عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصارفصل
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فأما الكلام على المزني، وما ذكر أنه أحد قولي الشافعي فالدليل عليه: ما روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان ينام حتى ينفخ، ثم يصلي ولا يتوضأ.
فقيول له في ذلك.
فقال: (إنه تنام عيناي ولا ينام قلبي) ففيه دليلان: أحدهما: أن النوم نفسه لو كان حدثا لتوضأ عليه السلام منه، كما يتوضأ من قليل الأحداث وكثيرها.
والثاني: إنما خبر أنه تنام عيناه ولا ينام قلبه ما كان منه، ولم يوجب الوضوء لأجل النوم، ونبه على أن الوضوء يجب من لا يعلم ما يكون منه في النوم.
وأيضا ما روي عن حذيفة أنه قال: أمن هذا وضوء يا رسول الله؟ قال: (لا)، أو تضع جنبك على الأرض، فنفي إيجاب الوضوء عمن نام جالسا.
وأيضا حديث علي ومعاوية - رضي الله عنهما - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

قال: العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء) وفي حديث: (أنه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصله، فأعلمنا أن باسترخاء المفاصل يسرع خروج الحدث ولم يجعل النوم حدثا، ولو كان النوم في نفسه حدثا لم يكن في قوله: (استرخت مفاصله) فائدة.
وأيضا فإنه إجماع الصحابة؛ بدليل ما روي أنس أن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانوا ينتظرون عشاء الآخرة، ويناموا حتى تخفق رؤوسهم، ثم يقومون ويصلبون ولا يتوضؤون، والعمدة في المسألة على هذا الخبر، ومحال أن يذهب على أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن النوم حدث ينقض الوضوء فيصلون بالنوم، ولا يسألون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك.

وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما كانا ينامان قاعدين ثم يصليان ولا يتوضآن.
وكذلك روي عن أبي أمامة وأبي هريرة مثل ذلك.
وإذا روي عن المنفتين بين الصحابة، روي عنهم أجمعين علم أن هذه المسألة مشهورة بينهم.
فإن قيل: القياس يوجب أن كل نوم ينقض الوضوء.
قيل: لو كان حدثا في نفسه لكان كما ذكرت، ثم لو كان كذلك لكان قياسا يمنع منه الإجماع.

فإن قيل: في خبر صفوان أن النبي عليه السلام أمرنا ألا ننزع خفافنا من نوم.
ولم يخص، فاقتضى أن يتوضأ من كل نوم.
قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن إطلاق النوم لا يفهم منه نوم الجالس، وإنما يعقل منه نوم المضطجع.
ثم لو ثبت العموم لكان مخصوصا بالخير وبالإجماع الذي ذكرناه.
فإن قيل: فإن النبي عليه السلام جمع بين النوم وبين الغائط والبول في حديث صفوان.
قيل: إن الاقتران بين الشيئين في اللفظ لا يوجب اجتماعهما في الحكم.
على أنه إنما جمع بينهما إذا كان النوم مضطجعا، فإن الغالب منه خروج الريح، وما هذه صفته من النوم يجب فيه الوضوء.
فإن قيل: فإن حدث البول لم يختلف أحوال البائل في نقض الطهر.
قيل: إن البول يختلف باختلاف الأحوال؛ لأن سلس البول لا ينقض الوضوء، والمعتاد منه ينقض.
وعلى أنه لو لم يختلف حكمه لكان ذلك من أجل أنه لا يختلف في

نفسه لأننا قد نجد نوما ليس معه استرخاء المفاصل، ولا يمكن الخارج منه، فلما اختلف حال النوم في نفسه جاء اختلاف حكمه؛ لأنه سبب للحدث كمس الذكر الذي يختلف أحواله، فلو مسه بباطن يده نقض الوضوء - عندك - ولو مسه بظاهرها لم ينتقض.
فإن قيل: لو كان نوم الجالس لا ينقض وضوءه لبينه عليه السلام كما بين الأكل في الصوم أن في ما يوجب القضاء مثل أن يأكل عامدا، ومنه ما لا يوجب القضاء كالأكل ناسيا.
قيل: الأكل - عندنا - على كل حال يوقع الفطر، لأنه يضاد الصوم، والنوم لا يضاد الطهارة في جنسه؛ لأن النبي عليه السلام قد بين حكم النوم في حديث حذيفة لما نام جالسا، وقال: يار رسول الله، أمن هذا وضوء؟.
فقال: (لا أو تضع جنبك على الأرض).
فإن قيل: فقد روت عائشة - رضي الله عنها - أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من استجمع نوما فعليه الوضوء).

قيل: كذلك نقول إذا طال نوم الجالس، ورأي المنامات فهو الذي ستجمع نوما، وكذلك المضطجع.
فإن قيل: فإن النوم كالإغمااء يبطل الوضوء على جميع الأحوال فكذلك النوم لزوال العقل.
قيل: الفرق بينهما واضح؛ وذلك أن المغمى عليه لا يحس بشيء، وإن نبه لم ينتبه في جميع أحواله فانتقض في جميع أحواله.
والنائم ليس كذلك؛ لأنه ريما أحس بخروج الحدث منه فانتبه ولو حرك لانتبه فجاز أن تختلف أحواله.

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل