عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصارفصل
أهل الأثرالأرشيف العلمي

في الكلام على الشافعي إذا مس ذكره لغير شهوة نقض الوضوء.
وعندنا لا ينقض.
الدليل لقولنا: هو أن مذهبنا ومذهبه استعمال الأخبار إذا تعارضت وأمكن استعمالها، وقد وردت الأخبار على ما تقدم من وضوء في مسه عموماً، وورد الخبر في حديث طلق بن علي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في نفي الوضوء من مسه عموماً، فنستعمل خبر الوضوء إذا مسه لشهوة، ونفي الوضوء إذا مسه لغير شهوة.
فإن قيل: نحن نستعمل أيضاً فنجعل الوضوء فيه إذا مسه بباطن كفه من غير حائل، ونف بالوضوء إذا مسه بظاهر كفه أو من فوق حائل.
قيل: بقي الترجيح لأحد الاستعمالين، فاستعمالنا أولى من وجوه: أحدهما: أنه يستمر، فنوجب الوضوء إذا كان لشهوة، بظاهر اليد وباطنها، ومن فوق الثوب وتحته، وفي ذوات المحارم، والكبار والصغار، وننفي الوضوء في جميع هذه المواضع إذا كان المس لغير شهوة، فرجع استعمالنا؛ لأنه يطابق ألفاظ الأخبار التي هي عموم في إثبات الوضوء ونفيه.
وأيضاً فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شبهه في حديث طلق بن علي بسائر

البضاع، ولا يكون كهي إلاَّ في عدم الشهوة، ولا فرق في عدم الشهوة بين باطن اليد وظاهرها، كما لا فرق بين ظاهر اليد وباطنها في مس سائر الأعضاء.
وأيضاً فإننا رأينا هذا العضو يلتذ بمسه كما يُلتذ بمس النساء، ألا ترى أنه لو استمنى منه لأمنى كما يمني بمماسة النساء، وليس سائر الأعضاء كذلك، فعلمنا اختصاصه من بين سائر الأعضاء بهاذ المعنى، فينبغي أن تكون المراعاة في مسه للذة، وفي عدمها تكون كسائر الأعضاء؛ لنهم خصوا باللمس هذا العضو من بين سائر الأعضاء، فَعُلِمَ أن المُعوّل على اللذة.
فإن قيل: إننا لا نسلم التعارض في الأخبار في الأخبار، بل نقول: حديثنا في الوضوء من مسه أصح من حديث طلق، ونجعلُ حديث طلق منسوخاً، فلا يجب علينا الاستعمال.
قيل: ليس يسلم لكم حديث الوضوء من المعترضة؛ لأن أهل العراق يحتجون - علينا وعليكم - في صحة حديثهم وفي النسخ.
بمثل ما نقول لهم، ولسنا نقطع بصحة ما نقول دون ما يقولون، وإنما هو استدلال وترجيحات، يسوغ فيها الاجتهاد، فلا بد أن نسلم ونستعمل، فإن امتنعنا من ذلك امتنعوا هم أيضاً، فأدى هذا إلى إسقاط الخربين إذا كان كل واحد منا يقطع على صحة مذهبه.
فإن قيل: استعمالنا أولى؛ لأن الأصول تشهد لنا، وذلك أننا رأينا الناقض للطهارة الموجب علينا طهارةً مستأنفة فقد استوى فعله لشهوة وغير شهوة.
ألا ترى أنه لو أولج ملتذاً أو غير ملتذ لانتقض وضوءه، ووجب عليه في الموضوعين جميعاً الغسل، فكذلك يجب أن

يستوي في مس الذكر حكم الشهوة وغير الشهوة، وكذلك سائر الأحداث من الغائط والبول والريح لم يفترق الحكم فيها بين الالتذاذ وغيره.
قيل: هذا لا يلزم؛ لأنه ليس يَبْلُغُ أحدٌ في الغالب إلى الإيلاج إلاَّ وقد اخذ غاية من الالتذاذ، إلا رجل به آفة، وإلا فهو في غاية من الالتذاذ، بمنزلة من انزل سواء أنزل في الفرج أو في غيره، ألا ترى أنه يوجب الغسل كما يوجبه الإنزال.
ثم مع هذا فقد تعلق عليه من الأحكام في الإيلاج ما لا يتعلق عليه في مس ذكره، من وجوب الغسل والحد وتحصل به الحصانة وتكملة المهر وغير ذلك من الأحكام، فقد حصل للفرج من الاختصاص في الإيلاج ما ليس لمس الذكر، فلما كان الإيلاج ينقض الطهارة، ويوجب الطهارة العليا لم يفترق الحكم فيه، ولما كان مس الذكر - عندكم - يوجب الطهر الدنيا افترق الحكم فيه بين اللذة وغيرها، وكان أولى من فرقكم بين باطن اليد وظاهرها مع وجود اللذة وعدمها.
فأما الغائط والبول والريح فإن ذلك كلَّه أحداثٌ في نفسها، ومس الذكر سبب للحدث وفي حكمه، وما حكم الشيء وهو سبب له ليس هو نفس الشيء، ألا ترى أنكم قد فرقتم بين مسه بباطن اليد وبين مسه بظاهرها، ولم تفرقوا بين الأحداث أنفسها على أي وجه حصلت، فصار المس كالنوم الذي ليس بحدث في نفسه، ولكنه في

حكم الحدث، وقد افترق حكم النوم في مواضع، كما افترق حكم المس في موضع، فهو أشبه به.
فإن قيل: إن ظاهر مذهبكم يدل على أنه إن مسه بظاهر كفه أو بذراعه أو فخذه أنه لا ينقض الوضوء، سواء كان ذلك لشهوة أو غيرها.
قيل: قد اختلفت الرواية في مسه أصلاً، وقد ذكر ما قلتم، إلاَّ أن المعوّلَ على ما بيناه، وما حكي محمول على أن مالكاً تكلم على الغالب من أمر الناس، أنهم يقصدون إلى مسه بباطن أيديهم، فأما إذا فصدوا الالتذاذ أو حصل بمسه فلا فرق بين مسه بسائر الأعضاء وبين اليد، كما تَوَافَقْنَا في مس الرجل النساء بباطن يده وبظاهرها وبسائر أعضائه؛ لأن المراد أن تقع ممارسة تحصل معها اللذة، وقد يخرج الكلام على الغالب ويكون النادر في حكمه إذا حصل المعنى المقصود، كقول الله - تعالى -: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، خرج الكلام على الغالب من الربيبة تكون في حجر زوج أمها، وإذا لم تكن عنده، وفي حجره فهي كذلك، فإذا كان المعنى المقصود هو حصول اللذة بالممارسة، فبأي عضو حصلت المماسة مع الشهوة حصل الحكم، وهذا كالطلاق الذي يوجب التحريم، فبأي لفظ حصل وقصد به

التحريم حصل الحكم - عندنا -. فإن أوردوا القياس عليه إذا مسه لشهوة، أو أردنا القياس عليه إذا مسه بظاهر اليد أو على مسه عضواً غير الذكر، بعلة أنه مس عضواً من بدنه لم يلتذّ بمسه لذة الجماع.
فإن تكلموا على حديث طلق وقالوا: قوله عليه السلام: «هل هو إلا بضعة منك؟»، أفادنا أنه ليس بنجس، وانه لا حرج في مسه، ولا يمنع ذلك من إيجاب الوضوء ومن مسه، كما لا يمنع من إيجاب الغسل في إيلاجه في الفرج، وهو بضعة منه.
قيل: إنما سئل عليه السلام عن الوضوء في مسه فقال: «لا وضوء»، وشَبَّهَهُ بسائر الأعضاء التي لا وضوء في مسها، ولم يُسْأَل هل عليه حرج في مسه أم لا؟ فلا ينبي أن يسقط ما سُئل عنه، وخرج الجواب عليه، ويُعْدل إلى ما لم يذكر في الخبر، ولا خرج الجواب عليه؛ لأنه لو جاز ذلك لجاز الآخران يقول: إنما سئل هل عليه في إيلاجه غسل أو وضوء؟ فقال: «هل عليه إلاَّ بضعة منك»؛ أي كما لو أولجت بضعة منك غير الذكر لما كان عليك وضوء ولا غسل فيجيء من هذا قول من قال: الماء من الماء، دون الإيلاج المفرد، وإذا كان جوابنا وجوابكم أن هذا لم يسأل عنه في الخبر ولا خرج الجواب عليه فكذلك نقول لكم: إن الذي أوَّلْتُموه وحملتموه عليه لم يسأل عنه في الخبر، ولا خرج الجواب عليه، فسقط هذا السؤال.
ثم لو احتمل ما ذكرتموه لكان أقل الأحوال أن يكون الجواب خرج على الأمرين، حتى لا يسقط الصريح من السؤال، ويقتصر على

المحتمل دونه، فنحمله على صريح السؤال والمحتمل جميعاً.
فإن قيل: فإننا قد روينا خبراً يدل على أن المس بباطن اليد من غير حائل يوجب الوضوء، وهو قوله عليه السلام: «إذا أفضى الرجل بيده إلى فرجه في الصاة وليس بينهما ستر فليتوضأ»، وفي هذا الخبر أدلة توجب مخالفة مذهبكم.
منها: أن الإفضاء قصر على اليد دون غيرها من الأعضاء.
ومنها: أن حقيقة الإفضاء باليد إنما هو بباطنها.
ومنها: أنه قال: «ليس بينهما ستر».
ومنها: أنه ذكر الفرج، وهو اسم للذكر والدبر جميعاً.
فنصه على اليد وباطنها يدل على أن ظاهر اليد، وغي اليد من الأعضاء بخلاف ذلك؛ لأنكم توافقوننا على القول بدليل الخطاب.
ونصه على الفرج يشتمل على الذكر والدبر.
ونصه بقوله: «وليس بينهما ستر»، يدل على أنه إذا كان هناك ستر بخلافه.
فالجواب أن نقول: إن صح الحديث فإن الإفضاء حقيقته مماسة البشرة البشرة بدليل قوله - تعالى -: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾.

وأما تخصيصه اليد فإن الكلام خرج على الأغلب من أحوال الناس أنهم إذا عبثوا بالفرج فإنما يكون ذلك باليد، ولا يدل على أن النادر ليس في حكمه على ما بيناه قبل هذا الفصل.
وأما الفرج فحقيقته تقع على المقدم؛ لن فرج المرأة هو مقدمها.
وعلى أنه لو وقع على المقدم والمؤخر لكان إضافته بلفظ الواحد إلى الإنسان يدل على فرج واحد؛ لأنه لو أراد الفرجين لقال: إذا أفضى إلى فرجيه أو إلى فرجيه فلما قال: «إلى فرجه»، بلفظ الواحد، - وقد أجمعوا على أن القبل يراد به الفرج - دل على أنه هو المقصود دون غيره.
فإن قيل: قولنا: فرج، نكرة يتناول هذا وهذا فلا يمتنع أن يراد به الاثنان.
قيل: هذا غلط من وجهين: أحدهما: أن النكرة في الإثبات لا تكون على الجنس وإنما تكون في النفي، وليس في قوله: «إذا أفضى بيده على فرجه».
نفي.
والثاني: أن النكرة تشيع في الجنس ولا يقتصر بها على اثنين لا ثالث لهما، ألا ترى ما كان في ابن آدم من عضوين مثل اليدين والرجلين والعينين والأذنين لا تطلق على الاثنين بلفظ الواحد حقيقة، وإذا كثرت أعضاؤه وأجزاؤه قيل: عضوه، وجزؤه، فيشيع في سائر أعضائه وأجزائه لكثرتها، فلما لم يكن للإنسان إلاَّ فرجان لا ثالث

لهما لم يجز على طريق الحقيقة أن يقول: «إذا أفضى إلى فرجه».
وهو يريد الفرجين، فثبت أنه أراد فرجاً واحداً، والقبل متفق عليه دون الدبر.

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل