[27) مَسْأَلَة
وما مسته النار مثل الخبز وغيره فإنه لا وضوء بأكله، وهو مذهب أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود،
والفقهاء بأجمعهم - رضي الله عنهم -.
وذهب جماعة من الصحابة إلى وجوب الوضوء بأكله.
وذهب إليه فيما حكي ابن عمر، وأبو طلحة - عم أنس -، وأبو موسى الأشعري، وزيد ابن ثابت وأبو هريرة.
والدليل لقولنا: كونه على جملة الطهارة، فمن زعم أنها تنتقض بأكل ذلك فعليه الدليل.
وأيضا ما روي أنه عليه السلام قال: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح).
وقوله: (فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا)
وأيضا قوله عليه السلام: (من مس ذكره فليتوضأ) فدليله أن من لم يمسه فلا وضوء عليه، وهذا لم يمس ذكره.
وأيضا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكل كتف شاه ثم صلى ولم يتوضأ.
وكذلك روى أمية الضمري أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكل لحما
فصلى ولم يتوضأ.
وعن ابن عباس أن النبي عليه السلام أكل لحما فصلى ولم يتوضأ.
وعن ابن عباس أن النبي عليه السلام توضأ، فقالت له بعض نسائه: قد نضجت القدر، فناولته كتفا، فأكل ثم مسح يديه، ثم صلى ولم يتوضأ.
وعن جابر أكلت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر وعمر وعثمان خبزا
ولحما، فصلوا ولم يتوضؤوا.
ومحمد بن المنكدب عن جابر قال: كان آخر الأمرين من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترك الوضوء مما مست النار.
وهذا الحديث هو العمدة في هذه المسألة؛ لأنه حكى أنه آخر الأمرين من فعله فنسخ كل ما مضى؛ لأن ترك الوضوء يكون بعد ما مضى.
وروي عن ابن عباس مثله.
فإما أن يكون مضى كان واجبا أو مستحبا فقد تركه عليه السلام آخر أمره.
وأيضا فلا نعلم خلافا أن الوضوء لا يجب من شرب الماء الساخن، وهو مما مسته النار.
وأيضا فقد حصل الاتفاق على أنه لو أكل حشيشا، أو شيئا من الفكهة لم يجب عليه الوضوء، والمعنى فيه أنه أكل لشيء حلال، فكل من أكل شيئا حلالا فلا وضوء عليه.
فإن قيل: فقد روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: (توضؤوا مما غيرت النار).
وروى عن أم سلمة قالت: في بيتي كان هذا، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكل كتفا من لحم ولم يتوضأ، ثم أتي بشيء من أقط فأكل وتوضأ، قلت يا رسول الله، إنك لم تتوضأ في المرة الأولى، فقال: توضؤوا مما مست النار.
قيل: هذا عندنا على أحد وجوه.
إما أن يكون منسوخا؛ بدليل ما روى عن جابر محمد بن
مسلمة أن آخر الأمرين من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أكل لحما وصلى ولم يتوضأ، وعن ابن عباس وجابر أن آخر الأمرين من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترك الوضوء مما مسته النار.
أو نحمله على الوضوء اللغوي الذي هو غسل الفم واليد، وقد ذكرناه عن معاذ أنه قال: ليس الوضوء في هذا واجبا، فقيل له: إن أناسا يقولون: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (توضؤوا مما مست النار) فقال معاذ: إن قوما سمعوا ولم يعو، كنا نسمي غسل الفم واليدين وضوءا وليس بواجب، وإنما أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المؤمنين أن يغسلوا أيديهم
وأفواههم مما مست النار، وليس بواجب.
ويجوز أن نحمل ذلك على الاستحباب لما رويناه.
وقد قيل: إن حديث أم سلمة رواه عمر عن حميد عنها، وفي حفظ عمر هذا شيء.
وقد روي عن جابر قال: قرب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خبز ولحم، فأكل ثم دعا بوضوء فتوضأ وصلى الظهر، ثم دعا فضل طعامه فأكل، ثم قام إلى صلاة العصر ولم يتوضأ.
والمعمول على الحديث الذي فيه كان آخر الأمرين منه عليه السلام ترك الوضوء مما مست النار.