[51] مَسْأَلَة
والمني عند مالك - رَحمَه الله - نجس لا يزيل حكمه إلا الغسل بالماء في رطبه ويابسه.
وقال أبو حنيفة: هو نجس، ويزول اليابس منه بالفرك، والرطب بالغسل.
وعند الشافعي أنه طاهر كالبصاق والمخاط.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿وبدأ خلق الإنسان من طين﴾ يعني آدم، ﴿ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين﴾، فسماه مهينا لمهانته، وهذا صفة الجنس.
فإن قيل: فقد قال - تعالى - ﴿خلق من ماء دافق﴾، وقال: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشرا﴾، فسماه ماء مطلقا فظاهره يوجب طهارته.
قيل: أما قوله - تعالى - ﴿من ماء دافق﴾ لم يذكر فيه طاهر، والماء الطاهر هو الذي خبرنا - تعالى - بطهارته بقوله: ﴿ماء طهورا﴾، وبقوله: ﴿ليطهركم به﴾، والماء الدافق هو الذي سماه - تعالى - مهينا، والطاهر لا يكون مهينا يمتهن، وقوله - تعالى -: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشرا﴾ يعني به آدم عليه السلام؛ لأنه خلق من الماء والطين.
فإن قيل: فلم ذكر الماء وحده؟.
قيل: كما قال: ﴿وبدأ خلق الإنسان من طين﴾، فذكر الطين مفردا في موضع ليعلمنا أنه خلقه منهما جميعا.
وعلى أنه لو ثبت العموم فيه، وأن اسم الماء يتناوله لخصه القياس والسنة.
فأما السنة فما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت:
كنت أغسل المني من ثوب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم يخرج إلى الصلاة، وبقع الماء في ثوبه.
فإن قيل: فقد روي عنها أنها قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم يصلي فيه، فكأنها ذكرت ههنا الجائز، وذكرت الغسل المستحب.
قيل: هذا يحتمل وجوها:
منها: أن الفرك لا ينافي الغسل، لأن الغسل لابد فيه من الفرك في غالب الأحوال، فكأنها أرادت بالفرك الغسل؛ لأنه يعبر به عنه، والخبر واحد عنها دون غيرها.
ويحتمل أن تكون تفعل الفرك دون الغسل ولا تعلم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك ولم ينقل أنه علم بذلك فأجازه، ولا قال: إن الذي فعلته صواب فلا يلزمنا فعلها، ويحتمل أن تكون فعلت ذلك في بعض الأوقات لتعلمنا أن إزالة النجاسة ليست بفرض - وهذا مذهبنا -، ولا يدل على طهارة المني.
فإن قيل: قولها: كنت أغسل المني من ثوبه عليه السلام ليس في أنه عليه السلام علم بذلك أيضا، فيكون الغسل من فعلها كما قلتم لنا في الفرك.
قيل عنه جوابان:
أحدهما: أنها حكت أنها كانت تغسله ويخرج عليه السلام وبقع الماء على ثوبه، وهذا أمر يشاهد النبي عليه السلام في غالب الحال، والفرك ليس بأمر مشاهد كالغسل الذي هو رطب.
والجواب الآخر: أنه روى سليمان بن يسار قال: قالت عائشة: كان النبي عليه السلام يصيب ثوبه المني، فيغسله من ثوبه، ثم يخرج في ثوبه إلى الصلاة، وإني أرى أثر الغسل، فثبت بهذا أن النبي عليه السلام غسله، وأنها غسلت ثوبه كما رأته يغسل.
فإن قيل: قولكم: إنها فركته بغير علمه عليه السلام لا يجوز؛ لأنه لا يقر عليه كما أخبره جبريل عليه السلام أن في نعليه قذرا.
قيل: فقد أقر على بعض الصلاة ولم يخبره بذلك حتى مضى بعضها وبنى عليه، فيجوز أن يقر عليه ليعلم أن إزالة الأنجاس ليست بفرض.
ولنا أيضا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان في سفر فأجنب، وحضرت صلاة الصبح، ومعه جماعة من الصحابة، فانتظر غسل ثوبه
حتى كادت الشمس تطلع.
فقال له عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، قد أصبحنا ومعنا ثياب، فلو لبست منها وصليت إلى أن يغسل ثوبك.
فقال: لو فعلت ذلك لكانت سنة، فلو كان المني طاهرا لصلى فيه، ولكان من معه من الصحابة يقولون: إنه طاهر، والتغليس بصلاة الصبح سنة مجتمع عليها من فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفعل أصحابه، فلم
يتركها حتى تكاد الشمس تطلع من أجل غسل شيء طاهر.
وإن كان غسله مستحبا فليس ينبغي أن يترك التغليس المسنون بالصبح من أجل غسل مستحب، فلما لم يجر في هذا مخالفة ولا نكير دل على أن المني نجس؛ لأنهم سوغوا لعمر تأخير الصلاة لغسل المني، وهذا يجري مجرى الإجماع الذي هو أولى من خبر الواحد.
وإن ثبت أن يترك المستحب في الأصل للمستحب في الفرع؛ لأن إزالة المني بالغسل لأجل الصلاة.
وأما القياس فقد اتفقنا على نجاسة المذي، وكذلك المني؛ بعلة أنه مائع خارج من مجرى الحدث يتولد عن الشهوة.
وأيضا فإن دم الحيض نجس، العلة فيه أنه مائع يخرج من السبيل يوجب انقطاعه الغسل على وجه مخصوص.
ولنا أن نقيسه على البول؛ بعلة أنه مائع ينقض الطهر ويوجبه.
فإن قيل: إننا نعارض قياسكم بقياس آخر فنقول: اتفقنا على مجة البيضة أنها ظاهرة، فكذلك المني؛ بعلة أنه مائع يخلق منه حيوان طاهر.
قيل: لا يخلو أن تريدوا المني الذي يخلق منه الولد فذلك لا يحكم له بتطهير ولا بنجس، وإنما يحكم لما يسقط على ثوب أو بدن أو
بقعة طاهرة أو نجس، وهو المني الذي نتنازعه إذا انفصل وسقط على شيء لا يجيء منه الولد.
وإن أردتم أنه مائع يخلق من جنسه حيوان طاهر، فإن نازعناكم أن هذا ليس من جنس ذلك لم يبق معكم شيء؛ لأن ذلك المني الذي لم ينفصل لا يحكم له بتطهير ولا تنجيس، وقد يخلق منه الولد وقد لا يخلق منه شيء أصلا، وليس كذلك هذا المني المنفصل فلا نقول: إنه من جنسه.
ثم لو قلنا: إنه من جنسه فقد يكون الشيء في نفسه طاهرا ويكون متولدا عن نجس، كاللبن فإنه متولد عن الدم، وقد قيل فيه: إنه دم، فما دام الولد في الرحم يتغذى به على ما هو عليه، وهو دم الحيض الذي ينجس على الحمل لغذاء الولد، فإذا سقط الولد أبيض الدم فصار لبنا حتى تعافه النفس، وهذا قد ذكره أهل الصناعة والمعرفة بالفلسفة.
وقد يكون أيضا الشيء في نفسه طاهرا ويستحيل إلى النجس، كالغذاء والماء في جوف ابن آدم، وقد قيل: إن العلقة المتولدة عن المني من دم نجس، وهذا يسقط ما اعتبروه.
فإن قيس على اللبن؛ بعلة أنه مائع تثبت به الحرمة بين المرضع وبين من ارتضع منها، وانتشاره إلى غيرهما فكذلك المني.
قيل: الذي ينشر الحرمة هو الوطء سواء كان معه مني أو لا وقد تنشر الحرمة القبلة والجسة للذة.
وإن أرادوا المني يثبت الحرمة فإنه يخلق منه الولد، ويحرم على نم أنزل المني وينتشر إلى غيره فهذا هو معنى ما ذكروه من أنه يخلق
منه حيوان طاهر، وقد تكلمنا عليه، وقلنا: إن المني المنفصل الذي نتنازعه لا يكون منه ولد فسقط ذلك.
على أنه لو صح لهم القياس لكان رد المني إلى المذي أولى؛ لاتفاقهما في المخرج، وأن الشهوة تولدهمها، وأنهما ينقضان الطهر، ويوجبانه على وجه مخصوص، وأنهما لا يكادان يفترقان في غالب الحال، لأن المذي يسبق المني، ويختلط به بعضه، ولأنه يمنع الصلاة، ويمنع حمل المصحف، وكذلك رد المني إلى دم الحيض أولى؛ لاتفاقهما في المخرج وأنهما ينقضان الطهر ويوجبان الغسل، وإذا اجتذبت الأصلانفرعا كان رده إلى ما هو أكطثر شبها به أولى.
فإن قيل: فقد روى عبد الله بن عباس أن النبي عليه السلام قال: (أمطه عنك بإذخره، فإنما هو كبصاق أو مخاط)، فلما شبهه بالبصاق
والمخاط الطاهرين، وأمر أن يماط بإذخره دل على أنه طاهر.
قيل: إنه دلالة لكم في هذا من وجوه.
أحدهما: أنه يجوز أن يكون ذلك الثوب للنوم لا للصلاة، وعلم ذلك عليه السلام وقوله: (كبصاق ومخاط) شبهه بهما في انعقادهما لا أنه تعرض لنجاسته لعلمه بأنه لا يصلي فيه.
على أنه قد أمر بإماطته، وأمره بمقتضى الوجوب فإزالته واجبة، ثم قامت الدلالة في إزالته بشيء مخصوص، وهذه قضية في عين تحمل ما حملته.
ثم لا يمتنع أن يكون قال له: (أمطه عنك بإخرة) فيوافق مذهب أبي حنيفة في أنه نجس يابس يزال بإذخرة، ثم تقوم لنا دلالة الغسل بما قدمناه من الدلائل.
فإن قيل: فقد خلق منه الأنبياء والأولياء ولا يجوز أن يخلقوا من نجس.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنهم قد يكونون علقة نجسة فلا ينقصهم ذلك، وإنما كرامتهم ألآن يصطفوا ويؤتمنوا على الوحي إن كانوا أنبياء، والإحسان إليهم، والتوفيق لهم، وأن يبجلوا ويعظموا وتمتد النعم لديهم.
فأما
خلقهم في الابتداء من مني فقد قلنا: إن الذي خلقوا منه لا يحكم له بتطهير ولا تنجيس، والمنفصل المتنازع فيه لم يخلقوا منه، ثم مع كرامتهم وكونهم أنبياء هو ذا يخرج منهم الغائط والبول والدم المتفق على نجاسته ولم ينقصهم ذلك.
والجواب الآخر: هو أنه لو وجب أن يكون طاهرا لأن الأنبياء خلقوا منه لوجب أن يكون نجسا، لأن الفراعنة والطغاة قد خلقوا منه.
فإن قيل: فإن الله - تعالى - خلق آدم من ماء وطين، وهما طاهران فوجب أن يكون ما خلق منه غيره من جنسه مخلوقا من طاهر؛ لمشاركته له في جنسه.
قيل: هذا غير لازم؛ لأنه لما لم يشركه في ابتداء خلقه لم تجب مساواته له فيما ذكرتم.
ألا ترى أن آدم لم ينتقل في رحم فيكون نطفة ثم علقة ثم مضغة، والعلقة دم من سائر الدماء إذا انفصلت حكم لها بالنجاسة، فكذلك يجوز أن يخلق ابن آدم من نطفة غير طاهرة.
فإن قيل: العلقة - عندنا - طاهرة.
قيل: هذا خارج عما عليه المسلمون؛ لأنها تتربى بدم الحيض الذي ينجس عند الحمل، فهو يربي العلقة حتى تصير مضغة، ثم لا يزال ذلك عند الحمل حتى يسقط إلى الأرض.
وقد روى سعيد بن المسيب عن عمار بن ياسر قال: مر بي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا أسقي راحلتين من ركوة بين يدي،
إذ تنخمت بأصابت نخامتي ثوبي، فأقبلت أغسل ثوبي من الركوة.
فقال لي (يا عمار ما تخامتك ولا دموع عينك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والدم والقيئ) فأخبر أن الثوب يغسل من المني كما يغسل من سائر الأنجاس، وهذا يدل على نجساته لإضافته إلى سائر الأنجاس في الغسل.
دليل: وجدنا الخارجات من البدن على ضربين:
فضرب مائع طاهر لا ينقض الوضوء ولا يوجبه كاللبن والدموع والعرق والبصاق والمخاط.
والضرب الآخر: نجس ينقض الطهر ويوجبه، ويجب غسله، كالبول والغائط ودم الحيض، ويجب غسل دم الرعاف والحجامة والفصاد إن لم ينقض الطهر - عندنا وعند الشافعي -، ثم ثبت الإجماع على أن المني ينقض الطهر ويوجبه فوجب أن يكون من قبيل البول والمذي ودم الحيض، وهذا ترجيح لقياسنا، ويصلح أن يكون دليلا مبتدأ في المسألة، وبالله التوفيق.