عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصارصفحات 1401-1432
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[80]

مَسْأَلَة

وأكثر الحيض عند مالك - رَحمَه الله - خمسة عشر يوما، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: عشرة أيام.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، ولم يفرق بين حك الدم في العشرة وبعدها، فهو عموم إلا أن يقم دليل.
فإن قيل: بينوا أن ما بعد العشرة حيض حتى نسلم ما تقولون.

قيل: قد تكلمنا على هذا، وبينا أن النبي عليه السلام قال: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة»، وبينا أيضا أنه قال - تعالى -: ﴿هو أذى﴾ أي ما تتأذون به، فكل دم تتأذى به المرأة فهو حيض حتى يقوم الدليل.
ولنا قوله - تعالى -: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾، فأطلق ولم يخص دما من دم.
وأيضا ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «ميقات حيض النساء وطهرهن شهرا»، فظاهر هذا أنه نصفان نصف للحيض ونصف الطهر.
وما روي أنه قال في المرأة: «إنها ناقصة العقل والدين»، وبين أن نقصن دينها أن تصلي نصف دهرها، وفي حديث: نصف عمرها، وشطر عمرها.

وأيضا قوله عليه السلام لفاطمة بين أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فعي الصلاة فإنه دم أسود يعرفن وإذا أدربت فا غسلي عنك الدم وصلي»، فأحالها على إقباله وإدباره، ولم يقل إذا مضت عشرة أيام، فهو عام.
وقوله أيضا للأخرى: «لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن»، ولم يقل: إلا أن تزيد على عشرة أيام.

وقوله عليه السلام: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة» فاعلم أن الحكم يتعلق بدم هذه صفته، لم يقيده بمدة عشرة أيام ولا غيرها فلا ينتقل عن حكمه إلا بدليل.
أيضا فإن ل وقت من الشهر أبقى لأقل الطهر وقتا جاز أن يكون ذلك الوقت كله حيضا، دليله العشرة الأيام لما كانت تبقي من الشهر ما يجوز أن يكون وقتا لأقل الطهر فالعشرة كلها حيض، كذلك الخمسة عشر لما أبقت من الشهر وقتا لأقل الطهر جاز أن تكون كلها حيضا.

وأيضا فإن كان شفع من العدد قد حكم له بحكم الحيض، فالاتفاق إذا أضيف إليه نصف صار به وترا جاز أو يكون بمجموعه حيضا، دليل ذلك: الستة الأيام لما أضيف إليها نصفها فصارت شفعا وهي وتر وتكون حيضا، كذلك العشر تكون حيضا باتفاق، فإذا أضيف إليها نصفها صارت به وترا جاز أن تكون كلها حيضا.
وأيضا فإن العشرة الأيام موجودة في النساء في العرف والعادة، وجبلة وخلقة فيجوز أن يكون على تلك العادة زيادة في الحيض أصله الستة الأيام والسبعة والثمانية.
فإن قيل: فإن الصلاة في الأصل قبل الحيض عليها بيقين فلا تسقط عنها إلا بيقين، قد تيقنا سقوطها عنها بالعشر، ولم يتيقن فيما بعد.
قيل: بإزاء هذا مثله، وهو أننا تقينا سقوط الصلاة عنها في العشر فلا ينتقل عن هذا اليقين حتى نوجب عليها بعدا شيئا إلا بيقين، والصلاة وإن كانت عليها في الأصل بيقين فإنها تسقط بإقبال الحيض بيقين؛ لأننا لا نقطع على يقين ما تعلق عليها من حكم الحيض، لأنها قد تحيض وتطهر قبل العشر فلا يتحقق الوقت الذي ينقطع فيه فلا ينبغي أن ننتقل عن حكمه إذا أقبل إلا بيقين، ولسنا نتيقن على العشرة أنها أكثر لأن الخلاف قائم فيها.
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿حافظوا على الصلوات﴾، فتجب عليها المحافظة في كل وقت إلا في الوقت الذي حصل بالاتفاق أنه.

حيض، وقد اتفقنا في العشرة أنها حيض.
قيل: إنما تجب المحافظة على من عليه الصلاة بيقين، وقد تيقنا سقوطها عنها بالحيض ولم نتيقن وجوبها عليها بعد العشرة.
على أنه لو ثبت العموم لكان مخصوصا ببعض ذكرناه.
فإن قيل: قد قال عليه السلام: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا».

فلا يجوز الزيادة عليها إلا بدليل، قد قام دليل العشرة، فنحن عليه حتى يقوم دليل بالزيادة.
قيل: هذا وارد في امرأة بعينها مبتدأة اتصل بها الدم، ولم يكن لها تمييز ولا أيام ترجع إليها، فردها إلى عادة النساء سواها.
ألا تراه كيف قال لفاطمة بن أبي حبيش - وهي مميزة -: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا ذهب قدرها فاغتسلي وصلي».
وعلى أنه لما لم يدل على أنها لا تحيض عشرة أيام لما قامت من الأدلة - عندكم - فكذلك لا يدل على أنها لا تحيض خمسة عشر يما لما ذكرناه من الأدلة.
فإن قيل: قد روي أنه قال: «اقعدي أيام أقرائك»، وقال «لتنظر عدد الأيام والليالي»، وهذه عبارة عما دون العشرة.

قيل: هذا غلط؛ لأننا نقول: أيام أبي بكر، وأيام عمر، فتكون عبارة عما هو أكثر من عشرة بكثير.
وقد قال - تعالى -: ﴿فعدة من أيام أخر﴾، وقال: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ وقوله: {وتلك الأيام نداولها بين الناسء، ولم يقل: إلا أن تزيد على عشرة، ولو أراد الأيام الأقل الذي هو ثلاثة لم يمنع أن تقوم الدلالة على الزيادة إلى خمسة عشر، كما قامت لكم الدلالة في الزيادة إلى عشرة أيام.
وعلى أن الخبرين وردا على امرأة اشتهبت عليها حال حيضتها لا أنها عرفت أيامها.
فإن قيل: قد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «أكثر الحيض عشرة أيام».
قيل: هذا لم يصح - عندنا -، ولو صح لكان محمولا على ما تأولناه أنه قضية في امرأة بعينها.

ولنا أن نقول: إن ها دم ترخيه الرحم يسقط الصلاة والصوم فجاز أن يحكم له بحكم الحيض في الخمسة عشر يوما، دليله دم النفاس.
وأيضا فكل حم استوفى فيه تسعة أيام ولم تبلغ به العشرين اقتصر على خمسة عشر، دليله: أقل الطهر ولم تبلغ بأقل العشرين اقتصر فيه على خمسة عشر يوما.
ونقول أيضا: إنه حك معلق على الأيام يجوز أن يستوفي به عشرة أيام فيجوز أن يستوفي فيه خمسة عشر، كالطهارة.
وأيضا فإنه زوج من العدد لا يزيد على العقد، نصفه يوتره فجاز أن يكون هو مضموما إليه نصف حيض، دليله الست.
فقد ثبت صحة ما قلناه بالظواهر والاستدلالات والقياسات، ثم الحكم بشهادة الأصول، وذلك أن الله - تعالى - جعل الأشهر الثلاثة بإزاء الأقراء الثلاثة في التي لم تحض التي قد يئست من المحيض، فكان كل شهر بإزاء قرء، فدل على أن الشهر يجمع الحيض الطهر جمعيا، فإذا ثبت أن الشهر بإزاء القرء فلا يخلو من أحد أمور: إما أن يكون يجمع أقل الطهر وأقل الحيض، وإما أن يجمع أكثرهما، وإما أن يجمع أكثر الطهر وأقل الحيض، وإما أن يجمع أكثر الحيض وأقل الطهر، فلا يخلو من هذه الأقسام الأربعة.
فتبطل منها الثلاثة الأول، فيبطل أن يجمع الأقلين؛ لأنهما ينقصان عن الشهر، وهو يزيد عليهما.

ويبطل أيضا أن يجمع الأكثرين؛ لأنه ليس لأكثر الطهر حد، فهما يزيدان على الشهر.
ويبطل أيضا أن يجمع أكثر الطهر وأقل الحيض؛ لما ذكرناه في أكثر الطهر.
فإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا أنه يجمع أكثر الحيض وأقل الطهر، فإذا كان أقل الطهر خمسة عشري يوما ثبت أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما.
وإن عبرنا عن هذا الترجيح بعبارة أخرى أخصر من ذلك قلنا: إن الشهر في الحكم يجمع طهرا وحيضا، فحصل ظرفا لهما، فوجب أن يحوي أقصى أحد النوعين وأدنى النوع الآخر، ثم قد حصل الاتفاق على أن أقل الطهر خمسة عشر يوما فوجب أن يكون أكثر الحيض خمسة عشر يوما؛ ليتم بها الشهر، كما أن الثلاثين شهرا حوت مدة

الفصال والحمل، وجلت ظرفا لهما، ثم كان أقصى مدة الفصال حولين بالقرآن ثم كان مدة أدنى الحمل ستة أشهر لتستوفي الثلاثون شهرا المدتين جميعا، وبالله التوفيق.

[81]

مَسْأَلَة

والحامل عند مالك تحيض، فإذا رأت الدم تركت الصلاة كالحائل سواء، وهو أحد قولي الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا حكم لدمها في ذلك وتجعله استحاضة.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾، قال ابن عباس رضي الله عنهما - وهو ترجمان القرآن -: إنه حيض الحبالى، وكذلك قال عكرمة، ومجاهد.

ومع هذا فهو عموم في كل رحم حاملا كانت أو غيره حامل.
وأيضا قوله: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، فظاهره يوجب أن ما نفصل منه مما يتأذى به فهو حيض إلا أن تقوم دلالة، ولم يفرق بين حامل وحائل.
وقول النبي عليه السلام لفاطمة بين أبي حبيش وقد سألته إني أستحاض فلا أطهر: «إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة»، فلو كان الحكم يختلف لبين لها، وقال: إلا أن تكني حاملا.
وأيضا ما روي أن عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخل علي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأسارير وجهه تبرق فقلت له: أنت أحق بما قال أبو كبير الهذلي: ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء معضل

معنى مبرأ: أي أمك لم تحملك في حال حيضها، فلم يقل له: كيف تحمل المرأة في حال الحيض.
وقوله عليه السلام: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة تعرف» فأخبر بعلامته فلو كان يختلف لقال: إذا كان على غير حمل ولم يغفل ذلك كما لم يغفل باقي علامته، فهو عام في الحائل والحامل إلا أن يقوم دليل.
وأيضا فإن كل دم يحرم الوطء ويمنع الصلاة والطواف فإنه يجوز وجوده مع الحمل، أصله دم النفاس إذا كانت حاملا باثنين فوضعت واحدا وتأخر وضع الآخر وهي ترى الدم بينهما.
ولو جعل هذا استدلالا مبتدأ لجاز، وذلك أن يقال: إن النفساء من واحد من اثنين إلى أن تضع الآخر يوجد الدم منها بينهما فحيكم له بحكم الحيض باتفاقنا، وهو حكم موجود مع حمل، فلم يناف الحمل الحيض،

فكذلك قبل أن توضع شيئا لا فرق بينهما؛ لأن دم الحيض والنفاس واحد، ولأنه دم يجتمع في الرحم فربما أرخت الرخم بعضه على الحمل، وربما تأخر إلى أن تضع.
وأيضا فإنه دم موجود منها بصورته في أيام عادتها فوجب أن يكون حيضا كالحائل.
أو نقول: إنها رأت الدم المشبه للحيض في حال الإمكان فيجب أن يكون حيضا كما لورأته وهي حائل.
وأيضا فإنه لا يخلو أن يكون الدم الظاهر من الحمل حيضا أو استحاضة، وقد بطل أن يكون استحاضة، لأن من شرط الاستحاضة أن يكون بعد الحيض، فثبت أنه دم حيض.
وأيضا فإن الأصل في ذلك الوجود، وقد يوجد من الحامل كما يوجد من الحائل، فينبغي أن يجرع فيه إلى الوجود فيحكم به.
وأيضا فإنه لو عقد عليها عقد نكاح، ثم لما تقرر حكم العقد وطئها، ثم حاضت عقيب الوطء فإنها تترك الصلاة ويحرم وطؤها، فلو أنت بعد ذلك بولد لستة أشهر من يوم العقد للحق نسبة بالاتفاق، فعلمنا بهذا أنها حاضت على الحمل.
وكذلك لو عقد عليها حائضا ثم أتت بولد الستة أشهر من يوم العقد للحق به، فثبت أن الحمل طرأ على الحيض، فإذا كان الحيض لا ينافي الحمل كذلك الحمل لا ينافيه.

فإن قيل: فإن الحمل يضاد الحيض؛ لإجماع الأمة أن المرأة إذا طلقت وهي من ذوات الأقراء فتكرر الحيض منها انقضضت عدتها به.
وعلم فراع رحمها، فلو كان الحيض يوجد مع الحمل ما كان وجوده دليلا على البراءة؛ لجواز أن تكن حالما مع وجوده، يدل على ذلك: قوله: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض إنه، فجعل علامة براءة الرحم الحائل وجود الحيض، وبراءة رحم الحامل الوضع.
قيل: هذا هو الدليل على جواز وجود الحيض مع الحمل؛ لأن براءة رحم الحائض بالأقراء إنما هو عام ظاهر، وغلبة ظن لا يقين وإحاطة علم، ولو أن يقينا لاقتصر على قرء واحد.
ألا ترى أن وضع

الحمل من حيث أفادنا اليقين لم يضم إليه سواه، ومن حيث اشترط العدد في الأقراء دل على أن ذلك كالعدد من الشهود التي تدل على البراءة من طريق غلبة الظن، ومنزلته منزلة الشهود على الشهود على الحقوق من حيث كان قولهم دلالة ظاهرة لا متيقنة افتقر فيه إلى العدد، ثم الشهود في الدلالة وإن كانوا كالأقراء فقد يجوز أن تنكشف الحقيقة بخلاف الظاهر فكذلك الأقراء.
وأيضا فمعنى قوله عليه السلام: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض»، أي أن الحامل وإن حاضت فلا يبرئها الحيض حتى تضع، فلا توطأ وإن رأت الحيض وانقطع عنها حتى تضع فهو بخلاف الحائل، فهذا فائدته.
وأيضا فإن الحامل باثنين إذا وضعت واحدا ورأت الدم ولم تضع الآخر فهي تترك الصلاة لرؤية ذلك الدم فلا تنقضي به العدة.
وأيضا فإن الحيضة الواحدة من الحائل تترك لها الصلاة، ولا تنقضي به العدة وكذلك إذا مات فحاضت في الشهور فإنه حيض لا تنقضي به العدة.
فإن قيل: لو كان محرما لحرم الطلاق فيه.
قيل: الطلاق محرم فيه.
فإن قيل: لما كان الحمل تنقضي بوضعه العدة كما تنقضي

بالحيض، ثم لما لم يجز أن تحمل الحامل وجب أن لا تحيض؛ إذا الحيض بمنزلة الحمل في انقضاء العدة.
قيل له: يجوز الحمل مع عدم الحيض، ويجوز الحيض مع عدم الحمل، ويجوز اجتماعهما على ما بيناه، وإنما لم يجز أن تحمل الحمل من أجل شغل الموضع بالحمل، كما لا يجوز كون الجسمين في محل واحد؛ لأن أحدهما قد يشغل المكان، فمنع غيره من الحيز الذي حصل فيه ولم ينتقل عنه، فسبيل الحمل الموجود هذا السبيل، وليس كذلك الحيض؛ لأنه ليس بمستحيل وجوده مع الحمل كما لا يستحيل وجوده من الحائل.
وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تفتي النساء الحوامل إذا حن أن يتركن الصلاة، الصحابة إذ ذلك متوافرون

ولم ينكر أحد منهم عليها، ولو خالفها أحد منهم لكان قولها أولى: لاختصاصها بعلم أحكام الحيض أنه مما يختص به النساء، ولقربها من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع ما يعتادها من الحيض، ولكثرة أسئلة النساء عن ذلك بحيث هي ولا يكون الرجال، فكيف ولم ينقل عن أحد منهم خلافها؟ فصار هذا الإجماع.
ثم نقول أيضا: إن للون الدم من الدلالة على الحيض ما للحيض من دلالة على براءة الرحم، فلو بطل كون أحدهما دليلا لأنه قد يخلف في حال ما بطل الثاني لأنه قد يخلف في حال ما، والله أعلم.
وفيه إجماع الصحابة؛ لأنه روي أن رجلين تنازعا ولدا فترافعا إلى عمر فعرضه على القافة، فألحقه القائف بهما، فعلاه عمر بالدرة وسأل نسوة من قريش وقال: أبصرن ما شأن هذا الولد.
فقلن: إن الأول خلا بها وخلاها، فحاضت على الحمل فاستحشف الولد،

فظنت أن عدتها انقضت، فدخل بها الثاني فانتعش المولود بماء الثاني.
فقال عمر: الله أكبر، وألحقه بالأول، ولم

يقول: إن الحامل لا تحيض.
وأيضا فإنه دم صارع دم الحيض صفة قدرا في أيام العادة فجاز أن يكون حيضا، دليله الحامل.

[82]

مَسْأَلَة

وأكثر النفاس عند مالك - رَحمَه الله - ستون يوما.
وقد حكي عنه أن يرجع إلى أكثر الوجود في النساء في غالب أحوالهن.
وعند الشافعي ستون يوما.
وعند أبي حنيفة أربعون يوما، وما زاد على ذلك فهو استحاضة.
والدليل لقولنا: أن أصل الحيض والنفاس مبني على الموجود في طباع النساء على حسب عادتهن فيه، وهن مختلفات في جوده على حسب اختلاف البلدان، واختلاف الأزمنة عليهن، واختلاف أسنانهن وطباعهن، فالمرأة الواحدة يختلف ذلك عليها بحسب احتداد الحرارة بها والبرودة، ويختلف عليها في الزمانين، وتختلف الحال في صغرها وكبرها، وكذلك يختلف في المرأتين على حسب طباعهما واختلاف

أحوالهما وينتقل الحيض عليها من زمان إلى زمان، ويزيد زمان وينقص آخر، وبعضهن ترى الدم في النفاس أربعين يوما، وبعضهن تراه أقل من ذلك، وبعضه تراه أكثر، ولعل المرأة الواحدة يختلف حالها بين نفاسها في الولد الثاني وبين الأول، فإذا كان هذا هكذا صار حكم النفاس في ذلك كحكم الحمل، لأقله حد ولأكثره حد على حسب الوجود في عادتهن، فوجب الحكم بذلك في النادر والمعتاد كما كان في الحيض أيضا، فالرجوع إلى حكم الوجود أولى؛ لأنه قد وجد من نفاسها ستون يوما، ثم ترى بعد طهرا تاما، فيعلم أن ذلك نفاس إذا الوجود إليه انتهى.
وأيضا فقد حكي عن الأوزاعي أن المرأة كانت ترى الدم عندهم شهرين.
وأيضا فإن العلماء مجمعون على أن أقصى غاية النفاس عادة أربع حيض، فمن يقول: أكثر الحيض خمسة عشر، يقول: أقصى النفاس ستون، ومن يقول: أكثر الحيض عشرة، ويقول: أقصى النفاس أربعون، وقد دللنا على أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما، فيجب أن يكون أكثر النفاس ستون يوما.
وأيضا فإن الأربعين يوما كانت عادة في النساء في النفاس وجب أن يكون أكثره زائدا على العادة، كدم الحيض الذي الست والسبع منه عادة فيهن زادت نهاية أكثره عليه.
ولنا من الظواهر قوله - تعالى -: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق

الله في أرحامهن}، فجعلهن مؤتمنات على ذلك ليقبل منهن، فإذا ذكرت ذلك تعلق الحكم عليه إلا أن يقوم دليل.
وأيضا فإننا قد حكمنا لها بحكم النفاس والدم موجود فيما دون الأربعين وفي الأربعين فلا ينقل عنه إلا بدلالة؛ لأن العلم الموجب للحكم موجود.
فإن قيل: فقد روى ابن أبي مليكة عن عائشة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «للنفساء أربعون يوما، فإذا مضت اغتسلت وصلت».
وروي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تنتظر النفساء أربعين ليلة، فإذا رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، وإن جاوزت الأربعين فهي مستحاضة تغسل وتصلي».

وروى عثمان بن أبي العاص أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أكثر النفاس أربعون يوما، وما زاد فهو استحاضة».
قالوا: وكذا روي أن أم سلمة قالت: كان النساء يقعدن على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في النفاس أربعين يوما».

قالوا: ومعلوم أن وجود هذا القدر لا يتعلق بنساء الله زمان واحد، فثبت أن المراد كون مدتهن مقصورات على هذا القدر، وهذا الاتفاق من أهل عصر واحد لا يكن إلا عن أمر من النبي عليه السلام.
قيل: أما خبر عائشة عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيحتمل وجوها منها: أنه خرج على سؤال قيل له: ما حكم النفساء ترى الدم أربعين يوما ثم ينقطع؟.
فقال: النفساء التي هذه صفتها أربعين يوما، فإذا مضت، أي فإذا مضت الأربعين يوما بالدم اغتسلت وصلت.
ويحتمل أن تكون الألف واللام للعهد، وهي امرأة يعرفها النبي عليه السلام هذه صفتها فأفتى فيها بذلك، وهذا ظاهر؛ لأنه ليس في العرف أن يبتدأ إنسان على غير سؤال فيقول: للنفساء أربعين يوما، وقد اختلف الناس في الألف واللام إذا دخلت على النكرة هل تكون للعهد وتعريفا للنكرة، أو للنجس؟ والأليق في هذا المكان أن تكون للتعريف والعهد لما ذكرناه من حال الابتداء.

فإن قيل: فهذا كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «للفرس سهمان، وللفارس سهم».
قيل: هذا أيضا حجتنا؛ لأنه خرج كلامه على الفرسان الذين كانوا معه في المغنم، وهم أصحابه الذين يعرفهم، ولم يرد تعريف الجنس في كل فارس في الأرض أو البلد.
وأيضا فلا يمتنع أن تقوم الدلالة في الموضع أن ذلك للجنس، فلا ينبغي أن يحمل كل موضع فيه الألف واللام عليها.
وأما خبر ابن عمر عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تنتظر النفساء أربعين ليلة فإذا رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، فإن جاوزت الأربعين فهي مستحاضة تغتسل وتصلي»، فإنه خبر لا يعرف، فإن صح فيحتمل أن يكن في امرأة جرت عادتها بذلك على السنين، وكثيرة الولادة، فحكم لها بعادتها، كما إذا زادت على عادتها في أيام الحيض - عندهم -. ويحتمل أن يكون قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فإذا جاوزت الأربعين، وبعدها

عشرين؛ لأنها أيضا متجاوزة، ولم يقل: أو ما تجاوز بالدلائل التي قدمناها.
وأما حديث عثمان بن أبي العاص فقد قيل: إنه موقوف عليه.
ويحتمل أن يكون قوله عليه السلام: «أكثر النفاس أربعين يوما، لمن لم يزل عادتها كذلك.
ويحتمل أن يكون وما زاد على عشرين يوما أخر؛ لأننا قد أقمنا الدلائل على الستين، فلو قال: أكثر النفاس أربعين وبعدها عشرون لما استحال إذا خلت الدلالة على الستين، ولم يقل: وأول الزيادة استحاضة، وإنما قال: وما زاد، فيحتمل أن يريد وما زاد فأفرط حتى تجاوز الأربعين بأكثر من عشرين الدلائل التي أقمناها.
وأما قول أم سلمة: كان النساء يقعدن على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعين، فهذا يدل على أنهن بعده - وقد تغيرت أحوالهن - فقالت هذا القول، فيحتمل أن يكون أولئك الناس كان طباعهن وعاداتهن في ذلك الوقت جارية الأربعين، ثم تغير الزمان، وقد بينا أنه يتغير بغير الأزمنة، وإنما خبرت عن حال كان النساء عليها في ذلك الوقت، ولم تقل لمن حضر: فاقعدن أنتن كذلك، وإنما أعلمتهن أن عادات أولئك كانت على خلاف عاداتكن.
وقولهم: إن هذا لا يتعلق بأهل زمان واحد غلط؛ لأننا قد بينا أنه يختلف عليهن باختلاف الأزمان.

وقولهم: إن هذا الاتفاق من أهل عصر واحد لا يكون إلا عن أمر النبي عليه السلام فقد بينا الاحتمال في صريح قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليس ما ذكروه اتفاقا وإنما هي روايات مختلفة، وألفاظ مختلفة محتملة.
فإن قيل: فقد روي عن عمر وابن عباس وعثمان بن أبي العاص وعامر بن عمير أن أكثر النفاس أربعين يوما، وما زاد فهو استحاضة.

قالوا: والاستدلال بهذا من وجهين: أحدهما: أن تقدير الأربعين في مدة النفاس لا يتوصل إليه إلا من طريق التوقيف، فصار هذا كروايتهم عن النبي عليه السلام.
والثاني: أن هذا القول نقل عنهم من غير خلاف من نظرائهم فتصير مَسْأَلَة إجماع.
ولأن المقادير التي تتعلق بها حقوق الله - تعالى - على غير وجه الفصل بين القليل والكثير لا يتوصل إلى إثباته إلا من جهة التوقيف أو الاتفاق، وقد حصل الاتفاق على الأربعين، وما فرق ذلك مختلف فيه فلا يصلح إثباته إلا بتوقيف أو اتفاق.
قيل: هذا [هو] الذي ذكرتموه عن هذه الجماعة ليس بأولى من صريح قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد تأولناه، فهذا بالتأويل أولى.
وأما الوجه الآخر: فإنه لا يجري مجرى الإجماع إلا أن تكون فتيا ظاهرة تنتشر منهم في الصحابة فلا يخالفون، فأما حكايات عنهم تتأول فلا يجيء منها ما ذكرتم.
على أنكم أنتم لا تحكمون بفتوى الصحابي إذا انتشرت، حتى إن بعضكم لا يجعله حجة فكيف يجري مجرى الإجماع.

وأما أن المقادير لا توجد إلا عن توقيف فأنتم تعلمون خلافنا لكم في الكفارات وغير ذلك من المقدرات.
ثم مع هذا كله فإننا استدللنا بالوجود الذي هو الأصل الذي ردنا صاحب الشريعة إليه بما بيناه فيما تقدم، وهو أقوى مما أوردتموه؛ لأنه أصل ثابت لا يعترض عليه بهذه الأشياء المحتملة.
وقد استدل بعض من وافقنا في المسألة باستلالات وقياسات أنا أذكر بعضها، وهو أن قال: لما اتفقنا على كون الأربعين نفاسا جاز أن يضاف إليها مثل نصفها، دليله العشرون.
ولأنه دم لأقله غاية فجاز أن يجاوز الأقل والعادة، دليله الحيض.
ولأن دم النفاس هو الحيض أي اجتمع في الرحم من أجل الحائل الذي هو الولد، ومتى عددنا لك شهر ستا أو سبعا حصل قريبا من ستين يوما فوجب أن يكون ذلك مدة نفاسها.
واعترض على ذلك باعتراضات كرهنا التطويل يذكرها، وفيما ذكرناه كفاية، وبالله التوفيق.

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل