عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار
- عَلَم: ابن القصار
- الكتاب: عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار
- المؤلف: أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي المالكي المعروف بابن القصار (المتوفى: 397هـ)دراسة وتحقيق: د. عبد الحميد بن سعد بن ناصر السعودي
- الناشر: مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض - المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1426 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء: 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية وزارة التَّعْلِيم العالي جَامِعَة الإِمَام مُحَمَّد بن سعود الإسلامية عمادة الْبَحْث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية (60)
عُيُون الْأَدِلَّة فِي مسَائِل الْخلاف بَين فُقَهَاء الْأَمْصَار
تأليف أبي الْحسن عَليّ بن عمر بن أَحْمد الْبَغْدَادِيّ الْمَالِكِي الْمَعْرُوف بِابْن الْقصار الْمُتَوفَّى سنة (397 هـ) - رَحمَه الله -
درسه وحققه د. عبد الحميد بن سعد بن نَاصِر السعودي - رَحمَه الله -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على مُحَمَّد وَآله كتاب الطهارة
[1]
مَسْأَلَة
عند مالك - رَحمَه الله - غسلُ اليدين قبلَ الطهارة مندوبٌ إليه وليس بواجب، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي، وو الشافعي سواء كان حدثه من نوم الليل أو النهار، أو أي حدث كان.
وحُكي عن أحمد بن حنبل - رَحمَه الله - إنه إن كان من نوم الليل دون النهار واجب.
وذهب قومٌ من أهل الظاهر إلى أنه واجب من أي نوم كان: تعبُّداً لا لنجاسة.
فإن أدخلهما الإناء قبل غسلهما يفسُد الماء.
وو قال الحسنُ البصري: إنْ أدخلهما الإناء قبل غسلهما نجِس
الماء، تحقق النجاسة على يده أو لا.
والدليل على صحة قولنا هذا: أنَّ الوجوب يحتاج إلى شرع، فلا تُوجب شيئاً إلا بدلالة.
وأيضاً فإن الله - تعالى - قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الآية، فأمرنا بغسل الأربعة الأعضاء، ولم يأمر بغسل اليد قبل ذلك، فلو كان يجب علينا حُكمٌ غيرُ ذلك لذكره، فلا تُوجب غير ما ذُكر إلا بدليل.
وأيضاً قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله»، وبين
له الذي أمره الله - تعالى - غسلَ الأربعة الأعضاء، كاملة فقط وهذا موضعُ تعليم، فلو كان غسلُ اليدين قبل ذلك واجباً لبينه له.
وأيضاً الحديثُ الذي قبل فيه: «لن تُجزئ عبداً صلاتُه حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله - تعالى - فيغسل وجهَه ويديه ويمسح برأسه ويغسل رجليه»، فدل [على] أنَّ هذا القدر يجزئه، وان ما دونه لا يجزئه.
وأيضاً قولُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وإنَّمَا لا مرئ ما نوى»، ومن غسل هذه
الأعضاء الأربعة ونوى بها الطهارة، فله ما نواه.
وأيضاً فإنَّ النوم لا يخلو أن يكون حَدَثاً في نفسه أو سبباً للحدث، بل هو سببٌ للحدث كمسِّ الذكر، وملامسة النساء، والقبلة للشهوة، وعلى الأحوال كلها، فلا يجب غسلُ اليد عند وجود الحدث، ولا عند سببهِ: كما ذكرنا من اللَّمسِ أو الغائطِ والبول.
وجميعُ ذلك لا يوجب تنجيسَ اليد، ولا فساد الطهارة وإن لم يغسل.
وأيضاً: فإننا نقول لهم: لا تَخْلُون من أحد أمرين: إما أن تأمروه بغسل اليد، فإن لم يفعل نجِس الماء، أو تقولوا: إنَّ طهارته لا تصح إلا بذلك، وفي الأمرين جميعاً: لا يجب ذلك بإجماع؛ لأنَّ ما كان متعبداً به لجل الحدث لا لأجل نجاسة فإنَّه لا يتغير بأي حدث كان، سواء كان بنوم أو غائط أو بول أو لمس.
فلمَّا اتفقنا على أنَّه لو خرجت منه ريح أو غائط لم يجب غسل اليدين، ولا تنجيس الماء، ولا فساد الطهارة - مع يقين الحدث الموجود به - كان في حدث النوم - الذي هو غير متيقِّن، وهو أخفض مرتبة، وقد سقطت الطهارة
فيه إذا نام جالساً - أولى أن لا يجب.
وأيضاً: فلو كان يُفسد الماء لأجل نجاسة في يده: فإنَّ الماء - عندنا - إذا لم يتغير بأحد الوصاف من ريح أو لون أو طعم لم ينجس.
وهذا أصل لنا، فإن اخترتم نقل الكلام إليه فذلك إليكم.
ثم مع هذا فاليدُ على أصل الطهارة: لأنَّه لو أدخلها في طعام أو شراب لم ينجُس، مع أن المائعات لا تدفع النجس ولا تجوز الطهارة بها.
فالماءُ الذي يدفع النجَس عن نفسه، وتجوز الطهارة به: أولى ألا ينجس بإدخال يده فيه.
فإن قيل: الدليلُ على وجوب ذلك: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:» إذا استيقظ أحدُكم من نومه فلا يغمس يدَه في إنائه حتى يصبَّ عليها صبةً أو صبتين؛ فإنَّه لا يدري أين باتت يده».
وفي بعض الأخبار: «حتى
يغسلها ثلاثاً: فإنَّه لا يدري أين باتت يده»، وهذا أمر ظاهره الوجوب كقوله: - تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾، وذلك على الوجوب له.
قيل له: الحديثُ يدل على أنَّه استحباب؛ لأنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علَّل ونبَّه؛ بقوله: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده، فعلمنا أنه على طريق الاحتياط، وأعلمنا بهذا أيضاً: أنَّه ليس لأجل الحدث بالنوم؛ لأنَّه لو كان لذلك، لم يحتج للاعتلال».
والذي يدل أيضاً على أنَّه على طريق الاحتياط: أن قائلاً لو قال: اسلك هذا الطريق، واترك الطريق الآخر؛ فإنَّك لا تدري ما فيه، وكذلك لو قال: اغسل ثوبك؛ فإنَّك لا تدري أي شيء فيه، وهل أصابه نجَس أو لا؟ لعلم أن ذلك على طريق الاحتياط، وإن كان لو تجرد قولُه: اغسل ثوبك، لدل على الوجوب، غير أن الذي اقتران به دل على أنه على الاحتياط.
وفي حديث في السنن لأبي داود: «فإن أحدكم لا يدري أين طافت يده»، وهذا يدل على أنَّه استحباب؛ لنَّ الإنسان لا يأمن أن تطوف يدُه في المواضع التي إذا لاقتها يده استقذر أن يدخلها في وَضوئه، وتعافته نفسه؛ كإبطه ومغابنه الغامضة.
فإن قيل: إنَّ هذا التعليم أل يمنع من وجوب ذلك، كما قال - تعالى -: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، وكقوله: {إِنَّمَا الْخَمْرُ
وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ}، وكقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، ولم يدل ذلك على أن الصلاة ليست بواجبة، وإن اجتناب الخمر ليس بواجب.
قيل له: ليس هذا مما نحن فيه بسبيل؛ لأنَّ الله - تعالى - أوجب علينا الصلاة، ثم وصفها بأنَّها تفعل ذلك، فكان هذا مؤكداً لإيجابها، وكذلك ما ذكره مما تفعله الخمر مؤكد لإيجاب اجتنابها، وليس كذلك ههنا، لأنه بيّن أن الغسل لأجل الشك.
ولو كان ظاهر الخمر معهم لم يمتنع أن نخصه بدلالة القياس، وذلك أنَّنَا قد اتفقنا على أنَّه لو أحدث بغير النوم وادخل يده في الماء لم ينجس، وأجزأته الطهارة، والمعنى في ذلك: أنَّه لا يتقين نجاسة في يده فكان النوم مثله، أو بعلة أن يده طاهرة وهو منتقض الطهر.
ويجوز أن تلزم من يوجبه من نوم الليل دون نوم النهار القياس على نوم النهار: لعلة أنَّه قائم من النوم لا يعلم في يده نجاسة، أو بعلة أنه لو أدخلها في طعام أو شارب غير الماء لم يفسده، ولم يجب غسل يده إن أدخلها فيه، وكذلك نوم الليل.
فإن قيل: فإنَّه - عليه الصلاة والسلام - غسل يده
وأفعاله على الوجوب.
قيل: لو تجرد عما قارنه من الاعتلال في الخبر فدل على أنَّه على الاستحباب.
ويجوز أيضاً: أن ننقله من الوجوب إلى الاستحباب بدلالة القياس الذي ذكرناه.
أو نحرر علة أخرى فنقول: هذا عضو قد تعبدنا بغسله في جملة الأعضاء ألربعة، فلم يجب غسله مرتين قياساً على الوجه والرجلين.
فإن قيل: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «العينان وكاء السَّه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء»، فأخرجه مخرج الاعتلال، وقد يستطلق
الوكاء، وقد لا يستطلق ومع هذا فإنَّ الوضوء واجب، وكذلك قوله: «فليغسل يده قبل إدخالها في وضوئه؛ فإنَّه لا يدري أين باتت يده»، فينبغي أن يكون غسلُ يده واجباً.
قيل له: إذا نام فالغالب من أمره خروجُ الحدث منه، وليس الغالب منه ملاقاة يده النجاسة.
وأيضاً: فإن الطرف الواحد لا يستحق تطهيره مرتين في طهر واحد، والدليل على هذا غسل الرجلين.
وأمَّا ما ذهب إلى التفرقةِ بين نوم الليل والنهار، فلا معنى لقوله: لأنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده، ولم يفرق بين نوم الليل ونوم النهار، فدل على أنَّهما مشتركان من طريق المعنى.
فإن قيل: الخبر ورد في نوم الليل؛ لأنَّه قال: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده».
قيل له: فيجمع بينهما بعلة أنه قائم من النوم، لا يتيقن على يده نجاسة.
وقد روي في بعض الأخبار: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، واليد تطوف في نوم النهار كما تطوف في نوم الليل.
وقد روى أنس بن السري عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أنه توضأ فاستوكف ثلاثاً).
قال الراوي: معنى استوكف ثلاثاً: أي غسل كفه ثلاثاً، ولم يبين أي وضوء هو من الليل أو النهار.
ويجوز أن نقول: هي طهارة من حدث فوجب أن لا تتكرر بعض الأعضاء فيها، أصله التيمم.
[2]
مَسْأَلَة
عند مالك وكافة الفقهاء -رحمهم الله - أن التسمية عند الوضوء ليست بواجبة، إلا عند داوود، وقوم من أهل الظاهر، فإنَّهم قالوا:
إنها واجبة لا يجزئ الوضوءُ بها، سواء تركها ناسياً أو عامداً.
وقال إسحاق بن راهويه: إن نسيها أجزأته طهارتُه.
والدليل لقولنا والجماعة: قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وإنما لأمرئ ما نوى»، ومن توضأ ونوى ولم يسم فقد حصل له ما نواه من الطهارة.
وأيضاً قول الله -تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، الآية، فأوجب علينا عند القيام إلى الصلاة غسل الأربعة الأعضاء، ولم يذكر التسمية، فلا نوجب غير ما أوجبه إلا بدلالة.
وأيضاً قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله، وهذا
موضع تعليم، فقال له: "اغسل وجهك وامسح برأسك واغسل رجليك"، فلو كانت التسمية واجبة لعلَّمه ذلك.
وأيضاً الحديث الآخر الذي قيل فيه: "لن تجزئ عبداً صلاته حتَّى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه"، فأعلمنا ما تجزئ به الصلاة ولم يذكر التسمية، فظاهره أنَّها تجزئ بغيرها.
وأيضاً ما روي أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهوراً لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهوراً لأعضائه»، فعلمنا بهذا أن ترك التسمية لا يفسد الوضوء وأنه يطهر الأعضاء المأمور بغسلها، غير أنَّه أنقص حالاً منه إذا سمى، وكذلك نقول: إنَّها أفضل.
وأيضاً قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا صلاة إلا بطهور»، وهو نكرة، فإذا صلَّى بما يسمى طهوراً أجزأه أي طهور كان، إلا أن تقوم دلالة في إلحاق شيء آخر.
ومن طريق القياس: اتفقنا في الصيام أنَّه لا يجب في أوَّلِه نطق فلم يجب في آخره، فكل عباده عل البدن لا يجب النطق في آخرها لم يجب في أولها، ونجد الحج كذلك لما كان يُخرج منه بغير نطق لم يجب في أوله نطق، وإنَّمَا التلبية سنة في أوله، ثم نعكس العلة
فنجدها مستمرة، وذلك أالصلاة لما كان في آخرها نطق واجب - هو السلام - وجب النطق في أولها.
ونقيس عليه: لو سمى وتوضأ: بعلة أنَّه مكلف غسل الأربعة أعضاء بالماء المطلق، ووجود النية مع الموالاة.
وأيضاً: فقد حكي عنهم أنه لا يجب عند غسل الجنابة والحيض.
فإن كان هذا صحيحاً قسنا عليه: لعلة طهارة عن حدث أو تنتقض بالحدث فلم تجب التسمية فيها.
والقياس على غسل النجاسة: بعلة أنَّها طهارة للصلاة، فكل طهارة للصلاة وجبت لأجل الصلاة أو تستباح بها الصلاة فلا تجب التسمية فيها.
فإن قيل: فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه».
قيل: فقد سئل أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن هذا، فقال: لا أعلم حديثاً إسناده جيد.
ونقول أيضاً: فقد ذكرنا ما هو أخص من خبرهم، وهو قوله -عليه الصلاة والسلام -: - «من توضأ وذكر اسم الله كان طهوراً لجميع أعضائه»، فعلمنا بهذا أن طهارة أعضائه قد حصلت، وأن الذي ذكره من التسمية للكمال، فكأنَّه قال: لا وضوء كاملاً، كما قال: لا صلاة لجار المسجد إلا ي المسجد»، و «لا إمان لمن لا أمانة له».
وأيضاً: فلو سُلِّم الظاهر لكان بعض القياسات التي تقدمت تخصه.
وأيضاً: فإنه عموم فبأي ذكر ذكر اسم الله -تعالى - أجزأه، فإذا ذكره بقلبه أجزاه، لأن الذكر بالقلب يقع كما يقع باللسان، بل لو قلنا إن الحقيقة هو الذكر بالقلب لجاز ذلك، لأنه يقال: ذاكرٌ وناسٍ، وفي القول: ناطق وساكت.
والدليل على أن يكون بالقلب: ما روي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «يقول الله عز وجل: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم».
ففسر ربيعة ذلك، وقال: هو فيمن يتوضأ أو يغتسل ولا ينوي.
فإن قيل: لو أراد الذكر بالقلب لقال: لا وضوء لمن لا يذكر الله فلما قال: اسم الله، علمنا أنه أراد باللسان.
قيل: لا فرق بين ذلك، فما صح أن يذكره بلسانه، صح ذكره بقلبه، وقد قال -تعالى -: ﴿{وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾.
وعلى هذا حمل قوله: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
قيل في أحد التأويلات: الذكر بالقلب.
وأيضاً: فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفاه مع عدم التسمية، وأثبته مع وجودها فمن سمى بقلبه وقع عليه اسم ذاكر، فعمومه يقتضي جواز الوضوء، فمن طلب تسمية على صفة دون صفة فعليه الدليل.
فإن قيل: نحن نقول: إنه متعلق بالنطق فمتى وجد النطق صح.
قيل: لا نخالف في هذا، بل نقول: متى وجد ذكر بالقلب صح، وإن وجد ذكر باللسان صح.
فإن قيل: فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وضع يده في الإناء، وقال:
«توضؤوا باسم الله».
قيل: هذا دليل لنا؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - وضع يده في الإناء قبل وضوئه.
وأيضاً فلم يقل: توضؤوا وسموا، وإنما سمى هو عليه السلام، فلو كانت واجبة لقال لهم: قولوا: بسم الله.
ولو ثبت لهم الظاهر لكان مخصوصاً بالقياسِ الذي تقدم.
فإن قاسوا ذلك على الصلاة فقد ذكر الصلاة، وأنه لما وجب النطق في آخرها وجب في أولها.
على أنَّنَا قد ذكرنا قياسات أخرى تعارض قياسهم.
ولنا فضل الترجيح باطراد العلة واستمرارها في العكس.
ولأنها ثبتت عكسيًّا، وهو إسقاط حكم الطهارة التي عليه إذا أراد الصلاة.
ولنا أن نقيس ذلك عليه إذا نسي التسمية، بعلة أنها عبادة موضوعة على الفعل دون القول.
ولنا أن نقيس ذلك على الاعتكاف؛ بعلة أنها عبادة لا يخرج منها بالكلام فلم يجب الدخول فيها بكلام، ولأنها عبادة يفسدها الجماع، ولا يجب في آخرها نطق فكذلك غي الطهارة، دليله الحج.
وأيضاً فالعبادات على ضربين:
ضرب لا يجب في خاتمته نطق، فلا يجب في فاتحته كالصوم.
وضرب يجب في مختتمه نطق، فكذلك في مفتتحه كالصلاة، فلما كان الوضوء بالاتفاق لا يجب في انتهائه نطق، فكذلك لا يجب في ابتدائه اعتباراً بالأصول، وهذا أقوى من كل قياس يوردونه.
ولك أيضاً أن نقول: تعري الطهارة عن التسمية لا يبطلها، الدليل على ذلك أنه لو نسي أو جهل أو تأول تركها: لأنَّ الواجب إذا ترك لم يسقط بالنسيان، ولا بما ذكرناه، وهذا كلام على إسحاق بن راهويه.
قال القاضي: ولي طريقة أنا أعتمد عليها في قوله عليه السلام: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله»، وهي: أن قوله: «لا وضوء»، معقول أنَّه لم يرد وجود الوضوء، لأننا نجده بلا نية ولا تسمية، وإنما أراد الحكم فقصد الظاهر مصروفاً عن حقيقته إلى المجاز، إذا الحكم غير مذكور في الفظ، وإنما هو مضمر محذوف من اللفظ، ومثل هذا لا يصلح لاستدلال بظاهره.
فإن قيل: هذا معلوم من فحوى الخطاب أنه أراد الحكم؛ لأنَّ الوجود سقط بدليل العقل.
قيل: فالمراد الحكم، وليس هو مذكور في اللفظ، والحكم يحتمل
أن يكون هو الإجزاء، ويحتمل أن يكون الكمال، ولا يجوز أن يدعي فيه العموم من وجهين.
أحدهما: أن العموم يكون في الألفاظ لا في المضمرات.
والثاني: أنه يتنافى وجود الكمال مع نفي الإجزاء، لأنه إذا انتفى الإجزاء انتفى تالكمال لا محالة، وإذا انتفى الكمال لم ينتف الإجزاء، وإذا كان هذا هكذا لم يكن لكم صرف المضمر المطلوب وهو الحكم إلى الإجزاء دون أن نصرفه نحن إلى الكمال، فيتعارض الاحتمالان ويسقطان، ويحتاجون إلى شيءٍ آخر، وبالله التوفيق.
[3]
مَسْأَلَة
قال مالك - رَحمَه الله - لا تُجزئ طهارةٌ من غُسل ولا وضوء ولا تيمم إلا بنية، فمتى عري شيء من ذلك من النية لم يجزئ، وكذلك قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وقال الأوزاعي: لا يفتقر شيء منها على النية، لا التيمم ولا الطهارة بالماء.
وذهب أبو حنيفة، والثوري إلى أن الطهارة بالماء لا تفتقر إلى نية، والتيمم لا بد من نية، ويقولون: لو قصد بالماء التبرد أو التنظف أو السباحة فيه فأصاب الماءُ تلك الأعضاء أجزأه.
ولصحة قول مالك -رَحمَه الله - في هذه المسألة أدلة منها:
أننا اتفقنا على أنه مُحْدِث، ثم اختلفنا هل ارتفع حدثُه أم لا؟
فنحن على ما كنا عليه.
فإن قيل: فنحن نقول: ما نعلّق على ذمته طهارة إلا على هذه الصفة.
قيل: قد فرضنا المسألة في رفع الحدث، فلا خلاف بيننا أنَّه إذا قدر على استعمال الماء فإن عليه أن يرفع الحدث، فمن ادعى أنَّه قد ارتفع فعليه الدليل.
وأيضاً قوله - تعالى -: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فتقديره عند أهل اللغة: فاغسلوا للصلاة، فمتى غسل لتنظيف أو تبرد ولم يغسل للصلاة لم يفعل المأمور به، ومثال هذا: قوله -تعالى -: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، فكل هذا جزاء؛ لأنَّه جواب الشرط بالفاء، وإنَّما يقطع لأنه سرق، ويجلد لأنه زنى، وكذلك قوله: ﴿وإن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وإنَّما وجبت الطهارة لنه جنب، لا للنظافة والتبرد.
فإن قيل: فنحن نقول: إذا غسل بعد القيام للصلاة، فما الدليل على أنه يحتاج إلى النية؟ ألا ترى إذا قال لعبده: إذا خرج زيدٌ الدار فأعطه درهماً، فأعطاه عند دخوله، فليس يحتاج الغلام أن ينوي، فكذلك هذا.
قيل: لم تحصلوا علينا ما قررنا؛ لأنَّه إذا ثبت أن عليه أن يغسل وجهه للصلاة، فمتى غسل للتبرد أو التنظيف فلم يغسل للصلاة، وَوِزانُ هذا من مسألتنا: أنَّ العبد المأمور لو أعطاه درهما من متاجره، أو بنية عن نفسه لم يكن قد فعل المأمور به؛ لأن إعطاءه إياه لم يوجبه دخول الدار.
فإن قيل: فإن هذه الآية مخالفة لقوله -تعالى - ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾، ومفارقةٌ لقوله -عليه السلام: «إذا زنى وهو محصن فارجموه»؛ لأن ذلك على طريق الجزاء، ولا خلاف بيننا أن الطهارة ليست جزاءً للصلاة.
قيل: إن قولنا: جزاء وجواب للشرط نريد به أن هذا الشيء إنما وجب لأجل كذا وكذا، فنقول: إن الطهارة وجب أن تفعل لأجل الصلاة، وهذا عمدة من الأدلة.
وأيضاً قوله -تعالى -: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، والوضوء من الدين، فيجب أن نخلصه، والإخلاص هو القصد.
فإن قيل: نحن نقول: إن هذا مخلص.
يل: هذا غلط، لأن الإخلاص هو أن يكون العامل ذاكراً لمخلص
له، فأما وهو لا يخطر بقلبه، وهو معتقد اللعب بالماء فلا يقال: إنَّه مخلص.
فإن قيل: فإنَّه أراد بالإخلاص نفس الإيمان؛ وهذا (هو) لأن ضد الإخلاص الشرك.
قال شيخ منهم: ويلزم (هذا) على هذا أن يقولوا: إنَّ مَنْ لم ينو فهو مشرك، وقال: على أنه قال -تعالى - ﴿حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، والوضوء ليس بمفروض في نفسه، فلا نقول: إنَّه من الدين.
فالجواب: أن قوله: إنَّه أراد الإيمان، فإن الله -تعالى - قال: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، فكأنَّه قال: أخلصوا لله الدين، والوضوء من الدين.
وقولهم: إن لم ينو فهو مشرك، فنحن نقول: إنَّه من لم يخلص هذا العمل له -تعالى - فما اتبع ما أمره الله به من الإخلاص، ولا نقول: إنه مشرك، ولكنه لم يعمل شيئاً.
على أننا لو قلنا: إنَّه قد أشرك في العمل غير الله -تعالى - لكان ذلك، ولا يكون كافراً بل يكون له حكم من أحكام المشركين، كما قال عليه السلام: «من ترك الصلاة فقد كفر».
وقد روي لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «يقول الله -تعالى - من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو له، وأنال منه بريء، أنا أغنى الشركاء عن الشرك»، وقد يصلي الإنسان لله -تعالى -، ولأن يراه الناسُ فيكون
فيه ضربٌ من الرياء، ولا يكون كافراً».
وأما قوله: لا نسمي الطهارة من الدين، ولا خلاف بين المسلمين بأن الوضوء واجب، وهو من دين المسلمين، وهذا قبح من قائله جدًّا.
دليل: وهو قوله -تعالى - ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا ولا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾، فأعلمنا - تعالى - أن الأعمال التي أمر بها لا تنفعه ولا تضره، ولا يحصل من ذلك إلا حسن الإخلاص.
دليل: وهو ما روى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «الوضوء شطر الإيمان»، ثم اتفقنا على أن الإيمان لا يصح إلا بنية وقصد، وكذلك
شطره؛ لأن الشيء إذا كان شرطاً في شيء فكل جزء منه له قسط من الشرط، وهذا الخبر يدل على أن الوضوء عبادة كالإيمان.
دليل: ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»، ثم قد ثبت - ندنا وعندهم - أن الوضوء يجزئ، وإن لم يذكر اسم الله باللسان، فصح أنه أراد ذكر القلب وهو النية.
فإن قيل: فظاهر هذا يقتضي ذكر الله -تعالى - وليس هنا موضع الخلاف، وإنما الخلاف في النية.
قيل: الخلاف في القصد، والقصد في الوضوء للصلاة هو ذكر الله -تعالى - ولولا هذا لبطلت فائدة الحديث.
دليل: قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الأعمال بالنيات، وإنما لأمرئ ما نوى».
وفي هذا الحديث دليلان:
أحدهما: قوله: «الأعمال بالنيات»، فيحتمل أحد امرين: إما وجود الأعمال بالنيات، ولا توجد بغير نية، وهذا غير مراد لأنها توجد في المشاهدات بغير نية.
أو يكون أراد بالأعمال المقرب بها من المجزئة بالنية.
فهذا هو المراد، وظاهر قوله: «الأعمال بالنيات»؛ أي: عمادها بذلك، كما يقال: الطير بجناحيه، والأمير بجيشه؛ أي: عماد ذلك بهذا.
والدلالة الثانية؛ قوله: «وإنما لامرئ ما نوى»، فدل على أن ما لم يَنْوِهِ لا يكون له.
فإن قيل: فليس في هذا الخبر دلالة: لأنه خرج على سبب وهو قصد المهاجرة، ألا تراه قال: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»، فوجب أن نقصره على الهجرة.
قيل: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخرج هذا خرج العموم، ثم ذكر بعض ما شمله العموم، ولو أراد الهجرة وحدها لقال: إنما الهجرة التي هي عمل واحد، فلما عدل عن ذلك وقال: «الأعمال بالنيات»، لم يجز أن نصرفه إلى عمل واحد.
وعلى أنه عليه السلام نبه على المعنى وهو المقاصد، ولا فرق بين الهجرة وغيرها.
دليل: وهو قوله -تعالى -: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، فمن سعى في اللعب بالماء لم تحصل له عبادة.
دلائل القياس
اتفقنا أن التيمم لا يصح بغير نية، والمعنى فيه أنها طهارة تجب عن حدث، أو تنقض بالحدث، أو تستباح بها الصلاة لا لنجاسة، فكذلك الوضوء.
فإن قيل: أن التيمم مفارق للوضوء بالماء من وجوه:
أحدها: أن الله -تعالى - قال في الماء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، ولم يذكر نية، وقال في التيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾، والتيمم: القصد، قال الله -تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
وأيضاً فإن الوضوء يرفع الحدث وليس التيمم كذلك.
وأيضاً فإن التيمم لا يصلى به إلا صلاة واحدة -عندكم -، مفروضة، والوضوء بخلاف ذلك.
وأيضاً فلا يجوز التيمم قبل الوقت، وليس الوضوء كذلك.
وأيضاً فإن النية تدخل لتميز الأفعال المتفقة، فلما كان الوضوء من جميع الأحداث على صفة واحدة لا يختلف لم يحتج إلى نية، فشابه النجاسات، وليس التيمم كذلك؛ فإنَّه يقع عن حديث الجنابة تارة وله حكم، وعن الغائط وله حكم، وعن البول الذي له حكم آخر، فاحتيج إلى النية فيه.
وأيضاً فإن الماء طهور في نفسه، يُقوي حكمه فلم يحتج إلى النية، ولما كان التراب بدلاً عنه للضرورة، وليس بطهور في نفسه احتيج إلى النية.
فجواب ذلك: أما قولهم: إن الله -تعالى - فرَّق بين التيمم والغسل، فقال في التيمم: اقصدوا، فنقول في هذا: إنا لو سلمنا لكم أن الله -تعالى - نص على النية في التيمم، وأمسك عنها في الوضوء -لجاز لنا القياس، فنقيس المسكوت عنه على المنصوص عليه.
وأيضاً فإن الأمر بخلاف ما ظننتم، ليس في الآية أكثر من القصد إلى التراب، ثم إذا قصدناه هل ننوي المسح منه أو لا؟ ليس في الآية، وقد نقصد إلى الصعيد، ثم يصح أن ننوي به تعليم إنان فلا تكون النية فيه.
فإن قيل: فقد أجمعوا على أن المضي إلى التراب لا يحتاج إلى
نية، فعلم أنه أراد أن ينوي عند المسح.
قيل: ليس هذا في الظاهر، وقد قلنا: إنَّه يجوز أن ينوي به تعليم إنسان.
فإن قيل: فقد فرق الله -تعالى - بينهما في اللفظ، فقال في الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، ولم يقل: فاقصدوا الماء واغسلوا، وقال في التيمم، اقصدوا التراب وامسحوا.
قيل: لا يتأتى الغسل إلا بقصد الماء، ولا يتأتى التيمم إلا بقصد التراب، ولكن لما كان الغسل هو المشهور لم يذكر فيه القصد، فإذا عدم الماء قيل: فاعدلوا إلى الصعيد الذي تستعملونه، وجملة الأمر أنا قد قسناه عليه، ولا يلزم الفرق بالظواهر.
والجواب عما ذكروه من رفع الحدث في الوضوء وان التيمم لا يرفعه، فهذا تأكيد لما ذكرناه؛ لأنَّ الماء لما كان يرفع الحدث ويعمل ما لا يعمله الصعيد احتيج فيه إلى نية، ولما كان الصعيد أضعف منه خفف فلم يحتج فيه على نية، فلما دخلته النية مع ضعفه كان في الماء أولى أن تدخله النية.
والجواب عما ذكروه من أن التيمم لا يُصلى به إلا صلاة واحدة فإنَّه ينقلب عليهم؛ لأنهم يصلون به صلوات كثيرة.
على أن هذا يدل على صحة قولنا: لأن الوضوء لما كان يعمل أعمالاً كثيرة احتيج فيه من النية إلى أكثر مما يحتاج إليه في التيمم.
وعلى أن افتراقهما من هذه الوجوه لا يمنع من اجتماعهما في
الموضع الذي جمعتهما العلة فيه.
والجواب عن قولهم: إن التيمم لا يجوز -عندنا - قبل الوقت، فكذلك هو على أصولنا، ولكنه يؤكد أمر الوضوء؛ لأنه لما جاز أن يفعل قبل وجوبه كان إلى النية أحوج من التيمم الذي لا يجوز عمله إلا عند وجوبه.
والجواب عن قولهم: إن النية تدخل لتميز بين الأعمال المتفقة، فهذا سؤال ذكره أبو بكر الرازي، وهو عمدة لنا؛ لأن الوضوء لما كان يقع لتبرد وتنظف وتجديد طهارة، ويقع لرفع حدث احتاج إلى النية: لأن الصورة واحدة في جميع ذلك والأحكام مختلفة، ولما كان التيمم يدخل لاستباحة الصلاة صار كالشيء الواحد المستحق فلم يحتج إلى نية.
ثم دعواه إن التيمم يختلف لأجل الجنابة فليس كذلك؛ لأن صفته للجنابة كصفته للحدث، وإنما يختلف ذلك في الماء، فيكون الوضوء من الحدث، والغسل من الجنابة، وإن اراد أن الذي يوجب هذا غير ما يوجب هذا فقد يوجب الحيض عند انقطاعه الغسل وتوجبه الجنابة، وليس هذا هذا، وصفة الغسل فيهما واحدة؛ لأن الحيض له أحكام ليست للجنابة، فينبغي ألا يجزئ إلا بنية تميز بين الغسل الذي أوجبه الحيض والغسل الذي أوجبته الجنابة.
والجواب عن قولهم: إن الماء طهور والتراب ليس بطهور في نفسه -وهذا أيضاً ذكر الرازي - فنقول: كلاهما طهور في نفسه، قال