وكذلك قال النبي عليه السلام للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك) وقال: لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه، وقال - تعالى -: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، فذكر الغسل في الوضوء والجنابة، وقد عقل أهل اللغة الفرق بين الغسل والغمس والمس واللمس، وجعلوا كل اسم منها لمعنى معقول غير معنى صاحبه، لأن الاغتسال افتعال لابد أن يكون فيه الليد فعل يحصل به غاسلا لجميع بدنه وأعضائه في الوضوء حتى يفارق تلك المعاني من الغمس والمس واللمس التي أسماؤها غير اسم الغسل.
فإذا ثبت أن غسل البدن والأعضاء عند الأحداث واجب، فصفة ذلك واجبة؛ لأنه بالأمر وجب، والأمر حصل بفعل يدخل تحت هذا الاسم، فالواجب امتثال ما دخل تحت الاسم، ولا ينكر أن تتعلق العبادة بمعنى هذا الاسم دون غيره.
وأيضا قول النبي عليه السلام: (تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر وأنقوا البشرة)، فأمر عليه السلام بالانقاء، والأمر بالانقاء ظاهره واجب، ولا يحصل الإنقاء في غالب الحال إلا بإمرار اليد، فإذا كان الإنقاء من
فعل إمرار اليد فظاهره الوجوب.
وهذا مثل ما يستدل به على وجوب التلبية بقوله عليه السلام: (إن الله يأمركم أن ترفعوا أصواتكم بالتلبية)، فإذا أمر برفع الصوت فيها دلى على وجوبها.
وأيضا فإن في البدن مواضع كثيرة تغمض، ومواضع ينبو عنها الماء، وخاصة الأبدان النمشة التي لعلها في أكثر الناس ينفض الماء
عنها، وقد أخذ عليه تطهير جميعها، فلا يحصل معنى الغسل فيها إلا بإمرار اليد عليها حتى تطهر، ولا ينكر أن يجب في الشريعة شيء لأجل الاحتياط، كمن شك في ركعة فلم يدر أهي رابعة أو ثالثة، كمن شك في صلاة من يوم لا يدري أية صلاة هي، فإنه يصلي خمس صلوات، وهذا كله احتياط حتى يتيقن ما صلى.
فإن قيل: فما تقول في أقطع اليد إذا كان إمرار اليد واجبا عليه، ولم يجزئه الغمس في الماء والصب عليه، كيف يعمل؟.
قيل: قد نص مالك على أن عليه أن يأتي بمن يمر يده عليه، وقال إن لم ينل شيئا من بدنه بل شيئا من ثوبه، وأمره عليه.
فإن قيل: فإن لم يقدر على شيء من ذلك.
قيل: هذه حال ضرورة، يسقط معها الفرض، فيجزئه الانغماس لأجل خلاف الناس فيه، وهذا كالأمي يصلي بالأميين، يصلي لنفسه إذا لم يجد من يصلي خلفه، وكالعاجز عن القيام يصلي جالسا.
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾، ثم قال: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، وهذا قد اغتسل.
وأيضا ما روي أن أم سلمة قالت: يا رسول اله، إن امرأة
وأشد ظفر رأسي فأنقضه للغسل؟.
قال: (لا، إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي الماء عليك فإذا أنت قد طهرت)، فأخبر بأنه متى وجد إفاضة الماء أجزأ؛ لأن الطهارة تقتضي طهارة مطلقة.
وقد قال لأبي ذر: (الصعيد الطيب وضوء المؤمن ولو لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته)، ولم يأمر بالدلك.
قيل: أما قوله - تعالى -: ﴿حتى تغتسلوا﴾، فهو حجة لنا؛ لما بيناه من الفرق بين اسم الغسل والصب والغمس والمس، وإذا أفاض عليه ولم يمر يده لم يقل: قد اغتسل حقيقة، فإن سمي به فهو مجاز.
وأما حدثيث أم سلمة فإنما أعملها أن الفرض في رأسها بل الشعر دون غسل ما تحته، وقوله لها: (ثم تفيضي عليك الماء) فإنه لا ينافي ما قلناه.
ألا ترى أن الإفاضة قد تصيب بعض البدن، وقد لا تصيب بعضه، ولا نعلم بوصول الماء إلى تحت الآباط وما غمض بالإضافة دون إمرار اليد، وإنما قصد بالخبر أن لا تنقض شعرها، فأما صفة الغسل فهو مأخوذ من قوله: ﴿حتى تغتسلوا﴾.
وقوله لأبي ذر: (إذا وجدت الماء أمسسه بشرتك) يدل على صحة قولنا؛ لأن الهاء في (أمسسه) كناية عن الماء، فقال: (أمسسه بشرتك) فيحتاج أن يكون باليد؛ لأن حقيقة المس إنما تكون باليد.
على أن الآية في الاغتسال، وما رويناه من قول النبي عليه السلام للأعرابي أخص وأبين مما أورده، وليس فيه إجمال فهو مبين لما أورده.
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾، وإذا فعل ما نقوله قيل: قد تطهر.
قيل: لا يطلق عليه في الشريعة أنه قد تطهر إلا على صفة، وهو أن يغتسل ويمر يده، كما لا يحصل متطهرا إلا بماء طاهر وبالنية.
فإن قيل: عن هذا أجوبة:
أحدهما: أنه أراد أن يعلمنا أنه ليس للماء قدر محدود، وأن هذا القد يكفي.
وجواب آخر: وهو أن هذا القدر من الفعل لا يكفي؛ لأنه معلوم أنه يحثي على أرسه فل يصيب جميع بدنه ولا يصل إلى تحت آباطه، وما يغمض منه مما يجب غسله، فصار مفتقرا إلى بيان، وقوله - تعالى - ﴿حتى تغتسلوا﴾ أخص منه.
وجواب آخر: وهو أنه يجوز أن تقوم دلالة تلحق به صفة أخرى، كوجوب النية وغير ذلك، وقد ذكرنا ما هو أخص من هذا من تعليمه
الأعرابي، وقوله: (لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل)، وقد بينا أن للغسل صفة تختص بها في اللغة، وقد نفى الإجزاء إلا بوجودها.
فإن قيل: قد روت عائشة أنه عليه السلام كان إذا اغتسل من جنابته، بدأ بغسل يديه، ثم تنظف من الأذى، ثم توضأ كما توضأ للصلاة، ثم خلل أصول شعره بالماء، ثم غرف على رأسه ثلاث غرفات من ماء، ثم أفاض الماء على جلده كله، فنقلت غسله عليه السلام مفروضه مسنونه ومستحبه، ولم تذكر الدلك.
قيل: لا يحتاج إلى ذكر الدلك؛ لأن الاغتسال يقتضيه، وهو صفة فيه قد عقل من الآية، وإنما نقلت هذا لتفيد الأفعال التي فعلها قبل غسله.
وقولها: ثم يفيض الماء على جلده كله، قد فهم منه أن المقصود الغسل المطلوب.
فإن قيل: فإنه موضع يلحقه حكم الجنابة فوجب أن لا يلزمه إمرار اليد عليه.
أصله الموضع الذي لا تناله يده خلف ظهره لسمنه، وهذا وفاق.
قيل: إن كان ما لا تناله يده شيئا كثيرا فعليه أن يأتي بمن يمر يده عليه، وإن كان شيئا يسيرا لا بال له فهو خفيف كالعمل القليل في
الصلاة، والعفو عن دم البراغيث، ولأجل الخلاف في جواز ترك الدلك.
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿حتى تغتسلوا﴾، وقال في التيمم: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، ففرق بين الأمرين، فوجب اعتبار فائدة الفرق بينهما، ولا يكون إلا بترك إمرار اليد في الغسل وبإمرارها في التيمم.
قيل: إنما ذكر المسح في التيمم؛ لأنه لا غسل فيه، والغسل خلاف المسح، وإن كان لليد فيهما جميعا فعل، فهذا هو الفرق بين الموضعين.
ولنا أن نقيس ذلك على المسح في التيمم، وأن لليد فيه فعلا فنقول: قد اتقنا على إمرار اليد في التيمم، العلة فيه: أنها عبادة تجب للصلاة، وتنقض بالحدث، والتيمم والوضوء وغسل الجنابة كله - عندنا - بمنزلة واحدة في وجوب إمرار اليد.
فإن قيل: فإنه قد أجرى الماء الطاهر على أعضائه فأشبه إذا تدلك، وبين ذلك: أن حال الجنابة لم توجد هناك عين يحتاج إلى
إزالتها، وإنما العبادة في إجراء الماء على الأعضاء، وقد جرى بفعله، فاعتبار الدلك لا معنى له.
ألا ترى أنه ليس في الأصول إمرار اليد على الأعضاء على وجه العبادة من غير معنى.
وأيضا فإن ذلك غسل واجب فأشبه إزالة الطيب من بدن المحرم، ولأن الدلك مبالغة في الغسل وزيادة صفة فيه فأشبه تكرار الماء في العضو.
قيل: أما إذا تدلك فالمعنى فيه حصول اسم الاغتسال على حقيقته، وتحقيق وصول الماء إلى جميع بشرته الغامض منها والظاهر ومماسته بيده.
وقولكم: إنه لم توجد عين يحتاج إلى إزالتها، وإنما العبادة إجراء الماء على الأعضاء فإننا نقول: لا يمتنع أن يكون العبادة في إجراء الماء على صفة إمرار اليد، ليتحقق وصول الماء؛ لأن في البدن مواضع ينبو الماء عنها.
قولكم: ليس في الأصول إجراء اليد على الأعضاء على وجه العبادة غلط؛ لأنه في المسح في التيمم موجود.
والمعنى الذي فيه موجود في الغسل، وهو إجراء اليد على كل موضع وقعت العبادة بتطهيره، ليتحقق وصول الماء إليه، ويجوز أن تتعلق العبادة فيه أيضا بالتنظف، كغسل الجمعة الذي قصد منه التنظف لزوال الروائح التي لا تزول إلا بإمرار اليد في الغالب.
وأما غسل طيب المحرم فالأجناس أعظم منه، وليس إزالتها بفرض - عندنا -، وغسل الجنابة فرض.
وقولكم: إن إمرار اليد مبالغة فأشبه التكرار، فإننا نقول: صفة الغسل هي إمرار اليد بالماء على الأعضاء كصفة المسح في التيمم، فتكرار الغسل كتكرار التيمم، لا تسقط صفة المسح في الأول.
فإن قيل: فإن النبي عليه السلام أمر بصب ذنوب أو ذنوبين من ماء على بول الأعرابي، ولم يأمر بدلكه، وهو عين نجسة، ففي غسل البدن الذي لا نجس عليه أولى أن لا يجب إمرار اليد فيه.
قيل: إن النبي عليه السلام أمر بصب الماء على البول؛ لأن الغرض إزالته، وهو مائع فإذا لاقى الماء وهو مائع وغلب عليه أزال عينه وأثره؛ لان الغرض إزالة ذلك، فأما غسل الجنابة فقد اجتمع فيه أمران:
أحدهما: المني الذي هو - عندنا - نجس، فإذا خرج كان له حكمان: أحدهما: غسله في نفسه عن أصاب ثوبا أو بقعة من المسجد أو البدن كالبول.
والحكم الآخر: هو الاغتسال منه.
فإن أصاب شيئا من الثياب والأبدان احتيج فيه إلى إمرار اليد في غسله، كذلك غسل جميع البدن منه، وما حصل في الأرض من البول إن لم يدلك فقد
حصل فيه تطهيران من جهة الماء والتراب الذي له مدخل في التطهير، فاستغنى عن الدلك.
على أنه يجوز أن يكون عليه السلام أمر بصب الماء على بول الأعرابي، وعلموا منه أن الفرض الغسل فغسلوا بأيديهم، ونقل الخبر إلينا؛ ليفيدنا أن هذا القدر من الماء يطهره.
[32]
مَسْأَلَة
ولا بأس بالوضوء من فضل الجنب والحائض، مثل أن يفضل في إنائهما ماء بعد فراغهما من غسلهما، للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة وغسلها، وهو مذهب الفقهاء كافة.
وقال أحمد بن حنبل: لا يجوز أن يتوضأ من فضل ماء توضأت من فضل الرجل، والرجل من فضل الرجل، والمرأة من فضل المرأة، وكذلك إذا استعملاه جميعا معا جاز أن يتوضأ الرجل منه.
واستدل بخبرين:
أحدهما: ما روي أن النبي عليه السلم نهى أن يغتسل الرجل من فضل وضوء المرأة، ما روي أن النبي عليه السلام نهى أن يغتسل الرجل من فضل
وضوء المرأة، وأن المرأة من فضل وضوء الرجل، وليغترفا معا.
وروى أنه عليه السلام نهى أن يتوضأ الرجل من فضل وضوء المرأة.
والدليل لقولنا: ما رواه مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي
طلحة عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد حانت صلاة العصر، فالتمس القوم الماء فلم يجدوا، فأتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإناء فوضع يده فيه، وامر الناس أن يتوضؤوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم.
فوضع الدليل منه أنهم توضؤوا كلهم من إناء واحد، ومعلوم أنه كان منهم نساء ورجال؛ لأن هذا كان في الحضر، ولم يفصل بين أن يتقدم النساء أولا أو الرجال، أو بعضهم على بعض، بل كلهم استعملوا، فمن متقدم ومن متأخر.
وأيضا ما رواه ابن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من إناء واحد، وعند أحمد أن مثل هذا يجوز،
وهو مما يسقط مذهبه؛ لأن الرجال والنساء إذا توضؤوا في إناء واحد، فإن الرجل يكون مستعملا لفضل المرأة لا محالة.
وقد روي عن معاذة العدوية عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد، فلما غتسل عليه السلام معها من إناء واحد علم أنه لا محالة قد استعمل فضل مائها، فدل على جوازه.
وما روي أنه عليه السلام أرد أن يغتسل من ماء في جفنه اغتسلت منه امرأة، فقالت له بعض نسائه: أغتسل: منه يا رسول الله وقد اغتسلت
منه من الجنابة؟.
فقال: (المؤمن ليس بجنس)، وهذا نص في المسألة بفعله وتعليمه أن المؤمن ليس بنجس.
ولنا من الظواهر: قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾، وهذا كيف ما كان فهو منزل من السماء.
وقوله عليه السلام: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير
لونه أو طعمه أو ريحه، وطهور اسم لما يتكرر منه التطهير فهو على عمومه.
ونقول: هو ماء فضل عن استعمال ما سقط به الفرض فجاز أن يسقط به الفرض، أصله فضل الرجل تتوضأ به المرأة.
وفضل الرجل
يتوضأ به الرجل، وفضل المرأة تتوضأ به المرأة.
ونقول أيضا: هو ماء لم يخالطه شيء أثر فيه فجاز أن يتوضأ به، أصله لو لم يتوضأ به، أو ما ذكرناه من فضل الرجل، ولا يلزم على هذا الماء المستعمل؛ لأن التوضؤ يقع به - عندنا -.
فأما أخبارهم فمحمولة على الاستحباب.
وعلى أن أخبارهم النهي أن تتوضأ المرأة بفضل الرجل، وقد جاز - عندهم - بدليل فكذلك يجوز - عندنا - وضوء الرجل بفضل المرأة بدليل، وقد ذكرنا أدلته.
ويجوز أن نقول: إن الماء الذي يقي لم يستعمل في عضو يزول به الحدث، فأشبه حال الابتداء، وإذا فضل عن عضو من الأعضاء قبل كما طهارة المرأة.
وأيضا فإن ما يفضل بعد غسل النجاسة لا ينفي جواز الوضوء فكذلك ما فضل عن غسل الجنابة؛ لأن كل واحد منهما عبادة، فإذا جاز استعمال الفاضل عن أحدهما جاز في الآخر مثله.
وأيضا: فإن إدخال يدها فيه لا يؤثر في حكم الماء؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن تمنع منه المرأة أولا، وكل مستعمل؛ لأن منع المستعمل لا يخص بالمنع منه واحد دون الآخر، ولا يجوز اعتبار أداء الفرض به؛ لأنه يتنقض بفضل الرجل، وبما يبقى بعد إزالة النجاسة، والله أعلم.
[33]
مَسْأَلَة
عند مالك - رَحمَه الله - أن المياه كلها طاهرة مطهرة، قليلها وكثيرها، من ماء بحر أجاج، أو عذب، لا يغيره عن طهارته وتطهيره شيء يخالطه من غير قراره إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه.
فإن خالطه شيء طاهر من غير قراره وغلب عليه فهو طاهر غير طاهر ولا مطهر، قليلا كان الماء أو كثيرا.
وأجمع فقهاء الأمصار أن مياه البحر عذبها وأجاجها بمنزلة واحدة في الطهارة والتطهير، إلا ما حكى عن قوم أنهم لا يجيزون التوضؤ بماء البحر.
والمروي عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وابن عباس
وغيرهم رضي الله عنهم أنه لا فرق بين مياه البحار وغيرها.
وقد حكي عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أنهم قالوا بالتيمم مع وجوده.
وقال عبد الله بن عمرو: والتيمم أحب إلي منه.
وقد حكي عن بعض الناس أنه أجاز التوضؤ به عند الضرورة.
والدليل لما عليه الجماعة: قول الله - تعالى - ﴿وينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به﴾، وطهور اسم للطهارة يطهر غيره.
وأيضا قول النبي عليه السلام في البحر: هو الطهور ماؤه والحل ميتته)، وقال هذا حين قيل له: إننا نحمل معنا القليل من الماء ونحن في البحر، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟.
فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته).
وأيضا ما روي عنه عليه السلم أنه قال: (خلق اله الماء طهورا لا ينجسه شيء ما غير طعمه أو لونه أو ريحه) ى. وهذا عام في كل ماء.
وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال: (من لم يطهره البحر فلا طهره الله).
وهذه الآيات والأخبار بعضها عام في جميع المياه لم يخص بها
ماء بحر من غيره، وبعض الأخبار خصوص في ماء البحر.
فإن قيل: كيف جعلتم طهورا بمعنى مطهر؟، وإنما الطهور هو الطاهر في نفسه، ولا يعقل منه أنه مطهر إلا بدلالة.
والدليل أن الطهور بمعنى طاهر: قوله - تعالى -: ﴿وسقاهم ربهم شرابا طهورا {. بمعنى طاهر؛ لأننا نعلم أنه ليس في الجنة عبادة حتى يكون الطهور مطهرا لغيره.
قيل: قد ذكرنا قوله - تعالى -: {وينزل علكم من السماء ماء ليهركم به﴾، يبين أن قوله: ﴿طهورا﴾ بمعنى مطهر.
والحدث الذي ذكرناه في ماء البحر يدل على ذلك أيضا، لأنه عليه السلام قال: (توضؤوا فهو الطهور ماؤه الحل ميتته).
وأيضا فإنه صحيح على ما قلناه؛ لأن طهورا عند أهل اللغة اسم لما يتطهر به، كقولهم: سحور اسم لما يتسحر به، وسعوط لما يستعط به، ولو كان بمعنى طاهر لقيل لكل شيء طاهر: فكان يقول للإنسان: طهور، ويستمر هذا في الثوب واللحم والخل وغير ذلك، لا يقوله أحد.
وأيضا فإنه لا يكون للماء خصيصة من غيره من المائعات لو قيل فيه: ماء طاهر، فخص هذا الاسم الذي هو طهور ليبين به سائر الأشياء، ومن المائعات التي هي طاهرة غير مطهرة، ثم يستفاد به فائدة أخرى تزيد على كونه مطهرا، وهي المبالغة في تطهيره حتى إنه يتكرر من التطهير لغيره، كما قيل: رجل شكور وصبور، وسيف قتول، وهذا اسم موضوع لمن يتكرر منه الفعل، فحصل في طهور فائدتان: إحداهما: كونه مطهرا لغيره، والأخرى: تكرار ذلك منه.
فإن قيل: فقد حصلت في هذه ثلالثة ألفاظ طاهر وطهور ومطهر، فإذا جاز لكم أن تحملوا طهورا ومطهرا على معنى واحد.
قيل: إنما نحمل طاهرا على العموم في الماء وسائر الأشياء، ونحمل طهورا ومطهرا على أنهما يفعلان الطهارة في الغير، وتكون كل لفظة منها وإن كانت مشاركة لصاحبتها مرجحة على الأخرى.
ففي اسم طهور مبالغة فوجب تكرار الفعل، وأنتم إذا حملتم طاهرا وطهورا على معنى واحد أسقطتم فائدة تطهيرة لغيره، وفائدة التكرار، ولم تجعلوا للماء مزية على غيره من الأشياء الطاهرة، ونحن نعلم أن الله - تعالى - قد خص الماء من بين غيره بقوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾.
وجواب آخر: وهو أننا قد اتفقنا على أنه يجوز أن نسمي المطهر طهورا، فإذا وقع النزاع في لفظة، فقلتم: المراد طاهر، وقلنا نحن: المراد مطهر.
فإنهما لا يتنافيان، فهو طاهر مطهر، وكل مطهر طاهر،
وليس كل طاهر مطهرا.
ثم مع هذا فإن جميع ما أطلق في هذا الباب في الشرع إنما يقتضي المطهر للغير، فمن ذلك: قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)، فأرد أن الأرض لي مطهرة ولم يرد أنها لي طاهرة، ولو كان كذلك لم يكن موضع فضيلة.
ومن ذلك: قوله عليه السلام في البحر، وقد سئل عن التوضؤ بمائه: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، فخرج جوابه عما سئل عنه من الطهر به.
وأما ما ذكروه من قوله - تعالى -: ﴿وسقاهم ربهم شرابا طهورا﴾، وأنه ليس في الجنة عبادة، فنقول: إن الآية توجب أن يكون الشراب طاهرا في نفسه مطهرا لغيره، وليس إذا لم تكن على أهل الجنة عبادة ما يجب أن نسلب الماء صفته.
ثم إنه ينقلب عليهم في طاهر إن كان هذا معناه - عندهم -؛ لأنه إنما يقال: طاهر ونجس في موضع العبادة، فإذا لم تكن هناك عبادة وقد ذكر الطاهر جاز أن يخبر عن تطهيره لغيره وإن لم تكن هناك عبادة، وإنما أرد - تعالى - أن يخبرهم أن لهذا الشراب فضيلة تزيد على شراب الدنيا، وهو مما لو تعبدتكم بعبادة لجاز أن تتقربوا إلى باستعماله، كما أني في دار الدنيا جعلت للماء فضيلة على غيره، وهو أنه يطهركم، فكذلك لسائر أشربة الجنة فضيلة على سائر أشربة الدنيا.
وجواب آخر: وهو أنه - تعالى - أراد أن يصف لنا شراب الجنة بشيء مما نعرفه بيننا، ووجدنا أشرف الأشربة عندنا هو الماء الذي هو طاهر مطهر، فوصف شراب أهل الجنة بأشرف شيء نعرفه.
ألا ترى أنه - تعالى - ذكر الأشياء التي نعرفها في الدنيا ونستلذها من الخمر والعسل واللبن، وقال: ﴿ولحم طير مما تشتهون﴾، وذكر الحور العين، وقال: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا﴾، وليس في الجنة بكرة ولا عشي، فكذلك هذا.
فأما ما روي عن عبد الله بن عمروا، وقوله: التيمم أحب إلي من ماء البحر.
فإنه يحتمل تأويلين: أحدهما أنه أراد أنني أركب البر فأعدم الماء فأتيمم أحب إلي من أن أركب البحر فأتوضأ منه؛ وهذا لهو البحر وخطره.
ألا ترى أنه لما قال له عمر رضي الله عنه: صف لي أمر البحر.
قال: خلق شديد، يركبه خلق ضعيف، دود على عود، إن ضاعوا هلكوا، وإن سلموا فرقوا.
فامتنع عمر رضي الله عنه من أن يركبه أحد.
والتأويل الثاني: هو أن يكون قوله: التيمم أحب إلي منه لو كان ذلك يجوز، وقد يحب الإنسان شيئا غير ما يجب عليه إلا أن الشرع قد منع منه، وأوجب عليه غيره إذا كان ذلك الشيء الذي قد أحبه مما قد كان يجوز أن يتعبد به، فلا يمتنع أن يقول: قد كان هذا أحب إلي من هذا.
على أنه لو ثبت على ما يذكرونه لقضي عليه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في البحر وقد سئل: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته).
فإن قيل: فقد روي عنه عليه السلام أنه قل في البحر: (هو نار من نار) وقال - تعالى -: ﴿والبحر المسحور﴾.
قيل: ليس في هذا دليل يمنع من التوضؤ به؛ لأنه قوله: (هو نار من نار) يحتمل أحد معنيين.
إما أن يكون لهو له وغرره وشدته هو نار من نار، كما قال في الإبل: (إن جن من جن).
والمعنى الآخر: أي أنه يؤول إلى نار، فكأنه سماه للمقارنة.
أي من ركب البحر وخاطر بنفسه وماله آل أمره إلى نار.
ويحتمل أن يكون أراد البحر يكون يوم القيامة نارا، ولهذا قال - تعالى -: ﴿والبحر المسحور﴾.
وجملته أنه ليس في ظاهر ذلك ما يمنع التطهر منه، كما لا يمنع غسل النجاسة به.
ولنا أن نستدل بظواهر فنقول: إذا كان معه ماء البحر هل يستعمله أو يتيمم؟.
قال الله - تعلى - ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وهذا واجد لما يقع عليه اسم ماء.
وأيضا فإنه عليه السلام قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه، فدليله أنه إذا لم يبل فيه جاز له أن يتوضأ منه، والبحر ماء دائم.
ولنا أيضا القياس على ماء البئر؛ بعلة أنه ما اكتسب الملوحة من قراره.
وأيضا فإنهم لا يخلون في الامتناع منه إما لأنه ماء بحر أو لأنه ملح أو لركوده، فيبطل ذلك لكونه بحرا؛ لأن ماء البحر العذب يجوز، ويبطل لكونه ملحا بماء الآبار المالحة، ويبطل لكونه راكدا بماء المصانع وغيرها، وقد قال - تعالى - ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض﴾، قيل: إنه
ماء البحار، وقال: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به).