عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار[23] مَسْأَلَة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

اختلف الناسُ في مس الرجل المرأة على خمسة مذاهب: فذهب مالك، والشعبي، والنخعي، وسفيان الثوري، إلى أنه إن قبّلها أو مسها لشهوة انتقض وضوؤه، وإن كان لغير شهوة لم ينتقض، وعندي أنه مذهب أحمد على ما يقوله في م الذكر.
وذهب أبو حنيفة وانو يوسف: على أنه لا ينتقض الوضوء بالمس إلاَّ أن ينتشر عليه بالمس فينتقض الوضوء بالمس والانتشار جميعاً.

قال الشافعي: ينتقض وضوؤه بكل حال، وبمسها بكل عضو من أعضائه إذا كان بغير حائل، وحكي إنه مذهب زيد بن أسلم، والأوزاعي.
وحُكي عن الحسن البصري، ومحمد بن الحسن - صاحب

أبي حنيفة - أنه لا ينتقض وضوؤه وإن انتشر عليه.
وحُكي عن عطاء أنه قال: إن مس امرأة أجنبية لا تحل له انتقض وضوؤه، وإن كانت تحل له مثل زوجته وأنته لم ينتقض وضوؤه.
وأنا أبدأ الكلام على أبي حنيفة فنقول: الدليل لقولنا: كون الصاة في ذمته بيقين؛ فلا تسقط إلاَّ بدليل أو بطهرة متيقنة؛ لقوله عز وجل: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فجعل -تعالى - ظاهر الملامسة حدثاً؛ لأنه أمر بالوضوء منها إذا وجد الماء والتيمم إذا لم يجد الماء.
ومنها أنه قرن اللمس بمجيئه من الغائط، الذي يكون فيه الحدث الأدنى، والظاهر منه اللمس باليد، وحقيقة الملامسة: التقاء البشرتين؛ بدللي ما رُوِيَ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه نهى عن الملامسة في بيع الثوب باللمس، وقد قال - تعالى -: {فَلَمَسُوهُ

بِأَيْدِيهِمْ}، وقال: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾.
وقال الشاعر: وألمست كفي طلب الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي فبان بهذا أن حقيقة اللمس والملامسة هو التقاء البشرتين، وهو اسم يجمع أنواعاً كلها ملامسة، ويختص باسم قبله، والمس باليد من الملامسة، وتخصص باسم، واللمس بالرجل وكذلك اللمس بالفرج ويتخصص باسم الوطي والدوس، والجس أيضاً وكذلك اللمس بالفرج من الملامسة، ويتخصص باسم الوطء والجماع، فإذا أطلق اللمس تناول الجميع، وقد يقع اللمس والمس على كل جزء من البدن، فإن مس الرأس كان ماسا، وإن مس الفم كان ماسا، وإن مس الفرج كان ماسا وكذلك إن مس الدبر فليس اختصاص المس بكل موضع من المرأة بمخرج له أن يكون جميعه مسًّا ولمساً إذا أطلق.
فإن قيل: لا دليل لكم في هذا؛ لأنكم حملتم الملامسة على المس باليد وعلى الجماع جميعاً، وهذا إحداث قول ثالث؛ لن الصحابة اختلفت على قولين لا ثالث لهما، فقال علي وابن عباس وأبو موسى:

المراد بالملامسة: الجماع.

وقال عمر وعمار: المراد به اللمس باليد، ولم يقل أحد منهم: إن المراد به المس والجماع جميعاً، فثبت إجماعهم على القولين فلا يقبل قول ثالث.
قالوا: والدليل على أن عمر وعماراً كانا يذهبان إلى أن المراد بالملامسة المس باليد لا الجماع: هو أن عمر - رَحمَه الله - ذهب إلى أن الجنب لا يتيمم، والاية تقتضي إباحة التيمم من الجنابة، فلو كان المراد عند عمر بالملامسة الجماع لم يذهب إلى أن الجنب لا يتيمم؛ لن الآية تقتضيه.
وأما عمار فإنه استدل على عمر حيث سمعه يقول: لا يتيمم الجنب بالخبر لا بالآية، فلو كانت الملامسة عند عمار المراد بها الجماع لاستدل على عمر بها لا بالخبر، فلما قال لعمر: أما سمعت أني أجنبت فتمعكت في الصعيد، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«تكفيك ضربة للوجه واليدين».
وقد رُوِيَ: «ضربة للوجه وضربة لليدين»، فقال له عمر: قد وليتك ما توليت.
فإذا كان هذا مذهب عمر وعمار، ومذهب غيرهما أن المراد بالملامسة الجماع بطل قول من خرج عنهم فجعله للأمرين جميعاً.
قيل: قد روينا عن ابن عمر وابن مسعود أن المراد بها الأمران جميعاً، الجماع واللمس باليد.

وذلك أن ابن عمر قال: قبله الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، فجعل هذين من جنس الملامسة، ومن للتبعيض والألف واللام في الملامسة للجنس.
وقال ابن مسعود: إذا أقبل الرجل امرأته أو مسها انتقض وضوؤه استدلالاً بالآية، فبان بهذا أن قول آخر من الصحابة فلم يخالفهم؛ لأن هذين الصحابيين حملاه على الأمرين جميعاً.

وأيضاً فإن الصحابة اختلفت في المراد بالملامسة على ثلاثة مذاهب: فذهب علي وابن عباس إلى أن المراد به الجماع.
وذهب عمر وعمار إلى أن المراد به اللمس.
وذهب ابن عمر وابن مسعود في آخرين إلى أن المراد الأمران جميعاً، فإذا لم يكن بد من الأخذ بأحد المذاهب فالمصير إلى قول من قال: إن المراد بالآية اللمس لا الجماع أولى من وجهين: أحدهما: أن من حمل الآية على الجماع جعل اللمس كناية عنه، ومن حمله على اللمس حمله على الحقيقة؛ لأن عليًّا وابن عباس - رضي الله عنهما - قالا: كنى الله - تعالى - بالملامسة عن الجماع.
والوجه الثاني: هو أنه إذا حمل اللمس على الجماع حمل على التكرار الذي لا فائدة فيه؛ لأن الله - تعالى - ذكر في الآية الجنب بقوله: ﴿وإن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، فوجب أن يحمل اللمس على المس دون الجماع؛ كلا يكون حملاً على التكرار، وتكون فيه فائدة أخرى.
فإن قيل: فإن ابن عباس قال: إن اللمس كناية عن الجماع، ومتى حمل اللفظ على الكناية لم يجز حمله على الصريح لاختلافهما.
وأما ابن عمر وقوله: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة فإنه حمل ذلك على ما سوى الجماع، فقد بقي مما لم

يذكره أنواع، مثل المعانقة وغيرها لم يذكرها في قوله، فيصير المكور مقصوراً على ما ذكر، ويبقى ما عداه، فليس لأحد حمله على ما يقوله إلا ولغيره حمله على غيره من الجماع.
قيل: قول ابن عباس رضي الله عنه: إن اللمس كناية عن الجماع لا يمنع غيره أن يقول: هو صريح في اللمس، ولكن يكنى به عن الجماع، فيكون حمله على صريحه أولى؛ لأنه الحقيقة، ثم لا يمتنع أيضاً أن يحمل صريحه على اللمس إذا وقع، ويجعل كناية عن الجماع إذا حصل.
على أن ابن عمر أيضاً من أهل اللغة، فقوله: قبلة الرجل امراته وجسها بيده من الملامسة يدل على أن الملامسة اسم جنس لا يتناول جميع المس، سواء كان باليد أو بالفرج او بغير ذلك، وأعلمنا أن القبلة والجس من هذا الجنس، فأي نوع حصل من الجنس تناوله اسم اللمس، وهذا جواب حديث ابن عمر.
ونقول أيضاً: إن الآية قرئت بقراءتين فقرأ بعض القراء: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾، ولا خلاف بين أهل اللغة أن اللمس لا الجماع، وهو فعل من واحد، ليس هو من فاعلتم؛ كقوله: ﴿لَامَسْتُمُ﴾، يكون من اثنين.
فإن قيل: فقد قرئت: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾، وهذا لا يكون إلاَّ من اثنين؛ لنه فاعلتم، فدل أن المراد الجماع الذي يكون من اثنين.
قيل: فأحسن الأحوال أن يستعمل الحكم بالقراءتين، فتحمل القراءة بـ ﴿لَامَسْتُمُ﴾، في الجماع، والقراءتان كالخبرين.

وأيضاً فقد رُوِيَ عن زيد بن أسلم مذهب حسن في الآية فقال: ظاهر قول الله - تعالى -: ﴿وإن كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، يدل بظاهره أن نفس المرض والسفر والمجيء من الغائط حدث، وبالإجماع ليس نفس ذلك حدثاً، وإنما فيه ضمير - وأنتم محدثون - ففي الآية تقديم وتأخير.
وترتيبه: أن الله - تعالى - قال: إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، أو جاء أحد منكم من الغائط وقد احدث، أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم على الكعبين وإن وجدتم الماء، ثم قال: وإن كنتم جنباً فاطهروا، ثم قال: وإن كنتم مرضى أو على سفر وحالكم ما تقدم من الجنابة أو الحدث فحكمك ما ذكرناه من التيمم عند عدم الماء.
ولنا أيضاً ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل أنه كان مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأتاه جبريل فسأله عن رجل يصيب من امرأة لا تحل له ما يصيب من امرأته إلاَّ الجماع، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

يتوضأ وضوءً حسناً، وهذا أمر بالوضوء فيما سوى الجماع.
فإن قيل: قد بالغ فيما عمله، فلم يترك شيئاً سوى الجماع إلاَّ فعله، فيدل على أنه بالغ في المباشرة بالفرجين المباشرة الفاحشة، وهذه حال يكون فيها المذي لا محالة أو يقاربه؛ لبلوغه الغاية في الشهوة.

قيل: إذا كان جنس المس تكون منه الشهوة وجب أن يعتبر المس لشهوة، سواء قل نوعه في المس أو أكثر، ألا ترى أن الإيلاج في أوله له هذا الحكم، وكلما بالغ في الإيلاج كان ابلغ في الشهوة، والحكم فيه واحد، فكذلك ينبغي أن يحكم في المس لشهوة، باليد وبغيرها، كما يحكم به في المباشرة الفاحشة، وإن كان لهما فضل في الشهوة، ثم لو كان الحكم يختلف لسأله النبي عليه السلام عن تفصيله، فلما لم يسأله وأوجب الوضوء لم يختلف.
ومما يدل على أن إطلاق اللمس يتناول باليد دون الجماع؛ ما رواه عكرمة عن ابن عباس أن الأسلمي أتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاعترف بالزنا فقيل في بعض الأخبار: إنه عليه السلام قال: «لعلك قبلت

أو لمست»، فأطلق اللمس، فلو كان للجماع على ما يقول أبو حنيفة لم يكن في هذا فائدة؛ لأنه يكون قد قال لمن اعترف بالجماع؛ لعلك جامعت، ولا يجوز هذا من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلما فرق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين قول الرجل زنيت، وبين قوله عليه السلام: «لمست.، علمنا أن اللمس غير الجماع، والنبي عليه السلام سيد أهل اللغة، وبحضرته سادات في اللغة - يقول: «لعلك لمست»، فلا يقول أحد منهم: يا رسول الله، اللمس: الجماع، فلما سكتوا مع إطلاقه علم أن إطلاق اللمس في لسانهم هو المس دون الجماع.
وكذلك روت عائشة - رضي الله عنها - أنه ما كان من يوم إلاَّ ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يطوف علينا فيقبل ويلمس، فإذا جاء إلى من هي في يومها أقام عندها، وعائشة - رضي الله عنها - من المعرفة باللغة واللسان بالمكان الذي لا يخفى، فأطلقت اللمس على ما دون الجماع، فبان بهذا أن إطلاق اللمس لما قلناه.
فإن قيل: يجوز أن يكون صريحاً في اللمس إذا أطلق لما ذكرتم، ثم قد يجعل كناية عن الجماع كما قَالَ ابْنُ عباس، وإذا اختلفوا في حكم المراد بالآية عن الجماع كما قَالَ ابْنُ عباس، وإذا اختلفوا في حكم المراد بالآية فإما أن تحملوه على الصريح من المس فقد أسقطتم قول من قال: إنه في الآية كناية، أو تحملوه عن الكناية فتسقطوا حكم من حملها على الصريح، وهذا لا يسلم لأحد القولين دون الآخر،

أو تحملوه على الأمرين فإن الصريح والكناية لا يجتمعان في المراد بلفظ واحد.
قيل: قد أجبنا عن هذا وقلنا: من مس ولم يجامع قلنا: عليك الوضوء؛ للصريح من اللمس، ومن جامع قلنا: عليك الغسل؛ لن من قال: هي كناية عن الجماع لم يقل: إن من فعل ما يقتضيه الصريح لا يتوجه غليه.
ووجه آخر: وهو أن الجميع - عندنا - صريح على ما بيناه من أن الجنس واحد في المس وإن كان بعضه أبلغ من بعض، فمن قال: هو كناية؛ أراد أنه ليس بالاسم الأخص في الوطء؛ لأن اسم الجماع أخص به وإن كان لمساً، ألا ترى أن اسم السرق للجنس، ومعناه: أن يسرق الشيء على طريق الاستخفاء سواء كان المسروق سعداً أو لحظاً أو ما يقول، وقد اختص في الإطلاق إذا قيل: قد سرق توجه إلى سارق ما يتمول، ولا يمتنع إطلاق العموم عليه إلا أن يقوم دليل يخصه.
ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه: أن الله - تعالى - قال في هذه الآية: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وقرئ: ﴿أَوْ لَامَسْتُم﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، وقال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، وقال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، وقرئ:

﴿تماسوهن﴾، وقال في الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، والمراد في هذه الآيات بالمماسة الجماع، فلو جعلنا اللمس بهذا اللفظ أيضاً للجماع أبطلنا فائدة تغيير العبارة؛ لأن لفظ اللمس غير لفظ المس، وإذا جعلنا للفظين المختلفين حكمين كان أكثر في الفائدة من حملها على حكم واحد.
, وأيضاً فإنه - تعالى - قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، والبداية بأولا يصلح إلاَّ بأن يكون لهما مقدمة تعطف بها عليها، وإذا لم يكن بدٌّ من مقدمة تعطف بأو عليها نظرنا، فلا يخلو أن تكون المقدمة قوله -تعالى -: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، فيكون تقديره: إذا قمتم من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم، أو تكون المقدمة قوله: ﴿وإن كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، أو لامستم النساء، أو تكون المقدمة لقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾، هي قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، فيبطل أن تكون المقدمة قوله: ﴿وإن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾؛ لأن بعدها: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾؛ لأن الجنابة توجب الغسل، والمجيء من الغائط لا يوجبه، وإن جعلنا قوله: ﴿لمستم النساء﴾، عطفاً على قوله: ﴿وإن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، لم يكن فيه فائدة إن كان لامستم للجماع، لأن الجنابة قد ذكرت.

ويبطل أن تكون المقدمة قوله: ﴿وإن كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾؛ لأن المرض والسفر ليسا بحدث، وإنما تقديره: وأنتم محدثون، فإن أراد: وكنتم محدثين الحدث الأصغر فالعطف عليه باللمس الذي هو دون الجماع يصح، وإن أراد وأنتم يا مرضى مسافرين محدثين بالوطء، فلا فائدة بالعطف عليه باللمس المراد به الجماع؛ لأنه يكتفي بقوله: وأنتم محدثون بالجماع، فصح أن قوله - تعالى - ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ معطوف على أحد موضعين: غما قوله: إذا قمتم من النوم، أو على قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، وعطف على قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، أولى؛ لأنه أقرب المذكور إليه، وهو معطوف عليه، والغائط كناية عما ينوب الناس من الحدث الأصغر، واللمس باليد لا يكون في الغائط، وإنما يفعل خارج الغائط، ولكنه في حكم الحدث الأصغر الذي يكون في الغائط.
هذا يقوي قول زيد بن اسلم في التقديم والتأخير في الآية إن جعلنا اللمس عطفاً على قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، ونقول أيضاً: إن الآية لو احتملت ما ذكروا، واحتملت ما نقول وفرض الاصة بيقين، كان قولنا أولى؛ لأننا نوجب الضوء احتياطاً للصلاة حتى يسقط حكمه بيقين، وتعارض التأويلين بهذا الوجه، وفيه أيضاً نقل من براءة الذمة إلى إيجاب الطهارة.
فإن قيل: لو ثبت لكم ما ذكرتم لكان ظاهر الآية يدل على أن الوضوء يجب على من لمس جميع النساء بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، فدليله إذا لمس بعض النساء لم يجب عليه شيء؛ لأنكم تقولون بدليل الخطاب.
قيل: إن هذا وإن كان بلفظ الجمع في

الرجال والنساء فالمراد به كل واحد في نفسه؛ كلأن الأمة قد عقلته، وها كقوله: - تعالى -: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، المراد: أن كل قائل إلى الصلاة يلزمه ذلك؛ لأن الله -تعالى - أوجب على عباده من أمه نبيه عليه السلام ذلك، ولما لم يكن الخطاب لكل شخص في نفسه بما يلزمه من ذلك، لم يكن بدٌّ من جمعهم في اللفظ والمراد كل واحد منهم، فإذا ثبت ذلك في كل ملموس على هذا الصفة.
وجواب آخر: وهو أن الناس قائلان: فقائل يقول: المراد بالآية اللمس، فجعله للجنس، وقائل يقول: المراد: الجماع، فجعله في جنس النساء، فكل واحد من الجماعة يراد بذلك على هذا الوجه وعلى الوجه الآخر.
وجواب آخر: وهو أن ظاهر هذا يوجب أن جماعتنا إذا لمسوا جماعة النساء وجب الوضوء، فإذا حصل لنا هذا فقد سلمت المسألة، وإذا ثبت لنا ذلك فقد حصل لنا استعمالنا الآية على مذهبنا من وجهين: أحدهما: أن نقوي قول من قال من الصحابة: إن المراد بها اللمس دون الجماع بما ذكرناه من صريح اللمس، وبأنه أحوط، وأنه ناقل، وأنه تكون فيه زيادة فائدة حتى لا يحمل على التكرار إن حمل على الجماع، وقد تقدم قوله - تعالى -: ﴿وإن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
والوجه الآخر: أن نحملها على الأمرين جميعاً بما ذكرناه عن ابن مسعود وابن عمر.

وقد روى الأعمش عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: القبلة من اللمس وفيها الوضوء.
وسالم عن أبيه أن عمر قال: القبلة من اللمس، وفيها الوضوء.
وهو قول الشعبي،

وإبراهيم، ومكحول، والحكم، وحماد، والزهري، وربيعة، وعبد الله بن يزيد بن هرمز، وزيد بن اسلم، ويحيى بن سعيد،

والليث، وعبد العزيز، وهذه الآثار كلها في الفتوى في نفس ما اختلفنا فيه، وفي تفسير اللمس.
ولنا من القياس: أنه لمي يحرم الربيبة فوجب أن ينقض الطهر، أصله التقاء الختانين؛ لأن أبا حنيفة يوافقنا على أنه إذا قبلها للشهوة حرمت عليه ابنتها كما نقول.
وأيضاً فإن اللمس لشهوة يفضي في الغالب إلى نقض الطهر؛ لأنه قد يلمسها لشهوة فيمذي، فجاز أن يتعلق نقض الطهر بنفس المس، كالنوم لما أن يفضي في الغالب إلى نقض الوضوء؛ لأنه قد يخرج منه الريح جاز أن يتعلق نقض الوضوء بعينه.
ونقيسه أيضاً عليه لو عانقها متجرداً؛ بعلة إلصاق بشرته

ببشرتها لشهوة، ونقيسه عليه لو أمذى باللمس بعلة حصول التقاء البشرتين ملتذاً.
ويؤيد ما نقوله: أن الجماع في الحج يوجب الكفارة العليا، والقبلة فيه توجب الكفارة الصغرى، فكذلك لما كان الإيلاج يوجب الطهارة العليا جاز أن توجب القبلة لشهوة الطهارة الصغرى.
فإن استدلوا باستصحاب الحال في الأصل، وأنه على جملة الطهارة قبل ان يمس.
فلنا أن نعارضهم بما هو أقوى من ذلك فنقول: الصلاة في ذمته بيقين، فمن زعم أنه تسقط بطهارة وقد لمس فعليه الدليل، والطهارة تراد للصلاة.
ثم لو سلمت لهم الحال لكانت الدلائل التي تقدمت تنقل عنها.
وإن استدلوا بقوله عليه السلام: «لا وضوء إلاَّ من صوت أو ريح»، وبقوله في قصة صفوان: «لكن من غائط وبول ونوم»، إلاَّ أن يقوم دليل.
قلنا: وقال عليه السلام: «لا صلاة إلا بطهور»، ولا نسلم أن هذا متطهر، والصلاة عليه بيقين فلا تسقط إلاَّ بدليل.
على أن هذه كلها ظواهر تخص ببعض ما ذكرناه، كما أوجبوا هم

الوضوء في الرعاف والقيء وغير ذلك مما لم يذكر في الخبر.
فإن قيل: فقد روى عروة عن عائشة أنها قالت: قبل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعض نسائه، ثم خرج ولم يتوضأ، قال عروة: ما هي إلاَّ أنت فضحكت.
وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها فقدت

رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة من فراشه، فوقعت يدها على أخمص قدميه، فلما فرغ قال: «يا عائشة أتتك شياطينك»، ولم يقطع الصلاة بوقوع يدها عليه.
وروي أنه عليه السلام كان يحمل أمامة بنت أبي العاص - وهي بنت بنته

زينب - في صلاته، فكان إذا سجد وضعها، وإذا رفع حملها، ونحن لا نعلم أنه كان يصيب بشرتها.
قيل: أما الأخبار عن عائشة - رضي الله عنها - فقد وردت من طرق لا تثبت.
فروى معبد بن نباتة عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عائشة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يُقبّل ولا يتوضأ.

والصحيح أن عروة روى عنها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبلها صائماً.
وروى إبراهيم التيمي عن عائشة، وهو لم

يسمع منها شيئا.
وقال موسى بن هارون: وقد رواه بعض الكوفيين عن الثوري فقال فيه: عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة، وهذا وهم على الثوري.

وقد رواه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع عن إبراهيم التيمي عن عائشة مرسلاً.
وقد رواه الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت

عن عروة عن عائشة.
قال موسى بن هارون: حبيب دخل عليه الوهم جدًّا، وهو حديث منكر.
وقيل: إن حبيباً إنما روى عن عروة المزني، وهو رجل مجهول.
وحكي عن يحيى بن سعيد أنه قال: لم يكن أحد أعلم بحبيب بن أبي ثابت من سفيان الثوري: وقد قال: لم يسمع حبيب من عروة شيئاً.

وروى الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخرج إلى الصلاة ثم يُقبلني ولا يتوضأ.

وقال موسى بن هارون: وأما حديث سعيد بن بشير عن منصور عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة فإن حديث منكر، وهو والريح اثنان، وإنما رواه الزهري عن أبي سلمة عن عائشة أن النبي عليه السلام كان يقبل وهو صائم، وابن شهاب يرى في القبلة الوضوء ولو كان عنده عن النبي عليه الاسم إلاَّ وضوء فيه لم يخالفه وقد روى من طرق أخر كلها منكرة.
على أننا لو سلمنا ذلك كله استعملناها عليه إلا مس بغير شهوة، أو نعارضها بالحديث الذي قيل فيه: إني أصبت من المرأة كل شيء غير الجماع، فأمره عليه السلام أن يتوضأ، فإذا تعارضت الأخبار وأمكن الاستعمال فهو واجب، وقد استعملنا الجميع، ففي أخباركم إذا كان لغير شهوة، وفي الأخبار الموجبة للوضوء إذا كان لشهوة؛ لأنها كلها

  • عَلَم: قضايا في أعيان مخصوصة محتملة، ويمتنع أن تكون يد عائشة وقعت على أخمص النبي عليه السلام وهو في الصاة، مقبل على ربه - تعالى - مشغول بخشوعه فليتذ بوقوع يدها عليه.
  • الكتاب: عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين الفقهاء الأمصار كتاب الطهارة
  • الطبعة: الأولى
فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل