عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصارفصل
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فأما عظم الميتة وسنها وقرونها وريشها فهو - عندنا - نجس، وكذلك عظم الفيل ونابه، فإن ذكي فهو طاهر بناء على أصلنا في أن الذكاة تعمل في جلود السباع ولحومها.
وقال أبو حنيفة: عظام الميتة وسنها وقرونها وريشها طاهر، وكذلك عظام الفيل، بناء على أصله أنه لا حياة فيها، وأن الذكاة تعمل في السباع وتطهرها وإن كانت نجسة في حياتها، فسواء ذكيت أو ماتت فإن العظام طاهرة؛ لأنه لا روح فيها.
ووافقنا الشافعي على أن عظام الميتة نجسة وقرونها وسنها، وإنما خالفنا في صوفها ووبرها وشعرها، وقد مضى الكلام معه في ذلك، وخالفنا في أن الذكاة لا تعمل فيما لا يؤكل لحمه وقد مضى الكلام عليه.

والدليل لقولنا وقول الشافعي على أبي حنيفة في أن عظام الميتة نجسة: قول النبي عليه السلام: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء)، وهذا عام فيها وفي كل جزء منها إلا ما قام دليله.
فإن قيل: ليس العظم منها فلا يتناوله اسم ميتة.
قيل: عن هذا أجوبة.
أحدهما: أن اسم الميتة يقع على جملتها والسن فيها.
وأيضا: ما روي عن ابن عمر أنه كان يكره أن يدهن في مدهن الفيل، وقال: إنه ميتة، وهذا تعليل منه فكأنه قال: لأنه ميتة.

وأيضا: فإن الله - تعالى - قال: ﴿من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾، وقال: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما﴾، وقال: ﴿أءذا كنا عظما نخرة﴾، وقال: ﴿فكسونا العظام لحما﴾، فالأصل هو العظام، والروح والحياة فيها كما هي في اللحم والجلد.
وأيضا: يألم كما يألم اللحم والجلد.
فإن قيل: القرن يقطع فلا يألم، ويتبرد السن فلا يألم، وكذلك الريش.
قيل: يجوز أن يكون الظفر والسن والقرن والريش لا روح فيه غير أن أصله يسقيه الدم، فهو بخلاف الشعر والصوف، وأما العظم الذي تحت اللحم فإنه يؤلم كما يؤلم اللحم.
ولنا أيضا قوله - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾، وهذا عام فيها وفي كل جزء منها إلا ما قام دليله، وقد بينا أن العظم يموت ويدخله الحياة بقوله - تعالى -: ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾، وبما تقدم ذكره.

وأيضا فإن العظم يتأتى أكله كاللحم والجلد، فلما اتفقنا على أنه لا يؤكل مع تأتي الأكل فيه، دل على أنه كاللحم والجلد.
قيل: هذا غلط؛ لأن العظم يؤكل، وخاصة عظم الحمل الرضيع والجدي والفرخ والطير وغير ذلك، وعظم الكبير يشوي ويؤكل، ويتأتى فيه الأكل، وليس كالصوف والشعر.
ويجوز أن نحرز قياسنا فنقول: قد اتفقنا على أن لحم الميتة نجس إذا أخذ في حياتها أو موتها، وكذلك العظم الذي تحت اللحم بعلة أنه لو قطع في حياتها لكان نجسا.
أو نقول: هو جزء متصل بذي روح قد اكتسى جزءا منها، فهو كاللحم الذي اكتسى جزءا منها، وهو الجلد، فكذلك العظم قد اكتسى جزءا من الحيوان وهو اللحم، فوجب أن يكون نسجا كاللحم، ولا يلزم على هذا السن والقرن والريش؛ لأنه لم كتس جزءا من الحيوان، وبالله التوفيق.

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل