عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار[24] مَسْأَلَة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ومن نام منضطجعا أو قائما أو راكعا أو ساجدا فعليه الوضوء، وبه قال الشافعي.
وللشافعي قول آخر يفرق فيه بين كونه في الصلاة وغير الصلاة، فإن كان في الصلاة لم ينقض كما لا ينقض نوم القاعد، والقول الآخر مثل قولنا، سواء كان في الصلاة أو في غير الصلاة.
وعند المزني أن النوم حدث، فهو ينقض الوضوء، قليله وكثيره على كل حال، وفي القاعد أيضا.
وعند أبي حنيفة وأصحابه لا ينقض إلا في المضطجع حسب.

واتفق فقهاء الأمصار على أن نوم المضطجع ينقض الوضوء.
وروي عن أبي موسى الأشعري وأبي مجلز وعمروا بن دينار وحميد الأعرج أنهم قالوا: لا وضوء من النوم أصلا على أي حال

كان وإنما ينقض الوضوء ما خرج منه وتيقنه في نومه.
قالوا: لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل على خالتي ميمونة، ونام فغط، حتى سمعنا غطيطه، ثم قام وصلى ولم يتوضأ.
والدليل عليهم: قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ الآية.
وهذه وردت على سبب، وهو أن أصحاب رسول الله كانوا قد قاموا من النوم، وكان ورودها في غزوة المريسيع حيث فقدت عائشة - رضي الله عنها - عقدها، فأخروا الرحيل إلى أن أضاء الصبح، فطلبوا الماء فلم يجدوا، أنزل الله تعالى هذه الماء إلى قوله ﴿فتيمموا﴾، وإن كان الخطاب خارجا على سبب فلا خلاف

أن السبب داخل فيه، وهم قاموا من النوم فأوجب الله تعالى غسل هذه الأعضاء عند قيامهم من النوم.
وأيضا ما رواه علي ومعاوية أن النبي عليه السلام قال: (العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضأ) فأوجب الوضوء من النوم، وهم لا يوجبون الوضوء من النوم أصلا.
وروى حذيفة قال: كنت جالسا في المسجد فدخل النبس عليه السلام، ووضع يده على منكبي، فانتبهت فقلت: يا رسول الله، أمن هذا وضوء؟.
فقال: لا أو تضع جنبك على الأرض، فأخبروه أن الوضوء يجب عليه إذا وضع جنبه إلى الأرض ونام.
فأما ما رووه من الخبر فيجوز أن يكون النبي عليه السلام مخصوصا به؛ لما روته عائشة أن النبي عليه السلام قال: (إنه تنام عيناي ولا ينام قلبي)،

وهذه معجزة له.
فإن قيل: كيف يكون هذا هو عليه السلام بقي نائما حتى أيقظهم حر الشمس فلو لم ينم قلبه لعقل ما هو فيه.
قيل: خصوصيته إنما كانت في أنه إذا نام لا يخرج منه الحدث، وكان محروسا من ذلك، ولو خرج منه لعقله، ونحن بخلافه في ذلك، ولم يكن مخصوصا بأن يحسن في نومه.
وجواب آخر: وهو أنه يجوز أن يكون له عليه السلام نومان: أحدهما: لا ينام فيه قلبه، وهو الذي روته عائشة - رضي الله عنها -، ونوم مثل نوم أمته، ينام قلبه وجميع أعضائه.
فأما الكلام على أبي حنيفة فالديل لقولنا: ما روي أن النبي

عليه السلام قال: (لا وضوء على الجالس)، دليله غير الجالس بخلافه فعليه الوضوء.
وأيضا ما روي أنه عليه السلام قال: (لا وضوء على من نام قاعدا) دليله أن من نام غير قاعد فعليه الوضوء.
وأيضا قول الله تعالى: ﴿قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ الآية، وقد بينا أنها وردت على سبب، وهو أنهم كانوا قد قاموا من النوم في غزوة المريسيع، ولم يفرق بين نوم

ونوم، فهو عمود إلا أن يقوم دليل.
وأيضا ما روي أنه عليه السلام قال: (إنما الوضوء على من نام مضطجعا، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله) وهذا تعليل منه عليه السلام أو تنبيه، فينبغي أن يكون كل نائم تسترخي مفاصله كذلك، والنائم راكعا أو ساجدا بهذه الصفة.
وأيضا ما رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية - رضي الله عنهما - أن النبي عليه السلام قال: العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان

استطلق الوكاء، فأخبر أن بنوم العينين يستطلق الوكاء، فهو عام في كل نوم إلا أن يقوم دليل.
وفي هذا الخبر: استطلق الوكاء فمن نام فليتوضأ فأمر بالوضوء، والأمر يقتضي الوجوب، نوما من نوم.
وأيضا فإنه نام زائلا عن مستوى الجلوس فوجب أن ينتقض وضوؤه، دليله إذا نام مضطجعا.
وأيضا فإنه لا خلاف بيننا أن النوم في نفسه ليس بحدث، وإنما وجب عليه الوضوء في نومه مضطجعا؛ لجواز خروج الحدث منه في الغالب؛ لأنه إذا كان متربعا قد أفضى بمقعدته إلى الأرض لا وضوء عليه؛ لأن الغالب عدم خروج الريح منه، فإذا كان الوضوء إنما وجب عليه في نومه مضطجعا لهذا المعنى، وهو إمكان خروج الريح منه في الغالب، ففي الراكع والساجد هذا المعنى، وهو أولى بوجوب لوضوء عليه؛ لأن الخارج منه أمكن؛ لأن المضطجع منضم الأطراف، والراكع والساجد بخلاف ذلك؛ لانفراج موضع الحدث، وفي الاضطجاع هو منضم، وهذه نكته جيدة.

فإن قيل: فقد روى أبو خالد الداراني عند قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سجد فنام ونفخ، ثم قام فصلى.
فقيل يا رسول الله، إنك نمت في سجودك وصليت ولم تتوضأ؟.
فقال: (إنما الوضوء على من نام مضطجعا)، وأنكر عليهم ظنهم، ففيه نص على النائم مضطجعا في وجوب الوضوء، وفيه نفي الوضوء عن الساجد، لأنه عليه السلام نام ساجدا.
وأيضا ما روي حذيفة بن اليمان قال: كنت في المسجد فدخل النبي عليه السلام، فوضع يده على منكبي، فانتبهت فقلت: أمن هذا وضوء

يا رسول الله؟ فقال: (لا أو تضع جنبك على الأرض)، فقوله: لا، نفي لوجوب الوضوء إلا في وضعه جنبه على الأرض مع نومه.
قيل: أما حديث أبي خالد الداراني فإنه حديث منكر، هكذا ذكر أحمد بن حنبل، وأبو داود، وموسى بن هارون.
قال أحمد: وما لأبي خالد الداراني يدخل نفسه في أصحاب قتادة.
وعلى أن قتادة لم يسمع من أبي العالية إلا أربعة أحاديث ليلس هذا منها، ومن مذهب أصحاب الحديث أنهم إذا قالوا: لم يسمع فلان من فلان شيئا فقد نفوا أن يكون أخذ عنه شيئا، ولا يريد بهذا

أنه قرأ عليه؛ لأن قراءته عليه سماع منه، ولو أرادوا أنه عنده مرسل لذكروه ولم ينكروه؛ لأنهم بأجمعهم - عندنا - يقولون بالمرسل، ولو اختلفوا فيه ذكره من لم يقل بالمرسل، وعلله وبين رده، ومن يقول بالمرسل لا ينكر عليه، وإنما يريدون بقولهم: لم يسمع النفي والرد لما رواه.
فإن قيل: فإن أبا داود قال: إن قتادة لم يسمع من أبي العالية إلا أربعة أحاديث ليس منها.
وهو مرسل من وجه آخر، وهو أن أبا خالد لم يلق قتادة، وأنتم ونحن نقول بالمراسيل.
قيل: قد أجبنا عن هذا، وإنما نقول بالمرسل ما لم يمنع منه مانع، وقد بينا المانع، وهو أن أصحاب الحديث يريدون بذلك انه لا رواية عنده عنه.
على أنه لو صح لكان حجة لنا؛ لأن النبي عليه السلام نص على المضطجع، وعلل تعليلا يدخل فيه المضطجع وغير المضطجع من الراكع والساجد، لأنه قال: (فإذا نام مضطجعا استرخت مفاصله)، كما نص على الأشياء الستة في الربا،

ونبه على غيرها مما هو في معناها.
فإن قيل: هذه العلة لا توجد في الراكع والساجد من طريق المشاهدة؛ لأنه مجتمع يثبت، ولو استرخت مفاصله لم يثبت وكان يسقط ويزول عن حالته في نومه.
قيل: مفاصله تسترخي لا محالة، فإن زاد عليه سقط، وليس هو بأكثر حالة من القاعدة المتمكن من الأرض، ثم إذا نام القاعد واستثقل سقط.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون هذا التعليل عاما في المضطجع والساجد والراكع؛ لأن عمومه يسقط لفظ الخبر؛ لأن النبي عليه السلام نام وهو ساجد، فلو كان الوضوء واجبا على الساجد بتعليله قوله:

"إنما الوضوء، على من نام مضطجعا" قيل: إن تعليله عليه السلام عام فينا، ولا يدخل فيه عليه السلام؛ لأنه محروس من أن تسترخي مفاصله؛ لأنه لا ينام قلبه وإنما تنام عيناه.
على أن هذا لا فائدة فيه لأصحاب أبي حنيفة؛ لأنهم يقولون: إنه لا ينتقض وضوؤه أيضا في غير الصلاة.
وأما حديث حذيفة فلا حجة لهم فيه؛ لأن النبي عليه السلام قال: (لا وضوء في نوم القاعد) ونحن لا نوجب في مثله الوضوء، وأوجب عليه السلام الوضوء في النوم مضطجعا، ونحن نوجبه، ولم يذكر في الخبر إلا حالتان: إحداهما: أن حذيفة كان جالسا نائما، فقال: أمن هذا وضوء يا رسول الله؟ فقال: (لا) فنفي الوضوء عنه لكونه جالسا، وقوله: (إلا أن تضع جنبك) استثناء من كونه جالسا ما كان عليه.
فإن قيل: فإن النائم والقاعد معتمد على غيره، والقائم غير معتمد إلى على أعضائه، فإذا لم يجب الوضوء على القاعدة فلأن لا يجب على الراكع والساجد أولى.

قيل: القاعد معتمد على غيره، وموضع خروج الحدث منه، وليس كذلك الراكع والساجد؛ لأن موضع خروج الحدث منه غير معتمد على شيء وهو منفرج.
فإن قيل: فإن أعضاءه لم تسترخ أكثر من استرخاء الناعس، ولهذا المعنى بقي على ركوعه لم يسقط.
ألا ترى أن المغمى عليه لما استرخت أعضاؤه لم يبق، فصار بقاء الراكع على هذه الحال دلالة على تحفظه وعدم استرخاء مفاصله، فلم يجب عليه الوضوء.
قيل: إن الناعس ليس بنائم، وإنما أسباب النوم قد حصلت به تدعوه إلى النوم، فإذا حصل النوم استرخت مفاصله.
وأما المغمى عليه فيزيد على نوم المضطجع.
ألا ترى أن النائم المضطجع يحرك فيحس وينتبه، وليس المغمى عليه كذلك، وليس بقاء الراكع على حاله مما يمنع سبق الحدث منه لانفراج مقعدته، ثم إذا تزايد نومه سقط.
فإن قيل: فإنها حال من أحوال الصلاة في حال الاختيار، والاحتراز من المضطجع لأن الاضطجاع من أحوال الصلاة عند الضرورة.
قيل: هذا ينتقض به إذا نام متكئا فإن صلاته مجزئة مع الاختيار، ومع هذا ينتقض وضوؤه إذا نام متكئا.
ثم نقول: المعنى في القاعد أن الخارج لا يتمكن منه في غالب الحال، وقد أفضى بمقعدته إلى الأرض فلهذا لم ينتقض وضوؤه، وليس كذلك الراكع والساجد لانفراج موضع خروج الريح منه، وخروج ذلك متمكن منه.

على أنهم ردوا الراكع والساجد إلى القاعد، ونحن رددناه إلى المضطجع، فما ذهبنا إليه أولى لموافقة تعليل النبي عليه السلام ولتمكن الخارج منه في الأمرين جميعا، لأنه أحوط في إسقاط الصلاة عن ذمته بيقين، ولأنه ناقل عن أصل براءة الذمة إلى وجوب الطهارة وبالله التوفيق.

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل