عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصارصفحات 441-480
أهل الأثرالأرشيف العلمي

اختلفت الروايات عن مالك - رَحمَه الله - في مس الذكر.
فالعمل من الروايات على أنه إذا مسه لشهوة بباطن كفه أو ظاهره، من فوق ثوب أو من تحته، وبسائر أعضائه انتقضت طهارته ووجب عليه الوضوء.

قال القاضي أبو الحسن: قال لي الشيخ أبو بكر - رَحمَه الله - على هذا كان يعمل شيوخنا كلهم.
ووافقه أحمد بن الحنبل على مسه بيده لشهوة بظاهر يده وباطنها، وهو قول عطاء، والأوزاعي.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا ينقض الوضوء على أي وجه كان وبه قال

داود، وبه سفيان الثوري.
وقال الشافعي: إذا مسه بباطن يده من غير حائل انتقض وضوؤه على كل حال، سواء مسه لشهوة أو غير شهوة.
وهو أحد الروايات عن مالك -، وليس عليه العمل -، وبه أن إسحاق، وأبو ثور، وهو مذهب الأوزاعي.
وأنا ابتدئ الكلام على أبي حنيفة، والدليل لنا: كون الصالة في ذمته فلا تسقط إلاَّ بدليل، ولسنا نسلم أن هذا مع مس ذكره ملتذًّا

يكون مصليًّا بطهارته، وأيضاً قول الله -تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فعلى كل قائم إلى كل صلاة غسلُ هذه الأعضاء إلاَّ أن يقوم دليل.
فإن قيل: المراد بالآية: إذا قمتم من النوم أو أنتم محدثون، وهذا لم يقم من النوم، ولا نسلم أنه محدث.
قيل: الظاهر يقتضي أن على كل قائم إلى الصلاة غسل ذلك، سواء كان من نوم أو غير ذلك حتى يقوم دليل.
فإن قيل: هذا قد غسل الأعضاء عند قيامه إلى الصلاة، وأنتم تقولون: إذا مس ذكره عند تكبيرة الإحرام أو في الصالة انتقض ما فعله من المأمور به، والظاهر يفيد أن يفعل ذلك، وقد فعله، فمن قال: إن فعله قد فسد فعليه الدلالي.
قيل: المراد أن يدخل في الصالة بيقين طهارة، والصلاة متعلقة في ذمته بيقين، وهاذ لم يدخل الصاة بيقين طهارة، ولم يسقط عن ذمته بيقين.
وأيضاً فما رواه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عروة بن الزبير أنه قال: كنت

عند مروان، فتذاكروا الأحداث، فحدثني مروان عن بسرة بنت صفوان أنها سمعت رؤسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إلا مس أحدكم ذكره فليتوضأ».
وقد روى هاذ الخبر عروة عن بسرة ولم يروه عن مروان، فروى هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة أنها سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تمام

الخبر، ووري أن قال: حدثني بهذا الحديث مروان فلم اثق به، فبعث بحرس يإليها فحدثني، بمثل ما حدثني به مروان، ثم لَقِيتَهُا فحدثتني بذلك.

فإن قيل: هذا حديث ضعيف؛ لأنه رُوِيَ عن رجل حرسي.
قيل: قد ذكرنا أن عروة لقيها فسألها بعد الحرسي.
على آن هذا الحرسي كان قاضياً ولكم يكن شرطيًّا.
وعلى أن الشرطي في ذلك الوقت لم يكن يلي الشرطة إلاَّ وهو ممن يجوز أن يلي الأحكام، ويروي الحديث ويقبل منه، ولو لم يكن ثقة لم يرض به غيره ومروان.
على أنه روى أن الواسطة كان حرسيا، وروي مطلقاً بلا واسطة، ولا سيما حديث مالك عن عبد الله بن آبي بكر عن

عروة عن مروان.
وقد أثبت هذا الحديث يحيى القطان، وأيوب السختياني، وعبد الحميد بن جعر الأنصاري، وعلي بن المبارك،

وعبد العزيز بن أبي حازم، وانو علقمة الفِرْوي، وعبد العزيز الدراوردي، فقالوا كلهم: عن هشام عن عروة عن بسرة.

ورواه الزهري عن عروة عن بسرة، قاله عُقَيْل، والأوزاعي.

وابن أخي الزهري عن الزهري عن عروة عن بسرة.
فقد سقط الحرسي ومروان جميعاً.
وقد رُوِيَ من غير حديث عروة عن بسرة.
فروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يتوضأ من مس

الذكر، ويقول: سمعت بسرة بنت صفوان تقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «الوضوء من مس الذكر».
وقد رُوِيَ من طرق كثيرة عن غير بسرة.
فروى عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة - زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «من مس فرجه فليتوضأ».
فإن قيل: هذا حديث مرسل.

قال يحيى بن معين: مكحول لم ير عنبسة.
قيل: فنحن وأنتم بالمراسيل.
وقد رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ».
وأيضاً فقد رواه عبد الملك بن المغيرة بن نوفل عن أبيه عن سعيد بن أبي سعيد عن آبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه

قال: «إذا أفضى الرجل بيده إلى فرجه في الصلاة وليس بينهما ستر فليتوضأ»، وهذا عام.

وقد روى ابن أبي ذئب عن عقبة بن عبد الرحمن عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا فضى أحدكم بيده إلى ذكره فليتوضأ».
وزاد ابن نافع فقال: عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وقد روى مسلم بن خالد عن ابن جابر عن عبد الواحد بن قيس عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ».

وعن عائشة - رحمها الله - موقوف عليها: إذا مست المرأة فرجها توضأت.
وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «ويل للذين يمسون فروجهم يوم القيامة ثم يصلون ولا يتوضؤون».
قالت: فقلت: يا رسول الله هذا للرجال، أفرأيت النساء؟

قال: «إذا مست المرأة فرجها فلتتوضأ»، وقد روى ابن جريج

عن يحيى بن أبي كثير عن رجال من الأنصار أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إنا مس أحدكم ذكره فليتوضأ».
وقد روى الوضوء من مس الذكر أربعة عشر نفساً من بين رجل وامرأة، فروته عائشة وأم حبيبة، و [أم] أروى،

وبسرة، ومن الرجال مثل: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وأبي هريرة وابن عمر وجابر وغيرهم من الأنصار، وقد روى قيس بن طلق بن علي عن أبيه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ فقيل له: أحدثت؟ قال:

«لا، بل مسست ذكري»، فالدليل منه أنه عليه السلام توضأ من مس الذكر، وفعله واجب.
فإن قيل: فقد نفى عليه السلام أن يكون حدثاً بقوله: «ما أحدثت»، فهذه حجة عليكم.
قيل: إنما نفى الحدث المعتاد من الريح والبول وغير ذلك.
وقد اعترضوا على جملة هذه الأخبار بأشياء: أحدها: أن قالوا: قد قال أحمد بن حنبل: الربعة أحاديث لا تصح عن النبي عليه السلام منها: حديث مس الذكر والقهقهة.
وقال يحيى بن معين: لا يصح في الوضوء من مس الذكر حديث.

قالوا: وأيضاً فإن مذهبنا أن ما كانت البلوى به عامة لا تقبل فيه أخبار الآحاد، والإنسان لا يخلو في كل يوم من مس ذكره مراراً، كما لا يخلو من الغائط والبول، فلو كان الوضوء من مس الذكر واجباً لكان نقله مستفيضاً، كما هو الغائط والبول.
قالوا: ولو صح الحديث لكان معارضاً بحديث طلق بن علي أنه سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمن مس ذكره وهو في الصلاة، فقال: «لا بأس، هل هو إلاَّ كبعض جسده»، وموضع الدليل منه: أنه قال: «لا بأس».

والحدث في الصلاة لا يقال فيه: لا بأس، ولأنه علل فقال: لأنه كبعض جسده.

وقد روى قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي أنَّ رجلاً سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: أنا أتوضأ فأمس ذكري؟ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هو منك»، قالوا: وفي بعض الأخبار: «لا وضوء عليك»، وإذا تعارضت الأخبار سقطت وكنا على ما نحن عليه حتى يقوم دليل.
قالوا: ويجوز أن نحمله على الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليد، بدليل حدث طلق، ولأن القوم كانوا يستجمرون بالحجارة، فربما عرقت أيديهم فيمسون فروجهم، فأمروا بغسل أيديهم.
قالوا: وقد روى أن مس ذكره وأنثييه توضأ، وقد اتفقنا على

أنه لا يجب في مس الانثيين وضوء، فعلم أن ذلك على طريق الاستحباب.
قالوا: وقد اتفقنا أنه لو مسه لغير شهوة لم يجب عليه وضوء فكذلك لشهوة، بعلة أنه مس عضواً منه.
قالوا: ولأنه مس فرجه بجزء من بدنه فوجب أن لا ينتقض طهره، دليله إذا مسه بغير شهوة.
والجواب: أما ما ذكروه عن أحمد ويحيى في تضعيف الحديث فعنه جوابان: أحدهما: أن من أثبته أكثر عدداً من هذين وأثبت.
والثاني: أننا لا نرجع في ذلك إلى مذهبهم في تضعيفه؛ لن مذهبهم أن الحديث إذا أرسله قوم ووصله آخرون أن القول قول من

أرسل، والقول - عندنا - قول من اسند؛ لأنه زائد.
وعلى أننا نقول بل مرسل أيضاً، وقد أُسند هذا الحديث وأُرسل، وكذلك الأخبار التي رويناها، فيها مرسل ومسند.
وعلى أنه ينقلب عليهم في حديث القهقهة؛ لأن أصحاب الحديث قالوا فيه: إنه لا يصح.
وما ذكروه من أخبار الآحاد، وأنها لا تقبل فيما يعم البلوى فغلط، ونحن نخالفهم فيه؛ لأن الله - تعالى - أمر بقبول أخبار الآحاد، ولم يفرق بين ما تقع به البلوى العامة وبين غيرها، ولامتنع أن تكون البلوى عامة، فيعلم الحكم فيها العلماء من أخبار الآحاد، وترجع العامة في

حكمها على العلماء، وإنما ذلك على ما يراه صاحب الشريعة من المصلحة، فربما راى المصلحة في إلقاء الحكم على الخاصة فينقلونه على العامة فيعلم من جهتهم، وربما أعلمه الأكثر.
وعلى أن النقل قد ورد في هذا مستيقضاً؛ لأنه قد رُوِيَ عن أربعة عشر من الصحابة من بين رجل وامرأة، ويجوز أن يكون أمسك الباقون عن رواية ذلك اكتفاء برواية بعضهم، ومثل هذا يلزمهم في الوتر، هو مما تعم البلوى؛ لأنه في كل ليلة، وقد قبلوا فيه خبر الواحد وجعلوه واجباً بذلك وأكثر من رواه الواحد والاثنان بأن النبي عليه الاسم قال: «إن الله زادكم صلاة، ألا وهي الوتر».
وكذلك قالوا في تكبيرة الافتتاح: لو قال: الله أكبر، أجزأه، ولو قال: الله العظيم، والله الجليل، أجزأه، وما نقل

هذا أحد، وهو من البلوى العامة.
وكذلك قبلوا أخباراً لآحادهم، ونحن في الأذان والتشهد وغير ذلك مما تعم البلوى به، وقبلوا في القهقهة، وقد قبل ابن عمر من رافع بن خديج خبر المخابرة.
وقبل أبو بكر خبر محمد بن مسلمة والمغيرة، وهذا في المواريث، وفي غير ذلك، وهذا كله كمما يعم البلوى به.

وعلى أن هذا وإن كان من البلوى العامة فقد يجوز أن يذهب على قوم إلاَّ أن الله - تعالى - لا يتركهم حتى يعلمهم الواجب، إما بنقل كما يذكرون، أو بالرجوع إلى العلماء إذا احتاجوا إليه وسألوا عنه، وهكذا التقاء الختانين البلوى به عامة وقد ذهب على الأنصار ما استدركه غيرهم.
ثم لو قلنا: إن مس الذكر ليس من البلوى العامة في غير أوقات الوضوء لجاز؛ لأنه من شأن الغالب من الناس مس ذلك في غير أوقات الوضوء والجماع، ولعله يجري أقل من القهقهة في الصاة، وقد قبلوا فيه وفي القيء والرعاف وأنه ينقض الوضوء خبر الواحد.
وأما حديث طلق بن علي فعنه أجوبة: أحدها: أن له ثلاث طرق:

محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه قلت: يا رسول الله: إني أكون في الصلاة فأمس ذكري بيدي، فقال: «إنما هو بضعة منك».
وقد رواه أيوب عن عتبة عن قيس بن طلق عن أبيه قال: جاء

رجل على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأله عن مس الذكر، فقال: أيتوضأ أحدنا إلا مس ذكره؟ فقال: «هل هو إلاَّ بضعة منك».
ورواه عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحوه فمدار الحديث على هؤلاء الثلاثة محمد بن جابر وأيوب بن عتبة وعبد الله بن بدر، ولكل واحد منهم علة.
سئل موسى بن هارون عن حديث طلق في مس الذكر فقال: إسناده ضعيف، محمد بن جابر ضعيف، وأيوب بن عتبة ضعيف، وعبد

الله بن بدر شيح لا يمكننا أن نحكم به.
ومن قال أهل الصنعة فيه هذا لم يكن حجة.
وجواب آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون الحديث منسوخاً؛ لأن حديث قيس عن طلق قال النبي عليه السلام حين قدم المدينة وهو يبني المسجد، وحديث أبي هريرة متأخر؛ لأن أبا هريرة روى ما قلناه، وإنما صحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربع سنين.
ويشبه من طريق آخر أن يكون منسوخاً؛ لأنَّه لو كان قوله: «من مس ذكره فليتوضأ»، متقدماً لم يكن لقوله لطلق: هل هو إلا بضعة منك؟»، ثم قال بعد ذلك: عليك الوضوء، وهذا شابه.
وعلى أن الكلام في الأخبار في فصلين: أحدهما: في تقديم أحدهما على الآخر.

والثاني: في الاستعمال.
فأما الكلام في التقديم وترك الآخر فإذا لم يكن بُدّ من ترك أحدهما فإننا نقول: إن خبرهم يقتضي أنه لا يجب الوضوء منه، وخبرنا يقتضي وجوب الوضوء منه، فإسقاط خبرهم بخبرنا أولى من وجهين: أحدهما: أن خبرنا متأخر على ما ذكرناه عن أبي هريرة، وخبرهم متقدم، والمتأخر ينسخ المتقدم.
والوجه الثاني: هو أنه إذا لم يكن بد من ترك أحد الخبرين فترك ما هو أقل رواة لما هو أكثر رواة أولى، وخبر طلق بن عليي لم يرد إلاَّ من جهته، وخبرنا رواه أربعة عشر نفساً من الرجال والنساء

مثل أبي هريرة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وغيرهما ومن النساء مثل عائشة وأم حبيبة و [أم] أروى وبسرة.
وأما الكلام في الاستعمال فيحمل خبرهم على أنه مسه لغير شهوة، ألا تراه قال: «هل هو إلاَّ بضعة منك؟»، ولا يكون كسائر بضاعه إلاَّ على هذا الوجه، وإلا فهو يخالف سائر بضاعه، ألا تراه أنه واستمنى منه لأمنى، وله في الإيلاج حكم ليس لسائر البضاع.
والاستعمال الثاني: هو أن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا بأس»؛ أي: ليس بنجس، لأن بعض الناس كان يذهب إلى أنه نجس لأنه مسلك النجاسة.
الدليل على هذا: ما رُوِيَ أن رجلاً سأل سعد بن أبي وقاص فقال: إن كان منك شيء نجساً فقاطعه؛ أي: ليس منك شيء نجس.

فإن قالوا: نحن أيضاً نستعمل فنقول: قول عليه السلام: «فليتوضأ»، استحباب.
قيل: أنتم لا تستحبونه.
على أنا نحن نرجح فنقول: خبرنا يثبت الإيجاب، وخبركم ينفيه، والمثبت أولى من النافي، وعند أبي حنيفة أن النافي يسقط من المثبت.
وأيضاً فإنه ناقل عن العادة؛ لأنهم ما كانوا في الأصل يتوضؤون منه، ولأنه يحتاط، ولأن رواته أكثر.
ويشهد أيضاً لاستعمالنا: ما رواه قيس بن طلق عن أبيه عن النبي عليه السلام أنه توضأ وقال: «مسست ذكري».
وما ذكروه من أنه عليه السلام قال: «من توضأ ومس ذكره وأنثيه توضأ».
فإننا نقول: لولا قيام الدليل في الأنثيين لأوجبنا في مسهما الوضوء، وليس إذا خص بعض الخبر بدليل يجب أن يخص باقيه بغير دليل.

وأما القياس الذي ذكروه فعنه جوابان: أحدهما: أنه لم يجب الوضوء في الأصل لعدم الشهوة.
والثاني: أن بإزائه قياساً هو أولى منه، فنقول: إن مس الذكر سبب يفضي إلى نقض الطهر بمسه، أصله التقاء الختانين، لأنه إذا مس ذكره لشهوة أمذى، وإذا أولجه على هذا الوجه أمذى وأمنى.
وأيضاً فإنه مسلك للمني فجاز أن يتعلق بعض الطهر به كالنوم، لأن بمسه قد يخرج منه ما ينقض الطهر، وبالنوم يوجد ما ينقض الطهر.
ونرجح قياسنا بأنه يؤدي إلى استعمال الأخبار كلها، ويستمر فيها على عمومها، فيكون الخبر الذي فيه الوضوء في كل موضع إذا كان لشهوة، وإذ لقي الفرج على كل حال، وفي استعمالنا هذا نقل من براءة الذمة إلى وجوب الوضوء، وفيه احتياط للصلاة، وإسقاط حكمها بيقين.
فإن قيل: لو كان خبركم ثابتاً لم يجز أن يذهب على عمر

وعلي، وابن مسعود، وسعد، وحذيفة،

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل