[83] مَسْأَلَة
عند مالك - رَحمَه الله - أنها إذا ميزت بين الدمين علمت على إقبال الدم وإدباره، فتركت الصلاة عند إقبال الحيضة، وتغتسل وتصلي، وبذلك قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: تعمل على عدد الأيام.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾، فأعلمنا أنه يزيد وينقص، وذلك يعرف بعلامة، وقد بينا أنه يتغير في الأزمان والأحوال والإنسان، وينتقل من وقت إلى وقت فيجب أن يدار معه حيث دار إلا أن تقوم الدلالة.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾، فردهن إلى التمييز، وهو الدم الذي يكون معه أذى.
وقال النبي عليه السلام: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة تعرف»، رواه أبو هريرة، فأعلمناه أن الحكم يتبع هذه الصفة حيث وجدت إلا أن تقوم دلالة.
وأيضا قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: «إنما ذلك عرق وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عند الدم وصلي»، فردها إلى التمييز عند اشتباه الدم وتجاوزه مدة حيضها، ولا يقول لمن هذه صفتها: إذا أقبلت الحياضة إلا وهي عارفة بالحيضة، هذا الأشبه والأظهر.
وأيضا فإن الأيام لا حكم لها بمجردها، ولها حكم مع الدم فثبت أن الحكم للدم لا غيره.
وأيضا فإن الخارج متى اختلف أحكامه عند اختلاف أنواعه الحكم للدلالة لا غيره.
وأيضا فإن الخارج متى اختلف أحكامه عند اختلاف أنواعه وألوانه كان التمييز فيه، دليل ذلك المني والمذي.
وأيضا فإن الوصف إذا أمكن أخذه من ذات الشيء لم يجز تعديه إلى غيره كما إذا أمكن من ذات الحيض ثم تصر فيه إلى عادة النساء.
فإن قيل: فقد روي أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأم سلمة: «لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر»، فردها إلى أيامها.
قيل: إنما كان هذا في امرأة لم يكن لها تمييز، وكان دمها مشتبها، ولها أيام تعريفها قد زاد على أيامها.
ويحتمل أيضا أن تكون المرأة ظنت أنه مع التمييز إذا انقطع عنها دم الحيض بعد أيامها وتغير أن حكمها واحد في ترك الصلاة، فأعلمها أنه إذا تغير بعد تقضي أيامها التي كانت تحيضها اغتسلت صلت، وأنها تترك الصلاة في تلك الأيام لرؤية الدم الذي تعرفه، تحمل على هذا بدليل ما ذكرناه.
فإن قيل: فقد روي في حديث حمنة بنت جحش أنه قال لها: «تحيضي في علم الله ستا وسبعا فذلك ميقات حيض النساء وطهرهن».
قيل: إنما هذا وارد في امرأة مبتدأة ولم يكن هلا بعد أيام ولا تمييز، فردها إلى هذا القدر الذي هو الغالب في أسنانها.
فإن قيل: فإنه قد روي أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «دعي الصلاة أيام أقرائك»، فردها إلى الأيام.
قيل: هذا الذي يدل على أنها كانت مميزة، فأحالها على أيام أقرائها التي تعرفها مع وجود الدم الذي تعرفه؛ لأنه لم يقل: أيامك.
وإنما قال: أيام حيضك، فلا بد أن تكون قد عرفت الحيض بلونه أو غير ذلك، وإلا كان مشكلا؛ لأنها سألت عن الزائد على دمها هل هو حيض أو غيره؟.
فلا يجوز أن يقول لها: اقعدي أيام حيضك؛ لأنها تقول: هذا حيضي أيضا، ولو أراد أيام حيضك فيما مضى لكان أيضا مشكلا إن لم تكن تعرف دم الحيض وتميزه، فإنما أحالها على حيض تعرفه.
فإن قيل: فإن الدم إذا جاوز خمسة عشر يما لم ين حيضا، وإن نقص كان حيضا فعلمنا أن الاعتبار بالأيام لا بالدم.
وأيضا فإنه لما لم يختلف حكم السواد وغيره في الأيام في أنه حيض لم يختلف حكمها في غير الأيام، وعلم أن المعتبر بالأيام لا بالدم.
قيل: قولكم: إن الدم إذا جاوز خمسة عشر يما لم يكن حيضا مع ما ذكرتموه لا يلزم؛ لأننا قد ذكرنا أن بعض أيام العشر لو خلت من الدم لم يعتبر، وإنما يحكم لها بحكم الحض مع وجود الدم فهو المعتبر والمتبع.
والفصل الآخر فلا يلزم أيضا؛ لأن الأيام لها حكم - عندهم - قبل العشرة ولا حكم لها بعد العشرة، فكذلك نقول التمييز نفرق بين حكمه بعد أكثر الحيض وبين حكمه قبل ذلك.
وعلى أنه قياس ساذج لم يذكرا معنى يجمع بينهما.
على أننا نقلب ذلك عليهم فنقول: لما لم يكن في غير أيام الحيض للأيام حكم فكذلك مع وجود الدم المشتبه ليس لها حكم.
على أنهم لو صح لهم معنى يعارض ما ذكرناه لكان قولنا أولى؛ لأننا نستعمل الأخبار على كثرة الفوائد؛ لاختلاف أحوال النساء في ذلك فتكون أخباركم لا تنافي ما نقوله: والله أعلم.
تحمل الأخبار على التكرار والإعادة، فنحمل قوله: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة» على امرأة لها تمييز، وكذلك قوله: «دم الحيض أسود ثخين يعرف»، ويحمل قوله: «لتنظر عدد الأيام والليالي» على امرأة لها أيام ولا تمييز معها، أو على التمييز على الوجه الذي ذكرناه، وكذلك قوله:
«اقعدي أيام أقرائك»، ويحمل قوله: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا»، على امرأة ليس لها تمييز ولا أيام تقدمت، ويحتمل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حيض نساء أمتي ما بين الست والسبع» إما على المبتدأة في الأغلب، أو على أن العادة في الغالب أمرهن، هذا مع وجود الدم الذي صفه لم ينقص لونه فهذا أولى من حمل الأخبار على الإعادة والتكرار.
ويكون قولنا أيضا أولى؛ لما ذكرناه من الاعتبار والاستدلال، وقياس الشيء على نفسه.
فإن قيل: لما كان دم النفاس مشاركا لدم الحيض في وجوب ترك الصلاة معه والصوم ومنع الوطء وجوب الغسل عند زواله ثم لم يعتبر لونه فكذلك لا يعتبر لون دم الحيض.
قيل: دم النفاس لم يعتبر لونه؛ لأنه لا يتكرر دم الحيض الذي يعرف بلونه؛ لأنه دم النفاس احتبس مع الحمل لغذيته لما يتغذى منه
فإذا وضعت الحمل ثجت الرحم ما يبقى من ذلك الذي قد اجتمع في طول الحمل فلم يعتبر لونه لذلك، فإذا بلغ أقصى مدته زال حكمه، ثم لم يكن لما بعده حكم أصلا حتى طهر بعده طهرا كاملا، ثم يظهر فيكون لظهوره حكم الحيض.
ثم إننا نقول: الفراش دليل النسب، ثم إنه إنما يدل إذا أمكن، فأما إذا لم يمكن فلا يدل.
ألا ترى أن ما عقد للصبي الذي لا يطأ لو أتت بولد لستة أشهر من يوم العقد لم يحلق به، ولو كان هناك إمكان وطء الحق النسب، فكذلك التمييز يدل على الممكن ولا يستدل به فيما لا يمكن.
والأصول تشهد لنا: وذلك أننا وجدنا أحكام الحيض تعتبر تارة بالدم وتارة بالأيام فيجب أن لا تعتبر الأيام ما دام لنا طريق إلى وصول الاعتبار بالدم.
الدليل على ذلك: أننا نعتبر العدة مرة بالأيام ومرة بالدم، ثم لما كان الدم مقدما على الأيام فكذلك ها هنا ما دام التمييز موجودا، فلا ينبغي أن نعتبر بالأيام كما كان فيما ذكرنا.
وأيضا فإن الأيام ظرف للدم، والدم هو المقصود، فاعتبار الحكم بالمقصود أولى من الحكم بظرفه.
ألا ترى أنها اشتبهت عليها الأيام والتمييز وكانت لها أيام متقدمة معهودة كان المصير إلى ما الأيام - عندكم - أولى من ردها إلى غيرها من النساء، ثم لو تكن لها أيام متقدمة معروفة وكانت مبتدأة لكان الاعتبار بنساء أهلها وبلدها أولى
من الاعتبار بمن يتعذر عليها؛ لأن الحكم بما قرب من المقصود أولى من الحكم مما بعد عنه، فإذا كان ذلك كذلك والدم هو المقصود وجب أن يكون الاعتبار به دون غيره.
وأيضا فإن الخارج من الفرج نوعان: أحدهما يوجب الوضوء، والآخر يوجب الغسل، وهما متباينان في غالب الزمان مع السلامة والاستقامة، ثم قد تعرض علة فتصور المني تصور المذي، ثم لا يمنع من أن يكونا معتبرين في أنفسهما، فكذلك حكم الحيض والاستحاضة ينبغي أن يكون الاعتبار بهما في أنفسهما وإن جاز أن تعترض ذلك شبهة علينا، ويشكل علينا شأنهما وبالله التوفيق.