عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصارصفحات 1301-1342
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فأما التقديم في الكلام مع أبي حنيفة فيستدل بظاهر قوله - تعالى -: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾، إلى قوله: ﴿وأرجلكم﴾، وبالخبر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غسل الرجلين إلا أن يقوم دليل.
وحصل الاتفاق منها ومنه على جواز المسح مع الخرق اليسير، ولم يقم دليل على جوازه مع الخرق الذي هو مقدر.
فإن قيل: الأخبار الواردة في جواز المسح لم يفرق فيها بين القليل والكثير.
قيل: لم يرد فيها حد محدود، فمن قدر بثلاث أصابع فعليه الدليل، والقديرات تحتاج إلى دليل من صاحب الشرع عليه السلام، ولما لم يكن في تقدير الخرق دلالة من كتاب ولا سنة ولا اتفاق ولا قياس لم يثبت حكمه، وقد ثبت في الأصول العفو عما يغلب على الظن قلته، كما ذكرنا في العمل القليل في الصلاة، والغرر اليسير في البياعات.
وأيضا فإنه لا ينفك في قدر ذلك بثلاث أصابع ممن قدره بأربع أصابع أو أصبعين بغير دليل.
وأيضا فإنهم يقولون: إن التقديرات والحدود والكفارات لا تؤخذ قياسا، وهذا من التقدير الذي لا أصل له يرجع إليه، فلا ينبغي أن يثبت من جهة القياس لو كان هناك أصل يقاس عليه، نحن نعلم أن

خفاف الصحابة رضي الله عنهم - وأكثرهم عرب - لم تخل من خروق فيها، وكذلك من بعدهم، ولم ينقل عن أحد منهم تحديد وامتناع من المسح إذا كان على حد محدود.
فإن قيل: فكيف يجوز أن يكون اليسير منه مجوزا، ولا يجوز في الكثير ولا يكون بنيهما حد يفرق بين القليل والكثير حتى نعلمه؟.
قيل: هذا جائز قد ورد الشرع به في مواضع، ووكلنا إلى ما يغلب على الظن من القلة أو الكثرة، كالعمل في الصلاة، وغير ذلك مما لا حد محدودا فيه بين القليل والكثير غير الرجوع إلى غلبة الظن.
فإن قيل: إذا ثبت أن يسير الخرق لا يمنع المسح؛ لأن مواضع الخرق التي يدخلها الغبار لا تمنع جواز المسح، والكثير الذي يظهر معه أكثر الرجل يمنع احتيج إلى حد يفصل بينهما، فوجب أن يكون من طريق الاجتهاد مقدار ثلاثة أصابع من أصابع الرجال؛ لأن الحكم في الأصول يتعلق بذلك، كمسح الرأس ومسح الرجلين.
قيل: إن الحد في ذلك لا يجوز أن يقف على تحكمنا نحن وتقديرنا من غير أصل يرجع إليه من كتاب أو سنة أو اتفاق أو قياس على علة أو تنبيه، فإذا عدم جميع ذلك فليس غير الاجتهاد الذي يختلف بحسب اختلاف المجتهدين؛ لاختلاف حال المجتهدين فيه.
فأما مسح الرأس فليس فيه تقدير، وعليه أن يمسح الجميع - عندنا -، فإن سقط منه اليسير من حيث لا يقصد فليس هو مقدرا ولا محدودا، وأما الرجلان فلا يمسحان.

فإن أرادوا مقدار المسح على الخف ين فليس فيه أحد، وإنما يمسح ظاهرهما وباطنهما، فهو على ما تقضيه العادة في مسح أكثره، وقد قال مالك - رَحمَه الله -: إنه إن مسح أعلاهما أعاد الصلاة في الوقت، ولم يحد في مسح أعلاه ثلاث أصابع ولا غيرها، وبالله التوفيق.

[70]

مَسْأَلَة

ولا يجوز المسح على الجوربين إلا أن يكونا مجلدين، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي.
وقال الثوري، وأبو يوسف ومحمد، وأحمد بن حنبل: يجوز المسح عليه.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا

وجوهكم} إلى قوله: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾، فأمر كل قائم إلى الصلاة بغسل رجليه عموما.
فلا يجوز العدول عن الغسل إلا بدليل.
وما روي أن النبي عليه السلام غسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل رجليه، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، فلا يجوز غير غسل الرجلين في كل وضوء إلا بدليل.
وأيضا فإن الطهارة والصلاة في ذمته بيقين فلا تسقطان إلا بدليل.
وأيضا فإنه ستر قدميه بما لا يمكنه متابعة المشي عليه، فلم يجز المسح عليه، أصله إذا لف على رجليه خرقة.
وأيضا فإن المروي عن النبي عليه السلام وعن أصحابه رضي الله عنهم المسح على الخفين، وهذا الاسم لا يختص بالجوربين فما عدا الخفين بخلافه.
وأيضا فإنما جوز المسح على الخفين؛ لأن حاجة الني عامة تدعو إلى لبسة، وتلحق المشقة في نزعه، وبهم حاجة إلى تتابع المشي فيه في الطرق الطلا والثلوج والأسفار، وهذا المعاني لا توجد في الجوربين، ولا يقاس الخف على الخف؛ لأن معنى غيره لا يوجد فيه، لا يوجد معناه في غيره، ولا تقاس العمامة عليه، لأن حاجة الناس تدعو إلى لبسها، ولكن لا تلحق المشقة في نزعها، أو إدخال اليد تحتها بالمسح.
وأيضا فإن المخصوص بالذكر على ثلاثة أضرب:

فضرب مخصوص بالذكر لا يعقل معناه، فلا يقاس عليه، مثل الصلوات والطهارات؛ لأنه لم يعلم معناه لم يمكن القياس عليه.
وضرب آخر مخصوص بالذكر عام المعنى فهذا يقاس عليه، كالنص على البر والتمر في الربا يجوز القياس عليه؛ لأن معناه معقول يوجد فيه وفي غيره.
والضرب الثالث مخصوص بالذكر مخصوص المعنى، فلا يقاس عليه، مثل المسح على الخفين.
فإن قيل: قد روي أبو قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة أن النبي عليه السلام مسح على الجوربين.
وأيضا فإنه ساتر لقدميه فجاز المسح عليه كالخف.
قيل: أما الخبر فغير صحيح من وجهين: أحدهما: أن عبد الرحمن بن مهدي قال: هزيل ضعيف، وهو لم يلحق المغيرة أيضا.
على أنه ل صح لم تكن فيه حجة؛ لأنه نقل فعله عن النبي عليه السلام

لا نعلم صفتها، ولا كيف هي، والفعلة الواحدة لا يدعي فيها العموم، فيحتمل أن يكو [كان] الجورب مجلدا يمكن متابعة الشيء فيه.
وقياسهم باطل به إذا لف على رجليه خرقة.
على أنه لو سلم من النقض لم يجز القياس على الخف؛ لأنه مخصوص المعنى.
ثم إننا قد ذكرنا قياسا على الخرقة فيسقطه، ويرجع عليه بالاحتياط للصلاة، وإسقاط الفرض بيقين، والله أعلم.

[71]

مَسْأَلَة

ولا يمسح على جرموقين.
الجرموق هو الخف فوق الخف، وبه قال الشافعي في الجديد.
وقد روي عن مالك جوازه، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في قوله القديم.
وهذا ينبغي أن يكون الخف الأسفل مما [ينبغي] إذا انفرد جاز المسح عليه، ويكون الفوقاني كذلك، فأما إن كان التحتاني مما لا يجز المسح عليه الو انفرد، مثل أن يكون مخرقا خرقا فاحشا أو ضعيفا

لا يمكن متابعة المشي عليه، فلا يختلف القول في جواز المسح على الأعلى، ويكون الأسفل كالجورب، وكذلك إن كان الأعلى بهذه الصفة، الأسفل صحيحا لم يجز المسح على الأعلى بلا خلاف على هذا المذهب.
الدليل لقوله لا يجوز المسح على الأعلى على كل حال: كون الطهارة والصلاة في الذمة فلا تسقطان إلا بدليل.
وأيضا قول النبي عليه السلام وقد تطهر وغسل رجليه: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، فه عموم في كل صلاة؛ لأن الألف واللام في الصلاة للجنس.
وكذلك قوله عليه السلام: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه» أن قال: «ويغسل رجليه»، فنفي الإجزاء عن كل عبد إلا على هذه الصفة، فما عداها بخلافها إلا أن يقوم دليل.
فإن قيل: قد اشتهرت الرواية عن النبي عليه السلام وعن الصحابة رضي الله عنهم بجواز المسح على الخفين، فسواء كانا تحت أو فوق.
قيل: إذا أطلق المسح على الخفين اقتضى لابس الخفين؛ لأن من لبس أربعة.

على أنه لو كان عاما جاز أن يخص، فنقول: إن رخصة المسح لا تزول بزوال الجرموق على الشيء الذي هو منفصل عنه، فوجب ألا يجوز المسح.
أصله إذا لف على الخف الأسفل خرقة مكان الجرموق.
وقولنا: منفصل عنه؛ احتراز عن طبقتي الخف؛ لأنها غير منفصلة عنه، وعكس ما ذكرناه الخف الواحد لما زالت الرخصة بزواله جاز المسح عليه، وكذلك إذا كان التحتاني مخرقا جاز المسح على الأعلى؛ لأن الرخصة تزول بزواله.
وأيضا فإنما جاز المسح على الخف الواحد للحاجة العامة إلى لبسه، ولحوق المشقة في نزعه، وهذا لا يوجد في الجرموق؛ لأنه لا تدعو عوام الناس إلى لبسه، ولا تلحق المشقة في نزعه فلم يجز المسح عليه.
فإن قيل: فإنه خف يلي الماسح فجاز المسح عليه، أصله إذا كان خفا واحدا، أو كان التحتاني مخرقا خرقا فاحشا بحيث لا يجوز المسح عليه.
وأيضا فإن المعنى الذي لأجله جاز المسح على الخف هو كون الحاجة إلى لبسه، ولحوق المشقة في نزعه، وهذا موجود في الخف الأعلى.
قيل: أما القياس الأول فالمعنى فيه زال الرخصة في المسح بزواله، فلهذا جاز المسح عليه.
وأما قولهم: إن الحاجة تدع إليه فقد ذكرنا أن الأمر بخلافه، والحاجة إليه لست عامة، هي عامة في الخف الواحد، والمشقة

تلحق في نزع الخف الواحد، ولا تلحق في نزع الأعلى؛ لأن الأسفل باق.
ونقول أيضا: إن ما تحت الجرموق يجوز المسح عليه، وهو الخف الأسفل؛ فالمغطي لما يجوز المسح عليه لا يجوز أن يقصد بالمسح عليه.
دليله العمامة لا يجوز المسح عليها؛ لأن ما تحتها مما يمسح.
فإن قيل: فقد روي أن النبي عليه السلام كان يمسح على الموق، وروي:

الجرموقين، رواه الحارث بن معاوية عن بلال عنه عليه السلام.
قيل: إن الموق غير لجرموق؛ لأنه خف يلبس وحده، أما مسحه على الجرموق فإن صح فلنا به، ولكننا لا نعرف.
ويحتمل أن يكون عليه السلام فعل ذلك؛ لأنه كان على طهر ولم ينتقض، فجدد وضوءه ومسح عليه، ولو كان يجوز على ما تقولون لاشتهرت الرواية فيه وظهرت عنه عليه السلام، أو عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم، وليس يجوز أن ينتقل عن فرض وغسل القدمين إلا بأمر ظاهر، كالمسح على الخف الأسفل.
وأيضا فإن المسح على الخف رخصة وليس بعزيمة، والرخص لا يجوز القياس عليها عند كثير من أصحابنا، ويجوز عند بعضهم إذا عرف معناها، وليس في الخف الأسفل معنى يجمع به بينه وبين

الجرموق؛ لأن الحاجة تعم في الخف الأسفل، وتلحق في نزعه المشقة، وقد بينا أيضا أنه ممسوح فلا ينوب عنه ممسوح مع القدرة عليه، فلم يسلم فيه معنى يجمع به بينه وبين الجرموقين.
وأيضا عن مسح الخف بدل من غسل الرجلين فهو كالتيمم بدلا من الوضوء، فلما لم يكن للتيمم بدل مع القدرة عليه لم يكن للمسح على الخف بدل مع القدرة عليه.
فإن قيل: قد يكون للبدل بدل يقوم مقامه.
ألا ترى أن من لا يقدر أن يمسح لشجة فيه فإنه جوز له أن يمسح على العمامة والعصابة، وكذلك الوجه في التيمم قد يمسح على الحائل إذا كان هناك مانع من المسح عليه.
قيل: هذا لا يلزم: لأننا لا نجوز ذلك مع القدرة على البدل، وأنتم تجيزون المسح على الجرموق مع القدرة على مسح الخف.
ووجه قول مالك - رَحمَه الله - إن المسح يجوز: هو ما ذكرناه من الأسئلة على هذه الرواية.
وأيضا فإن الحاجة تدعو إلى لبس الجرموق في المواضع الباردة، ومواضع الثلوج وإن لم يكن ذلك عاما في جميع الناس، كما أن لبس الخف ليس تدعو الحاجة إليه في جميع الناس، والله أعلم.

[72]

مَسْأَلَة

إذا نزع خفيه أو أحدهما بعد أن كان قد مسح عليهما غسل رجليه مكانه، فإن أخر غسل رجليه استأنف الطهارة، وبه قال الليث بن سعد.
وقال أبو حنيفة، والثوري، والشافعي في أحد قوليه، والمزني: إنه يغسل رجليه سوءا طال ذلك أولا، ليس عليه أن يستأنف الطهارة.
ومن قال من أصحابنا: إن الموالاة مستحبة وليست واجبة كذلك يقول.
وقال الشافعي في القديم: يستأنف الطهارة من أولها على كل

حال، وبه قال الأوزاعي، وابن أبي ليلى، والنخعي، الحسن البصري.
وقال داود: إذا نوع خفيه ثم يحتج إلى شيء لا غسل الرجلين ولا استئناف الطهارة، ويصلي كما هو حتى يحدث حدثا مستأنفا.

والدليل على داود: ظاهر قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾، فهو عموم في كل صلاة إلا أن يقوم دليل.
وأيضا كون الصلاة في ذمته، فمن زعم إنها تسقط عنه إذا صلاها مكشوف الرجلين من غير غسل فعليه الدليل.
وأيضا عن النبي عليه السلام توضأ وغسل رجليه، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، فهو عموم في كل صلاة.
وأيضا قوله للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك» إلى أن قال: «واغسل رجليك»، فبين أن الذي أمر الله به غسل الرجلين.
وأيضا قوله: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يضع الوضوء موضعه، فيغسل وجهه ويديه» إلى قوله: «ويغسل رجليه»، فنفي الأجزاء عن كل عبد إلا بهذه الصفة، فهو عموم إلا أن يقوم دليل.
وأيضا قوله لأبي ذر: «التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته»، والرجل من البشرة، فهو عموم إلا أن يقوم دليل.

فإن قيل: فقد حصل الإجماع على أنه طاهر بعد مسحه على الخفين، وأن الصلاة جائزة له، فمن زعم أن عليه غسل رجليه، أن طهارته تنتقض فعليه الدليل، وإلا فنحن متمسكون بموضع الإجماع.
قيل: إن الإجماع حصل على صفة، وهو كون رجليه في الخفين، فلما نزعهما انحل الإجماع، ألا ترى أن الخلاف حاصل.
وعلى أن الأصل كان عليه غسل رجليه، لأنه محدث فجوز له الإجماع أن يمسح على الخفين ما دامت الرجلان مستترتين بالخف، فإذا نزعهما عاد إلى ما كان عليه من وجوب غسلهما، فلم يبق إجماع.
فإن قيل: هذا كلام في إبطال استصحاب الحال؛ لأننا قلنا: قد حصل الاتفاق على أنه يجوز له الصلاة قبل نزع الخف، فمن زعم أن حكمه يتغير بنزعه فعليه الدليل.
قيل: نحن أيضا نقول باستصحاب الحال، ويجوز الانتقال عنها بالدليل، وقد بينا لأي معنى حصل الإجماع، وهو كونه طاهرا قبل نزع الخف؛ لانستار قدميه في الخف مع وجود المسح عليهما.
قد زال هذا المعنى بظهور قدميه، وإذا تعلق الحكم بعلة ثم زالت زال الحكم المتعلق بها.
يدلك على هذا: أن القدمين لو كانا ظاهرين بعد الحدث وقبل كونهما ممسوحين في الخف لوجب غسلهما، ولكن المسح ناب عن الغسل، وصار هذا كالتيمم الذي كان على الإنسان في الأصل أن يستعمل الماء ما دام قادرا على استعماله، فإذا تعذر ذلك جاز له التيمم ما دام على هذا الحال، فإذا زال العذر زال حكم التيمم الذي هو

بدل من الغسل، كذلك هذا كان عليه غسل رجليه بالماء، فإذا أدخلهما في الخف على صفة جاز له بعد الحدث المسح ما دام على هذه الحال، فإذا ظهرت رجلاه زال المعنى الذي من أجله زال المسح على الخف بدلا من غسلهما، ورجع الشيء إلى حكمه الأول من وجوب الغسل بأجل الحدث المتقدم.
وعلى أننا قد إذا ... كرنا استصحاب حال هي أولى مما ذكرتم، وقلنا: الصلاة في ذمته بيقين.
فإن قيل: إن التيمم لم يرتفع حدثه وإنما استباح الصلاة بالتيمم وهو محدث، وماسح الخفين مع غسل باقي الأعضاء قد ارتفع حدثه، فلا يصير محدثا بنزعه الخفين.
قيل: إنما نقول: إن حكم حدثه ارتفع على صفة، وهو أنه ما دامت رجلاه في الخف بدلا من الغسل فهو تابع للأعضاء المغسولة، فإذا ظهرت الرجلان حتى حضرت صلاة أخرى زال حكم المسح الذي هو بدل عن غسلهما لا بدلا عن جميع الأعضاء، فيجب غسل الرجلين.
فإن قيل: فإن الإنسان إذا كان أصلع أو أمرد وجب عليه في الضوء غسل وجهه ومسح رأسه، ثم لو نبتت لحيته وشعر رأسه جاز له غسل الشعر ومسحه على الرأس، فلو أنه غسل ظاهر لحيته ومسح شعر رأسه ثم حلق ذلك لم تجب عليه إعادة الغسل والمسح، وجاز له أن يصلي قبل أن يحدث، فكذلك في مسألتنا في الخف.
قيل: هذا التشبيه غلط؛ لأن الشعر ليس ببدل وهو من نفس الخلقة، وغسله ومسحه عزيمة كما لو لم يكن، وليس كذلك الخف؛ لأنه في الأصل منفصل ليس من الخلقة في شيء.
ألا ترى أنه لو قال

لزوجته: شعرك طالق.
طلقت.
فلو قال لها: خفكي طالق.
ولم تطلق، فصار مسح الخف بالتيمم أشبه؛ لأنه بدل كالتيمم.
فإن قيل: قد نجد في الأصول أن يكون الشيء له حكم في الأصل، ثم يحدث له حكم آخر، ثم يعود إلى مثل الحال الأولى فلا يعود حكمه إلى الأول ولا يتغير حكمه عما قد حصل عليه.
من ذلك: عقد التزويج لو وقع في الإحرام لقبح - عندنا وعندكم، وكذلك في العدة، ثم لو عقد في غير الإحرام بشرائطه لكان صحيحا، ثم لو طرأ عليه الإحرام لم يقدح في صحته، ولم يبطل حكم النكاح، وكذلك لو طرأت العدة على زوجته، مثل أن توطأ بشبهة لم يبطل حكم عقده، وإن كانت هذه الحال لو وجدت في الابتداء لم يصح العقد، وكذلك لا يؤثر نزع الخف في صحة الطهارة المتقدمة، وإن كانت الرجلان لو كانتا في الابتداء ظاهرتين لم يكن بد من الغسل.

قيل: إن التشبيهة أيضا غير صحيحة، وعروض مسألتنا: أن يكون في الابتداء محرما، محدثا ظاهر الرجلين، فهذا لا يجوز له المسح على رجليه لا إدخالهما في الخف إلا بعد الغسل، والمحرم لا يجوز له العقد، فإذا غسل هذا رجليه وأدخلهما في الخف صار بمنزلة من عقد وهو غير محرم في أنه فعل ماله أن يفعل، والآخر أدخل رجليه في الخفين ففعل ماله أن يفعل.
فطرق المسح عليه لا يبطل فعله، وطرق الإحرام على الآخر لا يبطل فعله المتقدم وهو العقد، فإذا نزع هذا خفه بعد الحدث والمسح، فهو بمنزلة المحرم يطلق في حال إحرامه، فإنه يعد إلى حالته الأولى في الابتداء في أنه لا يصح منه التزويج الذي كان يصح منه، ورجلاه في الخف بل عاد إلى حالة الابتداء من أنه لا بد من غسل رجليه، كما كان في الأول قبل إدخالهما في الخف، كما عاد المحرم بعد إطلاقه إلى الحال التي لو كان عليها في الابتداء من الإحرام لم يجز له عقد التزويج.
وعلى أن المحرم إذا طرأ عليه الإحرام بعد تقدم عقده فهو ممنوع من الوطء، كما لو عقد النكاح وه محرم، والذي أدخل رجليه في الخفين هو غير ممنوع من المسح ما دام على حاله، فبان بهذا أن التشبيه أيضا غير صحيح.
وقد أجاب أصحابنا عن هذا السؤال بأن قالوا: العلل على ضربين: فضرب الابتداء والانتهاء، وضرب لابتداء دون الانتهاء.
فالضرب للابتداء والانتهاء، وضرب للابتداء دون الانتهاء.
فالضرب الذي للابتداء حسب، كالإحرام والعدة كما ذكرتموه.
والضرب الذي يستوي حكم ابتدائه وانتهائه كالرضاع والردة.

وملك أحد الزوجين صاحبه.
فأدني ما في ذلك ألا تكونوا فيما ذكرتموه من اعتبار ما تنازعناه بأسعد منه باعتباره بما ذكرناه من علل الابتداء الانتهاء؛ لأن العقد مع وجود الردة والرضاع لا يجوز، ولو طرأ بعد العقد لأبطله، كما كان يبطله في الابتداء، ووجب أن يغلب الأقوى من الاعتبارين، فكان اعتبارنا أولى؛ لأن مسح الخفين نائب عن الغسل لا محالة؛ لأنه إحدى الطهارتين، ولا تصح نيابته عنه إلا على صفة، وهي أن يكون العضو الذي هو الأصل غير ظاهر؛ لأنه متى ظهر كان الخف أجنبيا منه لا يكن من المسح بسبيل، فإذا ظهر القدم فقد زال حكم المسح؛ لأن الأصل الذي من أجله صار هذا نائبا عنه قد حضر، فوجب أن يكون على الأصل الذي كان عليه.
يدل على صحة هذا: التيمم على ما تقدم ذكره، ولهذا نظائر كثيرة في الأصول منها: أن شهود الأصل لو كانوا حضورا غير مرضى ولا مسافرين، أو فسقوا لم يجز لشهود الفرع أو يؤدوا الشهادة التي على شهادتهم؛ لأن شهادتهم تجوز على صفة هي غيبة شهود الأصل، أو تخلفهم لعذر، ولكونهم عدولا.
ومنها: أن الميتة مباحة للمضطر إليها، ثم لو حضر من الحلال ما ينب منه بها ارتفعت الإباحة، وعاد إلى الأصل الذي كان عليه من حضرها لعدم ضرورة.
فإن قيل: فلنا نحن شواهد في الأصول.
منها: إن عدم الطول

وخوف العنت يبيح التزويج بالأمة المؤمنة، فإذا تزوج ثم وجد الطول، وزال خوف العنت لم يبطل حكم عقده على الأمة، وإن كان قد صار إلى حالة لو كان عليها في الابتداء لم يجز له العقد، وكذلك ما تنازعناه.
قيل: عروض مسألتنا في نزعه خفيه هو أن يطلق هذا هذه الأمة، فيحصل على الحالة التي لا يجوز معها ابتداء العقد، فيتغير حكنه لا محالة، كما أن نازع الخف قد تغير حكمه، وعاد إلى ما لو أن عليه في الابتدء لم يجز له الصلاة إلا بغسل رجليه.
وأجاب أصحابنا عن هذا السؤال بأن اعتبار مَسْأَلَة الخلاف أولى؛ لأنه من بابه والمسح إليه أقرب، وله أشبه.
وأيضا فإن عروض ما إذا ... ذكروه الصلاة التي أديت في حال المسح وهي صحيحة، وليس أمرها مراعى أو موقوفا، وكذلك النكاح ليس أمره مراعى، وقد مضى سليما.
وأيضا فإن النكاح لا يبطله مضي زمان من غير فعل مؤثر، والمسح يزول حكمه - عندكم - بمضي مدة المقيم ومدة المسافر.

ويقوي ما نقوله في المسألة: أن من عليه رقبة من ظهار أو قتل، إذا كان واجدا لها لم يجز له الصوم، فلو لم يجدها ثم دخل في الصوم، ثم جد الرقبة فإنه يمضي على صيامه ما دام على حاله، فلو أفسد صيام التتابع بغير عذر أو لعذر - وهو واجد للرقبة - عاد إلى حكم الرقبة التي لا يجوز له مع وجودها في الابتداء العدول إلى الصوم، فصارت الأبدال على طريقة واحدة.
ومثل ذلك، هدي القرآن والتمتع وغيرها إذا عدمها حتى دخل في صيام العشرة الأيام، ثم وجد الهدي فإنه يمضي على صيامه، فلو أفسده رجع إلى الهدي الذي في ملكه، فقد استمر هذا في الأصول، وبالله الموفق.
واعتبارنا أولى؛ لاه يؤدي إلى إسقاط الصلاة بيقين.
فأما الكلام في غسل الرجلين عند نوع الخفين دون استئناف الطهارة من أولها، فمبني على جواز تفرقة الوضوء لعذر، فإن أخر غسل رجليه استأنف الطهارة من أولها.
وقد مضى الكلام في الموالاة في موضعه.
وقد ذكرنا أن أحد قولي الشافعي أنه يستأنف الطهارة من أولها على كل حال.
ويجوز أن ندل على أن عليه غسل رجليه في الحال دون استئناف الطهارة بأن نقول: الأصل ألا شيء عليه قبل نزعهما، ثم قامت دلالة على غسل الرجلين، وبقي الباقي على الأصل.

وأيضا فإنه بدل بطل حكمه بظهور مبدله فوجب فوجب أن يلزمه غسل ما كان البدل نائبا عنه.
دليله التيمم، وذلك أن الإنسان إذا عدم الماء وتيمم فن التيمم نائب عن غسل جميع الأعضاء، فإذا وجد الماء لزمه غسل جميع الأعضاء التي كان التيمم نائبا عنها، كذلك أيضا مسح الخفين بدل عن غسل الرجلين، ونائب عنهما، فإذا بطل حكمه بالنزع لزمه غسل الرجلين؛ لأن المسح عنهما لا عن غيرهما.
فإن قيل: هذا فاسد به إذا أخر غسلهما.
قيل: لا يلزم؛ لأنه ليس علية الاستئناف هي النزع، وإنما العلة لشيء آخر، وهو تأخير غسل الرجلين، وإلا فالواجب بالنزع وهو غسل الرجلين فقط.
وأيضا فإن مسح الخفين في حكم رفع الحدث؛ لأن الحدث حقيقة يرتفع؛ لأن مسح الخفين ليس كغسل الرجلين الذي يرتفع معه الحدث حقيقة.
والدليل على أنه لا يرفع الحدث حقيقة، وإنما هو تابع للأعضاء المغسولة: وهو أن كل طهارة ترفع الحدث لم تبطل قبل وجود الحدث، وكل طهارة لا ترفع الحدث يجوز أن تبطل قبل الحدث، كالتيمم، فلما كان المسح على الخفين يبطل حكمه بنزع الخفين، علم أنه لم يرفع الحدث، فإذا لم يرفع الحدث عن الرجلين، وإنما استباح الصلاة بالمسح، فإذا نزع الخف فقد بطلت الاستباحة، وصار كمن غسل

الأعضاء الثلاثة وبقي غسل رجليه فيكفيه أن يغسل رجليه.
فإن قيل: قد روى صفوان بن عسال قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم، ثم نحدث وضوءا بعد ذلك، فأخبرنا أن النبي عليه السلام أمر بالوضوء عند نزع الخف، وإطلاق الوضوء يقتضي وضوءا كاملا.
قيل: الخبر يدل على أنه ينزع الخف للجنابة، وإذا كان جنبا أحدث وضوءا كاملا مع غسله، فنقول بموجبه.
فإن قيل: فإنه معنى يبطله الحد فوجب أن يكن انتقاض جزء منه كانتقاض جميعه، أصله الصلاة إذا بطلت ركعة منها بطلت كلها.
وأيضا فإن المسح على الخفين يرفع الحدث؛ بدليل أنها طهارة بالماء، وكل طهارة بالماء فإنها ترفع الحدث كغسل الرجلين.
ألا ترى أنه يجمع بالمسح على الخفين بين صلوات كثيرة، وكل طهارة يستباح بها الجمع بين الفرضين فإنها ترفع الحدث، كغسل الأعضاء كلها، عكسه التيمم، فإذا كان يرفع الحدث فالحدث إذا ارتفع لم يبطل إلا بالحدث، فعلم أن نزع الخفين كالحدث، والمتطهر إذا أحدث لم يكفه غسل الرجلين.
قيل: أما القياس على صلاة فليس بصحيح؛ لأن فساد ركعة يفسد الصلاة، فعروضه أن يفسد غسل الرجلين، والرجلان فلم

يحصل فيهما غسل، وإنما فسد مسح الخفين، والمسح ليس من جنس المغسول، وإذا فسد رجع الفرض إلى غسل القدمين حتى تساوي الأعضاء التي غسلت.
وقولكم: إن مسح الخفين يرفع الحقد فقد قلنا: إنه يصير في معنى رفع الحدث؛ لأنه تابع للأعضاء المغسولة ليس كالغسل حقيقة، وما هو في حكم المغسول فهو أضعف من المغسول، فلهذا لم يكن نزع الخف حدث، وبالله التوفيق.

[73]

مَسْأَلَة

  • عندنا - أن الكمال والسنة في مسح أسفل الخفين وأعلاهما وبه قال الشافعي، وهو مذهب ابن عمر، وسعد ابن أبي وقاص.
    من التابعين الزهري.
    وقالت طائفة: إن باطن الخف ليس بمحل للمسح مسننا ولا جائزا.
    وحكي أنه قول أنس بن مالك، وهو مذهب الشعبي، والنخعي، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه.

قالوا: لما رواه عروة بن الزبير عن المغيرة بن شعبة أن النبي عليه السلام مسح على ظهور خفيه، قالوا: فلا يخلو أن يكن عليه السلام أتى

بالجائز أو الكامل، فبطل أن يكون هذا القدر الجائز؛ لأن ما دونه يجوز.
أي ما دون جميع ظهر الخفين، فلعم أنه المسح الكامل، فخرج باطن الخفين على الجواز والكمال.
وأيضا فقد روي أن جابرا مسح ظهور خفيه، وقال: صنعت كما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصنع.

وروى عبد خير عن علي رضي الله عنه أنه قال: لو كان الدين بالقياس لكان باطن الخف بالمسح أولى من ظاهره، ولكنني رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح على ظاهره، فمنع علي أن يجري المسح على الباطن، وأن يكون محلا له.
والدليل لقوله: ما رواه إبراهيم بن يحيى عن ثور بن يزيد عن

رجاء بن حيوة عن وراد كاتب المغيرة عن المغيرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح أعلى الخف وأسفله، وهذا نص في مسح أسفله،

فلا بد أن يكون عليه السلام فعل الجائز أو الكامل.
وأيضا فإنه موضع من الخف يحاذي المغسول من القدم، فجاز أن يكون محلا للمسح عليه، أصله ظاهر الخف.
فأما الجب عما ذكروه من خبر المغيرة فإننا نقول بموجبه، ويجوز المسح على ظهور الخفين، ولهذا لا يمنع أن يكون أسفلهما محلا للمسح، وإنما فعل الجائز؛ ليعلمنا جوازه، ولا يجوز الاقتصار - عندنا

  • بالمسح على بعض أعلاهما.
    ولو جوزنا لم يمتنع أن يكون عليه السلام فعل الجائز وبعض الكمال، وأعلمنا أن هذا أيضا يجوز، وإن كان قد ترك باقي الكمال في مسح الباطن، وهكذا الجواب عما ذكروه من حديث جابر.
    وما ذكروه عن علي - رضوان الله عليه - لا حجة فيه؛ لأنه لم يقل: ل كان الدين بالقياس لجاز المسح على باطن الخف، وإنما قال: لو كان الدين بالقياس لكان باطن الخف بالمسح أولى، لكني رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على ظاهره، يمنع أن يكون أسفله محلا للمسح، وإنما جعل مسح الظاهر أولى، ولو كان القياس لكان باطنه أولى، وهذا يقتضي أن يكون ظاهره أولى، وكذلك نقول: إنه أولى إذا أفرده؛ لأنه لو اقتصر على ظاهره أجزأه، ولو اقتصر بالمسح على باطنه لم يجزئه، وكون الظاهر أولى بالمسح لا يدل على أن أسفله ليس بحل للمسح، فظاهر الخف هو الجائز، ومسح الأسفل مع الظاهر هو الكامل.

وأيضا فإنه ممسوح جرى مجرى البدل من المغسول فجاز أن يكون جميعه محلا للمسح الوجه في التيمم.

[74]

مَسْأَلَة

وإن مسح أسفل الخف دون أعلاه لم يجزئه، به قال أبو حنيفة، والشافعي، وعامة أصحابه، وهو عندنا إجماع الصحابة.
وقال المروزي في شرحه: يجوز الاقتصار على أسفله.

وهو خلاف منصوص الشافعي.
واستدل له: بما رواه المغيرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح أعلى الخف وأسفله، قالوا: وإنما مسح أعلاه وأسفله؛ لأن كل واحد منهما محل للمسح جوازا ومسنونا.
قالوا: ولأن انكشاف جزء مما تحت القدم لما كان كانكشاف الجزء من ظاهر القدم في المنع من المسح، كذلك أيضا استتاره يجب أن يكون كاستتاره في جواز الاقتصار عليه.
والدليل لقولنا: ما روي عن عمر علي - رضي الله عنهما - أنهما قالا: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكننا رأينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على ظاهره، وموضع الدلالة منه: أنهما أخبرا أن المسح على ظاهره أولى، وأن له مزية على باطنه، فإذا جاز الاقتصار على باطنه لم تكن للظاهر مزية عليه، لأنه أراد الكمال فالجمع بينهما كامل مسنون، وإذا أراد الجواز فجعل الباطن جائزا كالظاهر كان الظاهر والباطن في الكمال سواء، وكذلك في المسنون والجائز، ولم يكن للظاهر مزية على الباطن.
وأيضا ما رواه أبو بكرة قال: رخص رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمسافر ثلاثة أيام لياليها إذا تطهر فلبس أن يمسح على خفيه، والمسح على

الخف يقتضي المسح على ظاهره، فثبت بهذا أن الرخصة توجهت إليه وحده.
ويجوز أن نقول: قد اتفقنا على أن الحدث حاصل، والصلاة عليه بيقين، فمن زعم أن حدثه ارتفع، وأن صلاته مجزئة فعليه الدليل.
وأيضا: فإنه لما لم يجز تعدي مسح الخف إلى غيره من الجورب وشبهه، لم يجز تعدي موضع المسح المنصوص عليه إلى غيره قياسا.
وفإن أسفل الخف يجري مجرى النعل، وظهر القدم يجري مجرى الخف.
ألا ترى أن المحرم إذا لبس الخف كانت عليه الفدية، ولو لبس نعلا لم تجب عليه الفدية، ثم قد تكرر أنه لو لبس خفا بلا أسفل وله ظهر القدم كانت عليه فدية، ولو لبس خفا لا ظهر له على القدم وله أسفل القدم لم تجب عليه فدية.
فإذا لم يكن بد من أن يجعل أحد الموضعين محلا للجواز فلأن يجعل ما هو في حكم الخف ويجري مجراه أولى مما يجري مجرى النعل.
وأيضا فإن أسفل الخف، وباطن الخف لا يكون محلا للمسح.
ألا ترى أنه لو أدخل يده في خفه فمسح على باطنه لم يجزئه.
فأما قوله: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح أعلى الخف وأسفله ليبين أنهما جميعا ملح للمسح فه صحيح، ولكنه عليه السلام قصد أن يبين محل المسنون من مسح لا محل الجائز، والمعنى في مسح ظهر الخف: هو كونه ظاهرا من الخف، وليس كذلك أسفله؛ لأنه باطن.

وما ذكروه من المعنى في الخبر فهو عكس، ولا يقول به أكثر أصحابنا؛ لأنهم اعتبروا جواز المسح بالمنع منه، وهذا لا يجوز، فسقط ولو اقتصرنا في المسألة على الإجماع لكفى.
فإن قال قائل: فإنه محل للمسح بالماء غير مستوعب فوجب ألا يتعين كمسح الرأس في الوضوء.
قيل: مسح الرأس - عندنا - مستوعب؛ لأنه عزيمة في الوضوء ليس برخصة، والمسح على الخفين رخصة فلا يتعدى به موضع إجازته.
فإن قيل: إن لكل موضع غسل غطاه خف تام فهو موضع للمسح كالظاهر من الخف.
قيل: فينبغي أن يستوعب جميعه على هذا التعليل، أو يقتصر على موضع الرخصة منه ولا يتعدى بقياس.
وما قلناه مرجح بما حكيناه من النص على أعلاه، والمنع من التعدي إلى غير الخف، فكذلك موضع الرخصة من المسح، وبالاحتياط للفرض، وإسقاط حكم الطهارة والصلاة وزوال الحدث بيقين.
وأيضا فإن الأصول تشهد له؛ وذلك أننا وجدنا قد تعلق بظاهر القدم في المحرم إذا لم يجد نعلين لبس الخفين وقطعهما أسفل الكعبين؛ فكذلك الإباحة يجب أن تتعلق بظاهر القدم دون الباطن، وبالله التوفيق.

[75]

مَسْأَلَة

ويمسح على العصائب الجبائر إذا كان يخاف نزعهما، وسوءا وعضها على طهر تام أو حدث، ولا إعادة عليه إذا كان قد صلى، رهب قال أبو حنيفة.
والشافعي يقول: إن وضعها على طهارة تامة ثم برأ من مرضه ففي الإعادة قولان، وإذا شدها على موضع الوضوء والغسل وهو محدث فالإعادة واجبة قول واحد.
والدليل لقولنا: ما روي أن عليا رضي الله عنه قال انكسرت إحدى زندي فشددتها، وسألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الوضوء، فقال: «امسح عليها»، ولم يفرق بين شدها على طهر أو حدث، فلو كان الحكم يختلف لسأله عليه السلام

هل شدها على طهر أو هو محدث؟.
ثم كان يبين له الحكم في ذلك، فلما لم يسأله، وأطلق له المسح مع جواز أن يكون شدها هو محدث علم أن الحكم لا يختلف.
وأيضا فإن ضرورة الخف لأنه يسمح على الخف مع القدرة على نزعه وغسل رجليه، وهذا لا يقدر على غسل ما تحت العصائب، فهو يمسح عليها مضطرا غير مختار، فلم يكلف أن يعصب على الجرح وهو متطهر، مع جواز أن يتفق الجرح والكسر عليه وهو محدث فلا يمكنه الغسل، ليس كذلك الخف.
ألا ترى أن الجنب مأخوذ عليه نزع خفه، وليس ذلك على الكسير المجروح.
ولا إعادة عليه، لاه قد صلى على الوجه المأمور به على حسب قدرته، فصار بمنزلة من تعذر عليه استعمال الماء وخاف فوات الصلاة فإنه يبج عليه التيمم، ولا إعادة عليه، وكذلك من عجز عن قيام في الصلاة وجب عليه أن يصلي على حسب قدرته وطاقته، ثم لا إعادة عليه، وكذلك من لم يقدر على الرقبة في الظهار وقدر على الصيام جب عليه الصوم ولا إعادة عليه متى قدر على الرقبة، وكذلك من عجز عن كفارة اليمين حتى دخل في الصوم لم يجب عليه الرجوع في الكفارة إذا قدر، وهذا كله لأنه قد أدى الفرض على ما وجب عليه.
فإن قيل: فإن الصحابة رضي الله عنهم قالت: إن من لم يجد ماء، ولم يقدر على التيمم، مثل المصلوب ومن حبس في الحش إنه يصلي ويعيد الصلاة، ولم يطرحوا الفرض الذي لزمه بالعجز.
ومنهم

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل