[18] مَسْأَلَة
والاستنجاء ليس بفرض عند مالك -رَحمَه الله - وهو كسائر النجاسات التي تكون على البدن والثوب لا تجوز إزالتها إلا من طريق السنة.
وقال بعض أصحابنا: إزالة النجاسة فرض، فينبغي أن يكون الاستنجاء فرضاً.
ولكن الفرق بين الاستنجاء وسائر الأنجاس على قول مالك هو أن الاستنجاء يجوز بالأحجار، ولا تجوز إزالة الأنجاس التي في غير المخرج إلا بالماء، لأنه رخص له في الاستنجاء بإزالة العين دون الأثر، وفي الأنجاس التي في غير المخرج يزيل العين والأثر.
وقال أبو حنيفة: الاستنجاء ليس بفرض -كقول مالك - وأنه إن صلى ولم يستنج صحت صلاته ولكنه جعل محل الاستنجاء مقدراً يعتبر به سائر النجاسات على سائر المواضع، وحده بالدرهم الأسود البغلي.
وقال الشافعي: الاستنجاء فرض، فإن صلَّى ولم يستنج لم تصح صلاته.
وهو وأبو حنيفة يقولان: إن إزالة النجاسة من غير المخرج فرض.
ولنا في هذه المسألة طريقان:
أحدهما: أن ندل على عين مَسْأَلَة الاستنجاء.
والثاني: أن ندل على أن إزالة الأنجاس ليست بفرض.
والدليل على عين المسألة: قوله -تعالى -: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}، الآية، فأجاز -تعالى - فعل الصلاة بغسل هذه الأعضاء، ولم يشترط الاستنجاء، فمن أوجب شرطاً آخر هو الاستنجاء، فعليه الدليل.
وأيضاً فإنه -تعالى - قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، فذكر حكم الأحداث وموجبها، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والماء المذكور الذي جعل التيمم بدلاً منه، ولم يذكر مع ذلك أحجار الاستنجاء فلو كان واجباً لذكرها.
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في خبر الأعرابي: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه، فيغسل وجهه»، إلى أن قال: «ثم يكبر».
ولم يذكر الاستنجاء، ولم يجعله شرطاً في قبول الصلاة، وقد كان السائل غير عالم بالحكم، وخرج كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على وجه تعليم الطهارة، التي يحتاج إلى علمها في جميع الأحوال، فلو كان الاستنجاء واجباً مع الوضوء لم يغفل ذكره للمتعلم، فلا يجب إلا بدليل.
وكذلك روي في خبر آخر أنه قال: «لن تجزئ عبداً صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه»، ولم يذكر استنجاء.
ولنا من الظواهر: قوله: «إنما الأعمال بالنيات»، وهذا
قد نوى الوضوء وإن لم يستنج.
وقوله: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا قد نوى أن تكون له طهارة وإن لم يستنج.
وقوله: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وهذا قد توضأ، وصلَّى بفاتحة الكتاب وإن لم يستنج.
وأيضاً قوله عليه السلام: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج»، وهذا يتوجه إلى ما تقدم ذكره من فعل الوتر -
الذي أقله مرة واحدة، فلا حرج عليه في تركه.
وأيضاً فإنها نجاسة على البدن قد سقط فرض إزالتها بالماء من غير ضرورة، فوجب أن يسقط قلع عينها، دليله اليسير من الدم.
وأيضاً فإنها طهارة لا تجب بالماء مع القدرة فأشبهت المضمضة والاستنشاق.
وأيضاً فإن كل نجاسة عفي عن إزالة أثرها في البدن مع القدرة فإنَّه قد عفي عن إزالة عينها، أصله الدم اليسير أو دم البراغيث.
وأيضاً فإن تخفيفها لو وجب بالأحجار لوجب أن يصير حكم الحادث من جنسها في حكمها؛ بدليل الأصول في سائر النجاسات.
ألا ترى أن الدم يسيل من الجرح، ويحدث مكانه دم آخر، فيجب غسله -عندكم -، وليس كذلك في الاستنجاء؛ لاتفاقهم على أن موضع الاستنجاء لو حصلت عليه نجاسة أخرى من جنسها لم يجب استعمال الحجر فيها بعد الأحجار الأول
ونقول أيضاً: هي نجاسة فلم يكن استعمال الأحجار في تخفيفها فرضاً؛ دليله سائر الأنجاس في غير هذا الموضع.
وأيضاً فإنها نجاسة على بدنه فوجب ألا يلزمه استعمال الأحجار فيها، دليله من كان على بدنه نجاسة وهو عادم للماء.
فإن قيل: فقد روى أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إنما أنا لكم مثل الولد، فإذا ذهب أحدكم لغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لغائط أو بول، وليستنج بثلاثة أحجار»، وقوله: «وليستنج»، أمر ظاهر الوجوب، وقد روي أنه قال: «ولا تستدبرها لغائط أو بول، وأمرنا أن نستنجي بثلاثة أحجار».
وروى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
«إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثاً»، والدلالة منه من وجهين:
أحدهما: أنه أوجب عليه الاستنجاء، قالوا: وأنتم تقولون: إنه لو استنجى مرة واحدة زجروه.
والوجه الآخر: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قيد الاستنجاء بعدد، وكل نجاسة قرنت في الشرع بعدد فإن إزالتها واجب، كولوغ الكلب ودم الحيض؛ لن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأسماء: «حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه».
وقد روي أن سلمان قال: نهانا رسول الله أن نستنجي بالعظم والروث، وقال: لا يكفي أحدكم أن يستنجي بدون ثلاثة أحجار».
وقوله عليه السلام: «لا يكفي»، قد منع الأجزاء؛ لأن الكفاية هي الإجزاء.
قيل: لو تجردت هذه الأخبار جاز أن نحملها على الندب؛ بدليل ما روي أنه عليه السلام قال: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن
لا فلا حرج»، وقوله: «من استجمر فليوتر»، خبر عمن فعل، ليس فيه استجمروا وأوتروا.
وقوله: «فلا حرج»، راجع على الجميع من الاستجمار والإيتار، لأنه لو صرح فقال: «من استجمر فليوتر، من فعل الاستجمار، والإيتار، فقد أحسن، ومن لم يستجمر ويوتر فلا حرج لصح.
فإن قيل: إنَّما ورد الخبر بهذا اللفظ؛ لأن الغسل هو الأصل فقال: من عدل إلى الاستجمار فليوتر، قوله: «فليوتر»، أمر واجب فإذا عدل إلى الاستجمار وجب الإيتار.
قيل: فقد صار الكلام في وجوب الإيتار.
وأيضاً: فإن الغسل في الأصل لم يثبت وهو الذي زعمتم أنَّه أصل، ثم لو ثبت لدل هذا الخبر على أنَّه واجب؛ لأنه لما قال: إن عدل إلى الاستجمار فقد أحسن وإن لم يفعله فلا حرج، فإذا كان لا حرج في تركه مع العدول إليه دل على أن الغسل أيضاً ليس بواجب: لأنه لو كان واجباً لكان الذي عذل إليه من الاستجمار واجباً؛ لأنَّه تخيير بين الغسل والاستجمار، فانتم بين أمرين: إما أن تسقطوا الاستجمار وتوجبوا الغسل وليس هذا مذهبكم، وإذا سقط وجوب الاستجمار سقط حكم الغسل في الوجوب، ويكون التحيير إنما هو - عندنا - في المسنون وهو الغسل أو الاستجمار.
وأما حديث جابر وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا استجمر»، فليس فيه أيضاً استجمروا، وإنما هو إذا فعل فليس يدل على وجوب الاستجمار.
وقوله: «فليستجمر ثلاثاً»، يصير الكلام في العدد، ونحن نتكلم عليه بعد ذها.
وقولهم: إنه قد قيد فيه النجاسة بالعدد، [ونحن نتكلم عليه بعد هذا]، فصار كالولوغ ودم الحيض، فإنا نقول: ليس غسل الوضوء -عندنا - لنجس، ولا هو واجب أيضاً، والكلام يجيء عليه في موضعه.
وأما دم الحيض فليست إزالته -عندنا - فرضاً، ولا فيه عدد، ونحن نتكلم في إزالة الأنجاس عند الفراغ من عين هذه المسألة.
لإن قيل: فإنها نجاسة لا تلحقها المشقة في إزالتها غالباً، فوجب أن تجب عليه إزالتها، أصله إذا كانت النجاسة من الدم كثيرة، أو كانت في غير هذا الموضع.
قيل: لا يلزم من وجهين:
أحدهما: أن إزالة النجاسة ليست -عندنا - فرضاً في المواضع كلها.
والوجه الآخر: أنه ينتقض بأثر الاستنجاء، لا تلحقه المشقة في إزالتها في الغالب؛ لأنه إما أن يكون مسافراً أو مقيماً، والغالب من عادة المسافر ومن في البرية ألا ماء معه، وإن كان معه فهو يحتاج إليه لشفته، وإن كان مقيماً لحقته المشقة في إزالته بالماء، لأن الغالب أنه يتكرر منه في اليوم المرة والمرتان لا سيما العرب؛ لأن أقواتهم التمر فأجوافهم رقيقة.
قيل: مع وجوده الماء ن وتمكنه منه لا تلحقه المشقة في غسله، فلمَّا لم يجب غسل الأثر لم يجب تخفيفه بالحجر، ألا ترى أن سائر الأنجاس -عنكم - لما وجب إزالتها وجبت بالماء الذي يزيل الأثر.
ثم إن العلة منتقضة بما دون اللمعة من الدم فإن غسلها بالماء لا يشق، ومع هذا فليس تجب إزالتها إجماعاً.
فإن قيل: قوله عليه السلام: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج»، عائد إلى الشفع وإلى الغسل فتقديره: فلا حرج في أن يعدل إلا هذين.
قوله عليه السلام: «فلا حرج»، عائد على ما ذكر من فعل الاستجمار والوتر، فلا حرج في تركهما جميعاً، والرجوع إلى الغسل يحتاج إلى دليل؛ لأنَّ الرجوع إليه يدل على أنه أصل، ولم يثبت الأصل.
وعلى أنه لا يجوز صرف الخبر إلى هذا؛ لأن الغسل أحسن، فلا نقول: من عدل عنه إلى المسح أحسن وإن تركه وعاد إلى الغسل فلا حرج.