- عندنا - ألا وضوء في مس الدبر، وكذلك عند داود.
وقال الشافعي: فيه الوضوء كمس الذكر.
والدليل لقولنا: الظواهر من براءة الذمة من وجوب شيء.
وقوله - تعالى -: ﴿قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، وهذا قد فعل المأمور به، فمن قال: إن مسه دبره ينقض ما فعله فعليه الدليل.
وأيضاً فقد كان طاهراً قبل مسه، فمن قال: انتقضت طهارته فعليه الدليل.
وأيضاً: إلا صَلَّى ونوى الصلاة فله ما نواه عليه الاسم: «فله ما نواه» ,
وأيضاً قوله عليه السلام: «لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب»، وهذا إذا صَلَّى وقرأ بفاتحة الكتاب فقد حصلت له الصلاة بظاهر الخبر.
فإن قيل: فق قال: «لا صلاة إلاَّ بطهور».
قيل: قد تطهر فمن زعم أن طهارته انتقضت فعليه الدليل.
فإن قيل: الآية حجة لنا؛ لأن ظاهرها يوجب على كل قائم إلى الصاة أن يغسل أعضاءه.
قيل: ظاهر الآية يقتضي فعل مرة للصلوات كلها؛ لأن الألف واللام في الصلاة للجنس، فإذا غسل أعضاءه لصلوات كثيرة فَصَلَّى صلاة، ثم مس دبره فقد أجزأه الغسل الأول للصلوات الباقية.
على أن المراد بالآية أحد أمرين: أمما إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، أو أنتم محدثون، وهذا لم يقم من النوم، ولا نسلم أنه محدث.
وأيضاً قول النبي عليه السلام: «من مس ذكره فليتوضأ»، وفي خبر: «ومن مس الذكر الوضوء»، فدليله أن غير الذكر لا وضوء فيه؛ لقولنا بدليل الخطاب.
فإن قيل: ليس للاسم دليل يحكم له بخلافه، وإنما يكون في الصفات.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أننا نقول بدليل الخطاب في الاسم كما نقوله في الصفة.
والثاني: أن الحكم علق على صفة في الاسم وهو المس، فدليله بخلافه.
فإن رُوِيَ فقد رُوِيَ: «من مس فرجه فليتوضأ»، وهذا عام في القبل والدبر؛ لأنه فرج.
قيل: اسم الفرج إذا أطلق يتناول القبل كما إذا أطلق في المرأة تناول قبلها، فلو صح لهما جميعاً لكان لكل من الأسماء المشتركة، كقولنا: عين ولسان، وكالشفق والقرء، فلا يعقل من ظاهره المراد إلاَّ بدليل.
وأيضاً فلو أرادهما لقال: من مس فرجيه أو مس فرجيه، فلما قال: من مس فرجه بلفظ الواحد، وقد اجمعنا على أن القبل مراد بهذا الخبر، وقفنا في الدبر حتى يقوم الدليل.
فإن قيل: فقد رُوِيَ: «من مس الفرج»، بالألف واللام التي للجنس.
قيل: الأمر الواحد، فإن كانتا للعهد فهو اسم مشترك كاللون والقرء والشفق فإذا أجمعنا أن الذكر مراد بهذا الخبر وقفنا فيما عداه.
على أن هذا لو كان من ألفاظ العموم لكان دليل الخطاب من قوله: «من مس ذكره فليتوضأ»، يقضي عليه؛ لأنه اخص منه، فيصير تقديره: من مس فرجه الذي هو قبله فليتوضأ؛ لن دليل الخطاب يقضي على الظاهر.
فإن قيل: القياس يقضي على دليل الخطاب، وقد اتفقنا على مس الذكر على وجه؛ بعلة أنه مس فرجاً ذا حرمة، أو مس عضواً مخرجاً للحدث، أو أنه موضع خروج الخارج منه ينقض منه الطهر، فوجب أن يكون مسه ينقض الطهر.
قيل: هو منتقض به إذا مسه بظاهر كفه، وينتقض بالمرأة تمس فرج المرأة، لأن المرأة لو مست ذكر الرجل انتقض وضوؤها، ولو مست فرج امرأة لم ينتقض.
ثم لم سلم لكان معارضاً بقياس آخر، وهو إذا مس ظاهر أليتيه، أو مسه بظاهر كفه؛ بعلة أنه مس دبره أو مس عضواً من بدنه لغير شهوة.
ويستند قياسنا إلى تنبيه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله في الذكر: «هل هو إلا بضعة منك؟ ولا وضوء عليك»، وهذا تقدير منه عليه السلام أنه لا وضوء في غير الذكر، ولا يكون التقدير في مثل هذا إلاَّ فيما عند المقدر والمقدر له أنهما بمنزلة واحدة، وهذا كقوله عليه السلام: «أينقض الرطب إذا يبس؟»، فقيل له: نعم.
فقدرهم على ما يعلمه ويعلمونه من نقصانه إذا يبس، وهذا يصلح أن يكون دليلاً مبتدأ في أصل المسالة.
وإذا قسناه أيضاً على مسه دبره بظاهر يده أو من فوق حائل كان أولى من قياسهم؛ لأن ردّ الدبر إلى الدبر أولى من رده إلى القبل.
فإن قيل: لا نسلم أنه يكون ماسا بظاهر كفه، ولا من وراء حائل.
قيل: هذا غلط، ليس المس بظاهر اليد بأدنى من مس الرجل،
وهو لمس المرأة برجله أو بساعده انتقض وضوؤه، فظاهر اليد أولى لأن يكون به ماسا.
وأما من وراء الحائل الرقيق فلا يخرج لا أن يكون ماسا وإن لم يكن مباشراً وليس في مس دبره حال يتلذذ به؛ لأن المذي والمني لا يخرجان منه ولا بمسه أيضاً، ألا ترى أن كل جزء من المرأة لما كان يلتذ به إذا مس، ويخرج بمسه المذي، ويجوز أن يخرج به المني، كان مسها بجميع الأعضاء على طريقة واحدة، فلا يخرج ظاهر الكف إذا وقعا للمس به عن سائر الأعضاء، والله أعلم.
ويكون الفرق بين مسه وبين مسه ذكره هو أن مسه ذكره يُلتذ به كما يلتذ بمسه النساء.
ألا ترى أنه قد يستديم مسه للذة فيخرج منه المني، كما لو استدام مس المرأة للذة جاز أن يخرج منه المني، فينبغي أن تستوي الحالتان فيهما في نقض الوضوء، وفي المس بأي عضو كان من أعضائه، وبالله التوفيق.