فإن قيل: هذا لم يغسل وجهه لجميع الصلوات، وإنما غسل وجهه لصلاة واحدة.
قيل: ظاهر الأمر يقتضي غسل وجهه، ولا يتميز نيته، فنحن على ذلك الأمر إلا أن يقوم دليل.
فإن قيل: الظاهر يقتضي غسل وجهه لكل صلاة.
قيل: الظاهر يقتضي أن يغسل وجهه إذا أراد القيام إلى جميع الصلوات، وهذا قد غسله فلا يجب عليه التكرار إلا بدليل؛ لأن الظاهر يقتضي غسل مرة واحدة، وقد غسل.
وأيضا قول النبي عليه السلام: (لا صلاة إلا بطهور)، وهذا نفي في ذكره يعم كل الصلوات إلا بطهور، وقد تطهر.
فإن قيل: لا نسميه عند الصلاة الثانية متطهرا.
قيل: هو على طهارته التي تطهر بها، وقد سمي متطهرا فيستصحب الاسم حتى يمنع منه مانع.
وأيضا قوله عليه السلام: (لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه)، وقد أسبغ هذا الوضوء لصلاته التي هي للجنس لا تختص بصلاة دون أخرى، فهو على عمومه في كل صلاة
حتى يمنع منه مانع.
وأيضا تعلميه عليه السلام الأعرابي بقوله: (توضأ كما أمرك الله فاغسل)، وهذا قد غسل، ولم يخص له صلاة من صلاة.
فإن قيل: فقد قال عليه السلام: (وإنما لامرئ ما نوى)، وهذا نوى بوضوئه صلاة بعينها، فدليله أن ما لم ينوه لا يكون له، فلا تكون له الصلاة الثانية.
قيل: هذا حجة لنا؛ لأنه إذا صلى الثانية بالوضوء الأول، ونوى أن تكون له صلاة فقد نواها صلاة له فله ما نواه.
قيل: ولا رفع النية لها، وإنما نوى ذلك فارتفع حدثه، وإذا ارتفع حدثه جاز أن يصلي سائر الصلوات كما لو أطلق النية.
فإن قيل: قد قلتم: إنه لو تيمم لنافلة لم يجز أن يصلي به فريضة فكذلك هذا.
قيل: التيمم لا يرفع الحدث، ولا يفعل إلا بعد دخول الوقت، ولا يجمع به بين صلاتي فرض، فلهذا لم يعمل إلا في الصلاة التي
قصد به استباحتها؛ لأنه عليه طلب الماء للصلاة الثانية كالأولى.
فإن قيل: فقد جوزتم إذا تيمم لمكتوبة فصلاها أن يتبعها بنافلة بذلك التيمم.
قيل: تصير تبعا للفريضة.
[49]
مَسْأَلَة
لا يدخل الجنب المسجد ولا عابر سبيل، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: يجوز أن يمر فيه عابر سبيل.
والدليل لقولنا: ما روي أن أفضل البقاع المساجد، وأنها بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر بها اسمه، وأنها بنيت للصلاة والتسبيح، فوجب تعظيم حرمتها بكل وجه، ومن تعظيم حرمتها ألا يدخلها الجنب إلا أن يقوم دليل.
وأيضا ما روته جسرة بنت دجاجة عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: جاء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: (وجهوا هذه البيوت عن المسجد)، ثم دخل النبي عليه السلام ولم يصنع القوم شيئا؛ رجاء أن تنزل فيهم رخصة، فخرج عليهم بعد فقال: (وجهوا هذه البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)، فهذا يقتضي ألا
يحله (إلا) على كل وجهه إلا أن يقوم دليل.
وأيضا فلو جاز دخوله المسجد لجاز أن يستديم الجلوس فيه، كالمتوضئ والمحدث بغير الجنابة والحيض، فلما لم يجز للجنب ذلك صار كالحائض التي لما لم يجز لها استدامة الكون فيه لم يجز لها دخوله.
وتحرر من هذا قياسنا على الحائض فنقول: كل من منع من الاستدامة في المسجد منع من دخوله، أصله الحائض، وكذلك الجنب لما منع من استدامة كونه فيه منع من دخوله.
وأيضا فإن للمسجد حرمتين: إحداهما: للصلاة فيه، والأخرى: تلاوة القرآن فيه، فلما منع الجنب من الصلاة وقراءة القرآن فيه منع من دخوله؛ لأنه ظرف لهما، ولا يلزم على هذا المحدث بغير جنابة؛ لأنه غير ممنوع من القراءة فيه.
والمشرك - عندنا - بمنزلة الجنب والحائض لا يدخل المسجد؛ لأنه ممنوع من استدامة كونه فيه.
فإن استدلوا بقوله - تعالى - ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، وأن المراد منه مكان الصلاة؛ لأنه هو الذي يقرب لا نفس الصلاة، فتقديره: لا تقربوا مكان الصلاة جنبا إلا عابري سبيل، والعابر هو المجتاز.
قيل: إذا أمكن أن يحمل الظاهر على حقيقته لم يصرف المجاز، والظاهر المذكور هو نفس الصلاة، فقوله - تعالى - ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ أي لا تصلوا، كما قال: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ معناه: لا تزنوا، فتقدير الآية: لا تصلوا وأنتم على حال سكر (وجنابة) حتى تعلموا ما تقولون في الصلاة، ولا جنبا إلا عابري سبيل، وهو إذا كنتم متيممين عند عندم الماء أو تعذر استعماله في السفر، وعلى هذا تأوله علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لأن عابر سبيل هو الغريب المسافر، كما قيل فيه: ابن سبيل، فقد حملنا الظاهر على حقيقته في الصلاة، ولم نحمله على المكان الذي لم يجر له ذكر، وإنما يدعون أنه مضمر، فإذا تنازعنا الظاهر، وصرفناه إلى حقيقته لم يصح لهم دلالة في جواز
دخوله المسجد، والخلاف واقع فيه فصحت أدلتنا في أن الجنب لا يدخل المسجد.
فإن قيل: فإن المسجد قد سمي باسم الصلاة في قوله: ﴿لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد﴾، فإذا احتمل الأمرين جميعا - ما تقولون وما نقول - جاز أن نحملها على العموم فنقول: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ولا مكان الصلاة على هذا الحال إلا عابري سبيل.
قيل: إن الحقيقة في الظاهر هو الصلاة على ما ذكرناه، وليس تتناول حقيقته المكان، بل هو مجاز، لا يجوز ادعاء العموم في حقيقته المجاز بلفظة واحدة.
على أننا نحن نحمله أيضا على عمومه من هذا الطريق فنقول: لا تقربوا الصلاة ولا مكانها على هذا الحال إلا أن تكونوا مسافرين فتيمموا واقربوا ذلك وصلوا، ونكون بهذا أسعد منكم؛ لأن فيه تعظيما لحرمة المسجد، وبمثل ذلك تأوله علي - وهو إمام هدى -.
وفيه أيضا أن عابر سبيل إذا أطلق للمسافر حقيقة لا للحاضر، بل إذا أطلق قوله: عابر احتمل ما يقولون، وإذا أضيف إلى سبيل فهو المسافر أخص، وإن احتمل الحاضر أيضا فنحن نقول: إن الحاضر إذا عدم الماء أو تعذر عليه استعماله وخاف فوت الوقت تيمم ودخل المسجد وصلى، فيكون قوله - تعالى -: ﴿عابري سبيل﴾ مصروفا إلى الحاضر على هذا الوجه، وإلى المسافر على هذا الوجه، فيحتمل
الظاهر على حقيقته مع تعظيم حرمة المسجد.
فإن قيل: قوله: ﴿عابري سبيل﴾ مضافا إلى منكر، فأي سبيل كان جاز، مسافرا أو غير مسافر.
قيل: لا فرق بين أن يضاف إلى منكر أو معروف، وهذا بمنزلة قولنا: ابن سبيل منكرا لا يعقل منه إلا المسافر، كقوله: ابن السبيل، فصار تقدير قوله: ﴿عابري سبيل﴾ أي ابن سفر ما، وابن السبيل ابن السفر.
على أننا قد ذكرنا أننا نستعمله على الحاضر وأيضا إذا عدم الماء وتيمم جاز له دخول المسجد وهو جنب؛ لأن التيمم لا يرفع الجنابة.
وأشد ما في الباب أنه إذا احتمل ما تقولون وما نقول قضينا عليه بالخاص الذي لا يحتمل، وهو قوله عليه السلام: (فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)، ومعناه: لا أحل فيه فعل حائض ولا جنب على كل حال من دخول واجتياز واستدامة وصلاة وقراءة قرآن وغير ذلك؛ لأنه لم يرد أن عين المسجد ونفسه محرمة؛ ى لأن ذلك لا يقع عليه تحليل ولا تحريم، وإنما الحلال والحرام فعلنا فيه، بمنزلة قوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾، و ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾، وإنما المحرم فعلنا فيهن الذي هو تزوجهن، والمحرم أكل الميتة، والتصرف فيها لا أن نفس الأعيان محرمة، فإذا كان هذا هكذا قضينا بهذا النص في ذكر المسجد على
المحتمل في الآية، لأنه أخص منه.
فإن قيل: ففي خبركم أيضا عموم في المجتاز وغير المجتاز، وفي الآية خصوص، وهو ذكر المجتاز، فقضينا بهذا الخصوص على عموم خبركم.
قيل: قوله: ﴿عابري سبيل﴾ حقيقة للمسافر، ونحن نقول في المسافر كذلك، ثم قد استعملناه على ما ذكرتم نم الحاضر إذا عدم الماء وتيمم، وبقي معناه ذكر المسجد نصا، وليس بإزالة مثله.
[50]
مَسْأَلَة
وبول ما يؤكل لحمه طاهر - عندنا - وبه قال محمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة والشافعي: هو نجس.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلا محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾، فإذا لم يكن محرما لم يكن نجسا.
وأيضا قوله: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾، وهذا يقتضي جملة البهيمة، ومن جملتها بولها كلبنها وغيره إلا أن يقوم دليل.
ولنا أن نبني المسألة على أصل: وهو أن الأشياء في الأصل على الإباحة حتى يقوم دليل الحظر.
وأيضا ما رواه البراء بن عازب أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (ما أطكل لحمه فلا بأس ببوله)، والبأس: الشدة والضيق عندنا فيه، وحصلت هذه اللفظة في الشريعة عبارة عن الإباحة، فكل موضع يسأل فيه عن إباحة شيء قيل فيه: لا بأس.
وقد روي أن النبي عليه السلام قال: (فلا بأس بسحله).
وعن ابن الزبير مثله.
وأيضا ما روي عن أنس أن النبي عليه السلام قال: (ليس بشرب بول كل ذي كرش بأس).
وأيضا ما روي في حديث العرنيين أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أباحهم شرب ألبان الإبل وأبوالها، فجعل ذلك بمنزلة اللبن، فلو كانت نجسة ما أباحهم ذلك، فظاهر الإباحة لا يصرف عن ظاهره إلى ضرورة أو مرض إلا أن يذكر في الخبر ما يوجب ذلك.
فإن قيل: إنما أباحهم شرب البول للمرض؛ لأنهم لما اجتووا المدنية استوخموها فاصفرت وجوههم وانتفخت بطونهم فأباحهم ذلك.
قيل: إن صح هذا وكان اللبن لا يخلو أن ينتفع به كمنفعة البول أو يضاده، فإن كان يضاده فلا ينبغي أن ينتفعوا بالشيء وضده، أو تكون المنفعة فيهما واحدة فينبغي أن يستغنوا اللبن الذي هو حلال عن البول النجس الحرام، فلما أباحهم ذلك علمنا أنه لم يبحهم ذلك للمرض.
وأيضا فإن المرض لا يجوز أن ينتفع فيه بشيء نجس؛ لقول النبي عليه السلام: (ما جعل شفاؤكم فيما حرم عليكم).
وأيضا فلو حملناه على الضرورة لكان تأكيدا للآية التي فيها ذكر المضطر إلىالميتة وغيرها مما أبيح للمضطر، هذا لو كانت ضرورة الجوع، وإذا أمكن أن يستعمل الخبر على فائدة مجددة كان أولى من تكرار آية أو تأكيدها.
وكذلك إن قالوا: استعمل قول النبي عليه السلام: (ما أكل لحمه لا بأس
ببوله) في الضرورة.
قيل: لا يخلو أن تحملوه على ضرورة الجوع أو ضرورة المرض، فإن كان في المرض فقد قال عليه السلام: (لا شفاء لكم فيما حرم عليكم)، وإن كان لضرورة الجوع فقد استفدنا ذلك بغير هذا الخبر فلا تكون فيه فائدة.
فإن قيل: فإننا نخص هذه الظواهر كلها بما روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول)، وهذا عام في كل بول.
قيل: قد اختلف اللفظ في هذا الخبر، فقيل: (لا يستنزه من بوله)، وقيل: (لا يستبرئ من البول)، والاستبراء هو من بوله، وكذلك ينبغي أن يكون التنزه أيضا من بوله؛ لأن اللفظ إذا كان في خبر واحد واختلف حمل مطلقه على مقيده؛ لأنه قد قيل: (لا يستنزه من بوله)، ولو كان العموم فيه لكان مخصوصا بقوله: (ما أكل لحمه فلا بأس ببوله)؛ لأنه نص في ذكر ما يؤكل لحمه.
فإن قيل: فقد روي عنه عليه السلام أنه قال: (استنزهوا من البول؛ فإن
عامة عذاب القبر منه)،فهو عموم في كل بول، فيحمل خبركم على الضرورة.
قيل: قد بينا حكم الضرورة إن كانت بجوع أن مرض فلا فائدة فيه، بل ينبغي أن يقضي على عموم خبركم في ذكر البول؛ لأنه مخصوص بالذكر فيما يؤكل لحمه.
فإن قيل: فإننا نخص خبركم بالقياس فنقول:.
هو ما استحال في مالا يؤكل لحمه بالذكاة، وليس كذلك بول الأغنام.
قيل: قد اتفقنا على أن ريق ما يؤكل لحمه وعرقه طاهر، والمعنى فيه: أنه مائع مستحيل في حيوان مأكول اللحم ليس بدم ولا فيح فكذلك بوله.
فإن قيل: لا تأثير لهذه العلة - عندكم -؛ لأن ريق كل حيوان وعرقه طاهر، وأبواله مختلف.
قيل: لها تأثير فيما بيننا وبينكم؛ لأنكم تزعمون أن ريق الكلب والخنزير وعرقهما نجس، وعند أبي حنيفة أن سؤر السباع تتنجس الماء - وعندنا - نحن أن بعض الحيوان الذي يؤكل الجيف مكروه،
وريق الأنعام غير مكروه.
فإن عارضوا بعلة أخرى.
قلنا لهم: لا تتعدى، فعلتنا أولى.
فإن قيل: إن رد البول إلى البول أولى من رده إلى الريق والعرق.
قيل: علتنا أولى؛ لأنها تستند إلى السنة المخصوصة بذكر بول ما يؤكل لحمه، وإلى قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا بأس بسحله)، ولأن رد ما يستحيل في لحم يؤكل بالذكاة إلى مثله أولى من رده إلى ما لا يؤكل لحمه.
وقد روى زيد بن علي عن آبائه عن علي رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قال: (لا بأس بأبوال الإبل والبقر والغنم، وكل شيء يحل أكل لحمه أصابه أو أصاب الثوب)، ولا فائدة في حمل هذا على الضرورة؛ لأن الضرورة لا تختص بالأنعام دون غيرها فلا يكون في تخصيصها هذا الجنس فائدة، ثم قد كشفه قوله: (وما أصابنه أو أصاب الثوب)، وبالله التوفيق.