فيه (ولا يعيد الوضوء).
ويجوز أن تكون هذه الزيادة ذهبت على ألئك؛ لأنه يجوز أن ينسوها، وراوينا لم ينسها.
وعلى أننا نحمل خبرهم في الوضوء على الاستحباب، وخبرنا على نفي الإيجاب وجواتز تركه.
وعلى أنه لم يطعن على حديث أبي العالية في الضرير لما صح متنه؛ لأن الله - تعالى وصف الصحابة - رضي الله عنهم - بالرأفة والرحمة فقال: ﴿رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا﴾ فإذا كانوا بهذه الصفة لم يجز أن يضحكوا في مثل هذا؛ لأنه موضع بكاء لا موضع ضحك، وقد جوزنا حمله على الاستحباب.
على أن مذهبكم أن من قهقه في صلاته خرج فتوضأ وبنى.
وفي هذا الحديث أنه عليه السلام أمرهم بإعادة الصلاة، فعلم أن للحديث وجها غير ما ذهبتم إليه.
ويجوز أيضا أن يكون ذلك خصوصا لأولئك الذين ضحكوا خلف النبي عليه السلام من أعمى تردى في بئر؛ لأن لحضور النبي عليه السلام ما ليس لغيرها.
وقد روي هذا التأويل عن جابر بن عبد الله، وأنه قال: ليس على من ضحك في الصلاة وضوء، وإنما كان ذلك لأنهم ضحكوا خلف
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن مذهبنا الرجوع إلى تفسير الراوي، وجابر روى حديث الضرير.
ومع ذلك فهذا التأويل غير منكر في الأصول.
ألا ترى أن طائفة ذهبت إلى من زنى بحضرة النبي عليه السلام فهو كافر؛ لأنه مستخف بالشرع والدين، ولو زنى بحضرة غيره لم يكن كافرا.
فإن قيل: فينبغي أن يكفر الذين ضحكوا بحضرة النبي عليه السلام.
قيل: إن ذلك يترتب، فإذا فعلوا كبيرة بحضرته متعمدين وجب لهم حكم الكفر، ولو فعلوها بحضرة غيره لوجب تعنيفهم، فإذا فعلوا صغيرة بحضرته عليه السلام انخفضت العقوبة، ولو فعلوها بخضرة غيره لم يجب عليهم شيء.
فإن قيل قولكم: إنهم رحماء كما ذكر الله - تعالى - فيجوز أن يكونوا فعلوا ذلك بغير علم، ثم شرع النبي عليه السلام لهم يعملون عليه.
ألا ترى إلى قول الله - تعالى -: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما﴾، فليس هذا بمستحيل، وقد كان أيضا بحضرته عليه السلام منافقون وأعراب لا علم لهم، مثل الذي بال في المسجد.
قيل: أما التجارة واللهو الذي انفضوا إليه فإن التجارة مما يجوز أن يفعلها الإنسان، وإنما يقبح فعلها مع ترك الصلاة من حيث الشرع، وقد كان جائزا فعل ذلك، ثم ورد النهي عنه، وكذلك اللهو إنما كان بالأصوات والفرح الذي يتابشرون عند ورود تجارتهم من المواضع.
وذا شيء تدعو إليه النفس.
ثم حظر عليهم، وليس كذلك الضحك من مثل هذا؛ لأنه أمر لا تستحسنه إسلامي ولا جاهلي، ويقبح قبل
المشرع، وكذلك فعل الأعرابي في المسجد إنما قبح بالشرع.
وقولكم: قد كان خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منافقون، فإننا نقول: الظاهر في الصلاة غير ذلك، ولو كان كذلك لم يجز أن يقول الراوي: إن طوائف من أصحاب النبي عليه السلام ضحكوا؛ لأن هؤلاء ليسوا من الصحابة والراوي قطع أنهم من الصحابة.
وأيضا فإن من مذهبهم أن أخبار الآحاد إذا وردت عرضت على الأصول، فإن دفعتها لم يقولوا بها.
من ذلك ما قالوا في مس الذكر، وفي اليمين مع الشاهد، وخبر القرعة في حديث عمران بن حصين، وحديث أي هريرة في المصراة، وهذا الحديث إذا عرضوه على الأصول دفعته، فلزمهم أن
يردوه ويحملوه على وجه الندب، فأحسن أحوالهم أن نسلم لهم ظاهر الحديث ونحمله على الاستحباب، أو على أنه سمع من بعضهم صوت ريح إن لم يدفعه ما رويناه من الأحاديث فنخصه بالقياس الذي ذكرناه.
فإن قيل: إن كان فعل يحدث باختياره تارة، وتارة بغير اختياره فهو حدث، كالبول والريح وغير ذلك.
قيل: هذا باطل بأكثر الأشياء وبالحركة؛ لأن الإنسان يتحرك تارة باختياره، وكل هذا ليس بحدث، وينتقض بها في غير الصلاة فإنها ليست بحدث إجماعا.
وعلى أن المعنى في البول وغيره هو أنه لما أبطل الوضوء في غير الصلاة، ولما لم تبطل الوضوء القهقهة في غير الصلاة لم تبطله في الصلاة.
وعلى أنهم أرادوا أن البول يخرج بغير اختياره، ويعنون إذا سلس
بوله فإنه - عندنا - لا ينقض الوضوء قبل الصلاة ولا فيها، فسقط ما ذكروه.
ونقول لهم أيضا: قد زعمتم أن لو جلس قدر التشهد في آخر صلاته، ثم قهقه، كانت صلاته ماضية وبطلت طهارته، فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون في صلاة فيجب - عندكم أن تبطل صلاته وطهارته جميعا، وإن لم يكن في صلاة فلا يجب أن تبطل طهارته؛ لأن من قهقه في غير صلاة لم تبطل طهارته، وهذا من مذهبكم متناقض.
فإن قيل: القياس يوجب أن لا ينقض الوضوء في الصلاة، ولكن لا نعترض بالقياس على الأخبار، كما قلتم في مس الذكر وفي المصراة، كذلك نحن أيضا قلنا هذا الخبر.
قيل: عن هذا أجوبة.
أحدهما: أن القياس - عندنا - مقدم على خبر الواحد إذا نافاه.
وجواب آخر: وهو أننا نحن قد دللنا على القياس يوجب مبانية
الذكر لسائر الأعضاء في أحكام منها: إيجاب الحد بإيلاجه، وتكملة المهر، والحصانة، والغسل، وإفساد الصوم والحج، وغير ذلك، ومعنا أيضا في المصراة قياس نذكره في موضعه، وبينا أن الأصول تدفع حديث القهقهة.
وجواب آخر: وهو أننا قد روينا من الأخبار ما يعارض خبركم وذاد عليه، ثم استعملناه على وجه الاستحباب، والقياس يوجب نفي وجوب الوضوء حتى لا يتلاقى القياس والخبر.
فإن قيل: فإنه قهقه في صلاة فرض فانتقض وضوؤه، دليله إذا قهقه وأحدث.
قيل: معناه وجود الحدث؛ بدليل أنه لو قهقه وأحدث في غير صلاة كان كذلك.