف عن رفقته، والانقطاع عن العجلة في السفر، الذي قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه: «إنه قطعة من العذاب، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل الأوبة إلى أهله»، والعمامة لا تلحق المشقة في أن يدخل يده تحتها فيمسح رأسه، فكان الفرض فيه مسح الرأس دون العمامة.
فإن استدلوا بأصحاب الحال، وأن الصلاة في ذمته، فمن زعم أنها تسقط بطهارة فيها المسح على الخفين فعليه الدليل.
وبما روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ وغسل رجليه، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، فدليله إنها لا تقبل بالمسح على الخفين.
قيل: أما استصحاب الحال فلنا مثله؛ لأن أصل الذمة بريئة من وجوب الطهارة على الصفة التي تذكرونها دون جواز المسح على الخفين، ولا نسلم لكم أن الصلاة في ذمته إلا على جواز المسح على
الخفين في الطهارة.
ثم لو ثبت لكم ذلك لكان مسح النبي عليه السلام على الخفين، والصلاة بذلك تدل على سقوط الصلاة من ذمته.
وأما احتجاجكم بالخبر فإن الحديث الصحيح روي أنه توضأ مرة مرة وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، ومن مسح على خفيه فقد توضأ.
ثم لو ثبت الحديث على ما ذكرتم لم يتمنع أن يكون قوله عليه السلام متوجها إلى من أظهر رجليه ولم يلبس الخف، فإما من سترهما بالخف فإنه يجوز له المسح؛ بدليل الأخبار المروية في جواز المسح، حتى نستعمل سنته وأقواله كلها، ولا نسقط بعضها، وبالله التوفيق.
[66]
مَسْأَلَة
وليس للمسح على الخفين عند مالك - رَحمَه الله - حد محدود، لا للمقيم ولا لمسافر، يمسح ما بدا هل ما لم ينزعهما أو تصبه جنابة.
وبه قال الليث بن سعد، والأوزاعي، وهو قول الشافعي في القديم.
وعن مالك فيه روايات لا تصح، والصحيح ما حكيناه.
وقال أبو حنيفة والشافعي في قوله الجديد.
هو موقت محدود، فللمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وللمقيم يوم وليلة من وقت ما أحدثا، وبه قال الثوري،
وأحمد، وإسحاق.
والدليل لقولنا: ما رواه عمر وأنس أن النبي عليه السلام قال: «إذا أدخلت رجليك في خفيك وأنت طاهر فامسح عليهما وصل فيهما ما لم تنزعهما أو تصبك جنابة» فأباح المسح ما لم يحدث أحد هذين إما النزاع أو الجنابة، ولم يخص وقتا من وقت.
وأيضا ما روي عن عطاء بن يسار قال: سألت ميمونة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المسح على الخفين فقلت: أفي كل ساعة يمسح على الخفين؟.
فقالت: نعم، ولم تخص مؤقتا من وقت.
أيضا ما روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على خفيه غب روابة المغبرة.
وفي حديث حذيفة أتى سباطة قوم فبال قائما ثم توضأ فسمح على خفيه.
وأيضا قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا لبستهما على طهر فامسح عليهما»، فثبت عنه عليه السلام جواز المسح، ولم يثبت عنه فيه توقيت.
وأيضا ما روي عن خزيمة بن ثابت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة».
وروي فيه: والله لو استزدناده لزادنا.
وروي: لو استزاده السائل لزاده، والصحابي لا يجوز أن يقطع على علم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه يزيد السائل إذا استزاد حتى يحلف عليه، ويكون ذلك ظنا منه النبي عليه السلام ل إنما يكون ذلك إذا تحقق بعلم قد تقدم منه، علمه من النبي عليه السلام في جواز الزيادة على ذلك.
وأيضا ما روي عن أبي بن عمارة أنه قال: سألت رسول الله عن المسح فقلت: أمسح على الخفين؟ فقال: «امسح».
فقلت: يوما؟.
فقال: «ويومين وثلاثة وما شئت».
ورواه سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا يحيى بن