فأما إذا أكل لحم الإبل فلا وضوء عليه، وكذلك عند أبي حنيفة والشافعي.
وقال أحمد: عليه الوضوء، نيا كان أو مطبوخا.
واستدل له بما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال
"توضؤوا منها" وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم، فقال: (لا تتوضؤوا منها) وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: (لا تصولا فيها؛ فإن فيها شياطين) وسئل عن الصلاة في مبارك الغنم فقال: (صلوا فيها؛ فإن فيها بركة)، فأمر بالوضوء من لحم الجزور أمرا ظاهره الوجوب، وأسقط ذلك عن أكل لحوم الغنم.
والدليل لقولنا: الظواهر التي ذكرناها قبل هذا الفصل.
وأيضا فإن الذي ينقض الوضوء هو ما خرج من الجوف على صفة، فأما ما يصل إلى الجوف فلا ينقص؛ لأنه لو حقن ووصلت
الحقنة إلى جوفه لم ينتقض الوضوء، ولو خرج مثلها من جوفه لا ينتقض الوضوء.
فأما خبرهم فيحمل على الاستحباب، أو على غسل اليد إنما فرق عليه السلام بين لحم الإبل والغنم؛ لأن لحم الإبل له سهوكة ليست للحم الغنم، فاستحب ذلك في لحوم الإبل لقطع السهوكة.
أو نقول أيضا: هو مأكول فلا يؤثر أكله في نقض الطهارة ولا إيجابها، أصله سائر المأكولات.
وأيضا فإن تناول الأشياء النجسة، مثل الخمر والميتة والدم لا يوجب الوضوء، فلأن لا توجبه الأشياء الطاهرة أولى.
وأيضا فإنه لا يخلو أن يحكم لذلك، ولما مسته النار بحكم الأشياء الطاهرة فقياس على نظائرها، أو بحكم الأشياء النجسة فقياس على ما هو من جنسها، والجميع مما لا يوجب الوضوء، وبالله التوفيق.
[28)
مَسْأَلَة
من يتقين الطهارة وشك في الحدث بعد ذلك فعليه الوضوء، هذا ظاهر قول مالك - رَحمَه الله -.
وروى عنه ابن وهب أنه قال: أحب إلي أن يتوضأ.
واختلف أصحابه، فقال بعضهم: هو مستحب.
قال بعضهم: هو واجب.
وإلى هذا كان شيخنا أبو بكر - رَحمَه الله - يذهب.
وأنا أختاره.
وقال الحسن: إن شك في الحدث وهو في الصلاة بنى على يقينه ولم يقطع الصلاة، وإن كان في غير الصلاة أخذ بالشك.
وقد روي هذا عن مالك.
وروي أيضا أنه قطع الصلاة أيضا ويتوضأ.
وقال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما: يبني على يقينه، وهو على وضوئه بيقين.
والدليل لقولنا: هو أن الطهارة لا تراد لنفسها وإنما تراد الصلاة، والصلاة عليه بيقين فلا تسقط إلا بيقين.
وأيضا فإنه أخذ عليه أن يدخل في الصلاة بيقين طهارة، وقد قدح الشك في يقين طهارته لا محالة، فصار بمنزلة من تيقنالحدث وشك هل تطهر أو لا؟.
فإنه يجدب عليه أن يتطهر حتى يدخل في الصلاة بيين طهارة.
فإن قيل: هذا دليل، لأنه إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة رجع إلى يقينه في الحدث فيجب أن يتطهر، فكذلك إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث ينبغي أن يرجع إلى يقينه في الطهارة فلا يزيلها الشك.
قيل: إننا لم نأمره بالطهارة إذا شك فيها وقد تيقن الحدث من أجل تيقن الحد، وإنما أوجبنا عليه الطهارة حتى يدخل في الصلاة بيقين طهارة، فكذلك إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث نوجب عليه الطهارة حتى يدخل في الصلاة بيقين طهارة؛ إذ الطهارة لا تراد لنفسها، وإما تراد للصلاة.
وأيضا فإن الطهارة قد تتقدم، ثم تطرأ عليها الشك فيبطلها، مثل المتطهر إذا نام مضطجعا، فإن الطهارة عليه واجبة، وليس النوم في نفسه حدثا وإنما هو من أسباب الحدث، الذي ربما كان وربما لم يكن.
فإن قيل: إن النبي عليه السلام شبه النائم بالزق المشدود، إذا حل وكاؤه خرج ما فيه، ولا يجوز أن يقع الخبر بخلاف مخبره.
قيل: استطلاق الوكاء صحيح، ولم يقل عليه السلام: إنه إذا استطلق الوكاء يخرج ما في الزق لا محالة، وقد يخرج بالاستطلاق وقد لا يخرج؛ لأنه قد يكون في الزق شيء جامد فلا يخرج حين الاستطلاق، ولعله أن يخرج بعد وقت.
وعل كل حال ليس نفس الإطلاق هو الحدث، وإنما الحدث ما يخرج منه، وما في جوف ابن آدم قد يخرج عند الاستطلاق وقد لا يخرد؛ لأننا نجد خلقا لعلهم في بعض الأوقات يجتهدون أن يخرج منهم ريح أو غيرها، وهم يقدون ذلك ويتعمدونه مع الاستطلاق فلا
يكون منهم شيء من ذلك، وإنما أراد النبي عليه السلام أن الأغلب أن يكون ذلك من النائم، وهذا كله شك لا محالة، وقد وجبت الطهارة حتى يدخل في الصلاة بيقين طهارة، وقد يخرج أيضا من المستيقظ الريح فينسى ذلك وإن كان يتقين قبله طهارة.
ومما يدل على أن نفس استطلاق الوكاء ليس بحدث، وقد يجوز أن يخرج الريح معه ويجوز أن لا يخرج: قول النبي عليه السلام لما نام ونفخ (إنه تنام عيني، ولا ينام قلبي) فيعلم ما يخرج منه.
ولنا من الظواهر قول الله - تعالى - ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ فالظاهر منه أمر لكل قائم إلى كل صلاة على أي وجه قام إلا أن يقوم دليل.
وأيضا قول النبي عليه السلام: (لا صلاة إلا بطهور)، ولا نسلم أن هذا متطهر في حال دخوله وكونه في الصلاة.
وأيضا فإن إطلاق طهور يفيد طهورا بلا شك، ولم يقل: إلا بطهور مشكوك فيه.
فإن قيل: فقد روي عن عبد الله بن زيد الأنصاري قال: شكي
إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرجل يخيل إليه الشيء وهو في الصلاة.
فقال: (لا ينفتل من صلاته حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا).
وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد ريحا بين أليتيه فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا).
وروي أن النبي عليه السلام قال: (إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في الصلاة فينفخ بين أليتيه فيقول: أحدثت أحدثت، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا).
قيل: على هذه الأحاديث جوابان:
أحدهما: أنها وردت فيمن هو في الصلاة، فنحن نقول بموجبها على أظهر الروايتين عن مالك؛ لأن الصلاة تراد لنفسها، والوضوء لها يراد، فإذا دخل في الصلاة بيقين طهارة فقد حصل المقصود الذي أريدت له الطهارة، وتناهي دخوله فيها فلم يبطل ما دخل فيه، ولو أبطلنا الصلاة أبطلنا بالشك عملين، أحدهما: الصلاة، والآخر: الطهارة التي أريدت للصلاة وقد دخل بها فيها، وإذا كان قبل الصلاة فإنا يبطل عمل واحد وهو الطهارة التي تراد للصلاة لا لنفسها.
الجواب الآخر: على الوجه الذي يبطل الوضوء في الصلاة وقبلها فإننا نقول: نفخ الشيطان بين أليتيه، وما يخيله إليه يشككه هل هذا حدث ينقض الطهارة أو لا؟، ومسألتنا فيه إذا شك هل أحدث الذي يتيقنه عند خروجه ولا يشك فيه أنه حدث؟ مثل الصوت والريح، وهل خرج منه ذلك حتى سمعه أو شمه ثم نسيه أو لا؟.
على أن هذا يجوز أن يخص فيكون تقديره: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا إلا أن تقوم دلالة على شيء آخر، كما لو بال
فلم يسمع صوتا ولا وجد ريحا أو أمذى، وقد ذكرنا أدلة تخص هذا الظاهر.
ولنا أن نقيسه عليه إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة؛ بعلة أنه لا يمكنه أن يدخل في اصلاة بيقين طهارة في الحال.
فإن قيل: فإنه شك طرأ على يقين فوجب أن لا يزال ذلك اليقين به.
وأصله إذا كان محدثا فشك هل تطهر أو لا؟ فيصير الأصل الذي قستم عليه أصلا لنا.
قيل: هذا فاسد بأشياء على مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
فأحدهما: إذا كان له عبد فهرب منه وفقد خبره، ولا يعلم موضعه فأعتقه عن كفارة ظهاره لم يجزئه، والأصل يقين حياته، ولم تسقط الكفارة عن ذمته، فقد دفعتم يقين حياته بالشك في وفاته، لأن سبيل الكفارة أن تسقط عن ذمته بيين العتق.
فهذا نقض وهو شاهد لنا؛ لأن الصلاة في ذمته بيقين فلا تسقط بيقين طهارة قد عارضها شك.
فإن قيل: على هذا أنه قد تقابل في الكفارة يقينان: بقاء حياة العبد، وبقاء فرض الكفارة في ذمته، والظاهر يشهد لبقاء الفرض في ذمته، وهو فقد خبر العبد، وعدم العلم بموضعه، وليس كذلك في هذه المسألة.
