وأيضا فقد ذكرنا أنه إذا ضرب بيده على الأرض فبدأ بمسح وجهه فإلى أن يبلغ حد الذقن لا يبقى في يده شيء من التراب، فإذا جاز في بعض الوجه ذلك، ولم يحج أن يعيد ضرب يديه على الأرض لم يحتج أن يضر بيديه ليديه؛ لأنه ليس كالماء الذي من شطره أن يماس كل جز من الأعضاء جزء من الماء.
وأيضا فلما أن التيمم لا يرفع الحدث وقد شرع فيه بإسقاط مسح الرأس والرجلين في الحدث الأدنى، وأكثر البدن في الحدث الأعلى جاز أن يقتصر فيه على ضربة واحدة للوجه والكفين.
فإن قيل في أصل المسألة: إن التيمم شرط يه المسح من أجل الحدث فيجب أن يكن واقعا بشيء من أجل الحدث؛ قياسا على الخفين والجبائر.
قيل: هذا لا يجب؛ لأن المسح على الخفين جعل بدلا من غسل الرجلين مع القدرة على غسلهما، فهو تابع لأعضاء قد غسلت فارتفع معها الحدث، وكذلك مسح الجبائر هو تابع لما يرتفع معه الحدث، والتيمم لا يرفع الحدث.
ألا ترى أنه يسقط حكم أكثر البدن في الجنابة في غير مسح في التيمم، فلا ننكر أن يجز المسح بغعي شيء أصلا بعد أن يضرب يديه على الأرض.
على أننا قد ذكرنا قياسا يجوز ما قلناه.
فإن قيل: فإن التراب خص بالذكر من بين سائر أنواع ما يخرج من الأرض، فصار بارعا مشارا إليه دون غيره من الأنواع في باب الطهارة، كما خص الماء في الطهارة من بين سائر المائعات، فلا ينبغي
أن يقوم مقام ما خص بالذكر غيره مما لم يذكر.
قيل: هذا لا يلزم: لأن الأرض نفسها قد خصت بالذكر، كما خص التراب، ولم يخص في الذكر في الطهارة بغير الماء من المائعات.
على أن الماء قصد في نفسه؛ لأنه يرفع الحدث ويدفع الأنجاس عن نفسه وعن غيره، التراب لم يقصد لذلك؛ لأنه في حكم غيره من سائر الجامدات، كما أن الحجر خص في الاستجمار بالذكر، وقام غيره من الجامدات التي تنشف مقامه.
وقد روي أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورضي عنهم - لما نزلت آية التيمم ضربا بأكفهم على الأرض، ولم يقبضوا شيئا من التراب، ثم مسحوا أيديهم، فلو كان التراب شرطا لما ذهب لما عليهم مع مشاهدتهم التنزيل، وكون النبي عليه السلام بينهم مبينا لهم أحكام ما ينزل عليهم، فيما ذكرناه من المسألة كفاية وبلاغ، وبالله التوفيق.
وقد جوز الشافعي التيمم على السباخ اليابسة، وهذه لا غبار عليها ولا تراب يعلق باليد، فكذلك ينبغي أن يجوز في غيرها مما لا تراب عليها: لأنه جنس من الأرض تجوز الصلاة عليه، والله أعلم.
[56]
مَسْأَلَة
ومن كان جنبا وبه حدث أصغر فتيمم معتقدا بتيممه أنه عن الحدث الأدنى لم يجزئه، سواء نسي الجنابة أو كان ذكرا لها.
ذكر ابن عبد الحكم عن مالك أنه صلى بهذا التيمم أعاد الصلاة في الوقت، هذا يدل على عن الإعادة مستحبة وأن التيمم مجزئ.
وقد روى ابن وهب والمدنيون عن مالك أن التيمم مجزئ ولا يعيد الصلاة، به قال محمد بن مسلمة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي.
وأظنهما يقولان: إنه يجزئ إذا نسى الجنابة، وأما مع العمد فلا يجزئه.
والدليل لقول مالك إنه لا يجزئه: قول النبي عليه الصلام: «إنما لامرئ ما نوى».
فدل أن ما لم ينوه لا يكون له، وها لم ينو بتيممه للجنابة.
فإن قيل: قد نوى الصلاة فينبغي أن يكن له ما نواه.
قيل: الصلاة لا تصح إلا بطهارة، إما الماء أو التيمم من أجل أنه محدث، وهذا لم يتيمم من أجل حدث الجنابة، ولا نوى استباحة الصلاة مطلقا؛ لأنه لو نوى بتيممه استباحة الصلاة ولم يصرفها إلى الحدث الأدنى أجزأه.
وأيضا فد ثبت أنه لو قدر على الماء فتوضأ ونوى به الطهارة الصغرى لم يجزئه عن الجنابة، والوضوء يرفع الحدث، ففي التيمم الذي هو أضعف لا يرفع الحدث أولى ألا ينوب عن الجنابة.
وأيضا فقد ثبت أن للنية تأثيرا في التيمم، وذلك أنه لو نوى بتيممه استباحة صلاة نافلة لم يجز أن يصلي به فريضة، وإن كان يستبيح الصلاة بتيممه، لم تجعل نيته ها هنا ملغاة حتى يحصل مستبيحا للصلاة فيصلي به أي صلاة شاء، عن كانت صورة التيمم واحدة، فإذا صرفه إلى النافلة لم يجزئه عن الفريضة، فيجب إذا صرفه نيته بالتيمم إلى الحدث الأدنى أولى أن لا يجزئه عن الحدث الأعلى.
وأيضا فإن الجنب يخالف المحدث؛ لأن المحدث يتعلق فرضه بأربعة أعضاء، والجنب فرضه بسائر بدنه متعلق، فإذا كان أحدهما مخالفا للآخر فأخطأ في اعتقاده، ونسي الجنابة واعتقد بتيممه الحدث الأدنى لم يجزئه، كما لو نسي ظهر أمسه، فصلى وعنده أن عليه عصر أمسه لم يجزئه؛ لأن العصر وإن كانت صورتها صورة الظهر فإنها مخالفة لها في النية، فإذا أخطأ في اعتقاده منع من صحته، وكذلك إذا كان عليه كفارة من ظهار، فأعتق رقبة وعنده أن عليه كفارة قتل لم يجزئه الرقبة عن الظهار.
فإن قيل: فقد روي أن الني عليه قال لأبي ذر: «الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج، فإن وجد الماء فليمسسه بشرته»، فجعل عليه السلام الصعيد وضوء المسلم، فهو على عمومه في الأحوال كلها، أخطأ في الاعتقاد أو لم يخطئ.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه نبه بقوله: «وضوء المسلم» على أنه نائب عن الوضوء، والوضوء يرفع الحدث الأصغر، وغسل الجنابة غير الوضوء من جهة الاسم الأخص.
والجواب الثاني: أنه عموم يخصه ما ذكرناه، ألا ترى أن الوضوء بالماء وينوب تطوعه عن فرضه، حتى لو توضأ لصلاة نافلة جاز أن يصلي به فريضة، ولو نوى بتيممه صلاة نافلة لم يجز أن يصلي به فريضة، فالتيمم للحدث الأدنى أولى أن لا ينوب عن الحدث الأعلى.
فإن قيل: فإنهما طهارتان نيتهما واحدة فوجب أن يمنع الخطأ في تعيينهما من صحتهما، أصله إذا كان عليها غسل من حيض فاعتقدت أن عليها غسلا من جنابة فاغتسلت للجنابة، أو كان عليها غسل من جنابة فاغتسلت معتقدة أن عليها غسلا من حيض، لا خلاف أنه يجزئها، فكذلك إذا تيممت وأخطأت في الاعتقاد، فأعتقدت عن غسل الجنابة ونسيت الحيض، أو اعتقدت بالتيمم عن الحيض ونسيت الجنابة فإنه يجزئها.
وقولنا: نيتهما واحدة معناه إنها تنوي في التيمم من الجنابة والتيمم من الحدث استباحة الصلاة في الحدث الأصغر والأعلى كما هو في الحيض والجنابة.
قيل: إذا كان عليها غسل من حيض وغسل من جنابة فإن حكمهما واحد في غسل جميع البدن، فهما كالحدثين الأصغرين حكمهما واحد، فصرف النية إلى أحدهما [في الغسل والحكم] في الغسل والوضوء مجزئ، وكذلك في تيمم الحيض والجنابة يجوز صرف النية
إلى أحدهما فينوب عن الآخر، وكذلك في الحدثين الأصغرين، وأما الوضوء من الحدث الأدنى والغسل من الحدث الأعلى فهما مختلفان، فلا تنوب نية الأصغر عن الأعلى في الماء ولا في التيمم.
ألا ترى أنه لو توضأ فغسل الأربعة الأعضاء ونوى ها الجنابة لم يجزئه، وكذلك لو اغتسل وهو جنب ونوى بغسله رفع الحدث الأدنى لم يجزئه، فكذلك في التيمم.
وقولكم: إنه ينوي في الأمرين بالتيمم استباحة الصلاة فإننا نقول: إن نوى بتيممه استباحة الصلاة ولم يصرفاه ويعينا عن الحدث الأصغر فإنه يجزئه، وإنما الكلام إذا عين النية وقال: أستبيها من أجل الحدث الأصغر، فهو كما ينوي بتيممه استباحة صلاة نفل، ولا يجزئ أن يصلي به الفرض، فلو أطلق النية فقال: أتيمم لأستبيح الصلاة الفرض جاز أن يصلي به الفرض أو النفل، وكذلك إذا نوى بتيممه استباحة الصلاة من أجل الجنابة التي به، وهو محدث أيضا بالحدث الأصغر سحنون تيممه، ودخل الأدنى في الأعلى، كما لو اغتسل لجنابة وبه حدث آخر، ونوى بغسله الجنابة أجزأه.
فإن قيل: فإن التيمم للحدث كالتيمم للجنابة فعلا ونية مع الذكر والنسيان لا يختلف بوجه؛ لأن المحدث يتيمم فيمسح وجهه ويديه، وينوي استباحة الصلاة، والجنب يتيمم فيسمح وجهه ويديه، وينوي استباحة الصلاة، فإذا كان التيمم عن الحدث كهو عن الجنابة فعلا ونية مع الذكر والنسيان صح وإن أخطأ في الاعتقاد ونفي؛ لأنه لو كان ذاكرا لم يفعل أكثر من هذا، فلم يترك من الفرض شيئا؛ لأنه لو ... ذكر الجنابة لم يكن عليه أكثر من التيمم.
ويفارق هذا الظهر الفائتة والعصر الفائتة؛ لأنه إذا فاتته ظهر أمس فعليه أن ينوي ويعين نية الظهر.
فإذا ظهر نوى عصر أمسه فلم يأت بالنية التي أخذت عليه، وفي التيمم لو كان ذاكرا للجنابة فإنه يأتي بالنية التي يأتي بها إذا كان ناسيا لها وهو استباحة الصلاة، وكذلك الكفارة إذا كان عليه كفارة من ظهار فعليه أن يعين أن ذلك عن ظهار، وإذا نوى بها عن القتل فقد ترك النية التي أخذ عليه إتيانها فلم يجزئ.
وفرق آخر بين الظهار والصلاة والكفارة، وهو أن الطهارة أوسع في باب التداخل.
ألا ترى أن الطهارات إذا ترادفت تداخلت فعلا، والصلوات الكفارات إذا ترادفت لم تتداخل فعلا، فلا يجوز أيضا أن تتداخل في النية.
قيل: أما قولكم: إن التيمم للحدث كالتيمم للجنابة فعلا ونية فهو غلط، وفيه اختلفنا، وإنما يصح ذلك لو نوى بتيممه استباحة الصلاة حسب، ولم يصرف نيته إلى الحدث الأصغر، فأما إذا صرفها إلى الحدث الأصغر فإنه لا يجزئ، وقد بينا أن للنية تأثيرا في التيمم؛ بدليل أنه لو صرف نيته في التيمم إلى صلاة نافلة أو نذر لم يصح أن يصلي به فريضة، ولو صرفها إلى صلاة فريضة جاز أن يصلي به نافلة، فإذا كانت صورة التيمم في النفل والفرض واحدة - وقد اختلفتا في النية - فكذلك صورة التيمم للحدث الأصغر والأعلى واحدة
ويختلفان في النية.
وهذا كما قلناه في صلاة الظهر الفائتة صورتها صورة صلاة العصر، وهو لو صرف النية إلى إحداهما لم تنب عن الأخرى المنسية، وهو لو أطلق النية فقال: هذه قضاء عن الصلاة التي نسيت صح، فإذا صرفها إلى غيرها لم يجزئه.
وقولكم: إن الطهارات أوسع في باب التداخل فإننا نقول: إنما يتداخل ... إذا كان الجنس واحدا، فأما اختلفت لم يتداخل فعلا ولا نية.
ألا ترى أنه لو كان محدثا جنبا فتوضأ للحدث ولم ينو الجنابة لم يجزئه، ولو اغتسل ونوى بغسله رفع الحدث الأدنى لم يرتفع حكم الجنابة، فبان بهذا سقوط ما ذكرتموه، وكذ ... لك في كفارة الظهار، ولو أعتق وقال: هذه عن الكفارة التي على أجزأه، ولو نسي فأعتقها عن قتل لم يجزئه عن الظهار، وليس عليه تعيين النية للكفارة أيضا؛ لأنه لو كانت عليه كفارات من ظهار وقتل وكفارة صيام فأعتق رقبة وقال: هذه على إحدى الكفارات التي على أجزأه، ولم يكن عليه أن يعين، حتى لو أعتق ثلاث رقاب وقال: هذه عن الكفارات التي علي، لم يكن عليه أن يعين رقبة دون رقبة عن كفارة دون كفارة، ولكنه إذا كانت عليه كفارة قتل فأعتق رقبة، وقال: هذه عن الكفارة التي على أجزأه، سوءا ذكر وجه تلك الكفارة أو نسيها، ومثله إذا تيمم وقال: أستبيح الصلاة فإنه يجزئه، فإذا عينه عن الحدث الأصغر لم يجزئه وإن نشي الجنابة، كما لو نسي كفارة الظهار فأعتق عن القتل لم يجزئه، والله أعلم
[57]
مَسْأَلَة
اختلف الرواية عن مالك في مسح اليدين في التيمم.
فروى ابن وهب عنه أنهما تمسحان مع المرافق.
وروى عنه ابن عبد الحكم مثل ذلك، ثم قال: إلا أنه إن تيمم إلى الكوعين أعاد الصلاة في الوقت.
وهذا يدل على أن الإعادة على وجه الاستحباب، وأن المسح إلى المرافق مستحب.
ووافقنا الشافعي في قوله القديم، وأنه يجزئ إلى الكوعين، وهو قول الشافعي في الجديد.
وبقولنا في الآخر إلى الكوعين قال سعيد بن المسيب، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن جرير الطبري.
وقال الزهري: يمسحان إلى الآباط.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه إلى الكوعين.
وعن ابن عمر وجابر إلى المرفقين.
والدليل لقولنا إنه يجزئه إلى الكوعين: قوله - تعالى -: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، فذكر اليد مطلقة فإذا مسح يده إلى الكوعين، قيل: قدي مسح يده.
وأيضا فإن إطلاق اسم اليد يختص بالكفين إلى الكوعين؛ بدليل قوله - تعالى -: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، ثم قطع النبي عليه السلام والمسلمون بعده من الكوع مع إطلاق اليد في الآية، فثبت بهذا أخص أسماء اليد هو إلى الكوع.
وأيضا فإن قلنا: إن اليد إلى الكوع يتناولها اسم يد حقيقية، ويتناول ما بقي بعد الكوع اسم يد حقيقة جاز، والحكم إذا علق بما هذه صفته تعلق بأول اسميه أو بأخصهما، كالشفق الذي يقع على الحمرة، ويقع على البياض، ومن مذهبنا أن الحكم يتعلق بأول اسميه وأدناهما، وكذلك الأب يقع على الأب الأدنى ويتناول الحد أيضا، فإذا قال لأبوية كذا، ثبت الحكم لأولهما - وهو الأب الأدنى - حتى يقوم دليل.
وأيضا فإن الله - تعالى - ذكر غسل اليدين في الوضوء إلى
المرفقين، وكرره في موضع آخر كذلك، وقد اتفقنا على سقوط ما جاوز المرفقين، فلم يكن التقييد في الوضوء في الموضعين والإطلاق في التيمم في موضعين إلا لفرق بينهما، فإذا سقط مسح ما جاوز المرفقين لم يبق من الفرق بينهما إلا ما نقوله من المسح في التيمم إلى الكوعين؛ إذ لو أراد أن يكون كالغسل لحده في الموضعين أو في أحدهما.
وأيضا ما روه سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه عن عمار أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «التيمم ضربة للوجه والكفين»، وهذا يتناولهما إلى الكوعين.
وبهذا الإسناد عن عمار قال: أجنبت فتمعكت، وأخبرت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «إنما كان يكفيك هكذا»، وضرب عمار بيديه على الأرض ونفخ فيهما ومسح بهما وجهه وظاهر كفيه.
ونقول أيضا: إن كل حكم علق باليد مطلقا بغير تحديد فإنه يتعلق بهما إلى الكوعين.
أصله القطع في السرق.
ونقول أيضا: إن مسح إلى الكوعين فقد حصل ما سحا لما يسمى يدا على الإطلاق.
وإن شئت أن نقول: قد مسح مفصلا من اليد تجب بإصابته الدية كاملة - أعني إذا كان إلى المرفقين -، فالاقتصار على المفصل الذي
دونه يجوز: لأن الدية تجب إصابته.
وإن شئت حررته على غير هذا اللفظ فقلت: قد اتفقنا أنه ... إذا مسح إلى المرفقين أجزأه فكذلك إلى الكوعين، العلة فيه: أنه ماسح لمفصل من اليد تجب الدية كمالا بإصابته.
فإن قيل: فقد قال الله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، وإطلاق اليد يقتضى إلى المناكب؛ بدليل حديث عمار، وقوله: فمسحنا أيدينا إلى المناكب والآباط، وهم كانوا أهل لسان ولغة، ففهموا من الآية الاستيعاب، وأن إطلاق اليد يتناولها إلى المنكب.
وأيضا ما رواه الأعرج عن ابن الصمة وهو أبو جهيم أن
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تيمم فمسح وجهه وذراعيه.
وروى نافع قال: مررت مع عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - فكان من حديثه أن قال: بال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأتاه رجل فسلم عليه فام يرد حتى ضرب بيديه إلى الحائط.
ومسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما ثانية ومسح ذراعيه.
وروى ربيع بن بدر عن أبيه عن جدة عن أسلع قال: أصابتني جنابة فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يا أسلع قم فارحل».
فقلت: إني جنب، فكست ثم نزلت آية التيمم، فقال: «إنما يكفيك هذا، وضرب بيديه على الأرض ونفضهما ومسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما الأرض ثانيا ومسح بهما ذراعيه ظاهرهما وباطنهما»، قالوا: وهذا نص.
قيل: أما ظاهر الآية في قوله - تعالى -: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ فإننا نقول: اسم اليد الأخص هو إلى الكوعين ما بعد ذلك مجاز؛ بدليل قوله - تعالى -: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، فعقل عليه السلام إلى الكوع، وعقل المسلمون معه ذلك.
وأما حديث عمار وقوله: مسحنا إلى المناكب، فيحتمل أن يكونوا استظهروا فمسحوا ما تناوله الاسم حقيقة وزادوا عليه مسح
المجاز.
ألا ترى أن عمارا روى أن النبي عليه السلام قال: «يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، فتمسح بهما وجهك وكفيك»، عبارة عن الإجزاء، فإنه عليه السلام بين له أن المراد هذا دون ما مسحتموه إلى المناكب.
ويحتمل أيضا أن يكون اسم اليد حقيقة إلى الكوعين، وما بعده يتناوله السم يد حقيقة، فلما نزلت الآية حملوها على الحقيقة في جميع ذلك، فأعمله النبي عليه السلام أنه يكفيه مسح أدنى الحقائق وهو إلى الكوعين، قد قلنا: إن الحكم - عندنا - إذا أطلق يتعلق بأول الاسمين، وأولهما هو إلى الكوعين كما قلنا في الشفق.
وأما ما روي عنه عليه السلام أنه مسح الذراعين، فنحمله على طريق الاستحباب، ومسح اليدين إلى الكوعين هو الواجب؛ بدليل تعليمه عليه السلام لعمار بدليل قوله: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة للكفين»، وروى: «ضربة للوجه والكفين»، وموضع التعليم يفيد افرض والواجب.
فإن قيل: فقد قال لأسلع: «إنما يكفيك هذا، وضرب بيديه على الأرض ونفضهما مسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما الأرض ومسح بذراعيه»، ويكفيك عبارة عن الإجزاء كما ذكرتم في حديث عمار.
قيل: قوله لأسلع: «يكفيك» في الواجب والمستحب، هذا حتى لا تجاوز إلى المناكب، وقوله لعمار: «يكفيك» في الواجب حسب.
فإن قيل: التيمم رخصة، والرخص لا يطلب فيها الاستحباب والكمال.
قيل: هذا غلط؛ لأن مسح الخفين رخصة، ونحن نستحب فيه الكمال نمسح أعلاه وأسفله، وصلاة التطوع القيام فيها أفضل من الجلوس ولو صلى جالسا أجزأه.
فإن قيل: فإنه بدل يقع في محل مبدله فوجب أن يكون في الاستيعاب كمبدله، أصله الوجه في التيمم.
قيل: الوجه يتناوله الاسم حقيقة على وجه واحد.
ألا ترى - تعالى - ذكر غسل الوجه في الوضوء، وذكر مسحه في التيمم على وجه أحد، وليس كذلك اليد؛ لأن اسمها حقيقة يتناول إلى الكوعين.
ألا ترى - تعالى - فرق بينهما في الذكر، فقيدهما في الوضوء بالمرفقين، وأطلقهما في التيمم، وكذلك علق النبي عليه السلام وأصحابه معه من أن القطع من الكوعين، وقال عليه السلام عمار في التيمم: «إنما تكفيك ضربة للوجه الكفين» إن كان قد ذكر أيضا الذراعين، فقد فرق بينهما في الخبرين، ولم يفرق بين الوجه في الوضوء والتيمم بوجه.
على أننا قد ذكرنا قياسا بإزاء هذا فهو أولى: لاستناده إلى استعمال الأخبار.
وإلى بيان الحقيقة في اليدين.
فإن قاسوا مسح اليدين في التيمم على غسلهما في الوضوء بعلة يذكرونها.
قيل: التيمم مبني على التخفيف.
ألا ترى أنه يسقط عن الجنب مسح جميع بدنه ألا وجهه ويديه فالاقتصار في اليدين على الكوعين مع تناول الاسم له [اسم يدله] حقيقة أولى - وقياسنا يستند إلى التخفيف الذي قد حصل في أصل التيمم فهو أولى من قياسهم الذي يؤدي إلى التشديد.
فإن قيل: فإن الله - تعالى - قيد غسل اليدين في الوضوء بالمرفقين، وأطلق في التيمم اكتفاء بتقييده في الوضوء، كما أطلق الشاهدة في موضع اكتفاء بما قيده بالعدالة في موضع آخر، وكذلك قيد الرقبة بالإيمان في القتل، وأطلقها في موضع آخر اكتفاء بما قيده في القتل.
قيل: عنه جوابان "
أحدهما: أنه لا يبنى المطلق على المقيد إلا بدليل، وإنما علمنا ذلك في الشهادة؛ لأن الغرض مناه التوثق الذي يقع الحكم به، لا يحكم بغير العدل فلذلك اعتبرت العدالة.
وأما الرقبة المؤمنة في كفارة القتل شرطت في مواضع التكفير فوجب أن تكون كل كفارة كذلك، ألا ترى أن الإطعام في الكفارة لا يجوز وضعه إلا في مؤمن، وكذلك العتق لا يوقع إلا في مؤمن.
ومع هذا فإن المطلق يبني على المقيد في الأوصاف والشروط، فأما في زيادة أحكام فلا يجب إلا من حيث الدليل.
ألا ترى أن الله - تعالى - ذكر غسل الأربعة الأعضاء في الوضوء، وأمسك عن ذكر عضوين منها في التيمم، ثم لم يجب أن يبني حكم التيمم على الغسل، فكذلك لا يبني حكم الذراعين في التيمم على تقييدهما بالمرفقين في الغسل؛ لأنه زيادة عضو، كما أن الرأس والرجلين زيادة عضوين في الوضوء، وكذلك لما اختلف العدد في باب الشهادات، فطلب في الزنا أربعة وفي غيره اثنان بني الشرط في العدالة على المطلق والمقيد، لم بين المطلق على المقيد في العدد؛ لأنه زيادة حكم مستأنف ولا في نقصانه، وإنما ينبغي أن يكون الشاهد عدلا، ولا يزاد على العدد، فعرض العدد الذارع الزائد على الكف، وكذلك شرط في كفارة القتل الإيمان وأطلقت في كفارة الظهار، فبني المطلق على المقيد من صفة الرقبة فأضيف إليها الإيمان، ولم تبن إحداهما على الأخرى في دخول
الإطعام المذكور في الظهار؛ لأنه زيادة حكم مستأنف.
فإن قيل: لما كان الوضوء طهارة تجب عن حدث أو تنتقض بالحدث وجب أن يكون التيمم كذلك، فيستوفي حكم اليد فيه كما استوفي في الوضوء.
قيل: لو وجب هذا لوجب أن يمسح الرأس والرجلان كما يغسلان في الوضوء، فلما سقط مسح الرأس والرجلين في التيمم - وإن كان طهارة تنتقض بالحدث - كذلك في مسح الذراعين.
ويجوز أن نقول: إن غسل اليدين في الوضوء لما اقتصر فيه على المرفقين دون ما يطلق عليه من اسم اليد إلى المنكب تحقيقا؛ لأن الاسم يصلح له جاز أن يقتصر في التيمم على الكفين؛ لأنه أخف من الغسل، والاسم يصلح فيه.
فإن قيل: لما كانت اليدان كالوجه في أنهما لا يسقطان في العذر وغير العذر مع القدرة على الكل وجب أن يكونا كركعتي المسافر أنهما لا يسقطان مع العذر وعدمه مع القدرة على الكل، وأن يكنا على صفة واحدة، فكذلك ينبغي أن يستوفي حكم الوجه واليدين في التيمم كما يستوفيان في الغسل، كما وجب استيفاء حكم الركعتين في الحضر والسفر وعلى طريقة واحدة؛ لأنهما عبادتان سقطتا إلى شطرهما في حال العذر.
قيل: ليس العلة في ركعتي السفر ما ذكرتم، وإنما هي أن الركعة
لا تقع حقيقة على ما دونها، واسم اليد حقيقة على الكفين الذين هما دون المرفقين.
وأيضا فإن المسافر بالخيار بين القصر والإتمام، وليس كذلك في التيمم لوجهين:
أحدهما: أنه ليس مخيرا بين مسح الأربعة الأعضاء بين العضوين.
والوجه الآخر: وهو أن الصلاة في غير السفر إذا عجز عن القيام والركوع والسجود استوفى فيها العدد بالإيماء، والتيمم عند العجز عن استعمال الماء مع جوده لا يستوفي فيه حكم العدد في الأربعة الأعضاء كما استوفى العدد في الصلاة، فصار التيمم للحاضر والمسافر على طريقة واحدة، فدل على أنه مبني على التخفيف.
ونقول أيضا: إن الله - تعالى - ذكر اليد في موضعين هما المحارب والسارق، فكان القطع فيهما من الركوع، وذكر غسل اليد في موضعين مقيدا بالمرفقين، ذكر التيمم في موضعين مطلقا، وتنازعنا فيه، فكان رده إلى ما له من نظير مطلقا وهو القطع في الشرق والمحاربة أولى، والله الموفق للصواب.
[58]
مَسْأَلَة
ومن تيمم ثم دخل في الصلاة فطلع عليه الماء مضى في صلاته ولم يخرج منها، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور.
وقال الثوري وأبو حنيفة وصاحباه محمد وأبو يوسف: إنه يلزمه الخروج من الصلاة واستعمال الماء ويبطل تيممه، وبه قال المزني.
غيرا أن أبا حنيفة نقض فقال: لا يلزمه ذلك في صلاة العيدين.
ولا في صلاة الجنازة ولا في سؤر الحمار، وذلك أنه قال في سؤر الحمار إذا وجده المتيمم قبل الدخول في الصلاة: لا يجوز له إلا أن يستعمل سؤر الحمار، وإن وجد السؤر وهو في الصلاة لم يلزمه قطعها ولا استعمال السؤر: لأن سؤر الحمار مشكوك فيه - عند أبي حنيفة - لا يدري أطاهر هو أو نجس؟.
وقال الأوزاعي: يخرج من الصلاة ويتطهر، ويضيف إلى الركعة التي صلاها ركعة أخرى إن أن صلى ركعة ويجعلها نافلة، ثم يستأنف الفرض.
والدليل لقولنا: استصحاب الحال؛ وذلك أنه قد وجب عليه الدخول في الصلاة وصح عقده لها، فمن زعم إنها تبطل أو يجب عليه الخروج منها فعليه الدليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿أوفوا بالعقود﴾، فهو عموم في كل عقد، وهذا عقد الصلاة، وخروجه منها بعد عقدها ضد الوفاء.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم﴾، فأمر بطاعته وطاعة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا قد أطاعهما
بدخوله في الصلاة التي هي عمل، ثم نهى عن إبطالها بقوله: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ والخروج منها فيه إبطالها، وهذا عام في كل عمل إلا أن يقوم بدليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم أيديكم﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، فأوجب الوضوء عند القيام إلى الصلاة، والمعلق بشرط يزول بزوال الشرط، والشرط هو القيام إلى الصلاة، وقد زال وتقديره: أيها القائمون إلى الصلاة بخلافه؛ لأنه قد زال عنه الشرط الذي هو القيام إلى الصلة.
فإن قيل: فإن الذي دخل في الصلاة مأمور بالقيام إلى باقيها، وهو صلاة، فحكمه حك الابتداء.
قيل: لم يقل: إذا قمتم إلى بضع الصلاة، وإنما قال: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ وهذا حال الابتداء.
ثم قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ يدل على أنه طلب فلم يجد، وهذه حال الابتداء، وبالدخول في الصلاة قد سقط عنه الطلب.
ومن السنة قول النبي عليه السلام: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح»، فنفى إيجاب الوضوء إلا من هذين، وهذا لم يجد هذين ولا أحدهما.
وأيضا قوله عليه السلام: «من دخل في صلاة فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا»، وهذا غير واجد لهما ولا لأحدهما، فلا
ينصرفن إلا أن يقوم دليل.
وأيضا فإنه إذا دخل في الصلاة بالتيمم صار مخاطبا بإتمامها المضي فيها؛ لسقوط طلب الماء منه، وسقوط استعماله، فكل من سقط عنه طلب الماء سقط عنه استعماله، وكل من وجب عليه الطلب وجب عليه الاستعمال إذا وجده؛ بدليل أن من لم يدخل عليه وقت صلاة فإنه غير مخاطب بطلب الماء، فلم يكن مخاطبا باستعماله، فإذا ثبت ذلك ثبت سقوط استعمال الماء لسقوط طلبه، وقد سقط عن هذا الطلب بدخوله في الصلاة فسقط عنه وجوب استعماله إذا وجده.
وأيضا فإنها صلاة لو وجد سؤر الحمار فيها جاز له المضي فيها، ولم يلزمه استعماله فوجب إذا وجد الماء المطلق أن يجوز له المضي فيها.
دليله صلاة العيدين والجنازة.
فإن قيل: المعنى في صلاة العيدين والجنازة هو أنه لو خرج منها واشتغل بالماء لفاتته لا إلا بدل فلهذا جاز له المضي فيها مع وجوده، وليس كذلك سائر الصلوات؛ لأن لها بدلا، هو يقضيها فلم يجز له أن يمضي فيها مع وجود الماء.
قيل: هذا باطل بالحدث؛ لأنه إذا أحدث في صلاة العيدين والجنازة لزمه الخروج منها، ومع هذا فهي تفوته لا إلى بدل، وهو باطل أيضا بصلاة الجمعة فإنها تفوت ولا تقضين وليس صلاة الظهر بدلا منا، بل هي بدل من الظهر، ومن أصحابنا من قال: هي فرض مبتدأ.
وقولهم: وسائر الصلوات لا تفوت إلى غير بدل فلهذا لزمه استعمال الماء باطل إذا وجد سؤر الحمار في الصلاة لا يلزمه استعماله وإن كانت لا تفوت.
وأيضا فإنه ماء لو وجده المتيمم في صلاة العيد ينجاز له المضي فيها ولم يبطل فوجب إذا وده في غيرها من الصلوات أن لا يبطل تيممه.
دليله سؤر الحمار.
أو نقول: التيمم طهارة لاستباحه الصلاة، فرؤية الماء بعد الشروع فيها لا يوجب الرجوع إلى الماء.
دليله ... رأى سؤر الحمار لم يجب عليه الخروج من الصلاة إليه.
فإن قيل: سؤر الحمار - عندنا - مشكوك فيه، هل هو طاهر أو نجس؟.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه - عندنا - طاهر متيقن غير مشكوك فيه.
والثاني: أنه لما كان كالماء المطلق في أن المتيمم لا يجوز له أن يستفتح الصلاة إلا بعد استعماله، كذلك أيضا يجب أن يكن كالماء المطلق في خلال الصلاة.
وأيضا فإنه قد عقد تحريمته بصلاة شرعية فوجب أن لا يلزمه الخروج منها عند رؤية الماء وقدرته عليه.
أصله كان متطهرا بالماء إلى رآه في خلال الصلاة.
ويجوز أن نقول: رؤية الماء في الصلاة أمر حادث لا يجوب فساد
صلاة الجنازة إذا وجد هذا الحادث فيها، ولا الرجوع إلى استعمال الماء فلم تفسد سائر الصلوات، وكذلك سائر ما يوجد منها مما لا ينقض الصلاة والطهارة.
دليله الضحك الخفيف لما لم يفسد سائر الصلوات.
فإن قيل: فقد قال الله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، فهو عام في كل واجد للماء، وهذا واجد؛ لأن دليله على أن كل واجد للماء فإنه لا يتمم؛ لأن الشرط في جواز تيممه هو عدم الماء.
وهذا واجد له.
قيل: قد بينا أن المراد بالآية التيمم قبل الدخول في الصلاة لا بعد الدخول فيها؛ لأنه - تعالى - خاطب القائمين إلى الصلاة إذا لم يجدوا الماء تيمموا، ومن كان في الصلاة لا يقال له: قم إلى الصلاة، وهو قائم فيها.
ووجه آخر: وهو أنه - تعالى - أمر باستعمال الماء من إذا كان عادما له جاز له أن يتيمم، والمتيمم في الصلاة لعدم الماء لا يجوز له أن يتيمم في خلال الصلاة، فدل على إنها لم تتناول الداخل في الصلاة.
فإن قيل: فقد روي عن أبي ذر أن النبي عليه السلام قال: «الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته»، ولم يمض من يجده قبل الصلاة أو في خلالها.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه لا حجة فيه في موضع الخلاف؛ لاه يقتضي أن الصعيد وضوء المسلم وأنه يقع به التطهير كما يقع بالماء، ونحن كذلك نقول.
ثم وجود الماء يلزمه استعماله في الموضع الذي يجوز له أن يبتدئ التيمم مع عدمه، وفي الصلاة لا يجوز له ابتداد التيمم، فإنما أراد - تعالى - وجده في الموضع الذي يمكن فيه استعماله، ولم يرد وجود الماء في العالم؛ لأنه لا يفقد في العالم، فإذ كان المراد وجوده الذي يقدر معه على استعماله فلا فرق بين عدم القدرة على استعماله من جهة بلية به، أو من جهة الشرع، وهو غير قادر عليه من جهة الشرع؛ لأن الصلاة المدخول فيها بحكم الشرع تمنعه منه.
والدليل من جهة الشرع: هو إجماع المسلمين على صحة دخوله في الصلاة، ولزوم المضي فيها.
وعلى أنه عام فيه قبل الصلاة وفي الصلاة، وخبرنا في قول النبي عليه السلام في المصلي: «لا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» أخص منه؛ لأنه يتناول من هو في الصلاة.
فإن قيل: خبركم هو أورد فيمن يحلقه الشك وهو في الصلاة هل أحدث أو لا؟ لأنه قال: «إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في الصلاة بين أليتيه، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا».
قيل: التعلق بعموم قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فلا ينصرفن» إلا السبب.
فإن قيل: فإن هذا متيقن للحدث؛ إذ التيمم لا يرفعه.
قيل: ومع وجود الحدث منه أمرا بالتيمم واستباحة الصلاة، ووجب عليه المضي فيها، فلا ينقض عليه ما دخل فيه واستباحه بحدوث الماء في خلالها.
فإن قيل: فإنه قد وجد ماء متيقنا مقدورا على استعماله طاهرا فوجب أن يلزمه استعماله، كما لو وجده قبل الدخول في الصلاة.
وأيضا فإنها طهارة ضرورة فوجب أن ينقطع حكمها بزوال الضرورة كطهارة المستحاضة؛ لأن المستحاضة تتطهر للصلاة، وتصلي ودمها سائل، ثم لو انقطع الدم لما رأت الضرورة لزمها أن تتوضأ وتغسل أثر الدم.
وأيضا فإن كان ماء بقدر عليه قبل التلبس بالصلاة لزمه المصير إليه، فإنه إذا قدر عليه بعد التلبس بها لزمه المصير إليه، كالقدرة على القيام، والقدرة على القراءة، والقدرة على ستر العورة؛ لأنه قبل أن يدخل في الصلاة لو كان قادرا على أن يصلي قائما لم يجز أن يصلي قاعدا، ثم لو كان عاجزا عن القيام فاستفتح الصلاة قاعدا، ثم قدر على القيام لزمه أن يقوم، وكذلك لو كان يحسن أن يقرأ لم يجز له أن يصلي بغير قراءة ثم لو كان لا يحسن القراءة فدخل في الصلاة ثم قدر على القراءة، مثل أن يكون أميا فيدخل في الصلاة ويلقن آية من
القرآن لزمه أن يقرأ، وكذلك لو كان قادرا على ستر عورته لم يجز له أن يدخل في الصلاة مكشوف العورة، ثم لو كان عاجزا عن ذلك فاستفتح الصلاة ثم قدر على سترتها لزمها أن يسترها، كذلك الماء في التيمم مثل ذلك.
قيل: أما قياسكم عليه لو جده قبل الدخول في الصلاة فإنه غير صحيح؛ لأن قولكم: طاهر متيقن لا تأثير له إذا وجده قبل الدخول فيه؛ لأن المتيقن والمشكوك فيه من سؤر الحمار بمنزلة واحدة في أنه يلزمه استعماله، ولا يستفتح الصلاة قبل استعماله.
على أنه ينتقض بصلاة العيدين والجنازة.
ثم إن المعنى أن الأصل هو أنه قادر على الماء في وقت الطهارة، ألا ترى أنه تلزمه المسألة والطلب ممن يظن معه ماء وأنه يعطيه، فلهذا لزمه استعماله، وليس كذلك إذا وجده بعد الدخول في الصلاة؛ لأنه وجده بعد فوات وقت الطهارة؛ لأن فرض المسألة قد سقط عنه، وسقط الطلب فلم يلزمه استعماله، مثل ما لو وجده بعد الفراغ من الصلاة.
وأما قياسكم: على المستحاضة فغلط؛ لأن طهارتها قبل الدخول في الصلاة ليست بواجبة - عندنا -، وإذا انقطع دمها في الصلاة مضت على صلاتها ولم تخرج.
على أنه منتقض بصلاة العيدين والجنازة.
على أن الفرق بين الموضعين هو أنه إذا انقطع دمها وهي في
الصلاة فإن عليها نجاسة مقدورا على إزالتها، وهو أثر الدم، ولم تأت ببدل على تلك النجاسة، فلهذا لم يجز لها أن تمضي على صلاتها حتى تتطهر، قبل انقطاع الدم فهي نجاسة لا يقدر على إزالتها؛ لأن الدم سائل فعفي لها عنه، وجازت صلاتها، وليس كذلك المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة؛ لأنه قد أتى بالبدل الذي هو التيمم على الطهارة فجاز له أن يمضي في صلاته.
وما ذكرتموه من القيام والقراءة وستر العورة فإنه باطل بسؤر الحمار.
وعلى أن المعنى في هذه الأشياء هو أن استعمالها والمصير إليها لا يبطل عليه شيئا قد مضى من صلاته فلم يلزم ما ذكرتموه؛ لأن المتيمم إذا وجد الماء في خلال الصلاة بطل عيه ما مضى من صلاته ولم يبن عليه
فإن قيل: فإن التيمم بدل عن الطهارة كما أن المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين، ثم لو مسح على خفيه ودخل في الصلاة، ثم انفتق خفه وظهرت رجله لزمه أن يغسلها ويخرج من الصلاة؛ لأن المبدل قد ظهر، كذلك إذا تيمم ثم وجد الماء في الصلاة لزمه أن يعود إلى الأصل وهو المبدل.
قيل: هذا باطل بصلاة العيدين والجنازة؛ لأنه لو مسح على خفيه ودخل في الصلاة - أعني العيدين والجنازة - وانشق خفه وظهر قدمه لزمه أن يغسل رجليه ولم تصح صلاته إلا بذلك، ولو وجد الماء لم يلزمه استعماله ولا الخروج من صلاته.
وعلى أن إسقاط فرض الصلاة بالتيمم مع وجود الماء أوسع.
ألا ترى أنه إذا كان واجدا للماء واحتاج إلى تبقيته لعطشه فإنه يتيمم ويصلي مع قدرته على استعمال الماء، وسقط عنه الفرض، ولا يسقط فرضه أصلا إذا ظهرت رجله بعد أن مسح على خفيه.
فإن قيل: فإن المرأة إذا كانت من ذوات الأقراء لم يجز لها أن تعتد بالشهور، والشهور بدل من الأقراء، ثم لو كانت من أهل الشهور مثل الصغيرة التي لم تحض فاعتدت بالشهور إلا ي ما، ثم رأت الدم وصارت من ذوات الأقراء لزمها أن ترجع إلى الأقراء وتعتد بها، ولم يجز لها أن تكمل العدة بالشهور؛ لوجود المبدل، فكذلك المتيمم إذا قدر على الماء في الصلاة لم يجز له أن يكمل الصلاة، بل يلزمه أن يستعمل الماء ويخرج من الصلاة.
وأيضا فإن رؤية الماء بعد التيمم حدث كسائر الأحداث؛ بدليل أن رجلين محدثين لا يجد أحدهما الماء فتيمم، ووجد الآخر الماء فتطهر، ثم لو أحدث المتطهر منهما قبل الصلاة بطل حكم طهارته، ولم يجز له أن يصلي بها، ولو رأى المتيمم منهما الماء قبل الدخول في الصلاة لم يجز له أن يصلي بالتيمم.
فما كانت رؤية الماء كالحدث قبل الصلاة فكذلك في الصلاة.
هذا والذي قبله سؤال المزني.
قيل: إن التي اعتدت بالشهور ثم رأت الدم في آخرها فإنها تنتقل إلى الأقراء، ولكن ما مضى لها من الشهور لا تبطل ويحسب لها
به قروءا، ولو جنبا على المتيمم في الصلاة الرجوع إلى الماء بطل عليه ما مضى منها؛ لأنه لا شيء عليه ويستأنف الصلاة.
فقد بأن الفرق بين الموضعين.
وأما السؤال الثاني فإننا نقول: لو كانت رؤية الماء حدثا لم يفترق حكم طهارة المتيمم المحدث ولا حكم الطهارة الميمم الجنب؛ لأنه حدث واحد، والحدث الواحد لا يوجب الطهارة العليا والطهارة الأدنى جميعا، فلما اتقنا أن المتيمم الجنب إذا وجد الماء اغتسل لجنابته، والمتيمم المحدث إذا ... وجد الماء غسل أربعة أعضائه دون سائر بدنه علمنا أن رؤية الماء ليس بحدث في نفسه.
وعلى أن رؤية الماء في الصلاة لو كان حدثا لوجب إذا رأى الماء وهو محتاج إليه لعطشه أن ينتقض تيممه؛ لأنه لا فرق بين الأحداث
إذا وجدت مع الضرورة أو غير الضرورة فإنها تنقض الطهارة، فلما اتفقنا على أنه يصلي بتيممه إذا وجد الماء وهو محتاج إليه للعطش سقط أن يكون في نفسه حدثا، وهو خلاف الجماع.
ولنا أن نقلو: إن الصلاة هي المقصود بالتيمم، والتيمم لا يراد لنفسه، فحصول المقصود الشروع فيه بالبدل يمنع من إيجاب العد إلى المبدل.
دليله: إذا شرع في صوم التمتع فإنه يمنع من العود إلى المبدل الذي هو الهدى ... إذا وجده.
وأيضا فإننا لو أوجبنا عليه الخروج من الصلاة واستعمال الماء لجاز أن يفوته وقت الصلاة المضيق، ومراعاة الوقت بطهارة غير كاملة أولى من أدائها في غير الوقت بطهارة كاملة، الدليل على ذلك: عادم الماء والمريض الذي لا يقدر على استعماله، ومن معه ماء يخاف العطش على نفسه فغنهم يتيممون لمراعاة الوقت، ولا ينتظرن خروج الوقت حتى يقدروا على استعمال الماء.
فصار قياسنا أولى من قياسهم؛ لأنه يؤدي إلى وقوع الصلاة في وقتها بالتيمم الذي لا ينافيه وجود الماء في حال ما.
فإن قيل: اعتبار وجود الماء بعد الدخول في الصلاة بوجوده قبل الصلاة أولى، فتكون العلة في الابتداء والانتهاء واحدة؛ لشهادة الأصول لها.
ألا ترى أن وجود الردة بعد عقد النكاح يرفع حكمه، كما لو كان موجودا قبل النكاح لم يجز أن يبتدأ، وكذلك الرضاع وملك أحد الزوجين صاحبه، فيستوي حك ابتدائه وانتهائه، فكذلك المتيمم إذا وجد الماء في الابتداء قبل دخوله في الصلاة منع منه، فكذلك مذ ورد في انتهائها.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه ينتقض بصلاة العيدين والجنازة، وبسؤر الحمار.
والجواب الثاني: هو أن العلل على ضربين، فعلة للابتداء دون الانتهاء، وعلة الابتداء والانتهاء.
فأما علة الابتداء دون الانتهاء فهي مثل الإحرام [لم] يمنع ابتداء النكاح، ولو طرأ على النكاح لم يبطله، وكلك في وجود الطول وخوف العنت يمنعان من صحة عقد نكاح الأمة، ولو عقد عند عدم الطول وخوف العنت، ثم وجد الطول وزال العنت لم يؤثر في صحة ذلك، فهذه علل الابتداء لا الانتهاء.
وأما علل الابتداء والانتهار فهي كالرضاع والردة وملك أحد الزوجين صاحبه على ما ذكرتم، فلم يجز اعتبار وجد الماء بعد الدخول في الصلاة بوجوده قبل الدخول فيها بما ذكرتموه دون اعتباره بما ذكرناه.