[8]
مَسْأَلَة
والأذنان عند مالك -رَحمَه الله - من الرأس في الطهارة يمسحان معه، ويُستحب أن يُؤخذ لهما ماءٌ جديدٌ.
ومذهبنا مذهب ابن عباس، وأبي موسى الأشعري، وعطاء،
والحسن، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل.
وقال الزهري: هما من الوجه يغسل ظاهرهما وباطنهما معاً، وقال الشعبي: والحسن بن صالح، وإسحاق، ما اقلب منهما من الوجه يغسل معه، وما أدبر منهما من الرأس يمسح معه.
ولا خلاف بين الأمة أنه عن اقتصر على مسح الأذنين لم يجزئه، وقال الشافعي: هما سنة على حيالهما، يمسحان بماء جديد بعد الفراغ من مسح الرأس.
والدليل لقولنا: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وقد اتفقنا على أن كل عضو في الوجه هو منه.
وليست الأذنان منه فثبت أنهما من الرأس؛ لأننا قد تعبدنا فيهما بحكم من الطهارة بلا خلاف، وقد خرج حكمهما في التعبد من الوجه فوجب أن يكون حكمهما في الرأس؛ إذ لم يذكر الله تعالى مما يقارنهما من الأعضاء غيرهما.
فإما أن يكونا في العبادة من الوجه أو من الرأس، فمن أثبت لشيء آخر بين الوجه والرأس حكماً يخالفهما فعليه الدلالة.
فإن قيل على هذا: أليس الفم والأنف من الوجه وقد سُنَّ لهما سنةٌ غير ما في الوجه، وهي المضمضة والاستنشاق، فكذلك إن كانت الأذنان من الرأس كانت لهما سنةٌ في المسح غير ما في الرأس.
قيل: إن الفم والأنف لما بطن داخلهما سُنت لهما سنةُ المضمضة والاستنشاق.
ألا ترى أن ظاهرهما مغسول مع الوجه.
ولما كان باطن الأذنين ظاهراً لم تسن له سنة تخالف مسح الرأس؛ لأن المسح يأتي على الظاهر والباطن منهما مع الرأس.
والدليل أيضاً على أنهما من الرأس: ما رواه ابن عباس وأبو أمامة
عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الأذنان من الرأس»، وإذا قيل: هذا الشيء من
هذا الشيء، فهو بعضه لا محالة.
فإن قيل: فإنَّه عليه السلام أراد أنهما تمسحان كما يمسح الرأس، ردًّا على من قال: إنَّهما من الوجه.
قيل: إنَّه إذا قيل لنا: هذا الشيء من هذا الشيء، فهو بعضه، فمسحه داخل في مسح الرأس كدخول بعض من الرأس في باقيه.
ولو أراد ما قلتم لقال: الأذنان تمسحان كمسح الرأس، ولم يجعلهما منه.
فإن قيل: فقد علمنا لأنهما ليسا كالرأس صورة وهيئة، وأن لهما أحكاماً كثيرة تنفرد عن الرأس.
قيل: لا يمنع أن يكونا منه في باب المسح، ألا ترى أن ظاهر الأنف والشفتين تغسل مع الوجه، ولهما حكم في الجنايات يخالف باقي أل وجه، فكذلك الأذنان.
دليل آخر: وهو ما روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسحهما مع رأسه، كما
غسل مرفقه مع ذراعيه وكعبيه مع رجليه.
وأيضاً ما روى الصُّنَابِحِيّ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا توضأ العبد المؤمن فغسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، وإذا مسح برأسه خرجت من رأسه حتى تخرج من تحت أذنيه».
فعلمنا بهذا أنهما
من الرأس، كما علمنا أن العينين من الوجه.
فإن قيل: ليستا من الرأس؛ لأنهما لا تنبتان الشعر.
قيل: هذا غلط؛ لأن الشعر ينبت فيهما، ولو لم ينبت لما دل ذلك على ما تقولون، لأنَّ الجَلَخَة لا يكون عليها شعر وهي من الرأس، وليس إذا لم ينبت في موضع شعر لم يكن من ذلك الشيء، ونحن نعلم أن في الوجه مواضع يقل الشعر فيها ولا ينبت أيضاً، ولا يدل على أنها ليست من الوجه.
فإن قيل: الخط الدائر وراء الأذنين لما لم يكن من الرأس وهو إليه أقرب، والأذنان منه أبعد فهما أولى أن لا يكونا منه.
قيل: الخط الدائر - عندنا - من الرأس فسقط ما قلت.
فإن قيل: عندكم أنهما لو سقطتا في الطهارة على طريق النسيان لم يكن عليه إعادة الصلاة، ولو سقط موضع من الرأس بيقين لأعاد الصلاة.
قيل: اليسير من الرأس الذي لا يعرف بعينه قد تركه ناسياً فعليه الإعادة على ظاهر قول مالك، وكذلك يجب في الأذنين بحق القياس، إلاَّ أننا نفرق بينهما بفرق، وهو: أن الأذنين في قد وقع الخلاف فيهما هل هما من الرأس أو لا؟ ولم يقع الخالف في بعض من أبعاض الرأس هل هو منه أو لا؟ فيجوز إذا نسي مسح أذنيه أن لا يعيد الصلاة؛ للخلاف فيما هل هما من الرأس أو لا؟
وإن قلنا أيضاً: إنه إن نسي شيئاً يسيراً من موضع بعينه من رأسه لم يُعد الصلاة جاز؛ لوقوع الخلاف في مسح جميعه، وإلى هذا ذهب محمد بن مسلمة ومن تابعه في ترك الثلث، ولكن لا يجوز أن يتعمد ذلك.
فإن قيل: لو كانتا من الرأس لأجزأ المحرمَ حلقهما أو تقصيرُهما.
قيل: لو ترك ما لا يختلف فيه أنه من الرأس لم يجزئه؛ لأن عليه استيفاء الحلق أو القصر في جميعه، فكيف يجزئ الاقتصار على الأذنين؟ وإنما يلزم هذا أصحاب أبي حنيفة؛ لأنه لا يتممون بهما ربع الرأس.
فإن قيل: فإنه لا يجب على المحرم في تغطيتهما الفدية.
قيل: الدليل على أنهما ليسا من الرأس ما روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح برأسه ثم بأذنيه، وثم للتراخي.
وما روي أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخذ لهما ماء جديداً.
قيل: هذا لا يدل على ما قلت؛ لأنَّه يحتمل أن يكون بدأ من مقدم رأسه، فلما فرغ من جميع مسح أذنيه، فأعلمنا أن البداءة وقعت بغير الأذنين؛ لأنَّه لو قال: غسل كفيه ثم ذراعيه لكان كذلك.
وأيضاً: إذا ثبت أنَّهما من الرأس بما ذكرناه فقوله: مسح برأسهن قد دخلتا فيه، ثم بأذنيه، أعلمنا أنه أخذ لهما ماء جديداً على وجه الاستحباب بعد أن مسحهما مع الرأس لأنها معه.
فإن قيل: فما الفائدة في تجديد الماء لأذنيه وقد دخلتا في مسح الرأس؟ ولم اختص الأذنين بذلك؟
قيل: لما كانت الأذنان منفصلتين منه في الانتشار استحب ذلك فيهما؛ لجواز أن لا يستوعب المسح في المرة الواحدة ظاهرهما وباطنهما.
على أن قوله: مسح.
حكاية عن فعلة وقعت، فيحتمل أن يكون فَنِي الماء الذي مسح به رأسه وجف فأخذ للأذنين ماء؛ لأنهما من الرأس، ويجب - عندنا - استيفاء الجميع.
فإن قيل: فقد قال عليه السلام: «عشر من الفطرة، خمس منها في الرأس».
فذكر من جملتها مسح الأذنين، والفطرة هي السنة، وقد أضاف إلى السنن أيضاً المضمضة والاستنشاق.
قيل: معنى ذلك أنهما من فطرة الإسلام، ويكون في فطرة الإسلام الفرض والسنة.
ألا ترى أنه قد ... ذكر فيها الختان وهو - عندكم - فرض، فكأنه أراد أنَّ مَسْحَ الأذنين - لأنهما من الرأس -
فرضٌ؛ لئلا يظن ظان كما ظننتم وأنه لو تركهما عامداً لأجزأه كما لو ترك بعض رأسه.
وينبغي أن يحمل قول أبي زيد في كتابه: وسنَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْحَ الأذنين، على تجديد الماء لهما.
فإن قيل: فإن الأصول تشهد بما نقول؛ وذلك أننا وجدنا أعضاء الطهارة كل واحد منها قد استلحق موضعاً مسنوناً، ثم وجدنا تلك الأعضاء المسنونة اللاحقة بالمواضع المفروضة على ضربين:
ضرب من جنس الموضع وجوداً وحكماً واجتزئ في أداء السنة بالماء المأخوذ للمفروض، وهما ما وراء المرفقين والكعبين.
وضرب من غير جنس الموضع المفروض وجوداً وحكماً فأخذ له ماء جديد سوى ماء المفروض، وهو المضمضة والاستنشاق، ووجدنا
الأذنين من غير جنس الموضع المفروض وجوداً وحكماً، فونجب أن يؤخذ لهما ماء جديد.
قيل: هذا غلط؛ لأن ما وراء المرفقين واجب غسله، وكذلك ما وراء الكعبين؛ لأنه لما كان مقارناً لما دونه حتى لا ينفك منه، ولا يكن الاقتصار في الغسل على ما دونه جعل في حكمه، وليسا بمسنونين، فلما صارا واجبين كوجوب ما دونهما وجب غسلهما بماء واحد.
على أننا نعلم أن ما وراء الكعبين ليس من جنس الكعبين وما دونهما لا وجوداً ولا حكماً؛ لأنه في الوجود على هيئة وصورة تخالفانه، وفي الحكم قد فرق بينهما، وذلك أن الله تعالى لما أوجب قطع رجل المحارب وجب القطع من المفصل، وهو أسفل الكعبين، ولا تدخل الكعبان في القطع، فقد علمنا أيضاً أنهما ليسا من جنس الرجل في الحكم.
ثم مع هذا فقد غسل ما وراء الكعبين بماء الرجل وهي المفروضة على ما قلتم، وكذلك يكون للأذنين حكم وصورة تخالفان الرأس ويكون مسحهما بماء الرأس على حسب ما قلتموه فيما وراء الكعبين والمرفقين.
وكذلك أيضاً ما وراء المرفقين يخالف جنس ما قبلهما في الهيئة والصورة، والمفصل منه دون المرفقين، ومع هذا فقد غسل بماء الذراعين.
فإن أردتم أن ام اليد والرجل يتناول الجميع منعناكم منه، وقلنا: حقيقة اليد إلى الكوعين -كما قال الله -تعالى - ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، والقطع من الكوع، وكذلك الرجل فيما دون الكعبين، كما قيل في المحاربين: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾، ثم لو انطلق الاسم على الجميع مع خلافه في الصورة لكان منطلقاً في اسم الرأس عليه وعلى الأذنين، وإن كانتا مخالفتين له في الصورة والحكم على ما بيّنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: «الأذنان من الرأس»، فينبغي أن تمسح بماء الرأس، كما قلتم فيما وراء الكعبين إلى المرفقين، والمسنون في اليدين التبدئة من أطراف الأصابع إلى المرفقين، وفي الرجلين كذلك؛ لأن ما وراء المرفقين كذلك، لأن ما وراء المرفقين والكعبين من المسنون بل واجب على ما بيناه.
ويجوز أن نقول: إنه أصل ممسوح بالماء في الطهارة فوجب أن يمسح مع الرأس أصله أبعاض الرأس، ولا يلزم عليه الخف؛ لأنَّه ليس بأصل، وإنما هو بدل.
فإن قيل: إن فعل الوضوء نوعان: غسل ومسح، ثم الغسل منه
واجب ومنه سنة منفردة هي المضمضة والاستنشاق فكذلك المسح لما كان منه واجب وجب أن يكون منه مسنون منفرد، وليس - عندكم - مسنون منفرد في المسح.
قيل: إنما سنت المضمضة والاستنشاق؛ لأن داخل الأنف والفم باطن، والأذنان ظاهرتان، ولم تسن للرأس سنة منفردة في المسح، ألا ترى أن اليدين والرجلين فرضهما الغسل، ولم تسن لهما سنة منفردة لظهورهما ولا باطن فيهما، وبالله التوفيق.
واستدل الزهري بقوله عليه السلام في سجوده: «سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره».
فأضاف السمع إلى الوجه، والمعنى - عندنا - سنجد ذاتي، وقوله: «الأذنان من الرأس».
أخص من هذا، وكذلك قوله في حديث الصُّنَابِحِي: «إذا توضأ فغسل وجهه خرجت الخطايا منه حتى تخرج من تحت أذنيه»، فعلمنا بهذا أنهما من الرأس كما علمنا أن العين من الوجه.
واحتج من قال باطنهما من الوجه وظاهرهما من الرأس بقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، وباطن الأذنين يواجه به مع الوجه.
وما ذكرناه يقضي عليه، مع أنهما تغطيهما العمامة وغيرها، والمواجهة لا تقع بهما، والله أعلم.
وقد روى ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح رأسه وأذنيه بماء واحد.
وكذلك روي أنه عليه السلام أتي بوضوء فتوضأ فغسل وجهه وكفيه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً، ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وهذا يفيد مسحاً واحداً، فلو كان أخذ لهما ماء جديداً لقال: مسحين، أو كان يفرد أحدهما عن الآخر كإفراده سائر الأعضاء.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
سأله رجل فقال: كيف الطهور.
فدعا بماء فغسل كفيه وغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه، فأدخل أصبعيه السبابتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً، ثم قال: «هذا الوضوء، فمن زاد أو نقص فقد أساء وظلم»، وهذا
خارج على وجه التعليم والبيان لصفة الطهارة وأحكامها، وبالله التوفيق والتسديد.
[9]
مَسْأَلَة
الترتيب في الطهارة ليس بواجب عند مالك، وأبي حنيفة، وهو مذهب علي، وابن مسعود، والزهري، والأوزاعي، وسفيان الثوري.
وقال الشافعي: الترتيب مستحق.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فجمع بين الأعضاء بالواو، التي موضوعها للاشتراك والجمع، كقولهم: جاءني زيد وعمرو، وليس عندهم فيه دلالة على أن أحدهم جاء قبل صاحبه.
وقد ذكر سيبويه أن موضوع الواو للجمع لا للترتيب.
وقد نبه الشرع أيضاً على ذلك فروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمع رجلاً يقول: ما شاء الله وشئت، فقال له: «أمثلان؟ قل ما شاء الله، ثم شئت».
فنهاه أن يجمع بين مشيئة الله تعالى وبين مشيئته، فلو
كانت الواو للترتيب لم يمنعه من ذلك؛ لأنها تكون بمنزلة الفاء وثم.
فإن قيل: فإن الآية حجة لنا: لأن الله تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فأمر بغسل الوجه عقيب الْقِيَام إلى الصلاة؛ لأن الفاء في لغة العرب للتعقيب بلا خلاف، فإذا ثبت أن غسل الوجه عقيب الْقِيَام إلى الصلاة واجب ثبت قولنا؛ لأن من قال:
الترتيب لا يجب في الوضوء، قال: لا يلزمه غسل الوجه عند القيامن وإن غسل رجليه عند القيام إلى الصلاة فقد امتثل الأمر.
قيل له: هذه الدلالة لا تصح من وجهين:
أحدهما: أن الفاء ههنا ليست للتعقيب، وإنما دخلت لتعلق الكلام بالكلام، والجملة بالجملة، وجواباً للشرط بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾، والفاء التي للتعقيب تكون في الخبر، كقولك: جاء زيد فعمرو، أو في الأمر، كقولك: فعمراً، فأما إذا كانت للجزاء وجواب الشرط فلم تكن للتعقيب.
والفرق بين الفاء التي للتعقيب والفاء التي هي جواب الشرط هو: أن الفاء إذا كانت جواباً للشرط والجزاء لم يصح قطع الكلام عنها؛ مثل: إذا جاء زيد فأكرمه، لو وقفت على قولك: إذا جاء زيد لم يتم الكلام، والفاء التي للتعقيب يصح قطع الكلام عنها، كقولك: جاءني زيد فعمرو، ولو وقفت على قولك: جاءني زيد، صح، وكذلك أعط زيداً درهماً فعمراً، لو اقتصرت على قولك: اعط زيداً كان الكلام مفيداً.
والوجه الآخر: هو أننا لو سلمنا أنها للتعقيب لم نسلم ههنا؛ لأنها قرنت بعدها بالواو التي هي للجمع، فلما دخلت الواو في باقي الأعضاء بالواو ن ثبت أن الفاء ليست للتعقيب؛ لأنَّه لا أحد يمنع من تقديم اليدين على الوجه إذا ثبت جواز تقديم مسح الرأس على اليدين بالواو.
ثم لو ثبت أنه للتعقيب لكان المراد أن تقع جملة الطهارة عقيب الْقِيَام إلى الصلاة؛ لأن الطهارة لا تتم إلاَّ بغسل الأعضاء كلها، ومسح الرأس فيها، ولكن لا يَصِحُّ الابتداء في اللفظ بعد إذا إلاَّ بالفاء، فلو قال: إذا قمتم إلى الصلاة فامسحوا برؤوسكم، لم يكن إلاَّ كقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فإذا كان كل واحد من الأعضاء لا تتم الطهارة إلاَّ به لم يكن بعضه بالتقدمة أولى من بعض.
على أننا نقلب هذا عليهم فنقول: إن كان المراد غسل الوجه عقيب الْقِيَام من أجل الفاء التي للعقب، فنحن نقول: إذا قدَّم غسل الأعضاء وأخَّر الوجه إلى آخرها وقع غسله عقيب الْقِيَام إلى الصلاة فينبغي أن نكون نحن أسعد بهذا منكم؛ لأنه إذا تم لنا هذا في الوجه فليس أحدٌ يفرق بينه وبين سائر الأعضاء.
فإن قيل: إن الواو - عندنا - للترتيب لغة وشرعاً.
فأما اللغة فإن الفراء قال: الواو للترتب لا للجمع، وكذلك
قال أبو عبيد القاسم بن سلام؛ لأنَّه ذهب إلى أن الترتيب في الوضوء واجب، واستدل بالآية، ,أن الواو فيها تقتضي الترتيب.
فحصل فيها خلاف بين أهل اللغة.
وأما الشرع فإنه رُوِيَ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمع رجلاً يقول: من أطاع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى.
فقال له النبي عليه السَّلام: «بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى».
فلما لم يرتب الرجل ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذكر الله تعالى نهاه عنه، وأمره أن يرتب ذكر النبي عليه السَّلام على ذكر الله تعالى، فقال: «قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى».
فدل على أن الواو للترتيب؛ إذ لو لم تكن للترتيب لكان معنى الجمع الذي نهاه عنه موجوداً في قوله: «ومن يعص الله ورسوله».
وقد رُوِيَ أنه قيل لابن عباس: إنك تقدم العمرة على الحج، والله تعالى قم الحج على العمرة، فقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
فقال: كما قدمتم الدَّين على الوصية، والله تعالى قدم الوصية على الدين، فسلم ابن عباس للقوم أن تقديم ذكر الحج على العمرة
يقتضي تقديم فعله عليهما، ولكن ذكر أنه تركه لدلالة قامت له، كما تركوا ذلك للدلالة في قوله - تعالى -: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، فدل على أن الواو عند ابن عباس تقتضي الترتيب، وكفى به من اهل اللغة.
فالجواب أن نقول:
لأما قولكم: إن الفراء قال: إن الواو للترتيب، فإنه لم يقل: إن موضوعها لذلك، وإنما أراد أنها قد تكون للترتيب، ونحن لا نمنع من ذلك.
والدليل على أنه أراد ذلك لا الموضوع: هو أنه لو كان موضوعها لذلك كحروف الترتيب لدخلت حروف الترتيب في كل موضع تدخل الواو فيه، كما يدخل كل حرف من حروف الترتيب المدخل الذي يدخله الآخر، فلما كان قول القائل: تشائم زيد وعمرو لا يصح دخول الفاء وثم فيه علمنا أن موضوع ذلك مختلف.
وأما أبو عبيد فيجوز أن يكون استدل بالآية لا من حيث الموضوع.
وأما قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للخطيب ما قال، فلا دلالة فيه؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يحب أن يجمع بينه وبين ربه - تعالى - في كتابة واحدة، وأحب أن يقدم ذكر الله - تعالى - على ذكره، ثم إذا قدم ذكر اسم الله - تعالى - عليه فبدلالة العقل يعلم الترتيب ههنا، ونحن لا نمنع أن تدخل الواو في موضع للترتيب بدلالة، والدليل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أراد ما
قلناه لا الترتيب: هو أن الله تعالى قد جمع بين نفسه وبين رسوله عليه السَّلام في كتابة وَاحِدَة، فقال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، وهذا أبلغ من قوله: أن يرضوهما؛ لأن ما يرضي الله تعالى فهو يرضي رسوله، وما يرضي رسوله فهو يرضيه تعالى، وكذلك العصيان لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو عصيان الله تعالى، وإِنَّمَا أحب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقدم ذكر الله تعالى في اللفظ.
وأما حديث ابن عباس - رَحمَه الله - فإنه حجة لنا؛ لأنه رأى أن الواو للجمع في الحج والعمرة.
وقد رَوَى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فغسل وجهه وذراعيه ثم رِجْلَيْهِ ثم مسح برأسه.
فإن قيل: إن الواو التي للجمع تسقط عند الكناية، مثل قول القائل: إذا دخلت الدار فألق زيداً وعمراً وخالداً وبكراً، فإذا لقيتهم فأعطهم كذا وكذا، وهذا المعنى متعذر في هذا الموضع؛ لأنه لا يمكن أن تقول: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، فإذا غسلتموها فصلُّوا؛ لأنه قد تخلل بينها المسح الذي هو خلاف الغسل، فدل على أن الواو ههنا للترتيب.
قيل: أقل ما في هذا أنه ينقلب عليكم في الترتيب؛ لأن الواو
تسقط عند الكناية إذا قال: ألق زيداً ثم عمراً ثم خالداً ثم بكراً فإذا لقيتهم فافعل كذا، وفي هذه الآية لا يمكن هذا؛ لأنَّه لاي صح أني قول: اغسل وجهك ثم يديك، ثم امسح براسك ثم اغسل رجليك، فإذا غسلتها فصل؛ لأجل ما قد تخلل بين اعضاء الغسل من المسح، فسقط السؤال.
وإنما لم يصح في الوجهين جميعاً للمخالفة كما قلت في الصفة، فإن أراد الكناية ففي اللفظ الواحد وهو إما الغسل وإما المسح لم يصح.
ولكن: قد يجتمعان في كناية هي غير اللفظ، وهو أن تقول في كناية الجمع والترتيب جميعاً، فإذا فعلت ذلك بهم أو بهما فافعل كذا وكذا، فاستوى البابان جميعاً في هذه الكناية، وفي الامتناع ممن تلك الكناية، والله أعلم.
فإن قيل: لو كانت الواو للجمع لكان يقول: اغسلوا وجوهكم مع أيديكم، ولكان تقدير الكلام: فاغسلوا وجوهكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم إلى الكعبين، وهذا مما لا سبيل إليه ولا دليل عليه.
قيل: لو قال - تعالى - فاغسلوا وجوهكم مع أيديكم أو على المرافق لكان يجب علينا أن نغسل وجوهنا مع أيدينا في حال واحدة، بماء واحد، ولكنه أراد منا أن نغسل كل واحد على حدته بماء جديد، غير أننا بأي أعضائنا بدأنا أجزأ، ولو أراد الترتيب على ما تقولون لأتى بحرف من حروف الترتيب.
فإن قائلاً لو قال: خير الناس أبو بكر والنبي لقبح قوله، فعلم أن الواو للترتيب.
قيل: هذا لا يلزم؛ وذلك أنه لا يحسن أن يبدأ بذكر أحد من أمة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل ذكره إذا أريد الخبر عنه وعنهم.
ألا تَرَى أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لو دخل هو وعلي رضي الله عنه على فاطمة - رضي الله عنها - في حال وَاحِدَة لما حسن أن تقول: جاءني علي والنبي.
فتُقَدِّم ذكر علي على ذكره عليه السَّلام، ولو بدأت بذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل ذكر علي رضي الله عنه لما دل ذلك على أن النبي عليه السَّلام جاءها قبل علي رضي الله عنه؛ لأنهما قد جاءاها معاً، ولما كان النبي عليه السَّلام خير البشر لم يحسن أن يقال: خير الناس أبو بكر والنبي؛ لأنه يكون تسوية بينهما، وهذا كله قد فرغنا منه، وقلنا إننا لا نمنع أن تدخل الواو للترتيب في موضع بدلالة.
فإن قيل: إن الخبر الذي رويتموه من قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قل: ما شاء الله ثم شئت».
لا دلالة فيه؛ لأن الواو للترتيب، ولكنه عليه السَّلام أراد من القائل أن تكون بين مشيئة الله تعالى وبين مشيئته مهملة، لا أن تكون مشيئته مقرونة تتلو مشيئة الله تعالى، ولا عقيبها.
ألا تَرَى أن أتى بحرف ثم - التي هي للتراخي والمهلة - فقال له: «قل: ما شاء الله ثم شئت».
فهذا هو المقصود؛ لا أن الواو للجمع.
قيل: هذا غلط؛ لأن الرجل لما أتى بالواو التي هي للجمع بالغ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في النكير عليه بأن قال له: «قل: ثم شئت»، كما إذا جلس الدنيء مع الرفيع في مجلس واحد أُنكر عليه، وقيل له: تباعد عن قربه.
فإن قيل: إن من عادة العرب في كلامهم أن لا يدخلوا فيه ما لي سمن جنسه إلا لحاجة، ألا ترى أنهم يقولون: ضرب الأمير زيداً وعمراً وبكراً، ولا يقولون: ضرب زيداً وحبس عمراً وضرب بكراً، فإذا كان هذا عادتهم في كلامهم، فقد ذكر الله - تعالى - غسل الوجه واليدين، وأدخل فيه مسح الرأس الذي هو من غير جنس الغسل، ثم أمر بغسل الرجلين، فعلم أمه ادخل المسح بين ذلك لحاجة الترتيب، وأن يكون مستحقًّا، إذ لو لم يكن كذلك لكان أشبه أن يذكر المسح بعد فراغه من الغسل.
قيل: ليس هذا مما نحن فيه بسبيل؛ لأن مسح الرأس بالماء من جنس الغسل، والوضوء لا يتم إلا بغسل الأعضاء، فإذا كانت الطهارة لا تتم إلا بالغسل والمسح لم يكن بعض الأعضاء بالتقديم أولى من الآخر.
وقد يصح في الكلام أن تقول: أكرم زيداً وأدّب غلامه، وأكرم خالداً وبكراً، وأن تخلل بين الكرامات أدَّب الغلام، ولما كان مسح الرأس لا تتم الطهارة إلا به كما لا تتم إلا بغسل الرجلين، ثم قد سقط حكم الرأس والرجلين في التيمم - الذي هو إحدى الطهارتين - جاز أن يجمع بينهما بالواو.
فإن قيل: إن مذهب العرب الحكمة البداءة بالأقرب فالأقرب،
ووجدنا الوجه أقرب إلى الرأس منه إلى الْيَدَيْنِ، فلما أمر الله تعالى بغسل الوجه، ثم بغسل الْيَدَيْنِ، وترك الرأس - الذي هو أقرب إلى الوجه - علم أنه لم يتركه إلاَّ لأن البداءة باليدين مستحق قبل الرأس.
قيل: لما بدأ الله تعالى بالوجه الذي لا يسقط في التَّيَمُّم عطف عليه الْيَدَيْنِ؛ لأنهما لا يسقطان في التَّيَمُّم، ثم أتى بالمسح في الرأس، وعطف عليه غسل الرجلين؛ لأنهما يسقطان في التَّيَمُّم.
ويجوز أيضاً أن يكون تعالى جمع ما في أعلى البدن في اللفظ، ثم أَخَّرَ الرجلين؛ لأنهما من أسفل البدن.
على أن الواو إذا كانت للجمع لا للترتيب فبأي الأعضاء بدأ في الذكر جاز، وهذا يلزمهم؛ لأنه تعالى لو أراد الترتيب لبدأ بالأقرب فالأقرب، فلما بدأ بالوجه وترك الرأس الذي هو أقرب إليه علم أنه لم يرد الترتيب.
فإن قيل: إن الرجل إذا قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق وطالق.
وقعت الأولى ولم تقع الثانية، فلو كانت الواو للجمع للزمه تطليقتان، كما لو قال: أنت طالق تطليقتين.
قيل: تقع عليه تطليقتان - عندنا -، وإِنَّمَا يلزم هذا أصحاب أبي حنيفة.
فإن قيل: فإن الله - تعالى - ذكر غسل الوجه وكرره، وذكر مسحه في التيمم وكرره، فبدأ في كل المواضع قبل اليدين؛ فلولا أنَّه أراد الترتيب لأشبه أن يذكر تقديم اليدين على الوجه في بعض المواضع ليعلمنا أنه اراد الجمع.
قيل: هذا لا يلزم؛ لأننا قد دللنا على أن موضوع الواو للجمع، فلو كرر ذكر الوجه في ألف موضع لم يدل ذلك على الترتيب، ولو ثبت أنها للترتيب حتى تغير في بعض المواضع لما دل ذلك على خلاف الترتيب، ألا ترى أنه لما ثبت الترتيب في الصلاة، وأن الركوع مقدم على السجود، وقد كرر في مواضع كذلك، ثم ورد قوله - تعالى - ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، فقدم السجود على الركوع لم يدل ذلك على أن المراد خلاف الترتيب، وإنما هذا على حسب الأدلة، فإن ثبت أن موضوع الواو للجمع لم يضر ذلك تكرير اللفظ ولا تغييره، وكذلك إن ثبت أنها للترتيب لم يضر ذلك.
ثم إننا نحن أيضاً نقول: إنه - تعالى - لما كرر في هذه المواضع بالواو دل أنَّه أراد الجمع، إذ لو أراد الترتيب لأشبه أن يذكره في بعض المواضع بحرف الترتيب، مثل الفاء أو ثم، فلما لم يذكره كذلك، ولا غيَّره عن حرف الجمع علم أنه أراد الجمع، والله أعلم.
فإن قيل: فإن الآية محتملة لما نقول: ولما تقولون، ورأينا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ورتب، فكان هذا منه بياناً للمراد بالآية.
وقد يستدلون بهذا الخبر مفرداً فيقولون: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ
ورتب، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاَّ به».
فكان هذا منه بياناً للمراد بالآية، وأيضاً فإن أفعاله على الوجوب.
وأنا أتكلم على الجميع، فالجواب أن نقول:
إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد رتب تارة، وترك الترتيب تارة أخرى.
فروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فغسل ونجهه وذراعيه ثم رِجْلَيْهِ ثم مسح برأسه، فليس لكم أن تجعلوا ترتيبه بياناً للآية إلاَّ ولنا أن نجعل تركه الترتيب بياناً لها، وإن المراد بالواو المجمع، وإذا تساوى ذلك، قلنا: إِنَّمَا رتب استحباباً، وترك الترتيب ليعلمنا الجواز.
وقد رُوِيَ عن عثمان رضي الله عنه أنه تَوَضَّأَ وعكس بملأ من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال:
أهكذا رأيتم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ؟ فقالوا: نعم.
فشهدوا له بذلك فيجب استعمال الأخبار كلها ألا يُسْقط بعضها، ويحصل معنا زيادة حكم، وهو جواز التعكيس الذي تمنعون منه.
وقولة: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاَّ به».
في خبرنا كما هو في خبرهم، فعلمنا أنه قصد بِالْوُضُوءِ ما تحصل فيه الوضاءة، وهو الغسل لا الترتيب ولا تركه، هذا إن صح الحديث هكذا وإِنَّمَا
الصحيح أنه توضأ مرة مرة وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصالة إلا به».
وقولهم: إن أفعاله على الوجوب، فمثله نقول في أخبارنا، فإذا تعرضنا وجب الاستعمال على ما بينا من الجواز والاستحباب.
ويجوز: أن نستدل نحن بأخبارنا ابتداء فإذا عارضونا بأخبارهم التي فيها الترتيب حملناها على الاستحباب وأخبارنا على الجواز، وهم لا يمكنهم استعمال أخبارنا.
ولنا ما روي عن عمار أنه قال لعمر رضي الله عنه: بعثني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حاجة فأجنبت ولم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكرت ذلك له، فقال: «إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بيده على الأرض فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه، ويمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه»، فدل هذا على جواز ترك الترتيب؛ لأنَّه لا أحد يفرق بين الوضوء والتيمم في وجوب الترتيب أو تركه، فإذا ثبت جوازه في التيمم ثبت جوازه في الوضوء.
فإن قيل: رأينا في الآية تقديم بعض الأعضاء على بعض، ورأينا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد رتب، وأجمعت الأمة على أن من تَوَضَّأَ ورتب أجزأه، ولم يجمعوا على أن من ترك الترتيب أجزأه فعلمنا أن المراد من الآية الترتيب؛ إذ لو كان المراد غيره لما أجمعوا عليه؛ إلاَّ أنهم لا يجمعون على الخطأ الذي هو خلاف المراد.
قال القاضي أبو الحسن: وأَوَّل ما سمعت هذا الفصل من القاضي أبي حامد - رَحمَه الله - بالبصرة وكلمته عليه بما أذكره فقلت له: هذا ينقلب عليك مثله في الموالاة وترك التفرقة، وفي مسح بعض الرأس؛ وذلك أن الله تعالى أمر بغسل هذه الأعضاء، وبمسح الرأس وتَوَضَّأَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَالى، ومسح بجميع رأسه، وأجمعت الأمة على أن من فعل خلاف ذلك أنه يُجْزِئه، فعلمنا أن المراد بالآية ما أجمعوا عليه؛ لأنهم لا يجمعون على خلاف المراد.
وهذا حذر النعل بالنعل.
على أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد رتب تارة , وترك الترتيب تارة، نعلى ما رويناه كما رُوِيَ عندك أنه مسح جميع رأسه تارة ومسح ببعضه
تارة ولم يكن إجماعهم على أحد الفعلين أنه يجزئ، واختلافهم في الفعل الآخر أنه لا يجزئ يسقط عندك جواز ما اختلفوا فيه.
دليل آخر: وهو أننا وجدنا الصحابة قد أجازوا ذلك ولا نجد بينهم اختلافاً فيه.
فمنهم على وعبد لله بن مسعود وابن عباس.
قال علي وابن مسعود: إذا أتممنا وضوءنا فلا نبالي بأي أعضائنا بدأنا.
وقال ابن عباس: إذا أسبغت وضوءك فسواء بدأت برجليك أو بيديك.
روى هذا الحديث ابن الجهم في كتابه عن مجاهد عن ابن عباس.
إذا كان هذا إجماع الصحابة مع روايتهم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترك الترتيب، دل على أن ترتيبه حيث رتب استحباب، وأنه أحب أن يطابق لفظ الآية؛ للترتيب حيت ترك ليدل على الجواز.
فإن ذكروا آيات في كتاب الله تدل على الترتيب، ذكرنا الآيات التي يجوز فيها ترك الترتيب، مثل قوله - تعالى - ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، وأنه لو قدم المساكين على الفقراء جاز.
على أن الواو إذا وقعت للترتيب، فإنما تصير إليه بدلالة، وإلا فالظاهر أن موضوعها للجميع على ما بيناه.
فإن قيل: فقد روي جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طاف وخرج من المسجد وبدأ بالصفا، وقال: «ابدؤوا بما بدأ الله به وقوله «ابدؤوا»، لفظه الفظ أمر يقتضي أن يكون كل موضع بدأ بذكر الوجه فالبداءة به فعل ولجب بظاهر الأمر.
قيل: الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن الواو لو كانت في لسانهم للترتيب لعقلوا من قوله - تعالى - ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾، أن الصفا مقدم، ولم يحتج أني قول لهم عليه السلام: «ابدؤوا بما بدأ الله»؛ لأن الواو في لسانهم للترتيب على ما تذكرون، فلما قال لهم: بدؤوا بما بدأ الله به»، علم أن الواو للجمع، وإنما أريد في هذا الموضوع المعقول في لسانهم.
والجواب الآخر: هو أن قوله عليه السلام: «ابدؤوا بما بدأ الله به»، مقرن بسبب، هو الصفا وإذا خرج الخبر مقروناً بسبب حمل عليه، ولم يحمل على عمومه، هذا مذهب مالك - رَحمَه الله -.