[43] مَسْأَلَة
قد مضى الكلام في طهارة الكلب وسائر الحيوان، وأن غسل الإناء منه تعبد، ولكنه لا يقتصر في غسله إذا أريد استعماله عن سبع مرات، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: غسله كغسل سائر النجاسات، ويعتبر في إزالته ما يغلب على ظنه، فإن غلب على ظنه أن قد زال بالمرة الواحدة لم يفتقر إلى غيرها، وإن لم يزل بالواحدة فلابد من غسله حتى يغلب على ظنه إزالته، ولو كان عشرين مرة؛ لأنه - عندهم - نجس.
هذا الذي يناظرون عليه في هذا الوقت، وقد كان شيوخهم فيما مضى يختلفون، فيقول بعضهم: الواجب مرة واحدة، وما زاد عليها مستحب.
وبعضهم يقول: يغسل ثلاثا.
وقال أحمد: يغسل ثماني مرات الثامنة بالتراب.
ومن يقول إنه نجس يقول: إن غسله فرض، - وعندنا - أنه طاهر فغسله عبادة مسنونة، والكلام في العدد.
واستدل أصحاب أبي حنيفة بما رواه أبو هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاثا أو خمسا أو سبعا)، وهذا نص؛ لأنه خيره بين ذلك، ولم يوجب السبع.
وأيضا فقد روى أبو هريرة أنه قال: (يغسل من ولوغه ثلاثا)، ولا مخالف له في الصحابة.
ولأنه إزالة نجاسة فلا يكون من شرطه العدد كسائر النجاسات.
وأيضا فلو كان العدد من شرطه لوجب إذا طرح الإناء في ماء كثير أن لا يطهر؛ لأنه لم يوجد العدد، فلما قلتم: إنه يطهر علم أن العدد ليس من شرطه.
والدليل لقولنا: ما رواه مالك وسفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا)، وهذا أمر يقتضي وجوب السبع.
وروى أيوب بن أبي تميمة عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحد فليغسله سبعا أولهن أو آخرهن بالتراب)، فأوجب السبع، على أن يكون أحدهما بالتراب.
وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: (طهور إناء أحكم إذا ولغ فيه الكلب إن يغسله سبعا أولهن وآخرهن بالتراب)، فعلق عليه السلام الطهارة التي تنقله من منع استعماله إلى جواز استعماله بالسبع، وإذا تعلق الحكم بالسبع لم يكف دون السبع، ومن علقه بدون السبع يكون ذلك نسخا؛ لأنه يمنع من تعلقه بالسبع، والنسخ لا يكون بخبر محتمل ولا بقياس.
فإن قيل: على هذا نحن نقول إن السبع واجبة ويتعلق التطهير بها، وهو إذا غلب على ظنه أن الإناء لم يطهر بدون السبع.
قيل: عنه جوابان:
أن الإناء - عندنا - ليس بنجس فيغلب على ظنه طهارته أولا.
والجواب الآخر: هو أن هذا لا يظنه عالم؛ لأن الذي يغلب على الظن أنه لم يطهر إنما يكون في مرة واحدة أو مرتين وأكثر الثلاث، فأما أن يغلب على ظن أحد الإناء إذا غسل ست مرات أن النجاسة - التي ليس بعين قائمة - لم تزل فهذا محال.
وأيضا فإنه لو كان تعلقه بذلك - لأنه قد يغلب على ظنه أنه لم يطهر بما دون ذلك - لم يجعله محدودا في الشرع لا يرجع فيه إلى غلبة الظن، وما كان الأمر فيه معلقا على غلبة الظن لم يكن محدودا؛ لأن الحد في المظنون ما يحده الظان لا الشرع، كما نقول والجميع في التقويم: إن الأمر لما كان فيه معلقا على غلبة الظن لم يكن للقيمة حد في الشريعة، وإنما هو على ما يحده الظان.
فإن قيل: إن الراوي إذا روى خبرا وفسره رجع فيه إلى تفسيره، وقد قال أبو هريرة: يغسل ثلاث، فلا يخلو أن يكون علم النسخ لما
زاد على الثلاث، أو عقل ذلك من لفظ النبي عليه السلام، وقد روى أيضا التخيير بين الثلاث والخمس والسبع.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن قول الراوي حجة عليكم؛ لأنه اعتبر عددا، وأنتم لا تعتبرونه.
والجواب الآخر: أننا لا نقبل قول الراوي في التخصيص والنسخ، كقول ابن عباس: إن بيع الأمة طلاقها، وإنما يقبل قوله في لفظ محتمل يجوز أن يكون المراد به شيئا، ويجوز غيره.
فإذا فسر الراوي أن المراد به أحدهما رجحنا قوله، وفي هذا الموضع قول أبي هريرة أفتى رجلا بعينه فيحتاج أن يعرف خبر ذلك الرجل، وكيف كانت حاله، فلعله كان مضطرا إلى استعمال ذلك الإناء لشيء لابد منه، ولم يقدر من الماء إلا على ما يكفيه ثلاث مرات، أو غير ذلك مما تدعو إليه الضرورة، أو لعله أراد أن يعلمه أن غسله ليس بفرض على ما نقوله في طهارة الكلب، وأن الإناء طاهر، وأنه مسنون غسله، ونحن نقول: المسنون غسله بالعدد الذي هو سبع مرات، فيصير الكلام معتلا
في هذا الأصل، فلا ينبغي أن يترك ما نص عليه من العدد بمثل هذا المحتمل.
ونقول أيضا: هو عدد شرط في موضع تطهير لم يبين لنا الشرع فضل بعضه على بعض فوجب أن يستوفى العدد فيما ورد، أصله غسل الأربعة الأعضاء في الوضوء.
أو نقول: هو عدد قد تعبدنا به ورد الأمر به لم يبين لنا فضل بعضه على بعض فوجب أن يستوفى عدد الذي ورد فيه، أصله عدد رمي الجمرة.
ولا يلزم على هذا تكرير الغسل في الوضوء لأن النبي عليه السلام بين فضل المرة الثانية، وأن الأولى هي الفرض.
ولا يلزم عليه أحجار الاستنجاء؛ لأن الفرض منه إزالة عين النجس، وليس في الإناء نجاسة - عندنا -.
ولا يلزم عليه غسل اليد عند الاستيقاظ من النوم؛ لأنه ليس بواجب فرضا ولا سنة، وإنما هو مستحب.
ونقول أيضا: لما ثبت المنع من اقتناء الكلب على وجه حتى غلظ في إراقة الماء من ولوغه اقتضى زيادة عدد فيما طريقه العبادات يتخصص به، فإذا زاد على الثلاث الذي قد دخلت في الوضوء وغيره فليس إلا الشرع.
وأما ما رواه أبو هريرة من قول النبي عليه السلام: (فليغسله ثلاثا أو خمسا أو سبعا) فهو حجة لنا من وجهين.
أحدهما: أنه عليه السلام اعتبر العدد وهم لا يعتبرون العدد.
والثاني: أنه خير بين الثلاث والخمس والسبع، والمخير بين ثلاثة أشياء متى أتى بواحدة منها كان ذلك واجبا كالكفارة، فيقتضي أنه إذا أتى بالسبع كانت السبع هي الواجبة، وهذا مذهبنا، وهو خلاف مذهبهم.
ووجه آخر: هو أننا نقول: إن (أو) إنما تدخل في الكلام للتخيير أو الشك إذا كان في أخبار، وأبو هريرة مخبر، فكانت أو في خبره للشك، فكأنه شك أن النبي عليه السلام قال: يغسل ثلاثا، أو قال: يغسل خمسا، أو سبعا، فلا يصح الاحتجاج به.
أو نقول: يحتمل الشك ويحتمل التخيير فلا ينسخ ما رويناه عنه عليه السلام بالمحتمل.
وعلى أن أصحاب الحديث قد طعنوا في الحديث، وزعموا أن راويه عن ابن جريج إسماعيل بن عياش، وهو مضطرب الرواية، فلا يعارض به في حديث مالك وغيره من الإثبات.
وقولهم: إنه مذهب أبي هريرة عنه جوابان:
أحدهما: أنه حجة عليهم؛ لأنه اعتبر العدد، وهم لا يعتبرونه.
والجواب الثاني: أن ابن عباس وابن عمر قد خالفاه، وقالا: يغسل سبعا، وقول بعض الصحابة لا يكون حجة على بعض.
وأما وقوع الإناء في الماء، وسقوط العدد فإننا نقول: إن التغليظ في العدد في غسل داخله قد حصل أكثر منه بحصول جميع الإناء في الماء، فهو أبلغ في مكاثرة الماء عليه، فقد حصل أكثر مما لو غسله سبع غسلات.