عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصارصفحات 278-315
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كيف الوضوء؟ فقال: «أسبغ وضوءك وخلل بين الأصابع»، وهم يقولون: إذا مسح ظاهر القدم أجزأه.
وهذه الأخبار لا تلزم الطبري؛ لأنه لا يجوز في المسح ترك شيء من القدم حتى يستوفيه كالغسل، ولكن الخبرين اللذين ذكرتهما من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للأعرابي: «توضأ كما امرك الله»، إلى أن قال: «واغسل رجليك»، وقوله: «ويغسل رجليه» يلزمان الطائفتين جميعاً.
ونحن وإن قلنا: إن الفعل يقع به البيان كما يقع بالقول، فإننا نقول: إن البيان بالقول أبلغ منه بالفعل؛ لأن الأمر إنما يكون لغير الآمر وهو لا يدخل تحت ما يأمر به، وفعله يخصه، ونحن وإن جعلنا أفعاله

يقع بها البيان لأن القول في باب البيان أبلغ منه لا محالة بلا خلاف بين من تكلم في أصول الفقه، فإذا كان هذا هكذا، فقوله عليه السلام للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله»، إلى أن قال: «واغسل رجليك»، وقوله: «لن تجزئ عبداً صلاته حتى يسبغ الوضوء»، إلى أن قال: «ويغسل رجليه»، ابلغ من فعله عليه السلام، هذا لو تجرد ما روي من فعله المسح فكيف وقد روينا عنه فعله الغسل؟ وعندي أن هذه الطريقة في لزوم هذين الخبرين لا تثبت لهما شيئاً من الأخبار.
وأيضاً فإنَّه إجماع الصحابة لأنه روي عن علي وابن عباس وابن مسعود أنهم قرأوا بالنصب، وقال انس: كتاب الله المسح، وبين

رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه الغسل، فدل أنه إجماع منهم.
وقد روي عن عثمان وجابر وغيرهما لأنهم كانوا إذا قيل لهم: أرونا وضوء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حكوا وضوءه، وأنه غسل رجليه، وهذه أفعالكما رووا أنه مسح، غير أننا نقول: إنه قد يفعل الشيء تارة يريد به البيان، وتارة يفعله لعذر، وتارة للتعليم إلا

أن البيان بالقول أبلغ على ما بيناه.
ونقول: هما عضوان تجب فيهما الدية، أمرنا بإيصال الماء إليهما في الوضوء، فوجب أن يكونا مغسولين مع القدرة كاليدين.
أو نقول: هما عضوان تُعُبِّدنا بتطهيرهما في الوضوء، مذكوران بحدٍّ فيهما، فهما كاليدين.
أو نقول: الرجل عضو مفروض في أحد طرفي الطهارة، فوجب أن يكون مغسولاً كالوجه.
فإن قيل: هو عضو يسقط في التيمم فكان فرضه المسح كالرأس.
وأيضاً فإن الخف بدل عن الرجلين فلما كان البدل ممسوحاً فكذلك مبدله.
قيل: القياس على الرأس منتقض بالجنب، قد يسقط حكم رأسه ورجليه في التيمم، ثم فرض في ذلك الغسل في الجنابة.
وقولهم: لما كان بدله ممسوحاً وكذلك مبدله، باطل بالوجه هو بالتيمم ممسوح، وفي المبدل في الوضوء والجنابة مغسول.
ثم لو صح القياس لرجح قياسنا من وجوه: أحدها ما ذكرناه من مباشرة الرجلين بالسعي وظهورهما كالوجه واليدين.
ومنها: استناده إلى تعليم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتفسيره لما أمر الله -تعالى - به.

ومنها: استنتاده لفعل الصحابة رضي الله عنهم، ومداومتهم على الفعل وحكايتهم لوضوء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومنها: أن رد المذكور بحد إلى مثله من اليدين أولى.
ومنها: أننا نرى أشياء من البدن يجب غسلها في الجنابة، مثل الرجلين، ولا يجوز المسح فيها مع القدرة، ثم تسقطان مع سائر الجسد في الجنابة عند التيمم.
وأيضاً: فقد أجمعوا على أنه إذا توضأ وغسل رجليه فقد فعل المراد، واختلفوا فيه إذا مسح، فالتمسك بموضع الإجماع أولى.
فإن قيل: ما ذكرتموه أن العرب تتبع اللفظ اللفظ للمجاورة، وأن القراءة بالجر في ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، عطف بها على الرأس للمجاورة، فإنما تعمل العرب ذلك في الموضع الذي لا يلتبس، وها الموضع ملتبس؛ لأنَّه يجوز مسح الرجلين كما يجوز مسح الرأس.
قيل: قد رأيناهم يفعلون ذلك، وليس علينا تفصيل المواضع.
على أنه لما كان يلتبس قُيِّدت الرجلان بالكعبين كاليدين، فإذا عطف بهما على الرأس للمجاورة لم يلتبس، والله أعلم.

[14]

مَسْأَلَة

ولا يجوز تفرقة الوضوء وغسل الجنابة إلا اليسير منه، فأما إن فرقه حتى طال مقدار ما يجف فيه الماء على وجهه في هواء معتدل لم يجزئن وهو قول الشافعي في القديم.
وقال أبو حنيفة: يجوز، وهو قول الشافعي في الجديد.
ونحن نوافقهم إذا كان على وجه النسيان ونخالفهم في العمد.
ومن أصحاب مالك -رَحمَه الله - من قال: الموالاة مستحبة.
والظاهر من قول مالك أنها واجبة على الوجه الذي بيناه.

وبمثل قولنا قال الليث بن سعد، والأوزاعي، وربيعة، وأحمد.
وروي هذا عن عمر -رَحمَه الله -. وقول المخالف هو قول سعيد بن المسيب،

وعطاء، والحسن، وسفيان الثوري.
والدليل لقولنا: قوله -تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فأمر بغسل الوجه وما معه من الأعضاء والأمر يقتضي المبادرة والفور، وحقيقة الفور: أن يقع الفعل في الزمان الثاني من الأمر، وإذا خرج بعض الأعضاء فقد غسل بعض ما أمر به على الفور لا كله.
وأيضاً فإن العضو الثاني مأمور به كالأول، وتقديره: فاغسلوا وجوهكم واغسلوا أيديكم، فإذا ثبت غسل الأول على الفور، فالثاني مثله على الفور، والدليل في هذه المسألة مبني على الأصل.
فإن قيل: فإن الواو للترتيب، فتصير بمنزلة ثم التي هي للمهلة والتراخي.

قيل: الواو للجمع على ما بيناه في مَسْأَلَة الترتيب، ثم مع هذا لو ثبت أنها للترتيب لكان أحسن أن يكون بمعنى الفاء، غير أنها توقع الثاني عقب الأول؛ لأنها للعقب، ولو كانت للترتيب لكان قولكم في أول الاية: إنها للعقب في غسل أل وجه يلزمكم التعقيب في باقي الأعضاء للنسق على أل وجه.
وأيضاً: قد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ مرة مرة، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله صلاة إلا به»، ونحن نعلم أنه عليه السلام لم يغسل وجهه بالغداة، ويديه ضحوة النهار، بل والى تابع بين غسل الوجه واليدين ثم بين أن الله -تعالى - لا يقبل الصلة إلا بذلك الوضوء.
وقد روي أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ، ووالى، وقال: «هذا وضوء لاي قبل الله الصاة إلا به»، وفيه دليلان: أحدهما: أنه فعل ذلك، وفعله على الوجوب.
والثاني: أنه أعلمنا من طريق القول أن الله لا يقبل الصاة إلا بوضوء هذه صفته، إلا أن تقوم دلالة.
فإن قيل: الرواية أنه عليه السلام توضأ مرة مرة، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصاة إلا به»، عليه سؤالان.

أحدهما: أنه لم ينقل أنه والى وتابع، وإذا لم يكن في الخبر هذا لم يصح الحجاج به؛ لأنَّه حكاية فعل يجوز أن يكون وقع على الوجه الذي ذكرتموه، ويجوز أن يكون وقع على غير ذلك الوجه، فإذا لم يعلم على أي وجه وقع لم يصح الحجاج به.
على أن لو صح أنه والى لم تكن فيه دلالة، لأن قوله: «هذا وضوء» ن إشارة إلى الأفعال، والموالاة من صفات الفعل، وليست من أفعال الوضوء ن فيقتضي أن لاي قبل الله الصاة إلا بتلك الأفعال، لا بأفعالٍ صفاتها تلك الصفات.
قيل: أما قولكم: ليس في الخبر أنه والى وتاعن فعليه جوابان: أحدهما: أننا قد روينا في خبر أنه توضأ متوالياً.
والجواب الآخر: هو أنه لا يجوز أن يظن عليه السلام غير ذلك؛ لأن التفريق لغير عذر يخرج على طريق اللعب في الدين، وهذا مثله لا يظن به، وإنما يُظهر لنا ما يفعله لِيَسُنّ فَيُتَّبَع، ويُقتدَى به في فعله، ولا يجوز أن يُظن به أنه غسل وجهه بالغداة، وتمم وضوءه عند الظهر، لأن من يرى فعله الثاني يظن أن هذا القدر من الأعضاء يجزئ في الوضوء.
وقولكم: إنه أشار إلى الأفعال، والموالاة من صفة ألفعال فإننا نقول: إنه إذا فعل فعلاً على صفة ثم أشار إليه، وقعت الإشارة إلى ذلك الفعل على صفته إلا أن تقوم دلالة.
فإن قيل: يحتمل أن يكون عليه السلام فعل ذلك في الوقت المضيق، الذي لو أخر الطهارة أو بعضها حتى خرج الوقت لم يجز، وهذا الوقت لا يمكن فيه إلا الموالاة، فأما إذا كان الوقت متسعاً ن أو لم يدخل جازت التفرقة.

قيل: إنما أراد عليه السلام أن يعلمنا صفة الوضوء الذي لا تصح الصلاة إلا به، سواء توضأنا قبل الوقت أو في أوله أو في آخره، كما علم الأعرابي ذلك، وكما تقولون: إنَّه على الترتيب، ولم يتعرض لوقت الصلاة تضيَّق أو اتسع، وكذلك أعلمنا أن الفرض مرة، والفضل في الثا، ولم يتعرض للأوقات، والتعليم يكون في وقت الصلاة وفي غير وقتها، ونحن أبداً كذلك نعلم الناس كيف يتوضؤون ويصلون، وإن لم يحضر وقت الطهارة ولا وقت الصلاة.
ويدل على أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قصد تعليمنا صفة الوضوء: قوله لنا: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، ولو كان يختلف لكان يقول: وهذا إذا تضيق الوقت، حتى نعلم الفرق بينهما، كذا ينبغي أني كون التعليم، وإلا التبس علينا، ولم نعلم الفرق بين الوقتين، مع جواز أن يكون هناك وضوء على غير هذه الصفة يقبل الله الصلاة به، فلما لم يبن لنا الفرق علم أن الأمر فيها سواء.

فإن قيل: إن الله -تعالى - أمر بغسل هذه الأعضاء في الآية، فمن غسلها مجتمعة، قيل: قد غسلها وإذا غسلها متفرقة، قيل: قد غسل أعضاءه، فإذا كان يسمى غاسلاً لأعضائه سواء فرق أو جمع فقد امتثل المأمور به.
قيل: عنه جوابان.
أحدهما: أننا قد ذكرنا أن الأمر يقتضي المبادرة في جملة الطهارة في كل عضو منها.
والجواب الآخر: هو أنَّه إذا غسل وجهه وصبر، لا يقال: قد غسل أعضاءه، ولا بد أن يغسل يديه ثم يؤخر الباقي يقال: قد غسل أعضاءه، وأما إذا غسل وجهه وأخر الباقي، قيل: قد غسل وجهه حسب.
وقد قلنا: إن التفريق على هذا الوجه يخرج إلى حد التواني واللعب الممنوعين في دين الله ع ز وجل.
فإن قيل: فإن الاتفاق قد حصل لو قدم جملة الطهارة من ضحوة من النهار للظهر أجزأه، وهذا قبل توجه الأمر عليه، فإذا جاز تقديم الكل على زمان الأمر كان تقديم بعض الأعضاء على زمان الأمر وتأخير البعض إلى وقت الأمر أولى بالجواز، وتقدير ذلك: أن يغسل

وجهه ويديه، ضحوة النهار، وإذا زالت الشمس غسل الباقي، فيكون قد حصل غسل وجهه ويديه قبل زمان الأمر بغسلهما، وحصل مسح الرأس وغسل الرجلين بعد وقت الأمر فيهما.
قيل: هذا لا يلزم؛ وذلك أن الآية خوطب بها من قام إلى الصلاة وهو محدث أيوقع غسل كل عضو على المبادرة، فثبتت الموالاة، وصار لكل عضو في المبادرة به حكم صاحبه، وهو أن يقع الثاني موالياً للأول، فإذا ثبت في الثاني أني كون عقيب الأول، وثبت في الثالث أن يكون عقيب الثاني، فمتى قدمنا الكل لم يتغير حكم كل عضو عما ثبت فيه من موالاته لصاحبه، وليس كذلك إذا قدمنا البعض وأخرنا البعض؛ لأنه يزول الحكم الذي كان يثبت فيه من أن يتلو كل عضو صاحبه.
يبين هذا: أن الصلاة الواحدة يتناولها قوله: «صلوا»، ولفظه لفظ الأمر، والأمر يتوجه إلى الركعة الثانية كتوجهه إلى الأولى، وإن الفور في الثانية كهو في الأولى، فلا بد من أن تقع عقيبها ومواليه لها، فإذا ثبت فيها هذا الحكم لم يجز أن يتغير عنه حيث وقعت.
ألا ترى أن صلاة الظهر إذا أخر وقتها أوقعت كذلك، متوالية، ولو قدمت في أول وقتها لكانت كذلكن حتى لا يتغير وقت الموالاة فيها ولو جاز إيقاعها قبل الزوال لما جازت إلا كذلك من أجل ما ثبت فيها من الموالاة، فإذا كان هذا هكذا سقط السؤال.

ويجوز أن يستدل في الأصل بكون الحديث حاصلاً بيقين فمن زعم أنه يزول بالوضوء المتفرق فعليه الدليل.
وأيضاً فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ بالموالاة، فمن خالف فعله كان مردوداً بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو مردود»، وقد علم أن الفعل لا يمكن رده، فثبت أنه اراد أنَّ حكمه مردود.
وأيضاً فإن الصاة عليه بيقين، فلا تستطيع إلا بيقين.
فإن استدلوا بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا صلاة إلاب فاتحة الكتاب»، وهذا قد صلَّى بفاتحة الكتاب.
قيل: وقد قال: «لا صلاة إلاب طهور»، فينبغي أن يسلم أنه قد تطهر.
فإن قيل: فقد قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا قد نوى أن تكون له طهارة.
قيل: قوله: «لا صلاة إلا بطهور»، أخص منه؛ لأنَّه يتناول اسم الطهارة بالذكر.
على أن معنا القياس فنق ول: هي عبادة تسقط إلى شطرها في

حال العذر، فجاز أن تبطلها التفرقة كالصلاة.
أو نقول: هي عبادة تنتقض بالحدث فجاز أن تبطلها التفرقة كالصلاة.
أو نقول: هي عبادة تجمع أشياء متغايرة، تتقدم على الصلاة للصلاة، فجاز أن تبطلها التفرقة كالأذان، لو قال: الله أكبر ثم سكت ثم قال: أشهد ألا إله إلا الله، فذكر الشهادة الأولى قبل أن تتم التكبيرة لم يجز.
وقولنا: تجمع أشياء متغايرة احتراز من الكسوة، فإنه لو غطى عورته بالغداة، وبعضها عند القيام إلى الصلاة جاز.
وقولنا: احتراز من الحج؛ لأنَّه لا يراد للصلاة.
فإن قيل: فإنَّه تفريق طهارة فوجب أن لا يمنع صحة الطهارة، أصله التفريق اليسير.

ولأن الحدود طهارة وكفارة، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الحدود كفارات لأهلها»، ثم يصح تفريق الحد؛ لأنَّه لو جلد عشرين سوطاً بالغداة وعشرين بالعشي جاز، فنقول: هو تفريق تطهير فوجب أن لا يمنع صحته أصله الحدود.
أو نقول: كل ما لا يمنع منه التفريق اليسير لا يمنع من التفريق الكثير، أصله الحج، وعكسه الصلاة؛ لأنَّه لو وقف بعرفة وطاف يوم النحر أجزأه، وهذا تفريق يسير، ولو وقف وطاف بعد شهر أجزأه أيضاً.

وكذلك لو طاف خمسة أشواط ثم طاف في وقت آخر أجزأه.
قيل: أما قياسكم على التفريق اليسير فغلط؛ لأنَّ الأصول قد جوزت العمل القليل في اصلاة ومنعت من الكثير، ثم ينتقض أيضاً بالصلاة، لأنه لو تعمد قتل عقرب أو خطأ ليسد الصف جاز، ولو اشتغل بإخراج غريق وهو في الصلاة بطلت الصلاة، وقد عفي عن يسير الدماء، ويسير العمل في الصلاة، ويسير الغرر في البياعات، بخلاف الكثيرة، وقد قلنا: إن تعمَّدَ التفرقة ضرب من اللعب، ويؤدي إلى التواني الذي هو ممنوع في الدين.
وأما القياس على الحدود فإن الحدود تكون تطهيراً وكفارة بالتوبة، وإن لم يتب فإنها لا تطهره.
على أننا قد رددنا ذلك على الصلاة فهو أولى من رده إلى

لحدود؛ لأن الطهارة تراد للصلاة، والحدود لا تراد للصلاة والا للحج، ورددناه إلى الأذان المراد للصلاة، فرد ما يراد للصلاة إلى مثله أولى.
وأما تفريق الطواف حتى يطول فإنه لا يجوز عندنا.
فإن قيل: فإن كل عبادة جاز تقطيع النية على أبعاضها جز تفريق أبعاضها، أصله الزكاة، بيان ذلك: أنه لو كان عليه خمسة دراهم زكاة، جاز أن يفرقها دانقاً دانقا، وينوي مع كل دانق أنه زكاة أجزأه، فقد فرق النية على أبعاضها، وفرق أبعاضها، وكذلك الطهارة لو غسل وجهه ونوى رفع الحدث أجزأه، وكذلك في الرجل فلما جاز أن يفرق النية ويقطعها جاز تفريق أبعاضها، وعكس ذلك الصاة؛ لما لم يجز بالتكبير أنه للظهر لم يجزئه، ولو ركع ونوى به ركوعاً عن الظهر لم يجزئه، فلا بدَّ من جملة النية في استفتاح الصلاة فيقول: نويت به صلاة الظهر أو الفرض.

قيل: إن الطهارة جعلت شروطاً تراد لأمر شرطه الموالاة، وهو الصاة، فكان من شرطها الموالاة كالأذان، وليس كذلك الزكاة.
ثم لا فرق -عندنا - بين الطهارة والصلاة في المنع من تقطيع النية؛ لأنَّه لو نوى بغسل وجهه رفع الحدث ما ارتفع، وإنما يرتفع الحدث بالفراغ من الطهارة، ألا ترى أنه لو بقي عليه غسل عضو لم يصح أن يصلي فلم يرتفع حدثه، وإنَّمَا ينوي حين يشرع في الطهارة أنه يرفع الحدث بطهارته التامة، فتفرقة النية لا تجوز كما لا يجوز تفرقة النية في الصلاة.
على أنه فاسد بالشهرين المتتابعين، فإن تفريق النيات في كل ليلة جائز، ولا يجوز تفريق الفعل الذي هو الصيام، فلو أجزنا تفريق النية في أعضاء الطهارة لم يلزم جواز تفريق الأعضاء، كما لا يجوز تفريق النية في ليالي صيام الشهرين ولا يجوز تفريق الصيام، وكذلك شهر رمضان أيضاً.
وقولنا هو قول عمر بن الخطاب -رَحمَه الله - ن ولا مخالف له

من الصحابة، فجرى مجرى الإجماع.
وما يحتجون به من خبر ابن عمر أنَّه توضأ وخرج إلى السوق، فدعي إلى جنازة فمسح على خفيه، فإنه حكاية عن فعلة وقعت، فيجوز أن يكون ناسياً لمح الخف فذكر، ويجوز أن يكون كان بخفه أذى من بول أو غائط أو طين فمسحه عنه بالماء، وقد كان يتقبل في أفعاله فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يكن عليه السلام يتوضأ على الوجه الذي يجيزونه؛ لأنَّه يجري مجرى اللعب، ولم يظهر مظهر ابن عمرو في جواز التفرقة، وظهر مذهب عمر رضي الله عنه فهو حجة.
فإن قيل: فإن النسيان إذا حصل في الصلاة حتى طالت التفرقة أعيدت الصلاة من أولها، وليس كذلك الطهارة.

قيل: هذا لا يضر؛ لأن العمد في الصاة قد خالف حكم النسيان، فلو فرق الصاة على طريق العمد أفسد، مثل أن ينصرف من اثنتينن ولو انصرف ناسياً لم يفسد، فكذلك التفريق في الطهارة على طريق العمد في الطول لا يجوز، وفي النسيان لا يفسد، فلا يمنع أن يكون الأمر في الطهارة أوسع منه في الصلاة.
فإن قيل: لو كانت الموالاة شرطاً في صحة الطهارة لم ي فترق الحكم بين العمد والنسيان، كالنية والماء الطاهر.
قيل: هذا غير لازم؛ لأن في الأصول ما هو واجب وقد افترق عمده ونسيانه، ألا ترى أن الإمساك عن القيام إلى خامسة في الصلاة الرباعية واجب، ولو قام إليها ناسياً لم تفسد، وكذلك الإمساك عن الكلام فيها واجب ويفترق عمده ونسيانه، وكذلك الإمساك عهن الأكل في الصوم واجب ويفترق -عندكم - حكم عمده ونسيانه، وكذلك التسمية على الذبيحة، وكذلك في مسألتنا لم يفترق حكم

النية والماء الطاهر في باب العمد والنسيان، اختلف في الموالاة في الطهارة.

[15]

مَسْأَلَة

ولا يمس المصحف ولا يحمله إلا طاهر غير محدث ولا جنب.
هذا مذهب مالك، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه، والشافعي.
وقال حماد، والحكم: يجوز للمحدث والجنب

مسه، وبه قال داود.
والدليل لقولنا: قوله -تعالى - ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، فأخبر -جل ثناؤه - أن الكتاب المكنون لا يمسه إلا المطهرون؛ لأنَّ القرآن لا يمس، ولكن المس وترك المس يقعان على الكتاب، ولن الكتاب أيضاً أقرب مذكور إليه، فكانت الهاء في ﴿يَمَسُّهُ﴾، راجعة غليه -أعني إلى الكتاب الذي فيه القرآن -، لأنه قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾.
وقوله -تعالى -: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾، يحتمل معنيين.
أحدهما: أن يكون لفظه نهياً، كما إذا نهيت غائباً قلت: لا يَمسَ فلانٌ هذا، ويحتمل أن يكون لفظه للخبر، والمراد به النهي أو الأمر؛

لأنه لو كان خبراً حقيقة لما جاز أني كون بخلاف مخبره، فلمَّا وجدنا أنه يمسه من ليس على صفة الطهارة من جنب وغيره علمنا أن المراد به النهي، فصار تقديره: لا تمسوا المصحف إلا وأنتم مطهرون، ومثل هذا قوله -تعالى - ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، والمراد به ألمر، وصيغته صيغة الخبر، وهذا في القرآن كثيرٌ.
فإن قيل: المراد بالكتاب المكنون: اللوح المحفوظ، وبالمطهرين: الملائكة، بدليل أنَّه سمَّاه محفوظاً مكنوناً، والمصاحف ليست بمحفوظة.
قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أنه قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولا يعرف قرآن منزل إلا ما في المصحف.
والجواب الثاني: هو أنه غير جائز أني كون المراد غير المصحف، لأن من لا يتوهم عليه غير الطهارة لا يصح أن يتوجه عليه هذا الخطاب، وليس للملائكة حال غير حال الطهارة، فدل أن المراد به ما ذكرناه.
فإن قيل: لو أراد ما ذكرتم لقال: إلا المطهرون.
قيل: من تطهر بالماء يكون متطهراً ومطهراً، ولأنَّه قد يصح أيضاً

أن يطهره بالماء غيره فيقال: قد تطهر وهو مطهر.
فإن قيل: إنما اراد الله -تعالى - بالمطهر الذي قد ارتفعت درجته، كقوله في عيسى عليه السلام: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾،؛ أي مبعدك من هؤلاء الأنجاس، فكذلك أراد الملائكة ههنا، لأنهم مميزون ممن يلحقهم التنجيس والتطهير.
قيل: فينبغي أن يكون هذا فضيلة للقرآن؛ لأنه قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فلا ينبغي أن يمسه منا إلا طاهر؛ لأن التنبيه على فضيلته يوجب ذلك.
فإن قيل: نحن إذا جعلنا قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾، خبراً لا يجوز أن يوجد بخلاف مخبره حملنا على الحقيقة إذا كان خبراً عن الملائكة في اللوح المحفوظ، وأنتم تجعلونه للنهي بغير دليل.
قيل: نحن جعلناه بدليل؛ لأنه لو كان خبراً لم يفد؛ لأننا قد علمنا أنه ليس في الملائكة غير طاهر، ولا أحد ممن يمس اللوح المحفوظ غير طاهر، فلا فائدة في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، إذا حمل على الملائكة.
وأيضاً فإن التنبيه على عظم منزلته يوجب ألا يمسه إلا من عظمت حرمته؛ لأنه تنزيل من رب العالمين، وقد نزل إلينا فلا ينبغي أن نمسه إلا على أكمل أحوالنا.

ولنا من السنة ما رواه عمرو بن حزم أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب له كتاباً إلى اليمن، وذكر فيه: «وأن لا يمس المصحف إلا طاهر».

وروى حكيم بن حزام أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قا: «لا يمس المصحف إلا طاهر».
وروى ابن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تمس المصحف إلا وأنت طاهر»، وهذا خبر صحيح جيد.
فإن قيل: قوله عليه السلام: «لا يمس المصحف إلا طاهر»، أراد أن لا يمسه مشرك.
قيل: الجواب عن هذا من وجوه: أحدهما: أن خبر ابن عمر يسقط؛ لأنَّ ابن عمر كان مسلماً، وقد نهي أن يحمله إلا وهو طاهر.

ووجه آخر: وهو أنه عام في كل مشرك ومسلم ليس على الطهارة.
وجه آخر: وهو أن المشرك ليس بنجس البدن، وإنَّما هو معبد لدينه؛ لأن أصل النجس هو المعبد، ألا ترى أنه لو كان نجس في بدنه لم يطهر باعتقاد الإسلام، وإذا حمل للمشرك لم يكن للاستثناء والتخصيص معنى ولاف فائدة؛ إذ ليس للمشرك حالة طهارة، ثم لو أراد المشرك ولا يحمله إلا مؤمن لقال: لا يسمه إلا مؤمن، فلما أتى بذكر طاهر، إلى صفته زائدة على كونه مؤمناً، علمنا أنه أراد المؤمن إذا كان متطهراً؛ لأننا نعلم أنه لا يحكم له بالطهارة إلا بعد تقديم الإيمان منه، كما لو قال: لا يمسه إلا مصل، فلا يكون مصلياً صلاة شرعية إلا بعد كونه مؤمناً.
وأيضاً فإنَّه عليه السلام نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن تناله أيدي المشركين، الذي لا يجتنبون الأنجاس، ولا تصح لهم طهارة، ولا يعظمون حرمته، فينبغي أن نعظم حرمته، ولا نمسه إلا على طهارة.
,أيضاً فلنا إجماع في المسألة؛ لأنَّه روي عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن المحدث أيمس المصحف؟ فقال: لا.

وروي أن عمر رضي الله عنه تسمع على أخته وهي تقرأ سورة طه وزوجها سعيد بن زيد وعندهم خباب بن الأرت، فسألهما عمر أن يخبراه بما قرأته، وان يعطياه لينظر إليه، فقالت له أخته: إنَّك لا تتوضأ من الحدث، ولا تغتسل من الجنابة، فلا أعطيكه تمسه، وهذا كان قبل إسلام عمر رضي الله عنه.

وروي أن مصعب بن سعد كان يمسك المصحف لأبيه سعد حتى يقرأ فيه، فحك مصعب بدنه فقال له أبوه سعد: أراك قد حككت ذكرك؟ فقال: نعم.
فأمره بوضع المصحف، وقال له: توضأ ثم امسسه.

وقد روي عن سلمان أنه قيل له، وقد تبرز: لو توضأت فسألناك عن آي من القرآن.
فقال: سلوني، فإنِّي لست أمسه، لأنه لا يمسه إلا المطهرون، وهذا صحابي تأول الآية على ما نقول فلم ينكر عليه.
ومن الاعتبار: أنه ممنوع من الصلاة لمعنى فيه، فوجب أن لا يجوز له مس المصحف؛ كالمشرك.
وأيضاً فإنه ممنوع من الصالة لمعنى تعلق حكمه بيده، فوجب أن يمنع من مسِّ المصحف بتلك اليد ما دام على صفته تلك، أصله إذا غمس يده في نجاسة لا يجوز مسه بها.
وأيضاً فإن الجنابة لما منعت نم دخول مكان الصلاة منع الحدث

من نفس الصلاة.
وأيضاً فإن مباشرة ما قد تناهت حرمته لا يجوز مع كونه محدثاً، كالطواف.
وأيضاً فإن الأصول تشهد لقولنا: وذلك أالحدث حدثان: أعلى وأدنى، وللمصحف حرمتان، أعلى وأدنى، فلما منع الحدث الأعلى - وهو الجنابة - عن الحرمة العليا - وهي القراءة -، فكذلك يجب أن يمنع الحدث الأدنى من الحرمة الدنيا - وهي حمل المصحف ومسه -، وهذا إذا سلم لنا لأن الجنب لا يقرأ؛ لأنه عندهم - يقرأ.
فإن قيل: فقد كتب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى قيصر كتاباً فيه: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، وكتب إليهم آيتين»، مع علمه

بأنهم يمسونه ويبتذلونه، وليسوا بمتطهرين، فدل على ما ذكرناه.
قيل عن هذا جوابان: أحدهما: أنه لا يصح لداود الاحتجاج بهذا؛ لأنَّه لا يجوز للمشرك مسه.
والجواب الآخر: هو أنَّه يجوز للجنب أن يقرأ -عندنا - الآية والآيتين، وأن يمس ما فيه آية أو آيتان؛ لأنه يسير.
على أننا نجوز للمحدث أن يحمل المصحف إذا لم يكن قصده حمله ومسه.
فإن قيل: فإن المحدث تجوز له قراءة القرآن، فجاز له مسه، كالمتطهر.
ولأن حرمة المصحف لما فيه من القرآن، ولا حرمة للجلد ولا للورق والسواد، فلما جاز للمحدث قراءة القرآن؛ فلأن يجوز له مس المصحف أولى.

وأيضاً فإن النجاسة تمنع من الصلاة كالحدث، ثم لو كان على يديه نجاسة لم يمتنع من مسِّ المصحف وإن كان ممنوعاً من الصلاة.
وأيضاً فإن الصبيان في الكتاتيب يمسون المصحف والألواح، ويتعلمون فيها، وكذلك التعاويذ، وهذا كله يدل على صحة قولنا.
والجواب: أما قياسهم على المتطهر فلا يصح، وذلك أن المتطهر ممنوع من الصلاة، وليس كذلك المحدث؛ لأنَّه ممنوع من الصلاة لمعنى فيه.
ثم إنَّه منتقض بمن كان على جميع بدنه نجاة، يجوز له أن يقرأ القرآن، ولا يجوز له مس المصحف.
وقولهم: إن حرمة المصحف لما فيه من القرآن فإننا نقول: ليس من حيث جاز له أن يقرأ القرآن ما يدل على أنه يجوز له حمل المصحف، كمن كان في دار العدو يجوز له أن يقرأ القرآن، ولا يجوز له حمل المصحف إلى دار العدو.

وعلى أن الفرق بين القراءة ومس المصحف هو: أنه لو منع المحدث من قراءة القرآن لأدى إلى أن ينسى القرآن، لأن الناس في غالب أحوالهم يكونون محدثين، فلهذا جاز لهم أن يقرؤوا وليس كذلك مس المصحف؛ لأنَّه لا يؤدي إلى هذا، لنه يمكنه أن يقرأ فيه وإن لم يمسه، بأن يتصفح الورق بخشية، وبمن يمسكه له؛ ولهذا المعنى قلنا: لا يقرأ الجنب القرآن؛ لأنَّ الجنابة تقل، ولا يؤدي إلى نسيان القرآن، والحدث بغير الجنابة يكثر ويعتاده.
وماذ كروه من النجاسة فهو دليل لنا؛ لأن كل عضو لحقته النجاسة لم يجز أن يمسه به، كذلك الحدث لما كان حكمه حالاً في جميع أعضائه منع من مسه.
وما ذكروه من مسِّ الصبيان المصاحف والألواح، فإن الصبيان لا عباده عليهم، فطهارتهم ناقصة، ولا فرق بين مسهم إياها على طهارة أو غير طهارة، وليس كذلك الكبير؛ لأن طهارته تكون تامة فمنع من مسه إلا على طهارة.
وأيضاً فلو منعنا الصبيان من مسه إلا على طهارة أدَّى إلى أن لا يتعلموا القرآن؛ لأنَّهم إنما يتعلمونه في المصاحف والألواح، والغالب من أحوالهم أن يكونوا غير متطهرين.
وعلى أن قياسنا ترجح باستناده إلى ظاهر القرآن، وسنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفعل الصحابة رضي الله عنه والاحتياط إعظام حرمة المصحف والله أعلم.
وقد روي أن عائشة -رضي الله عنها - كانت تقرأ القرآن وهي

حائض، ويمسك لها المصحف، ولا تمسكه هي، فلو كانت قراءتها في المصحف كقراءتها في غير المصحف لما امسك لها غيرها، ولعرفها أحد الصحابة جوازه، وهذا ظاهر منها، لا يعرف لها فيه مخالفة، وعائشة -رضي الله عنها - مع اختصاصها برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واختصاصها بمعرة أحكام الحيض، لا يجوز في ظاهر الحال أن تكون فعلت ذلك إلا وعندها من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه توقيف، وبالله التوفيق.

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل