فقيل له: أرأيت ليلة الجن؟.
فقال: أنبذتكم هذه؟.
إنما كان ذلك زبيبا وماء.
وقد ثبت عن جمهور الصحابة تحريم النبيذ، فأي خلاف يكون أكثر من هذا؟.
ولعل النقل في منع التوضؤ بالنبيذ مما يقل لشهرة المنع منه، كما قل النقل في التوضؤ بالخمر والمياه النجسة.
على أننا نقول: لو صح كون عبد الله مع النبي عليه السلام ليلة الجن لكان الجواب عن الخبر من وجوه:
أحدهما: أنه لا دلالة في ظاهره؛ لأن قوله عليه السلام: (تمرة طيبة وماء طهور) يقتضي أن يكون في الحال تمرا وماء، ولا يكون نبيذا، وعلى ما يقولون قوله: (تمرة طيبة وماء طهور) على المجاز، أي: كان تمرا طيبا وماء طهورا.
فإن قيل: قال عبد الله بن مسعود: معي نبيذ.
قيل: له تأويلان:
أحدهما: أن قوله: معي نبيذ.
أي: ماء منبوذ.
والثاني: أي يؤول إلى نبيذ، كقوله - تعالى -: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾، وكقوله: {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد
رأيتموه}، رأوا أمارته، وكقوله: ﴿حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾.
فإن قيل: فنحن نقول: تمرة طيبة وماء طهور، أي كان لا في الحال؛ بدليل قول عبد اله: معي نبيذ.
قيل: إذا لم يكن بد من تحقيق أحد الكلامين، فتحقيق قول النبي عليه السلام، وتأويل قول عبد الله أولى، فنحمل قول عبد الله على المجاز بالتأويل بقول النبي عليه السلام، وقوله: (تمرة طيبة وماء طهور).
فإن قيل: فقد نفى عبد الله أن يكون معه ماء.
ألا ترى لما سأله عليه السلام: (هل معك ماء؟)، قال: لا.
فعلم أنه كان نبيذا لا ماء منبوذا، أو نبذ فيه تمر.
قيل: الجواب عنه تأويلين:
أحدهما: وقد ذكرناه أنه قال: لا.
يعني الماء للتوضؤ؛ لأن الماء الذي كان معه للشرب؛ لأن مياههم كان فيها ملوحة، فكانوا يستعذبونها بالتمر للشرب، ويتوضؤون بها غير مستعذبة، فلهذا قال: ليس معي ماء لم ينبذ فيه تمر.
والثاني: أن الخبر منسوخ؛ لأن ليلة الجن كانت بمكة في صدر
الإسلام، وقوله عز وجل: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ متأخر؛ لأنها نزلت في غزوة المريسيع حيث فقدت عائشة - رضي الله عنها - عقدها، فاشتغلوا به حتى فتتهم الصلاة، فأنزل الله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، والمتأخر - عند أبي حنيفة - ينسخ المتقدم، سواء كان المتأخر عاما أو خاصا.
على أننا نقول: لو لم يكن منسوخا لم يسع الحجاج به؛ لأن النبي عليه السلام توضأ بنبيذ التمر التي منه لا المطبوخ؛ لأن العرب لم تكن تطبخ الأنبذة - وعند أبي حنيفة - لا يجوز التوضؤ بالني، وإنما يجوز بالمطبوخ المسكر.
فإن قيل: يجوز - عندنا - أن سنسخ الأصل ويبقى الفرع.
قيل: لا يجوز - عندنا - أن يثبت الفرع ويرتفع الأصل.
ألا ترى
أن القياس في الأرز على البر صحيح، ولا يجوز لأحد الربا في الأرز الذي هو فرع للحنطة ويسقط حكم البر.
فإن قيل: النسخ لا يكون بالاحتمال، سيما إذا أمكن الاستعمال.
وعلى أن هذا يكون نسخا للسنة بالقرآن، وهذا لا يجوز.
قيل: لم ينسخ بالاحتمال، فإذا ثبت لنا التاريخ لم يبق هناك احتمال.
ألا ترى إلى قول الراوي: كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من فعل النبي عليه السلام.
وقولهم: إن نسخ السنة بالقرآن لا يجوز فإنه يجوز - عندنا -، ولو قلنا: إنه لا يجوز لقلنا: إن إباحة النبيذ بالقرآن في سورة النحل، ثم نسخ بما ذكرناه.
وقولهم: إن الاستعمال ممكن فليس كذلك؛ لأن النبيذ منعوا شربه منعوا التوضؤ به.
وجواب آخر: وهو أن هذه قضية واحدة في عين، فيحتمل أن يكون قول ابن مسعود: توضأ به، أي غسل شيئا كان عليه أراد أن يزيله به لا لصلاة، وهذا يسمى وضوءا.
فإن قيل: روى أنه توضأ وصلى.
قيل: غسل الذي قلناه، وصلى بوضوء متقدم.
وإذا احتمل ما قلناه، واحتمل ما قلتموه لم يعترض به على عموم الآية والأخبار.
وأيضا: فليس عند أبي حنيفة أن أفعال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الوجوب.
وأيضا: فهم أبعد الناس نم هذا؛ لأنهم يزعمون أن الزيادة في النص نسخ، والله - تعالى - نص على الصعيد عند عدم الماء، فإذا قالوا: معناه فلم تجدوا ماء ولا نبيذا فقد زادوا في النص بخبر واحد، وهذا نسخ.
وهو مع هذا خبر ضعيف على ما بيناه، وقد ألزمونا هذا في الشاهد واليمين.
فإذا قالوا: فإذا فعلتم هذا في اليمين مع الشاهد، وفي التغريب مع الجلد فلم تمتنعون منه ههنا؟.
قيل: إنا أنكرنا عليكم انتم؛ لأنكم لا تجوزونه، ونحن نجوزه.
فأما امتناعنا نحن منه ههنا فليس لأنه زيادة في النص، ولكن لما سمعتموه من الدلال.
مع أننا وإن زدنا التغريب مع الجلد فلم نسقط شيئا ورد به القرآن، وأنتم إذا استعملتم النبيذ أسقطتم التيمم مع وجوده لا محالة.
وهذا إسقاط لشيء من القرآن في غير موضعه.
فإن قيل: قولكم إن النبيذ كان نيا فقد خالفتم الخبر لا يلزمنا؛ لأن النبي عليه السلام لم يستفسر ابن مسعود عنه، هل هو ني أو مطبوخ؟.
فصار كالعموم، ثم قامت الدلالة على تخصيصه، فلم يجز الني وبقي المطبوخ.
وقد يجوز أيضا أن يكون نيا كما زعمتم فكان يجوز هو والمطبوخ، ثم لما خص النبي عليه السلام التي بالمنع بقي الباقي على الجواز على ما دل عليه الخبر؛ لأن النبي عليه السلام لم يبين في وقت قيل له: معي نبيذ.
قيل: لا يجوز التخصيص بمثل معنى المخصوص منه، ونحن نعلم أن الطبخ لم يغير من حكمنه شيئا؛ لأن الغلبة من التمر للماء والشدة المخصوصة فيه على ما هي عليه في الني، فإذا لم يجز التوضؤ بالأصل الذي نص عليه وارتفع حكمه كان فيما لم يرد النص فيه وعلة الني فيه موجودة أولى أن لا يجوز.
ثم مع هذا فإن النبي عليه السلام كان ينهى عن النبيذ المشتد، وينهى عن الانتباذ في أوعية مخصوصة؛ لئلا يسرع إليها النش والشدة، ويعلم
أن ابن مسعود لا يكون معه نبيذ مشتد وهو ني طاهر بإجماع.
فإذا ثبت عنه المنع بالتوضؤ بمثل هذا كان محالا أن يجوزه فيما قد اشتد وقد نهى عن شربه، وصار مختلفا في نجاسته، ويمنع من جوازه في الحلال بإجماع.
فإن قيل: إنكاركم علينا نسخ الأصل وبقاء الفرع قد قلتم بمثله في القرعة، فزعمتم أن الأصل فيها قصة مريم، وقوله - تعالى - ﴿إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾، وقوله في قصة يونس: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾، ثم قلتم إن القرعة لا تصح في الإلقاء في البحر، ولا في الكفالة، فأبطلتموها فيما وردت فيه، وأخذتم بالقرعة منها في القسمة وغيرها.
قيل: اعترفوا بأنكم قد فعلتم ذلك، وأنه منكر، ثم ننظر فيما عملناه نحن.
على أننا لم نفعل في القرعة ما ذكرتموه، وإنما الأصل - عندنا الأحاديث المروية عن النبي عليه السلام، وأنه استعمل القرعة في شرعه في قسمة الأرض، والقسم
بين نسائه، وبين العبيد الذين أتقهم الأنصاري عند موته، ولو جعلنا الأصل قصة يونس لكتن كما ذكرتم.
فإن قيل: إن خبر ابن مسعود كان قبل تحريم الخمر.
قيل: فقد جاء من هذا ما يريد، وأن الوضوء بالنبيذ منسوخ، لأن فيه معنى الخمر.
ثم نقول لهم: أنتم أبعد الناس من الاستدلال بمثل هذا؛ لأنكم تزعمون أن الحديث إذا كان خبر واحد وجاء بما لا يطابق الأصول لم يعمل به، وألزمتمونا ذلك في مس الذكر وغيره، ثم وجدنا خبر النبيذ من أشد شيء منافاة للأصول؛ لأننا نجد الخل أخف حالا، وكذلك ماء الزعفران وماء الورد والباقلاء من النبيذ، ومع هذا فلم يجز الوضوء بذلك، فالنبيذ أولى.
فإن قيل: إن هذا الخبر لم يعترض على الأصول نفسها، وإنما اعترض على قياس الأصول.
قيل: كل شيء رددتموه من أخبار الآحاد فإنما رددتموه؛ لأنه يزاحم الأصول فأما نفس الأصول فلا يبطلها إلا نفس النطق، مثل أن
تكون الأصول مبنية على أن القاتل يقتل، فيرد خبر واحد فيه لا يقتل قاتل.
فإن قيل: قد قلتم أنتم بخبر القرعة، وهو ينافي موجبات الأصول؛ لأن العتق إذا توجه إلى جماعة فقد حصل في كل عبد جزء من الحرية، فإن قلتم في ذلك بالقرعة فهو منافاة للأصول بخبر واحد.
قيل: إنما ألزمناكم هذا؛ لأنكم أنتم استدللتم به، وأنتم تنكرونه، فلا يلزمنا نحن.
فأما قصة العتق فلا نقول: إن العتق وقع على كل واحد منهم، وإنما هو مراعى إلى أن تقع القرعة، كما نقول في الذي لا يملك إلا عبدا واحدا فأعتقه في مرضه إنه موقوف.
وأيضا فإنهم يقولون: إن الخبرين إذا وردا وكان أحدهما متفقا على استعماله، والآخر مختلفا في استعماله فالمتفق على استعماله أولى.
قالوا ذلك: (فيما سقت السماء العشر)، وليس فيما دون خمسة أو سق صدقة)، وما أشبه ذلك.
فقد روينا أخبارا ههنا متفقا
عليها في الاستعمال في الماء إما من حيث النطق، أو من حيث الدليل، ورووا خبر ابن مسعود في النبيذ، وهو مختلف في استعماله.
فوجب أن لا يقولوا به.
فإن قيل: فقد روى عكرمة عن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: (النبيذ وضوء من لم يجد الماء) لا، ولا يمكن حمل هذا الخبر على شيء إلا بإسقاطه.
قيل: الخبر ضعيف.
على أنه يمكن استعماله وتأويله فيحتمل أن يكون أراد الماء الذي يسمى نبيذا، وهو الذي طرح فيه التمر ولم يمنع فيه، وإنما سمي بذلك لما يؤول إليه كقوله: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾.
ويحتمل أيضا أن يكون منسوخا.
ويحتمل أيضا أن يريد الوضوء الذي يغسل به الشيء فإنه يسمى وضوءا.
ويحتمل أن يكون أراد غسل اليدين الغمر، فإن النبيذ الحلو يقلع ذلك، ويسمى ذلك وضوءا.
كما قال معاذ: كنا نسمي ذلك وضوءا، بالدلائل التي ذكرناها.
فإن تعسف منهم متعسف بقياس يذكره فيقول: يجوز الوضوء بالماء الذي فيه تمر قليل، طبخ طبخا لم يتغير فكذلك إذا تغير؛ بعلة أنه ماء طبخ فيه تمر فلم يمنع من استعماله عند عدم الماء.
أو نقول: هو مائع يسمى طهورا في الشريعة، يدل عليه: قوله عليه السلام في حديث ابن مسعود: (هو شراب طهور)، وإذا سمي طهورا في الشريعة أشبه الماء.
قيل: أول ما في هذا: أن صاحب هذه المقالة يعترف بأنه مخالف للقياس في هذه المسألة، وإنما يحتج بالخبر، وقد قال بعض شيوخهم في شرحه مختصر الطحاوي: إن القياس يمنع - عند أبي حنيفة - من جواز التوضؤ بالنبيذ؛ لاتفاق فقهاء الأمصار على الامتناع من جوازه بالخل والمرق.
وأيضا فهو منتقض به إذا لم يذهب ثلثاه.
وقولهم: هو مائع يسمى طهورا فإننا لا نسلم له ذلك، وقد قلنا إن قول النبي عليه السلام - إن صح ذلك عنه - ينصرف إلى الماء الذي فيه تم لم يمنع فيه ولا غيره، وإلا فطهور - عندنا - لا يسمى به غير الماء المطلق.
ثم قولهم: فأشبه الماء غلط؛ لأنه لا يجوز مع وجود الماء.
ولنا إذا سئلنا ابتداء عن هذه المسألة أن نقول: القياس عليه، فيصير الكلام في هذا الأصل، فإن سلم طرح الخبر إن صح ولم يكن التأويل فيه، وإن قلنا: إن الخبر مقدم فقد ذكرنا ما فيه كفاية، وبالله التوفيق.
[38]
مَسْأَلَة
لا تجوز إزالة النجاسة من الثوب والبدن وغيرهما إلا بما يجوز التوضؤ به من الماء دون سائر المائعات.
وبه قال الشافعي؛ ومحمد ابن الحسن وزفر.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: تزول بكل مائع طاهر.
فأما الدهن والمرق فعنه رواية أنه لا تجوز إزالتها به.
إلا أن أصحابه يقولون: إذا زالت النجاسة به جاز.
وكذلك - عنده - للنار والشمس في إزالتها مدخل، حتى إن جلد الميتة إذا جف في الشمس طهر من غير دباغ.
وكذلك يقول: إذا كان على الأرض نجاسة فجفت في الشمس فإنه يطهر ذلك الموضع بحيث تجوز الصلاة عليه، ولكن لا يجوز التيمم بذلك التراب، وكذلك يقول في النار: إنها تزيل النجاسة.
والدليل لقولنا استصحاب الحال، وكون ذلك الشيء نجسا، فمن زعم أنه يطهر بالمائع سوى الماء فعليه الدليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾، ففي هذا دليلان.
أحدهما: أن الله - تعالى - أخرج هذا مخرج الامتنان والفضيلة للماء، فلو كان غير الماء في إزالة النجاسة في حكم الماء لبطلت فائدة الامتنان بالماء.
والثاني: هو أنه لو نص على الماء لينبه على ما عداه من المائعات لوجب أن ينص على أدون المائعات في الإزالة؛ ليكون فيه تنبيه على أعلاها مثل الماء، فلما نص على الماء نم بين سائر المائعات، وخصه بالذكر - وهو أعلاها - علم أنه خصه بالذكر لتخصيصه بالحكم، ثم إنه - تعالى - أكد ذلك بقوله: ﴿ويذهب عنكم رجز الشيطان﴾، قيل: إنه النجاسة، وإذا كان النص ورد بالماء دل على أنه ما عاداه بخلافه.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، فدل على أن غير الماء لا يكون طهورا.
وأيضا ما روي أن أسماء بنت أبي بكر سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال عليه السلام: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء) لا، فأمر عليه السلام بغسله بالماء، والأمر إذا توجه معينا بشيء لم يسقط إلا بالإتيان بذلك المعين، فوجب إذا غسل بغير الماء أن يكون حكم الأمر باقيا على المأمور، وإلا فهو بمنزلة من لم يغسله أصلا؛ لأنه خالف الأمر.
ودليله ألا يغسل بغير الماء، فقد حصل من هذا الخبر ثلاثة أدلة:
أحدها: أن قوله عليه السلام: (اغسليه بالماء)، لفظه لفظ أمر فهو على الوجوب، ومن عدل عن الماء ترك الواجب.
والثاني: أنه موضع تعليم وبيان، فلو كان غير الماء
يزيل ذلك لم يغفله وبينه لها.
والثالث: لما نص دل على أن غيره بخلافه.
فإن قيل: الأمر توجه إلى الندم؛ لأن الهاء في قوله: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه) هي ضمير الدم؛ وإذا غسل الدم بالخل متى ذهبت حمرته لم يبق هناك دم يجب غسله، فوجب أن يسقط عنه.
قيل عنه جوابان:
أحدهما: أن كلامنا في أن الذي تزال به النجاسة متعين أو لا.
وأنتم تقولون: هو مخير بين أن يزيلها بالخل أو الماء، ولا تعينون شيئا.
ونحن نقول: إنه متعين إزالته بالماء؛ لأن الخبر يقتضي تعيين الماء، فإذا صح تعيينه بالنص عليه بقوله: (ثم اغسليه بالماء) سقط التخيير.
والجواب الثاني: أن الهاء فيه راجعة إلى المحل لا إلى الدم، والمحل موجود، فالأمر عليه باق، وإن زال عين الدم بالخل.
فإن قيل: فقد قال عليه السلام: (حتيه ثم اقرصيه)، وليس كل ذلك واجبا.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن دلكه واجب، وهو قرصه حتى يزول بالماء.
والثاني: أن الظاهر يقتضي عموم ذلك، فما خص منه خرج بالدليل، وبقي الباقي من غسله بالماء على ما يقتضيه الخبر.
على أن سقوط الحت والقرص من الوجوب لا يدل على أن الغسل بالماء ليس بواجب، كما لم يدل على أن نفس الغسل ليس بواجب.
فإن قيل: فإن الأمر بغسله - عندكم - ليس بواجب؛ لأن إزالة الأنجاس ليس بفرض - عندكم -.
قيل: في رواية عن مالك أنه واجب.
وإن قلنا: إنه ليس بفرض وإنما هو مسنون لم يخرج أن تكون صفة غسله المسنون بالماء دون غيره؛ لأن النص والتعيين وقع فيه على الماء دون غيره.
ولنا أيضا ما روي أن أعرابيا بال في المسجد فقال النبي عليه السلام: (صبوا عليه ذنوبا أو ذنوبين من ماء)، والاستدلال منه كهو من الخبر الأول.
فإن قيل: إن خبر أسماء قد تناول اليسير من الدم؛ لامتناع حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز في حالة واحدة.
قيل: لو كان الحكم يختلف في غسل القليل من الدم والكثير بالماء
لبينه عليه السلام؛ حتى يعلم الفرق بين ذلك، فلما لم يفرق علم أن المسنون والمفروض والمستحب كله بالماء.
ولنا من جهة القياس أن نقول: هو مانع من الصلاة، أمر في رفعه بضرب من المائع، فوجب أن يكون ذلك المائع ماء، دليله رفع الحدث.
أو نقول: غسله عبادة تعلقت بالصلاة فلم يجزئ بغير الماء المطلق، دليله ماء فع الحدث.
فإن قل: الفصل بنهما أن من شرط رفع الحدث - عندكم - النية.
قيل: فأنتم لا توجبونها في الجميع.
على أن هذه علة لا تتعدى فلا تصح - عندكم - أيضا، وتصح - عندنا -، ولكن المتعدية أولى منها عند اجتماعها.
ونقول أيضا: هي طهارة لا تلحق المشقة في اعتبار الماء فيها غالبا فوجب أن لا تجوز بغير الماء.
أصله طهارة الحدث.
ونقول أيضا: إن المائع إذا لاقى النجس على الثوب والبدن تنجس؛
لأن المائع الكثير إذا حلت فيه نجاسة يسيرة، غيرته أو لم تغيره فإنه نجس كله.
فعلى هذا لا يطهر الثوب؛ لأنه كلما غسله بالخل تنجس الخل، فيلاقي النجس النجس، والماء بخلاف ذلك؛ لأن إذا كثر رفع النجس عن نفسه، كما أنه يرفع الحدث.
ونقول أيضا: هي طهارة شرعية فوجب ألا تصح بالخل، وماء الباقلاء، ولا الماء كرفع الحدث.
أو نقول: هو غسل واجب أن لا يصح بغير الماء، أصله الغسل من الجنابة وغسل الميت.
وهذا التعليل إنما يلزمهم في النجاسة إذا كانت على البدن، ولا يلزمهم ذلك في الثوب؛ لأنهم يقولون غسله ليس بواجب.
ولنا أن نقيسه على الدهن والمرق، لأنه لا يزيل النجس، بعلة أنه مائع لا يرفع الحدث فوجب ألا يرفع النجس.
أصله ما ذكرنا من الدهن.
فإن قيل: - عندنا - أن الدهن والمرق يجوز إزالة النجاسة بهما.
قيل: قد قال أبو حنيفة أيضا: إنه لا يجوز.
فقولكم: إنه لا يزيل لا يخلو من تريدوا أنه لا يزيل حكمها أو عينها.
فإن أردتم أنه لا يزيل عينها فهو دفع المشاهدة؛ لأن النجاسة لو كانت على شيء أملس، وصب عليها الدهن والزيت، وغسلت به انقلع عينها حتى لا يبقى منها شيء.
وإن أردتم أنه لا يزيل حكمها فكذلك سائر المائعات - عندنا - لا تزيل حكمها.
فإن سلموا أن النجاسة لا تزال بالدموع والعرق قسنا عليه المائعات كلها؛ بعلة أنه ليس بماء مطلق، أو بعلة أنها لا ترفع الحدث.
ومن طريق الاستدلال نقول: رأسنا جنس الماء إذا كان كثيرا يدفع الأنجاس عن نفسه إذا لم يتغير، وليس كذلك جنس المائع، فإذا لم يدفع النجس عن نفسه فبأن لا يدفعه عن غيره أولى.
هذا قد ذكره أصحابنا والناس، ولكنهم لا يسلمونه ويقولون: المانع الكثير لا يقبل النجاسة إذا لم تغيره، فيدفعها عن نفسه كالماء، ولكننا إذا اعتبرنا أصولهم كان ما قلناه صحيحا وذلك أن النجاسة أغلظ حكما وأقوى من الحدث أو مثله؛ لأن الماء المزال به النجاسة مسلوب الصفتين - عندهم - من الطهارة والتطهير، فيكون نجسا، أو يسلب التطهير وحده فيكون طاهرا غير مطهر، - وعندهم - أن الماء المستعمل نجس على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف فينبغي أن لا تجوز إزالة النجاسة به.
فإن ركبوا قول محمد بن الحسن في أن الماء المستعمل طاهر.
قيل لهم: فعلى كل حال إزالة النجاسة أكد - عندكم - من رفع الحدث؛ بدليل أن إنسانا لو كان معه ماء لا يكفيه لرفع الحدث وإزالة النجس جميعا، وهو يكفي لأحدهما فإنه يزيل به النجس ويتيمم للصلاة، فإذا كانت إزالة النجس أقوى ولم يرتفع الحدث بالمائع فأولى ألا يزول به النجس.
وأيضا فإن تيمم المحدث يسقط الفرض، وتيمم من عليه نجاسة لا
يسقط الفرض، فإن صلى وعليه النجاسة كانت عليه الإعادة، فعلم بهذا أن إزالة النجس - عندهم - أغلظ وأقوى من رفع الحدث -، فلما كان الحدث الذي هو دونها لا يرتفع إلا بالماء دون سائر المائعات غيره كانت النجاسة التي هي أقوى أن لا ترتفع بالمائعات غير الماء.
وأما على أصولنا فإن إزالة النجاسة أخفض من إزالة الحدث لا محالة؛ لأن الناس اختلفوا في وجوب إزالة النجس.
فقال بعضهم: فرض، وقال بعضهم مسنون، ولم يختلفوا في فرض إزالة الحدث.
وإزالة النجس لا تفتقر إلى نية، ورفع الحدث يفتقر إلى نية - عندنا - غير أن إزالة النجس طهارة من أجل الصلاة، ورفع الحدث طهارة، وليس قوة إحدى الطهارتين على الأخرى بمخرج لها عن الماء إلى المائع.
ألا ترى أن الوضوء من الحدث طهارة، وغسل الجنابة طهارة، وهو أقوى من الوضوء؛ لأن فيه غسل جميع البدن، ومع هذا فقد استوى حكمها في الماء، فكذلك يستوي حم إزالة النجس والوضوء في الماء، وإن كانت إزالة النجاسة أضعف من الوضوء.
فإن قيل: قد قال النبي عليه السلام في المستيقظ من النوم: (لا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا)، ولم يخص غسلها بشيء من المائعات، فهو عموم.
وقال في الولوغ: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله).
وقال لعمار: (إنما يغسل الثوب من المني والدم والبول)، ولم يخص شيئا مما يغسل به، فوجب إجراؤه على عمومه في كل ما يتأتى به الغسل إلا ما خصه الدليل.
قيل: هذه عمومات يقضي عليها نصه على الماء في حديث أسماء،
وهو قوله: (ثم اغسليه بالماء)، دليله ألا يغسل بغير الماء.
فإن قيل: قد روي عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله، إني امرأة أطيل ذيلي، فأجره على المكان القذر.
فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يطهره ما بعده)، وليس ما بعده إلا الأرض والتراب.
على أن الغرض من الأخبار الغسل، ثم بماذا يغسل مأخوذ نم قوله: ﴿وأنزلنا من المساء ماء طهورا﴾، وقوله: ﴿ليطهركم به﴾، وقوله لأسماء: (ثم اغسليه بالماء)، وغسل الإناء من ولوغ الكلب - عندنا - ليس بنجاسة، وإنما هو عبادة بالماء.
وأيضا قوله عليه السلام: (إذا أصاب خف أحدكم أذى فليدلكه بالأرض).
وروي: (فليمسه).
وأيضا فقد روي أن عائشة - رضي الله عنها - أصاب ثوبها الدم، فبلته بريقها ومصته، فدل على أن الريق يزيل النجاسة.
قيل: أما قوله عليه السلام لأم سلمة: (يطهره ما بعده) أراد به إذا علق به النجس اليابس، وجرته على التراب انقلع؛ بدليل أن النجاسة الطرية إذا أصابت ثوبا أو خفا أو نعلا لم تزل بالدلك وغيره بإجماع.
وقد وافقونا على أن التراب لا يزل النجس في غير المخرج، فصال للحديث معنى، وهو ما ذكرناه.
فإن قيل: فما معنى قوله: (يطهره ما بعده)؟.
قلنا: لو بقي في الثوب لم يجز أن يصلي به حتى يلقيه، كما لا يصلي إنسان وهو حامل للميتة أو غيرها من الأنجاس؛ لأن الثوب نفسه نجس.
ثم نتأول بتأويل آخر فنقول: يجوز أن يصيب ثوبها شيء نجس رطب فيطهره ما بعده إذا كان ماء واقفا في طرق وانجر الثوب فيه؛ لأن الغريبة من النساء تجر الثوب خلفها نحو الذراع وأكثر، وإذا احتمل هذا خصصناه بما ذكرناه من قوله عليه السلام لأسماء في الماء.
وأما قوله عليه السلام في الخف يصيبه الأذى.
معناه من أرواث الدواب والبغال والحمير؛ لأن الغالب كونها في الطرقات، وهي - عندنا - مكروهة لا نجسة، وليس الغالب أن الناس يتغوطون ويبولون في الطرقات إلا في الجوانب.
ويجوز أن يريد النجاسة اليابسة أيضا بدليل ما ذكرناه من الآيات، وخبر أسماء في الماء.
وأما حديث عائشة في بل الدم بالريق ومصه، فإنه في دم يسير
معفو عنه لو لم تزله؛ بدليل أن الكثير لا يمكن بله بالريق ولا إزالته به.
ثم يجوز أن يكحون مصته ثم غسلته بعد ذلك، كما قال عليه السلام لأسماء: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء).
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿وثيابك فطهر﴾، ولم يخص ما يطهر به.
وأيضا فإننا نفرض المسألة في هل يجوز أن تطهر النجاسات بغير الماء؟.
فإن سلمتم لنا ذلك سلمت المسألة.
قالوا: ولعاب الهر مائع طاهر، ثم قد اتفقنا على أنها لو أكلت ميتة، ثم ولغت في إناء لم تنجسه، ولم نجد ههنا ما أزال تلك النجاسة إلا لعابها فدل على ما ذكرناه.
قيل: أما قوله - تعالى -: ﴿وثيابك فطهر﴾، لا نسلم أنها تطهر بغير الماء، ولكنها تطهر بما ذكره - تعالى - من قوله - تعالى -: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به {، وبما ذكره لأسماء.
على أن قوله ﴿وثيابك فطهر﴾ معناه - عندنا -: وقلبك فنقه على ما ذكره ابن عباس، ولم يرد به طهره من نجاسة.
وأما ولوغ الهر فلا يلزمنا من وجوه:
أحدهما: أن نفس لعابها لو كان نجسا وحل في الماء لم يغيره وهو طاهر كسائر الأنجاس التي لا تغير الماء، فكيف ولعابها طاهر؟.
ولو بقي في فمها شيء من دم الميتة، فشاهده، ثم حصل في الماء ولم يغيره لكان الماء طاهرا - عندنا -.
ثم لا يلزم أيضا لغيرنا ممن ألزموه؛ لأنهم على ضربين:
منهم من يقول: إن لم تبرح الهر بعد أكلها الميتة حتى شربت من الإناء فإنه نجس، وإن غابت ثم رجعت فشربت من الإناء كان طاهرا؛ لجواز أن يكون قد شربت في غيبتها ماء فغسل ما فيها.
ومنهم من يقول: هذه حال ضرورة، ولا يمكن الاحتراز منها؛ لأنها من الطوافين عليكم، فعفي عن ذلك للضرورة، كما عفي عن دم البراغيث.
فإن قيل: رأينا المحرم ممنوعا من استعمال الطيب على بدنه، فلو أنه أطلى بخلوق لأجزاه أن يزيله بالخل، كما يجزئه بالماء، فدل على أن المائعات تعمل عمل الماء في العبادات غير إزالة الحدث.
ولأنها عين استحق إزالته لحرمة عبادة فأشبه إزالة الطيب نم ثوب المحرم.
وأيضا فإذا أزيلت بمائع طاهر فإنها عين من النجاسة قد عدمت من الثوب في حال الصلاة فوجب أن يحكم بجوازها.
دليله القطع، يعنون إذا قطعت عين الموضع من الثوب.
قيل: أما زوال الخلوق من ثوب المحرم بالخل فهو دعوى، ولا أعرف فيه نصا عن مالك رضي الله عنه.
فإن قلنا: إنه لا يزول إلا بالماء سقط السؤال.
وإن قلنا: يجوز.
فليس الطبيب نجسا يمنع من الصلاة فيه، وإنما منع منه مع كونه طاهرا؛ لئلا يلتذ بريحه فتدعوه نفسه إلى الجماع، أو يخرج به عن قشف الإحرام ومتعته، وخلافنا وقع في إزالة نجس، فإن كان ذلك من أجل سقوط الفدية وجبت بحقوله إن علم به ولم يزله، وإن أزاله فهو كما يزيله بالماء النجس، فإن الفدية تسقط كما تسقط بزواله بالخل، والأنجاس فلا تزول بالماء النجس.
وأما قطع موضع النجاسة فهو أبلغ من الماء؛ لأن العين والأثر ينقلع لا محالة، فلا يحصل مصليا بما فيه خلاف، كما لو طرح الثوب جملة ولم يصل فيه.
وإذا غسله بمائع فإن النجس - عندنا - لم يفارقه؛ لأن المائع ينجس، فإن انقلعت تلك العين النجسة خلفتها نجاسة أخرى، فهو كما يزيل العين بالبول.
فإن قيل: فإنه مائع طاهر فجاز إزالة النجاسة به أصله الماء.
وأيضا فإن الخمر إذا انقلبت خلا فقد طهرت هي والدن جميعا.
ونحن نعلم أن الخمر كانت نجسة والدن نجس، ولم يطهره إلا الخل الذي انقلبت عينه من الخمر، فدل على أن الخل يزيل النجاسة.
وأيضا فإن الحكم إذا ثبت بمعنى زال بزوال ذلك المعنى.
الدليل على ذلك الأصول كلها، فلما تقرر أن المنع من الصلاة كان لوجود عين النجاسة على البدن والثوب، وقد نفدت العين وعدمت المشاهدة إذا أزيلت بالخل فوجب أن يرتفع المنع منها.
قيل: أما القياس على الماء، فإن المعنى في الماء أنه يرفع الحدث، والمائعات سواه لا ترفع الحدث.
وما قالوه من نجاسة الدن وزوالها بالخل، فإننا نقول: إن الدن جامد كان طاهرا قبل حدوث الشدة في الخمر، وإنما حصل على وجهه أجزاء نجسة من الخمر، فإذا انقلبت الخمر خلا انقلبت تلك الأجزاء أيضا خلا، فلم تزل باخل أصلا، وإنما انقلبت كما انقلبت نفس الخمر، فوزان مسألتنا: أن تصيب الثوب نجاسة، فتنقلب عينها فتصر طاهرة، فنقول: إن هذا لا يحتاج إلى غسل.
ثم نقول: لو كان الدن إنما طهر بالخل على طريق الغسل لوجب أن لا يحكم بطهارته، ولا بطهارة ذلك الخل.
ألا ترى أن إناء لو كان فيه بول أو دم فصب عليه الخل حتى ملأ الدن، فإن الخل ينجس ولا يطهر الإناء، فعلمنا أن الدن لم يطهر بكون الخل فيه، وإنما طهر بما ذكرناه.
ويبين ذلك: أن الدن لو جرد حتى تنقلع منه تلك الأجزاء لحكمنا بطهارته؛ لأن الأجزاء النجسة زالت عنه.
ثم نقول أيضا: إن من مذهبهم أن الماء الذي تغسل به النجاسة يكون نجسا، فكيف بالخل؟.
فلو كان الدن إنما طهر بغسل الخل له لوجب أن يكون ذلك الخل نجسا.
ألا ترى أنه لو كان الدن نجسا بالخمر ثم غسل بخل آخر لم يطهر وينجس الخل.
وقولهم: إن الحكم إذا وجب لعلة زال بزوالها باطل على مذهبهم بعظم الخنزير أو شعره إذا غمس في الماء فإن الماء نجس بوجوده فيه، ثم إذا أخرجه منه زالت العين ولم تزل نجاسة الماء، وقد ارتفعت العلة ولم يرتفع الحكم، وقال بعضهم: قد يبقى في الماء جزء لطيف فلهذا بقيت نجاسة الماء، وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا ينحل من الشعر شيء.
فإن قيل: النجاسة التي حصلت لأجله قد زالت بزواله ولكن تعقبته علة أخرى، فهو نجس بمعنى آخر؛ لأن العلة تخلف العلة.
قيل: نحن كذلك نقول: إن الخل إذا لاقى النجاسة زالت تلك النجاسة، ولكنه يصير الخل نجسا فيصير الكل نجسا فلم يزل حكم النجاسة.
على أننا نقول: إن العين لو انقلعت بالخل لم نقل: إن أثره ينقلع.
ولو قلنا: إنه لم تكن العلة وجود النجاسة حسب لجاز؛ لأننا نقول: إنه قد كان يجوز أن نتعبد بترك زوالها، وإنما منعنا الشرع، فقد صار
الشرع أوجب ذلك مع وجودها، فإذا زال وجودها لم يزل الحكم إلا بشرع.
فإن قيل: إن الشرع قد أوجب زوالها لما حدثت.
قيل: إن الشرع قد يوجب الحكم لوجود شيء، ثم يزول ذلك الشيء فلا يزول الحكم، مثل: المطلقة ثلاثا، قال الله - تعالى -: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾، ثم قد تنكح فلا تحل لعلة أخرى، وهكذا الحائض لا يجوز وطؤها لأجل الدم، ثم ينقطع الدم لأكثر مدة الحيض فلا يحل وطؤها لعلة أخرى، وهي الغسل.
فإن قيل: إن المقصود من إزالة النجاسة إزالتها حسب من غير تعبد؛ بدليل أنه لو جاء عليها مطر لطهر الموضع، فإذا كان المقصد فيها إزالتها حسب كان الخل أبلغ في باب الإزالة، وكان إزالتها به أولى.
وأيضا فقد حصل الإجماع بأن لغير الماء مدخلا في إزالة النجاسة، وهو الاستنجاء بالأحجار.
وأيضا فإن النص ورد في الاستنجاء بالأحجار ثم أقيم غيرها مقامها، كذلك أيضا لا ننكر أن يقوم مقام الماء غيره في إزالة النجاسة.
قيل: قولكم إن المقصود من إزالة النجاسة زوالها لا تعبدا فإننا نقول: إنه لابد من اعتبار معنى آخر مع إزالتها.
ألا ترى أنه لو أزالها
بالدهن والمرق زالت العين ولم يحكم بزوالها.
على أن قولكم: لا تعبد فيها محال؛ لأن الإزالة وجبت من طرق الشرع، وتعبدنا بأن لا نصلي والنجس في ثيابنا وأبداننا.
وقولهم: إن غير الماء يزيل النجاسة كالأحجار في الاستنجاء فإننا نقول: إن الحجر في الاستنجاء لا يزيل النجاسة، وإنما يخففها، والنجاسة باقية سومحنا بذلك.
ألا ترى أنه لو عرق بعد المسح بالحجر، نفسه لا يزيل النجاسة الرطبة من غير هذا الموضع، فعلم أن الاستنجاء مخصوص.
ألا ترى أن الاستنجاء - عندنا وعندكم - غير واجب، وإزالة النجاسة - عندكم - في غيره واجب.
وقولهم لما أقيم غير الحجر مقام الحجر في الاستنجاء مع ورود النص في الحجر، كذلك في غير الماء من المائعات فإننا نقول: عنه جوابان:
أحدهما: أن النص هو في حكم الحجر.
والثاني: أن النص ورد في الحجر وأقيمت الجامدات الطاهرات مقامه؛ لأنها في معناه؛ لأنها طاهرة، والحجر طاهر، وليس كذلك
المائعات مع الماء؛ لأنها ليست في معنى الماء الذي هو طاهر مطهر، والمائعات طاهرة غير مطهرة، فلم يجز أن تقوم مقامه.
فإن قيل: قد قلتم إن الأرض إذا وقعت عليها نجاسة، وطلعت عليها الشموس ومضت عليها دهور فإنها تطهر، فقد زالت النجاسة بغير الماء - عندنا وعندكم -.
قل: إن كانت أرضا صلبة لا رمل ولا تراب فإنها لا تطهر، وإن كان عليها رمل أو تراب كثير يعلم أن النجس لم يصل إلى الأرض ثم جاءت الرياح فأزالت ذلك فإن عين النجس وأثره يزول ولم يكن وصل إلى الأرض، اللهم إلا أن تكون الأرض المكشوفة يعلم أن الأمطار قد جاءت علها فأزالت عين النجاسة وأثرها فإنها تطهر، فلم يلزم ما ذكروه.
فذكرنا ظواهر واستدلالات وقياسات، وذكروا مثل ذلك فما قلنا أولى؛ لأن النصوص وردت في طهارة الماء وتطهيره، ووجد العمل على استعماله في الطهارات إلا الموضع المخصوص من الاستنجاء، ولأنه أحوط لزوال الخلاف، ولأنه موجب للماء وهم يخيرون بين الماء وبين المائع، ولأنه يسقط حكم الصلاة بيقين، وهم يسقطونها بخلاف.
[39]
مَسْأَلَة
وليس للماء الذي تحله النجاسة، عندنا قدر معلوم، ولكنه إن تغير طعمه أو لونه أو ريحه منها فهو نجس، قليلا كان الماء أو كثيرا، ولا خلاف في التغير.
وإن لم يتغير طعم الماء ولا لونه ولا ريحه فهو - عندنا - طاهر، قليلا كان الماء أو كثيرا.
وبه قال الحسن، والنخعي، وداود.
وقال أبو حنيفة: الاعتبار بالاختلاط، متى اختلطت النجاسة بالماء نجس الماء إلا أن يكون كثيرا، وحد الكثرة - عنده - هو أنه إذا
حرك أحد جانبيه لم يتحرك الجانب الآخر، فإذا وقعت النجاسة في هذا الماء فالجانب الذي لم يتحرك لم ينجس، وأما الجانب الذي تحرك وحلت النجاسة فيه ففيه روايتان.
أصحهما: أنه نجس إلى الموضع الذي تحرك منه، ويعلم انتشار النجاسة إليه.
والرواية الثانية: أن الكل ظاهر، حكاه شيخ من شيوخهم يرجع إليه في مثل هذا، فلا يعتبر أبو حنيفة التغيير.
وقال الشافعي: إنه إن كان الماء دون القلتين نجس وإن لم يتغير، وإن كان قلتين فصاعدا لم ينجس إلا بالتغيير، وبه قال أحمد، وإسحاق.
والدليل لقولنا: كون الماء طاهرا قبل حلول النجاسة فيه، فمن زعم أن حكمه قد زال فعليه الدليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، وقد بينا أن الطهور صفة للطاهر المطهر، ولم يخص ماء من ماء، فهو على عمومه حتى يقوم الدليل.
وكذلك قوله - تعالى -: ﴿وينزل عليكم من السماء ما ليطهركم به﴾، فهو عام في كل ماء، قليلا كان أو كثيرا حتى يقوم الدليل.
وأيضا فإن الخلاف في رجل معه ماء دون القلتين، ودون الغدير، فيه نجاسة لم تغيره أراد الوضوء من الحدث، قالوا: يتيمم.
وقلنا: يتوضأ به ولا يتيمم؛ لأن الله - تعالى - قال: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ وهذا واجد لماء؛ لأن النفي في النكرة يتناول النجس، فدليله أنه إذا وجد ماء أي ماء كان لم يتيمم إلا أن يقوم دليل.
وأيضا ما روى أن النبي عليه السلام قال: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه) فأخبر أنه لا ينجسه إلا ما غيره، والألف واللام في الماء للجنس.
فإن قيل: هذا يتناول المياه كلها، والجنس كله لا ينجسه إلا ما غيره، وليس بعض الجنس هو الجنس كله.