قيل: الأمران سواء لا فرق بينهما، وذلك أنه قد تقابل في مسألتنا يقينان: أحدهما: يقين الطهارة، والآخر: يقين الصلاة في ذمته،
والظاهر فقد يقين الطهارة بالشك فيها؛ لأن الحدث ينافيها، ولا يتحقق دخوله في الصلاة بها، ولا يتقين سقوط الصلاة عن ذمته.
والوجه الثاني: الذي يفسد ما ذكروه: هو أن المقيم - عندهم - يمسح على خفه يوما وليله، ثم لو شك هل مسح يوما وليله أو دون اليوم والليلة لم يجز له أن يمسح، وعليه أن يجدد الوضوء.
والأصل بقاء وقت المسح، وأن اليوم والليلة لم يمضيا فأزالوا اليقين بالشك.
والوجه الآخر: قالوا: إذا بالت الظبية في ماء هو أكثر من قلتين ووجد الماء متغيرا لم يجز له الوضوء منه.
ويجوز أن يكون هذا التغير حصل من بول الظبي فيمنع من الوضوء به، ويجوز أن يكون التغير حصل بنفسه من غير البول فلا يمنع من الوضوء به.
فأزالوا طهارة الماء الكثير بالشك.
فإن قيل: لم نزل اليقين ههنا بالشك، وإنا رفعنا اليقين بيقين يشهد له ظاهر؛ وذلك أن طهارة الماء يقين وحصول النجاسة فيه يقين والتغير مشكوك فيه هل حصل من النجاسة أم لا؟، والظاهر أن التغير حصل من النجاسة فرجحنا به يقين النجاسة ورفعنا به طهارة الماء.
وفي مسألتنا بخلاف هذا؛ لأنه لا ظاهر يشهد ويرجح به بقاء فرض الصلاة في ذمته فاستصحبنا يقين طهارته.
قيل: الشك في الموضعين حصل لا محالة.
شك في نجيس الماء وشك في الحدث، وغن افترق وجها الشك فيهما، فإذا رفع يقين الماء بالشك رفع يقين الطهارة بالشك؛ حتى يسقط فرض الصلاة عن ذمته.
بيقين.
على أن ظاهر وجود القلتين وأكثر أقوى من ظاهر وزن درهمين من بول غزال فيهما، فإذا تغير الماء فالظاهر أنه لم يتغير من ذلك، فينبغي ألا يرفع حكم طهارته بهذا الشك.
وعلى أننا قد ذكرنا القياس عليه إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة، وقياسنا أولى؛ لأنه يؤدي إلى الاحتياط لصلاة فيسقطها بيقين، وهو ناقل عن براءة الذمة، وعن الحال المتقدمة، وموجب.
فإن قيل: فإن الأصول مبنية على اليقين.
فمن ذلك ما روي أن النبي عليه السلام قال: (إذا شك احكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثا أو أربعا فليبين على يقينه) وكذلك لو شك هل طلق أولا؟ لم يلزمه الطلاق؛ لأنه على يقين نكاحه، وهذا لو شك هل أصاب بدنه أو ثوبه نجس أو لا؟ فإنه يبني على يقين طهارته.
قيل: عن هذا واجبان:
أحدهما: أننا قد أريناكم في الأصول العمل على الشك، مثل عتق العبد الآبق في الكفارة وغير ذلك.
والجواب الآخر: هو أن الذي ذكرتموه في الصلاة عروضه أن يشك في الطهارة هل غسل الأربعة الأعضاء أو الثلاثة منها؟.
فإنه يبني على اليقين، وهذا حجة لنا؛ لأنه يرجه فيغسل عضوا لعله قد غسله، ويصلي ركعة لعله قد صلاها؛ احتياطا للصلاة حتى تسقط بيقين، فلا ننكر أن يعيد طهارة قد تطهرها؛ احتياطا للصلاة حتى تسقط عنه بيقين.
وأما من شك هل طلق أو لا؟ فقد روي عن مالك أنها تطلق.
ولكن الأظهر أنها لا تطلق، بل يستجب له أن يطلق.
والفرق بين الموضعين هو: أن المقصود في النكاح الاستمتاع والوطء نفسه.
فلم يعمل الشك في يقينه.
وأيضا فلو أعملنا الشك في يقينه للحقت فيه المشقة العظمى: لأن الشكوك تكثر من الناس، وليس في إعادة الطهارة من المشقة ما في ابتداء التزويج.
وقد فرقت الأصول بين ما تكثر فيه المشقة وما تقل فيه.
فمن ذلك: الحائض لم تكلف قضاء الصلاة؛ لتكررها في كل يوم خمس مرات، وكلفت قضاء الصيام؛ لأنه في السنة مرة واحدة.
وأما إذا شك هل في ثوبه نجس أو لا؟.
كان على ما هو عليه، لو صلى به ناسيا لم تبطل صلاته؛ لأن إزالة الأنجاس - عندنا - ليس بفرض، وليس كذلك الوضوء؛ لأنه فرض لأجل الصلاة.
وأيضا فإن مضيه على صلاته مع شكه في طهارته يوجب إسقاط الفرض عن ذمته بالشك.
فإن قيل: هذا يلزم فيه إذا شك في طهارته وهو في صلاته.
قيل: هو كذلك في القياس، وإليه أذهب وبالله التوفيق.
[29)
مَسْأَلَة
إذا جامع الرجل المرأة والتقى ختانهما فقد وجب عليهما الغسل وإن لم ينزلا، وهو مذهب جميع الفقهاء غير داود.
ووجوب الغسل مذهب أكثر الصحابة.
وقد ذهب بعضهم إلى أن الغسل لا يجب إلا بالإنزال، منهم أبي ابن كعب، وسعد بن أبي وقاص، وأبو سعيد الخدري وغيرهم.
والدليل لقولنا: قول الله - تعالى -: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾، وقوله: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، والمجانبة في اللغة هي المفارقة، وهي كناية عن الوطء، فهو إذا كان مجامعا ثم فارق فقد حصلت المفارقة، سواء أنزل أو لم ينزل، فهو عام في كل مجامع فارق إلا أن يقوم دليل.
وهذا قول النبي عليه السلام: (الكذب مجانب الإيمان)، أي مفارقه.
فإن قيل: قوله - تعالى -: ﴿فاطهروا﴾ و ﴿حتى تغتسلوا﴾ يفيد طهارة ما، وغسلا ما، لا يدل على غسل جميع البدن، ونحن نوجب عليه غسلا ما وهو الوضوء.
قيل: هذا غلط؛ لأن الله - تعالى - فرق بين الوضوء وبين الغسل والتطهير، فقال في آية الوضوء: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾، حتى ذكر الأعضاء، ثم لما ذكر الجنابة غير اللفظ، فقال: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾، وقال: ﴿حتى تغتسلوا﴾، فعلمنا أن الثاني غير الأول.
ومن جهة اللغة أيضا لا يعقل من قول القائل: قد اغتسل، غسل بعضه، وإنما يعقل منه غسل جميع بدنه.
وكذلك حكت عائشة - رضي اله عنها - أن النبي عليه السلام كان إذا كان جنبا يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل أصول شعره بالماء، ثم يفيض على سائد جسده، فعبرت عن فعله بلفظ الجنابة التي هي المفارقة ثم وصفت فعله وأن فيه غسل جميع البدن.
ولنا أيضا: ما رواه سعيد بن المسيب أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه سأل عائشة - رضي الله عنها - عن التقاء الختانين، فقالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا التقى الختانين فقد وجب الغسل).
وأيضا: ما رواه الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا قعد أحدكم بين شعبها الأربع وألصق جناحيه بجناحيها فقد وجب الغسل، وأنزل أو لم ينزل)، وهذا نص قد ذكره أبو داود.
وقد روي مثل هذا عن عائشة أنها قالت: إذا قعد بين شعبها الأربع، ومس ختانه ختانها فقد وجب الغسل.
فإن قيل: فإنه لم يذكر في هذه الأخبار غسل جميع البدن، وإنا فيها ذكر الغسل، فإذا توضأ تناوله اسم الغسل.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن الألف واللام في الغسل للجنس.
فقوله (وجب الغسل) يوجب جميع الغسل، قليله وكثيره إلا أن يقوم دليل.
والجواب الآخر: هو أن إطلاق الغسل يقتضي غسل جميع البدن لا غسل أعضائه مخصوصة، وقد فرق بين اسم الوضوء واسم الغسل.
وأيضا ما روي عن عائشة قالت: قال النبي عليه السلام: (إذا التقى الختانان وجب الغسل)، ثم زادت بيانا فقالت: فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا.
وعائشة رائية ومباشرة بذلمك، فقد أخبرت بحقيقة الباطن فيه.
فإن قيل: إن هذا الحديث موقوف عليها.
وأيضا فإن إضافة الفعل إليها لا يلزم لو صح، فنحن نحمله على الوضوء أو على الاستحباب؛ بدليل ما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه سئل عن الذي يجامع أهله فلا ينزل، قال: ليس عليه إلا الوضوء، هكذا سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قيل: أما قولكم: إن الحديث موقوف على عائشة فقد أسندته، وأبو هريرة معها.
وأما إضافة الفعل إليها فإنه لم يتجرد حتى أضافته إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والصحابي إذا حكى أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل هذا ففعل من أجله كذا، فهو كأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: فعلت كذا ففعلت لأجله كذا، وهو مثل قول الراوي: سها النبي فسجد، وزنا ماعز فرجمه.
وأما حديث عثمان رضي الله عنه فيمن جامع، فلفظ المجامعة يفيد المباشرة، مأخوذ من الاجتماع، فهو اجتماع البشرة مع البشرة، وليس فيه ذكر الجنابة، ولا ذكر الإيلاج، ونحن نقول بموجبه، والحديث الذي فيه التقاء الختانين بين صريح في موضع الخلاف، فأحسن أحوال حديث عثمان أن يكون عموما في كل مجامع، وخبر الختان أخص من هـ فيقتضي عليه.
فإن قيل: فقد روي أبو سعيد الخدري أن انبي عليه السلام قال: الماء من الماء يعني الاغتسال من الإنزال، فجعل جنس الماء إنما هو من الإنزال، فصار كأنه قال: لا ماء إلا من الماء.
وروي أبي بن كعب أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا جامع أحدكم ولم يمن فلا غسل عليه)
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي عليه السلام قال: (إذا أكسل أحدكم ولم يقحط فلا غسل عليه) لا، فقوله: (أكسل) أي انقطع جماعه، وقوله: (ولم يقحط) أي لم ينزل.
قيل: أما الخبر الذي فيه: (الماء من الماء)، فقد روى أبو حازم عن سهل بن سعد الساعدي عن أبي بن كعب أنه قال: الماء من الماء رخصة رخصها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال.
وعلى أن دليل الخطاب من قوله (الماء من الماء) عموم تقديره: إن الماء لا يجب من غير الماء إلا أن يقوم دليل، وقد ذكرنا قوله: (إذا التقى الختانان وجب الغسل)، فصار تقديره: الماء من الماء ومن التقاء الختانين.
وقوله: (إذا جامع أحدكم ولم يمن فلا غسل عليه)، فقد ذكرنا أن ظاهره اجتماع البشرتين بغير إيلاج.
وعلى أن قولنا: إذا التقى الختانان أخص منه فيقضي عليه.
وأما الخبر الذي قيل فيه: (إذا أكسل أحدكم ولم يقحط فلا غسل عليه) فعنه أجوبة.
فأحدهما: أنه قد روى أبو الزبير عن جابر عن أم كلثوم عن عائشة - رضي الله عنها - أن رجلا سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الرجل يجامع
أهله ثم يكسل، هل عليه غسل؟.
فقال: (نعم، إني لأفعل ذلك فأغتسل)، وهذا ضد ذلك.
وجواب آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون جامع البشرة بالبشرة، ثم يكسل فتلحقه الفترة التي في اللذة فلا ينزل، ولم يكن قد أولج.
فأما الإكسال مع الإيلاج ففيه الغسل بخبر عائشة أن النبي عليه السلام قال: (إني لأفعل ذلك فأغتسل)
وجواب آخر: وهو أن أخبارهم تقتضي ألا غسل، وأخبارنا تقتضي الغسل، ففيها زيادة حكم فهي أولى.
ونجعل أخبارهم منسوخة أيضا؛ لأن أخبارهم متقدمة، وأخبارنا متأخرة.
والدليل على أن أخبارهم منسوخة متقدمة: ما رواه محمود بن لبيد قال: سألت زيد بن ثابت عمن أولج ولم ينزل.
فقال: يغتسل.
فقلت: إن أبيا كان يقول: لا يغتسل.
فقال: إن أبيا - رَحمَه الله - كان قد نزع عنه قبل أن مات.
أي رجع، فدل على أن ما ذكروه متقدم في أول الإسلام.
ولنا أيضا أن نقول: إن طريق الإجماع فيه وجهان:
أحدهما: أن الصحابة - رضي الله عنهم - لما اختلفت في هذه المسألة، فقال الأكثرون: فيه الغسل.
وقالت الأنصار: لا يجب، والماء من الماء، ثم أرسلوا إلى عائشة - رضي الله عنها - بأبي سعيد الخدري حتى سألها عن ذلك، فقالت: قال رسلول الله: (إذا التقى الختانان وجب الغسل).
فعلته أنا ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاغتسلنا.
فرجعوا إلى قولها، حتى قال عمر رضي الله عنه: لو خالف أحد بعد ها جعلته نكالا.
وقال لزيد ابن ثابت: إن أفتيت بعد هذا بخلافه وتوعده.
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: كيف توجبون فيه الحد، ولا توجبون فيه صاعا من ماء؟.
والوجه الثاني: هو أن المسألة متى كانت على وجهين بعد انقراض الصحابة ثم أجمع العصر الثاني من التابعين بعدهم على أحد القولين كان ذلك مسقطا للخلاف قبله، ويصير إجماعا، وإجماع الأعصار عندنا - حجة كإجماع الصحابة.
ثم لو تعارضت الأخبار لكان ما ذهبنا إليه أولى؛ لاستناده إلى أقاويل الأئمة مثل: عمر وعلي، والإنكار منهم ولشهادة الأصول باستدلال وقياس.
فأما الاستدلال فهو أن الحد يسقط بالشبه ويحتاط والغسل يجب على وجه الاحتياط وبالشباهة، فإذا تعلق الحد بهذا الفعل فلأن يتعلق به الغسل أولى.
وأيضا فإن النوم لما كان حالا لا يؤمن معه الحدث جعل المتيقن في وجوب الطهارة، فجاز أن يجب الغسل في مسألتنا؛ لأنه غاية ما تطلب به الشهوة فأشبه الإنزال.
وأيضا: فإن الوطء يتعلق به فساد الحج والصوم والكفارة، وتكملة المهر والحد والحصانة، وتحريم الربيبة والخروج من الإيلاء وبطلان العدة، والتحليل للزوج الأول، ولما استوى في جميع هذه الأشياء والإنزال وغير الإنزال، فكذلك الاغتسال، بل هو آكد.
وأما من جهة القياس فنقول: هو حكم يتعلق بالجماع فلا يعتبر فيه الإنزال كالحد والإحصان.
ونقول أيضا: إن الأحكام التي تجب في الإيلاج مع وجود الإنزال هي في الإيلاج بلا إنزال آكد منها في الإنزال دون الإيلاج؛ وذلك أن الإيلاج يتعلق به جميع الأحكام التي تتعلق به إذا وجد معه الإنزال، من الحصانة والحد وغير ذلك من الأحكام، فيجب أن يتعلق وجوب الغسل عليه كما يتعلق على المولج سائر الأحكام.
ويجوز أن نقول: كل الإيلاج في فرج يتعلق به الحد والحصانة وتكملة المهر يجب فيه الغسل.
أصله إذا أولج فأنزل.
فإن قيل: فإن للإنزال في الغسل مزية ليست للإيلاج والمنفرد؛ لأن الإنزال يوجب الغسل في النوم واليقظة؛ وخارج الفرج وداخله، وليس الإيلاج كذلك؛ لأنه لو أولج في النوم ولم ينزل لم يجب الغسل، ولو أنزل ولم يولج وجب عليه الغسل.
قيل: الإيلاج لقوته في اليقظة وتعلق سائر الأحكام به هو كالإيلاج الذي يقارنه الإنزال، وما أوجب الأحكام التي ذكرناها آكد مما لم يوجب بانفراده إلا الغسل، فيجب أن يكون في وجوب الغسل أولى.
وعلى أن الإيلاج في النوم ليس هو شيئا موجودا حقيقته، والإيلاج في اليقظة هو موجود وحقيقة، فهو كوجود الإنزال حقيقة، فعلى أي وجه وجد الإنزال حقيقة وجب الغسل، وعلى أي وجه وجد الإيلاج حقيقة وجب الغسل، والله أعلم.
[30]
مَسْأَلَة
خروج المني غير مقارن للذة لا يوجب الغسل عندنا، وعند أبي حنيفة، سواء كان قبل البول أو بعده.
فإذا اغتسل من الجنابة ثم خرج منه مني بعد ذلك لم يجب فيه الغسل.
وقال الأوزاعي: إن كان قد بال ثم خرج منه لم يعد الغسل، وإن خرج منه قبل البول أعاد.
وقد حكي عن أبي حنيفة مثل هذا.
وعند الشافعي أنه يعيد الغسل سواء خرج قبل البول أو بعده.
والدليل لقولنا: استصحاب الحال، وكونه على جملة الطهارة قبل خروج هذا منه، فمن زعم أن طهارته انتقضت فعليه الدليل.
فإن قيل: هو غير متطهر - عندكم -؛ لأن الوضوء واجب.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن من أصحابنا من قال: الوضوء مستحب وإلا فهو طاهر.
والجواب الآخر: هو أننا قلنا: هو على طهارة، وإطلاق هذا على من اغتسل من الجنابة؛ لأن الله - تعالى - قال: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾، ولم نقل: انتقض وضوؤه، وإنما قلنا: هو على جملة الطهارة بغسل الجنابة المتقدم.
ولنا أن نقول: قد اغتسل، من زعم أن الغسل من هذا الخارج يجب فعليه الدليل.
فإن قيل: الصلاة عليه بيقين، من زعم أنها تسقط عنه بغير غسل من هذا المني عليه الدليل.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن الصلاة واجبة عليه على شرط أن يؤديها بطهارة مأمور بها من جهة الشرع، وقد اغتسل من المني كما أمر، فمن زعم أن طهره بعد ذلك قد انتقض فعليه الدليل.
والجواب الآخر: هو أننا نوافقهم على أن الصلاة واجبة عليه، وأنها تسقط عن ذمته على شرط ما نقوله.
فأما على شرطكم فإننا نخالفكم فيه.
ولنا ظواهر آخر: مثل قوله عليه السلام: (لا صلا إلا بطهور)، وهذا قد تطهر بالغسل الأول، فمن زعم أن عليه طهارة احتاج إلى دليل.
وأيضا قوله: (وإنما لامرئ ما نوى)، وهذا إذا صلى ونوى الصلاة فله ما نواه إلا أن يقوم دليل.
وأيضا قوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، دليله الصلاة
تصح بفاتحة الكتاب، وهذا قد صلى وقرأ فاتحة الكتاب، فنفرض المسألة فيه إذا صلى وقرأ بغير غسل.
ونقول أيضا: إن هذا خارج من غير لذة الجماع، ولا دفق فلا يصير جنبا، أصله المذي.
وأيضا: فإن المذي من أجزاء المني إلا أنه جزء رقيق، وإن كان يوجب الوضوء، المني يوجب الاغتسال، وليس ههنا معنى يفرق بينهما إلا خروج المني مقارن للذة المخصومة، والمزي لغير لذة الجماع، فدل على أن الجنابة تتعلق بالمعنى الذي ذكرناه من خروجه على الشهوة والدفق.
وأيضا فإن أصل هذا الباب ما بيناه في خروج الأحداث على وجه المرض؛ لأن خروج المني موضوع على مقارنة اللذة المخصوصة، فإذا خرج على أصله وعادته فهو مرض كدم الاستحاضة.
ألا ترى أن دم الحيض يوجب الغسل، فإذا خرج عن عادته سقط الغسل، فكذلك خروج المني مقارنا للذة يوجب الغسل، فإذا خرج عن عادته سقط الغسل.
فإن قيل: فقد قال عليه السلام: (الماء من الماء)، فأوجب الغسل من خروج الماء فهو عموم.
وسألته عليه السلام أم سليم عن المرأة ترى الماء في نومها.
فقال: (إذا رأت الماء اغتسلت)، ولم يخص ما تقارنه اللذة من غيره.
قيل: أما قوله: (الماء من الماء) فعنه جوابان:
أحدهما: أنه من قول الأنصار لا من قول النبي عليه السلام؛ بدليل ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه سأل الأنصار عن ذلك.
قالوا: كنا نقول ذلك في بدء الإسلام.
فقال لهم عمر: أسمعتم ذلك من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنه فرضه من الحكم؟.
فقالوا: لا.
فقال: فلا إذن.
والجواب الآخر: وهو أن إطلاق اسم الماء لا يتاول المني؛ لأن اسم المني أخص به، وإنما يتناوله اسم الماء مجازا، واللفظ محمول على الحقيقة دون المجاز، فيجب أن يرجع إلى معناه دون الحكم بظاهره،
ومعنى ما قالت الأنصار: الماء من الماء بمعنى أن الاغتسال من الإنزال، والإنزال لا يطلق فيما خرج على غير وجه اللذة والدفق، وكلام النبي عليه السلام يتوجه إلى ما خرج على العادة، وكذلك خرج كلامه في سائر الأحداث التي هي معتادة، كما حكم في الحيض وغيره، ثم لما سئل عما خرج عن العادة من دم الاستحاضة فرق بينه وبين دم الحيض.
فإن قيل: فإنه إنزال فوجب أن يتعلق به الغسل، كالإنزال المقارن للذة.
وأيضا: فإن المني يوجب الطهارة العليا، والبول يوجب الطهارة الصغرى، ثم لو بال الرجل بعض البول وبقي البعض ثم توضأ، ثم أرسل باقي البول وجب عليه أن يعيد الوضوء، وإن كان ذلك البول من بقية ذلك البول كالمني.
قيل: أما القياس على المني للذة فالمعنى في الأصل أنه خارج على وجه العادة، فهو كالحيض، وإذا خرج عن وجه العادة لم يجب الغسل كدم الاستحاضة، وهذا هو الاعتبار الصحيح، وقد قسناه على المذي وهو به أشبه.
وما ذكروه من البول، فعروضه من مسألتنا أن تبقي من المني بقية تخرج مقارنة للذة، كما خرج بقية البول على عادته.
وعروض مسألتنا من البول أن يسلس بوله فيخرج عن عادته، فلا يجب عليه الوضوء - عندنا -.
فإن قيل: فإنه خارج من مخرجه، وهو مما يخلق منه الوالد، فأشبه ما خرج منه على وجه اللذة.
قيل: إنه لا معتبر بكون الماء مما يخلق منه الولد؛ بدليل أن ما الخارم والمجبوب وما العقيم لا يكون منه الولد - عندكم - في العادة، وإن كن خروجه على وجه الدفق واللذة، وهو مع هذا يوجب الغسل، فدل ذلك على أن اعتبار ما ذكرناه هو الصحيح، دون خلق الولد.
فأما الكلام على الأوزاعي، وعلى ما حكي عن أبي حنيفة، فإننا نورد عليه الظواهر التي تقدمت.
وأيضا فلا فرق بين ظهوره قبل البول وبعده؛ لأنه خرج عن عادته وموضوعه من مقارنة اللذة، كما لا فرق بين خروج دم الاستحاضة على أي وجه خرج؛ لخروجه عن العادة.
ونقول: هو ضرب من المني خرج غير مقارن للذة فأشبه خروجه بعد البول.
فإن قاسوه على المني المعتاد انتقض عليهم به إذا خرج بعد البول.
فإن قيل: إنه إذا خرج بعد البول فالظاهر منه أنه لم يحصل من الإنزال الأول، وإنما حصل إنزالا بغير دفق ولا شهوة.
ألا ترى أنه لو كان من الأول لم يجز بقاؤه مع خروج البول، وإذا خرج قبل البول فهو
من الإنزال الأول، والغسل يجب بظهور ذلك من بدن الإنسان، فإذا ظهر قبل البول حكمنا بوجوب الاغتسال بالسبب المتقدم.
قيل: أما قلوكم: إنه إذا خرج بعد البول لم يكن من المني الأول وليس كذلك قبل البول.
فعنه جوابان.
أحدهما: أنه يجوز أن يتولد بعد انقطاعه قبل البول، كما يتولد بعد البول؛ لخروجه عن صفة الأول المقارن للذة.
والجواب الآخر: هو أنه إذا ظهر قبل البول فإنه لا حكم له لعدم اللذة وإن كان الأول قد مضى على صفته، فلو أن هذا بقية الأول لوجب أن يكون فيه شيء من اللذة، فلما عدمت اللذة منه جملة فارق حكمه حكم الأول وإن كان ضربا من المني.
ألا ترى أن المذي هو ضرب من المني؛ لأنه يتولد عن الشهوة، فإذا كان المذي هو ضرب من المني يتولد عن الشهوة، مع هذا لا يوجب الغسل، فالمني الذي هذه صفته، وإنما هو ضرب من ذلك المني غير أنه لا شهوة معه، ولم يخرج ملتذا به أولى أن لا يجب فيه الغسل، والله أعلم.
فإن قال قائل ممن لا يفصل بين قبل البول وبعده: وجدنا الصائم ممنوعا ن الأكل وهو يفسد، وكذلك يفسده الإنزال للذة في اليقظة على وجه، ثم لو أكل شيئا غير ملتذ، وأنزل فيه غير ملتذ عند مباشرة لكان مفسدا لصومه وعليه القضاء، ولم يجز أن يقال: إن موضوع ذلك على الانتفاع بما يأكله، وكذلك لو بلع حصاة، فكذلك لا ينبغي أن تراعى في مسألتنا اللذة.
قيل: إن الصوم هو الإمساك عن الأكل الذي يحصل به ضرب من الغذاء أو ما يقوم مقامه مما يصل إلى الجوف، فعلى أي وجه حصل فهو ضد الإمساك.
والصائم أيضا ممنوع من الجماع والمباشرة التي يقارن بها الالتزاز والإنزال، وقد يخرج أيضا منه المني ولا ينقض صومه مثل المحتلم، ومن كانت منه نظرة فأنزل.
وكذلك إن خرج منه المني المتعري من اللذة لم يفسد صومه، ولم يجب فيه غسل، وإن كان على وجه اللذة وجب فيه الغسل، ولم يفسد صومه في مواضع، فعلم أن الصوم ليس بأصل لمسألتنا، وهذا كدم الحيض والاستحاضة، فإن الصوم يفسد مع وجود الحيض، ولا يفسد مع دم الاستحاضة.
فإن قيل: اتفقنا على أن الغسل يجدب بشيئين: أحدهما: الإنزال والثاني: التقاء الختانين.
ثم اتقنا على أن التقاء الختانين قد استوت فيه اللذة وعدمها، فكذلك ينبغي ان يكون الإنزال.
قيل: إن الغالب من أمر الصحيح أنه لا يبلغ إلى الإيلاج إلا وقد
أخذ غاية من الالتزاز التي هي أبلغ من الجسة والقبلة.
ثم إن للإيلاج من الأحكام ما ليس للإنزال المتعري من الإيلاج، فلغلط أمر الإيلاج وتحصين الفرج لزمت فيه تلك الأحكام، فكان الغسل من جملتها، ولما سقطت تلك الأحكام في الإنزال بغير إيلاج افترق الحكم فيه بين خروجه مقارنا للذة وبين عدمها، والله أعلم.
[31]
مَسْأَلَة
وإمرار اليد على البدن في غسل الجنابة واجب عند مالك - رَحمَه الله -.
وقال بعض أصحابه: إنه مستحب، مثل أبي الفرج المالكي وغيره.
وإلى مثل هذا ذهب أبو حنيفة والشافعي.
وأنا أقول بظاهر قول مالك في وجوبه.
والدليل لذلك: قوله - تعالى - في الوضوء ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