عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار[40] مَسْأَلَة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

اختلفت الرواية عن مالك - رَحمَه الله - في جلود الميتة إذا دبغت.
فالظاهر من الروايتين أنها لا تطهر، ولكنها تستعمل في الأشياء اليابسة وفي الماء خاصة من بين سائر المائعات، فإنه قال في الماء: أتقيه في نفسي خاصة، ولا أضيقه على الناس.
والرواية الأخرى: أنها تطهر طهارة تامة، وهذا في كل جلد ميتة إلا الخنزير وحده؛ لأن الذكاة لا تعمل فيه فالدباغة أولى، وسائر الحيوان غيره تتأتى فيه الذكاة.
وبالرواية الأولى قال أحمد، ولكنه لا يبيح الانتفاع بها في شيء؛ لأنها كلحم الميتة.

وبالرواية الثانية قال أبو حنيفة إلا في الخنزير كقولنا، وبها قال الشافعي إلا في الكلب والخنزير.
فيحصل الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة والشافعي في الرواية الأخرى، وبيننا وبين الشافعي في الكلب على الرواية الثانية.
وقال داود: يطهر جلد جميع الحيوان بالدباغ حتى الخنزير، وقد حكي عن أبي يوسف مثله.
وقال الأوزاعي وأبو ثور: يطهر جلد ما يؤكل من الحيوان ولا يطهر جلد مالا يؤكل.
قال الزهري: يجوز الانتفاع بجلود الميتة قبل الدباغ مع كونها نجسة لا أنها طاهرة.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم﴾، والميتة اسم للجملة، ولكل جزء منها، والجلد منها.

وأيضا: ما رواه جابر عن النبي عليه السلام أنه قال: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء)، وهذا عام فيها وفي كل جزء منها إلا أن يقوم دليل.
وأيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلي عن عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل موته بشهر (ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)، وهذا نص في الجلد مع كونه متأخرا.

ينسخ المتقدم، وهذا عمدة في المسألة.
وأيضا ما روته عائشة - رحمها الله - عن النبي عليه السلام أنه أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت، والاستمتاع بالشيء مأخوذ من المتعة

به، والمتعة به تمنع من بيعه؛ لأنه إذا بيع صار الاستمتاع بالثمن لا بالجلد، فدليله أن غير المتعة به لا يجوز إلا أن يقوم دليل.
وأيضا ما روي أن ابن الأشعث قال لعائشة - رحمها الله -: ألا نعمل لك فروا تلبسينه في اليوم الشاتي.
فكرهته؛ لأنها تريد الصلاة فيه، فقال: ألا نعمل لك ذكيا؟ فلا بأس، فلم تمتنع من الذكي وامتنعت من غيره، ولم يكن هذا إلا وقد فهمت نم قصد النبي عليه السلام في الاستمتاع بالجلد المدبوغ في غير الصلاة، وعلى وجه دون وجه، وأنه فرق بين المدبوغ والذكي.

وأيضا فإن الجلد لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قبل الدباغ نجسا لذاته وعينه فوجب أن لا يطهر بالدباغ كاللحم - عندنا وعندكم -، وكجلد الخنزير والكلب - عندكم -. أو يكون نجسا لأجزاء نجسة جاورته بالموت فينبغي أن يجوز بيعه قبل الدباغ كالثوب النجس، فلما لم يجز بيعه قبل الدباغ علم أنه كاللحم الذي نجست عينه بالموت.
ونقول أيضا: هو جزء من الميتة تلحقه الحياة والموت فأشبه اللحم.
أو نقول: هي نجاسة حدثت بالموت فوجب أن تكون مؤبدة كاللحم.
وأيضا فإن علة التنجيس هو الموت فلا يجوز أن ترتفع النجاسة مع بقاء العلة؛ لأن الموت لا يمكن دفعه.
ونقول أيضا: أتسلمون أن الجلد بعد الدباغ لا يجوز أكله؟.
فإن سلموا ذلك: قلنا إنما لم يجز أكله لأنه نجس بالموت فصار كاللحم.
وإن لم يسلموا المنع من أكله دللنا عليه بما روي أن النبي عليه السلام مر بشاة ميمونة - وقد طرحت وهي ميتة - فقال: هلا دبغتم إهابها فانتفعتم به).
فقالوا: إنها ميتة - وقد علم عليه السلام أنها ميتة - فقال: (إنما حرم أكلها)، ومن المحال أن يكون إنما أعلمهم أن اللحم حرم أكله دون الجلد؛ لأنهم طرحوها وهم يعلمون أن لحم الميتة محرم، ويعتقدون ذلك، وكذلك الجلد فوجب أن تكون الفائدة في إعلامهم

حكم الجلد الذي أباحهم الانتفاع به، وأنه الذي حرم أكله دون النفع به، أو تكون الفائدة هي أن الذي يتأتى أكله منها محرم أكله، وأن الجلد منه أيضا، وإذا كنا قد اتفقنا على أن الموت يحل في الجلد كما يحل في اللحم، ثم اتفقنا على أن غسل اللحم أقوى من الدباغ، وهو لا يزيل حكم النجاسة الحالة فيه بالموت كانت الدباغة أولى ألا تزيل حكم النجاسة الحالة بالموت في الجلد، أو تكون كالغسل لا يزول به حكم النجاسة.
وفارق حكم هذه النجاسة حكم سائر النجاسات العارضة في الثياب؛ لأنها لو كانت بمنزلتها لزالت بالغسل عن اللحم كما يغسل عنه الدم في الذكاة، ولجاز بيعه وبيع الجلد من الميتة قبل أن يدبغ كما يباع لحم المذكي وعليه دم.
فإن قيل: جميع ما ذكرتموه مخصوص بما رواه الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر بشاة لمولاة ميمونة ميتة، فقال: (ما على أهلها أن لو أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به)، فقال: (إنما حرم أكلها)، فأباح عليه السلام الانتفاع بإهاب الميتة إذا دبغ فسقط قول من يقول: لا

يجوز الانتفاع به، والانتفاع أيضا عام من كل وجه يتبعه والصلاة عليه وغير ذلك.
وأيضا ما رواه زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن وعلة المصري عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا دبغ الإهاب فقد طهر).
ومالك عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أمه عن عائشة قالت: أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت.
وأيضا ما روي أنه عليه السلام قال: (دباغ الأديم ذكاته)،

فأقام الدباغ مقام الذكاة.
وأيضا ما رواه أنس أن النبي عليه السلام أتى على سقاء أخضر قد برد فيه الماء فاستقى.
فقالت صاحبته: إنه لمن جلد كيتة.
فقال عليه السلام: (دباغه طهوره).

وروى سلمة بن المحبق قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ذكاة كل أديم دباغه).
قالوا: وهذه الأخبار تلزم أحمد بن حنبل في امتناعه نم استعماله بعد الدباغ، وتلزمكم أنتم في طهارته بكل وجه.
قيل: لعمري إنها تلزم أحمد فأما نحن فإنا نستعملها على ما تحتمله فنقول: قوله: (هلا انتفعوا به بالدباغ)، فظاهره يقتضي الانتفاع بالجلد نفسه دون ثمنه، ونحن نجيز الانتفاع به على وجه مخصوصة بالدلائل التي ذكرناها.
وقوله عليه السلام (فقد طهر)، وجميع ما ذكر في الطهارة، فإننا نقول:

طهارة وطهور اسم مشترك في اللغة والشريعة فتارة يكون لزوال حم النجاسة، ويصلح للعبادة، ولرفع درجة، وللتمييز على ما بيناه في مَسْأَلَة الكلب، وحقيقة الطهارة إنما هي نقل من حال إلى حال، فقد نقلت الدباغة من منع استعماله فإلى استعماله على وجه دون وجه، ولا ينبغي أن يكون كالذكاة التي تبيحه على كل وجه؛ لأن الذكاة هي الأصل، وهي طهارة فلا ينبغي أن يكون حكم الفرع كحكمها من كل وجه، وإن كانا جميعا يسمان بالطهارة.
ألا ترى أن الطهارة بالماء ترفع الحدث فإذا عدم الماء جاز التيمم، وقد سمي طهارة.
ثم مع هذا فلم يساو حكم الأصل لضعفه عنه، فلم يجز أن يتيمم قبل الوقت، ولا يرفع الحدث، ولا يجمع به بين صلاتي فرض - عندنا وعند الشافعي -، فلما كان البدل فيما يسمى طهارة أضعف من المبدل، فكذلك الدباغة أضعف من حكم الذكاة التي هي الأصل، وإن كان اسم الطهارة يتناولها جميعا.
فإن قيل: إطلاق طهارة تقتضي طهارة من رفع حدث أو إزالة نجس، فإذا لم تكن في الدباغ لرفع حدث فهي لرفع نجاسة.
قيل: إطلاق طهارة تقتضي طهارة من رفع حدث أو إزالة نجس، فإذا لم تكن في الدباغ لرفع حدث فهي لرفع نجاسة.
قيل: قد بينا في مَسْأَلَة ولوغ الكلب أنها تكون أيضا للتنظف فلا نسلم أنها لا تكون في الشريعة إلا لما ذكرتم، والتيمم أيضا يسمى طهارة، ولم يرفع الحدث، فإذا كان أريد من أجل الحدث وإن لم يرفعه

جاز أن تراد الدباغة من أجل النجس ولا تدفعه، فتكون إباحة الداباغة دون إباحة الذكاة، كما كان حكم التيمم دون حكم الماء، ثم لو كان طهارة تتناول ما ذكرتموه جاز أن نحملها على ما ذكرناه بما بيناه من حكم الميتة، ومساواة الجلد للحم.
وأما قوله عليه السلام: (دباغ الأديم ذكاته)، فإن جلد الميتة قبل دباغه لا يتناوله اسم أديم، وإنما يسمى أديما بعد الدباغ، فكأنه قال عليه السلام: دباغه ذكاته.
أي ذكاته ريحه طيبها فصارت ذكية، وكذلك نقول: إن ذكاته التي هي طيب رائحته إنما تكون بالدباغ الذي يخرج معه السهوكة وتغير الريح، وهذا هو الأصل في الذكاة.
والذكي: هو الطيب الريح، وإنما نقل إلى اسم الريح؛ لأن الحيوان إذا ذبح كان طيب الريح بخلاف الميت، فإذا كان أصل الذكاة ما ذكرناه حملنا قول النبي عليه السلام على هذا، ونكون بهذا أولى منكم في اللغة؛ لأنكم تجعلون الدباغة تشبيها بالذكاة، فتقديره: كذكاته، أي: مثل ذكاته، فتضمرون كاف التشبيه، ونحن لا نضمر شيئا، بل نجعل الدباغة بالشب والقرظ هي بعينها ذكاته وطيب ريحه، فتقديره: تقديره قولنا: الله ربنا، فربنا هو الله، والله هو ربنا، وكذلك محمد نبينا، وزيد قائم، زيد هو القائم والقائم هو زيد، وقولكم أنتم بمنزلة قولهم: شربك شرب الإبل، وليس شربه شرب الإبل، وإنما هو كشرب الإبل أي: مثله.

وأيضا فإن الدباغة بالشب والقرظ تصير عليه مثل الغشاوة فتزول معه الروائح المتغيرة، وتكتسي ريح الشب والقرظ، ولهذا نستعمله نحن في الأشياء اليابسة؛ لأنه يصر بمنزلة شيء قد غشيه شيء طاهر.
فأما قوله عليه السلام في السقاء الذي استسقى منه: (دباغه طهوره)، أي قد نقله من منع الاستعمال إلى جوازه على ما بيناه، ويجوز ترك الماء فيه؛ لأن الناس مختلفون في تطهيره، والماء في أصله يدفع النجس عن نفسه.
ثم مع هذا فإن الميتة إذا لاقت الماء فلم تغيره فإن الماء على أصله في الطهارة - عندنا - قليلا كان الماء أو كثيرا، وليس كذلك المائعات غير الماء، فلهذا جاز استعمال الجلد المدبوغ في الماء ولم يجز في غيره من المائعات.
فإن قيل: فإنه جلد طاهر بنجاسته فجاز أن يحكم بطهارته أصله جلد المذكي إذا تلوث بالدم أو غيره.
أو نقول: نجاسة طرأت على جلد طاهر فجاز أن يطهر، أصله ما ذكرناه.
قيل: الجلد المذكي علته أنه طاهر انتقل إلى طهارة هي التذكية، فأشبه اللحم المذكي، فإذا تلوث بالدم جاز أن يزول عنه كما يزول عن اللحم، وليس كذلك جلد الميتة؛ لأنه كلحمها، فإذا لم تزل نجاسة لحمها لم تزل نجاسة جلدها.
فإن قيل: اللحم يتهوا بالدباغة ولا يثبت مثل الجلد.

قيل: وأي حاجة بنا إلى دباغ اللحم والجلد إن كانت النجاسة تزول بعد الموت.
فالغسل يكفي فيهما.
ألا ترى أنهما في الذكاة على طريقة واحدة، لو أصاب اللحم دم زال بالغسل كما يزول من الجلد، ونحن نعلم أن كل نجاسة تكون في لحم المذكي أو الميت لو نقعت في الماء المسخن أو غيره من الماء والملح والخل، وطال مكثه خرجت كل نجاسة فيه، وقد كان يمكن أن ينقع في الماء والأشنان وغيره مما يقلع النجاسات أكثر مما يقلعه الشب والقرظ، ويثبت مع ذلك ولا يفسد، فلما كان هذا كله لا يزيل نجاسة اللحم؛ لأنها بالموت حصلت، كذلك الجلد لحصول الموت فيه، وعلمنا بهذا أن الشب والقرظ أدخل في الجلد؛ لأنه تصير عليه غشاوة يمكن استعماله معها على وجه ليطول بقاؤه والانتفاع به لا أنه يصيره طاهرا بذلك.
على أنهم يدبغون المذكي أيضا لحاجتهم إليه.
وعلى أن قياسنا إياه على اللحم أولى؛ لأننا رددنا من نجس بالموت إلى مثله، ورددنا جزءا اكتساه جزء مثله؛ لأنه اكتساه جزء منه نجس، وهو اللحم، والجميع يحله الموت.
ولا يلزمنا على هذا الصوف والشعر؛ لأن الحياة والموت لا يحلان فيهما.
ثم إن الاعتبار الصحيح معنا؛ لأننا وجدنا الجلد مساويا للحم حيث كان، فهما بمنزلة واحدة لو قطعا من الحي، وبمنزلة واحدة في الذكاة، فكذلك ينبغي أن يكون بمنزلة واحدة بعد الممات؛ لأنهما ميتان إذا قطعا في حال الحياة، ميتان في حال موت الحيوان، فلا ينبغي أن

يفرق بينهما كما لم يفترق حكمهما في الذكاة، ولا في كونهما في الحياة إذا لم يقطعا من الحي.
فإن قيل: إنها نجاسة طرأت على عين يتأتى غسلها فجاز أن تطهر، دليله الثوب النجس.
وأيضا: فإن هذه النجاسة لا تخلو أن تكون في معنى نجاسة العين أو نجاسة الحكم، فإن كانت في معنى نجاسة العين فإنها متى كانت طارئة على العين جاز أن تزال مثل سائر النجاسات، وإن كانت نجاسة من جهة الحكم، وكانت طارئة جاز أن تزال دليله الخمر.
وأيضا فلو كان الدباغ لا يطهر جلد الميتة لكان لا يطهر بالذبح، دليله الخنزير.
قيل: أما الثوب النجس فقياسه اللحم المذكي والجلد إذا أصابهما نجس، فإن أعيان الجميع طاهرة، وإنما طرأ على طاهرها ما يزول بالغسل.
ألا ترى أن بيع الجميع وعليه الدم يجوز، وليس كذلك جلد الميتة؛ لأنه كلحمها.
ألاى ترى أن بيع الجلد قبل الدباغ لا يجوز كما لا يجوز بيع اللحم، فعلم أن عينه نجست بالموت كاللحم، والثوب إنما نجس بمجاورة النجاسة له، وجلد الميتة نجست عينه كاللحم الذي نجست عينه بالموت.
وقولكم: إن هذه النجاسة لا تخلو أن تكون في معنى نجاسة العين أو نجاسة الحم فإننا نقول فيها ما تقولونه في اللحم سواء، فإذا لم تزل نجاسة اللحم لم تزل نجاسة الجلد.
وأما الخمر فإنها نجسة العين فإذا تغيرت صارت العين كلها طاهرة فينبغي أن تصير عين الميتة كلها طاهرة لحمها وجلدها.

وقولكم: إن الدباغة إن لم تطهر الجلد لم تطهره الذكاة يلزمكم في لحم الميتة أيضا إن لم يطهره الغسل لم تطهره الذكاة كالخنزير.
فإن قيل: قولكم: إن علة التنجيس الموت فلا يجوز ارتفاع النجاسة مع بقاء الموت غير مسلم؛ لأننا نقول: إن علة التنجيس الموت وفقد الدباغ، فعلة التنجيس ذات وصفين، فإذا عدم أحد الوصفين وهو فقد الدباغ جاز أن لا يرتفع الوصف الآخر الذي هو الموت فينبغي ألا يطهر على هذا الحساب.
فإن قيل: فإن الموت علة في تنجيسه ابتداء دون الاستدامة، فإذا كان الموت علة في وجود النجاسة دون بقائها واستدامتها جاز أن ترتفع استدامتها وبقاؤها وإن كان علة الوجود في الابتداء لا ترتفع، كما إذا تيمم فإنه يصلي؛ لأنه استباح به الصلاة، ثم لو أحدث لم يجز له أن يصلي بذلك التيمم قطع الاستدامة وبقاء الاستجابة، والله أعلم.
قيل: هذا بعينه يلزم في لحم الميتة، وأما التيمم فهو شاهد لنا؛ لأنه لم يرفع الحدث فلهذا انقطعت استدامته فينبغي ألا ترتفع نجاسة الجلد بالدباغ ولكن تنقطع استدامة المنع من الانتفاع به، فيصير منتفعا بالدباغ لا كمنفعة الذكاة، كما أباح التيمم الصلاة لا على معنى الوضوء الذي يرفع الحدث، وبالله التوفيق.
ووجه الرواية الأخرى في طهارة الجلد بالدباغ ما ذكرته عن المخالفين وفيه الرد على أحمد في امتناعه من استعماله بكل وجه وإن دبغ.

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل