عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار[19] مَسْأَلَة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وعدد الأحجار غير مستحق عندنا، وعند أبي حنيفة، فإن اقتصر على دون ثلاثة مع الإنقاء جاز، وبه قال داود.
وقال الشافعي: لا يجوز الاقتصار عن ثلاثة أحجار وإن أنقى.
وهذه المسألة فرع أتى على أن الاستنجاء غير واجب، وقد دللنا عليه، وإذا سقط وجوبه سقط اعتبار صفته ومقداره، لأن أحداً لا يفرق بينهما.
وكان الشيخ أبو بكر -رَحمَه الله - يقول: إنَّه لا يعرف عن مالك - رَحمَه الله - نصًّا: هل يجوز أن يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار إذا أنقى؟ قال: والذي أدركت عليه شيوخنا أنه يجوز الاقتصار عن ثلاثة

إذا أنقى إلا أبا الفرج المالكي فإنَّه في كتابه الحاوي: لا يقتصر على ثلاثة أحجار، والذي أقول أنا: وهذا يتخرج على قول أبي الفرج: إن الاستنجاء وإزالة الأنجاس فرض.
وأنا أدل على أن العدد غير واجب فيه؛ لأنَّ أحداً لا يفصل بين الأمرين، فيسقط وجوب الأصل بسقوط وجوب ص فته.
والدليل على أن العدد غير معتبر: أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ليلة الجن طلب للاستنجاء أحجاراً من ابن مسعود، فأتاه بحجرين وروثة، فألقى الروثة وقال: «إنها ركس»، وذكر في بعض الأخبار: أنَّه أتاه

بالثالث وروي: أنَّه لم يأته بشيءٍ، وأي الأمرين كان فالاستدلال به صحيح؛ لأنه عليه السلام، اقتصر للموضعين على ثلاثة أحجار، فحصل لكل واحد منهما أقل من ثلاثة أحجار، ألا ترى أنه لا يقتصر على الاستنجحاء لأحد الموضعين ويتر الآخر.
وأيضاً فإن الأصل أن أل يجب شيء، وقد لتفقنا على إ ثبات حجر واحد إذا أنقى، واختلفنا في الزيادة عليه، فنحن على موضع الاتفاق حتى يقوم دليل الاختلاف.
وأيضاً فقد روي أنه عليه السلام قال: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج»، فقوله: «فليوتر»، يقتضي أن يفعل ما يسمى وتراً، وأول الوتر [هو الوتر] هو الواحد، ولو ثبت أنَّه أراد الثلاث لكان قوله: «فقد أحسن، ومن لا فلا حرج»، يدل على جواز ترك الثلاث، ولا حرج عليه.
فإن قيل: حملكم له على الواحد لا يفيد؛ لأن الواحد لا بد منه.

قيل: فائدته أنه إذا أنقى بالواحد لا يفعل الشفع الذي هو الاثنان.
فإن قيل: دليل الشفع لا يجوز، ويجوز أن يكون قوله: «فلا حرج»، في العدول إلى الشفع أو إلى الغسل.
قيل: إنما يرجع الكلام إلى ما تقدم ذكره، ولم يجر لغير الإيتار ذكر، فقوله: «فلا حرج» راجع إليه، ولو كان قوله: «فلا حرج»، راجعاً إلى أنه يفعل الشفع فأول الشفع بعد أول الوتر هو الاثنان، وأنتم لا تجيزون الاقتصار على الاثنين.
وعلى أنه أل يصح أن يعود قوله: «فلا حرج»، إلى الغسل؛ لأنَّ الغسل أحسن من الاستنجاء، فلا يكون قوله: «فقد أحسن»، للاستجمار، «فلا حرج»، في الغسل.
فإن قيل: فإنَّه مجمل يقضي عليه ما رويناه من الأحاديث التي في بعضها: «وأمرنا أن نستنجي بثلاثة أحجار»، وفي بعضها: «لا يجتزئ»، و «لا يكتفي بدون ثلاثة أحجار».
قيل: هذه الأخبار حجة عليكم؛ لأنَّ الغائط يؤتى للأمرين من الغائط والبول، وقد اقتصر عليه السلام على ثلاثة أحجار فيها، فحصل لكل موضع منهما أقل من ثلاثة أحجار، وليس فيه ذكر أحد الموضعين

دون الآخر، فيحتمل أن يكون أراد الموضعين جميعاً أو أحدهما، فليس أحد الأمرين بأولى من الآخر.
ويحتمل أني كون أراد بذكر الثلاثة أن الغالب وجود الإنقاء بها، كما ذكر في المستيقظ من النوم أن يغسل يده ثلاثاً قبل إدخالها في وضوئه على غير وجه الشرط، وليس في خبرنا إجمال يحتاج إلى تفسير.
وأيضاً فإن الثلاثة ليست بحد، ألا ترى أنَّه لو لم ينق بها لزاد عليها.
ثم إننا نستعمل الأخبار كلها، فنحمل أخبارنا على جواز الاقتصار على ثلاثة إذا أنقت، ولا يجتزئ عنها إذا لم تنق الاثنان، لأنَّه لي سفي إيجاب الثلاثة حكم يتقدر حتى لا يتجاوز، لأنه إذا لم ينق لزم الزيادة عليها، فعلم أن الفرض الإنقاء، ويجوز أن نحمل الثلاثة على الاستحباب إذا أنقى بما دونها.
ونقول أيضاً: إن الاستنجاء مسح، والممسوحات في الشرع لا يجوز فيها التكرار دليله مسح الرأس، ومسح الخفين.
وأيضاً: فإنها نجاسة عفي عن أثرها، فوجب ألا يجب تكرار المسح فيها، دليله سائر النجاسات.
وأيضاً فإن الماء أبلغ في الإزالة؛ بدليل أنَّه لا يبقي حكم النجاسة، وإنما الاستنجاء يخفف قذرها ولا ينقي أثرها، فإذا سقط التكرار في موضع إزالة الأثر كان سقوطه في الموضع الذي لا يقصد به إزالة الأثر أولى؛ لأنه أخف.

وأيضاً فإنه مقام تطهير، هو أصل، فأشبه التيمم، ومسح الخفين لا يستحق التكرار فيه.
وأيضاً فإن المقصود من المسح الإنقاء، بدليل الاتفاق على أنَّه إذا لم ينق بثلاثة زاد عليها، وبدليل الاتفاق على جواز الاقتصار على حجر واحد له ثلاثة أحرف، ولو كان العدد معتبراً لاعتبر عدد الأعيان، كأحجار رمي الجمار، فلمَّا سقط اعتبار العدد دل على اعتبار الإنقاء، وقد وجد فبان بما ذكرناه سقوط العدد، وإذا ثبت ذلك، صح أنه في الأصل غير واجب؛ لأن من أوجب الاستنجاء لم يوجبه إلا على هذه الصفة.
وأيضاً فإن الاستنجاء اسم لإزالة النحو، ومنه اشتق فإذا زال بالحجر الواحد والحجرين لم يبق هناك نجو يقع الاستنجاء له.
فإن قيل: فإنه نجاسة قرن إزالتها في الشرع بعدد من جنس فوجب أن يكون العدد فيه شرطاً كالولوغ.
قيل: هذا لا يلزمنا نحن؛ لأنَّ غسل الإناء من الولوغ لا لنجاسة، ثم شرط العدد فيه غير مستحق وإنما هو مندوب.

فإن قيل: قوله عليه السلام: «من استجمر فليوتر»، عام في الوتر الذي هو مرة واحدة، وفي الوتر الذي هو الثلاث والخمس والسبع، وأخبارنا خاصة في وتر بعينه وهو الثاث.
قيل: قوله: «فليوتر»، يتعلق الحكم بأول الوتر، وهو أمر يقتضي فعل مرة، وأول الوتر مرة، ثم قوله: «فقد أحسن»، يدل على أنه لم يرد ما زاد عن الثلاث مع الإنقاء؛ لأنَّه يكون مسيئاً غير محسن.
فإن قيل: إنه وإن أنقى بما دون الثلاث فعليه أن يأتي بالثاث تعبداً مع إزالة النجس وقد يزول حكم النجاسة، ويبقى التعبد، كما نقول: إن العدة لبراءة الرحم، ألا ترى أته إذا طلقها قبل الدخول لا عدة عليها؛ لعلمنا ببراءة رحمها، ثم أوجبنا على الحرة ثلاثة أقراء وإن كانت البراءة تعلم بقرء واحد.
والدليل على أن البراءة تقع بقرء واحد؛ أن الأمة إذا بيعت تستبرأ

بحيضة واحدة، ثم أوجبنا على الحرة ما زاد على القرء الواحد تعبداً، وإن كان القصد من العدة براءة الرحم، كذلك أيضاً وإن كان القصد من الاستنجاء إزالة النجاسة جاز أن توجد الإزالة ويبقى الوجوب للعبد.
قيل: قولكم: إن ما زاد على الحجر الواحد إذا أنقى يجب تعبداً، فإننا نقول: إن العبادة ما كان واجباً يفعل على طريق القصد إلى القربة، فلو منعناكم من اسم العبادة على إزالة النجس لجاز، على أن الاستنجاء لم يوضع لإزالة النجس وإنما هو لتخفيفها والعدة لم توضع لإزالة المعنى، وإنما وضعت لتبيين أن الحمل ليس بموجود، وأن الرحم غير مشغولة، ويفترق حكم ما به يعلم عدم الشيء، وحكم ما يزيله ويؤثر في رفعه بعد وجوده.
وعلى أن مراعاة العدد لوجب أن يستوي فيه حكم الحرة والأمة وأم الولد؛ لأنَّ عدة أم الولد على -أصولهم - عدة، ولم يعتبر فيها

العدد وإن روعي في الحرة، وإنما اختلف حكم العدة لاختلاف الحُر! م كالحدود وطلاق الحر والعبد، ولم يكن الاستنجاء لأجل الحُرَم معتبراً؛ لأنَّه يستوي فيه الحر والعبد، والحرة والأمر، لأن الفرض فيه التخفيف للنجاسة فحيث وجد إلقاء العين وقلعها دون أثرها جاز، ألا ترى أن الحرة والأمة قد اشتركا يف وضع الحمل، واعتبرا فيه جميعاً اعتباراً واحداً؛ لاستوائهما في الاستبراء، فكذلك لما استوى الفرض في الاستنجاء وهو خفيف النجاسة بقلع عينها لم يعتبر فيه العدد.
فإن قيل: فإن الاستنجاء بالأحجار كالعدة بالأشهر والإقراء، والاستنجاء بالماء كالعدة بوضع الجمل؛ لأن الماء يزيل العين والأثر على الحقيقة، ووضع الحمل براءة للرحم على اليقين، فوجب ألا يثبت قولكم بالشهور والإقراء، وإنما هي دعوى.
على أننا نقول لكم: أليس قد جاز الاستجمار الذي يقطع العين دون الأثر في أن الاستنجاء يقوم مقام الماء في ترك العدد؟ قيل: إنكم لم تذكروا معنى تجمعون به بين الاستجمار وبين العدد، فقد صار الغرض منه قلع العين حسب، كما أن الغرض من الماء قلع العين والأثر، فإذا لم يعتبر العدد فيما قصد له من قلع العين والأثر لم يعتبر العدد فيما أريد له من إزالة العين دون الأثر، لأن الغرض زوالها دون أثرها.

ثم أن الذي يدل على صحة هذا هو: أن العين إذا لم تزل بالثلاث زاد عليها حتى تزول العين دون الأثر، فقد استوى الأمران في سقوط العدد في قلع العين، بل الموضع الذي عفي فيه عن الأثر أولى أن يسقط فيه العدد، والموضوع الذي أخذ عليه قلع العين والأثر أولى أن يعتبر فيه العدد؛ لأنَّ ما تعاظم من حكم الشيء - عندكم - أولى من زيادة العدد فيه، كولوغ الكلب اعتبرتم فيه العدد ولم تعتبروه في غيره.
ثم نقول أيضاً: إذا كان زوال العين دون الأثر قد يزول بأقل من ثلاثة أحجار مع جواز أن يكون ألثر قد زال، ويجوز ألا يزول، فليس ههنا أمر متحقق، فينبغي أن ترد هذه الزيادة على الحجر والحجرين إذا أزال العين إلى غسل اليد عند هذه الزيادة على الحجر والحجرين إذا أزال العين إلى غسل اليد عند الاستيقاظ من النوم قبل إدخالهما في الإناء، لأن هناك أمراً مشكوكاً فيه أل يتحقق، فيكون غسل اليدين مستحبًّا، ويكون المسح بالحجر الثالث مستحبًّا؛ لأنَّه ليس هناك أمر من بقايا العين يتحقق، وهذا من باب الطهارات، وغسل اليدين مثله، وليس كذلك العدة، لأنَّه وإن كان الغرض فيها براءة الرحم، ففي الموضع الذي يتحقق فيه بوضع الحمل تستوي فيه الأمة والحرة، وفي الموضع الذي أل يتحقق فيه بالإقراء والأشهر فإنما هو لأجل الحرم، مع الاستدلال على براءة الرحم، ألا ترى أن عدة الأمة والزوجة على النصف من عدة الحرة بالأقراء، واستبراء الأمة من وطء سيدها بحيضة، فهي كما ذكرنا وفي الحدود والطلاق الذي ينكمل بكمال الحرمة، وينقص بنقصانها، وليس كذلك الاستجمار؛ لأنَّه لا يختلف الغض فيه من الإنقاء في الحر والعبد، فحيث وجد أجزأ.
وعلى أن العدة مرتبة، ولا يجوز للحامل أن تعتمد بالشهور أو الأقراء، ولا لذات قرء ن تعتد بالشهور، وليس الاستنجاء بالماء

والاستجمار مرتبين، بل هو مخي بينهما، فلم يشبه العدد.
وعلى إننا قد ذكرنا أن الحجر الواحد إذا كان له ثلاثة أحرف قام مقام الثلاثة الأحجار والنبي عليه السلام نص على ثلاثة أحجار، وليس الحجر الواحد ثلاثة أحجار، فكذلك يقوم الحجر والحجران، وليس الثلاثة إذا حصل قلع العين من النجاسة، وإن جاز أن يقوم حجر واحد له ثلاثة أحرف مقام ثلاثة أحجار؛ لأنه يكون فيه ثلاث مسحات، جاز أني قوم الواحد والاثنان مقام الثلاثة إذا قلع عين النجاسة، وكان اعتبارنا بقلع العين أولى، لجواز الزيادة على الثلاث إذا لم يحصل الإنقاء.
ونقول أيضاً: إن الطهارات المتعلقة بالمادات، عينيات كن أو حكميات لا تقتضي اعتبار العدد في الوجوب، أصل ذلك التيمم والدباغ.
وأيضاً فقد اتفقنا على أن الثلاثة تجزئه إذا قلعت العين، فكذلك دونها؛ لوجود قلع عين النجاسة.
فإن قيل: قد اتفقنا على أن الحج لا أو الحجرين إذا لم يقع الإنقاء لم يجزئ؛ بعلة قصوره عن الثلاثة.
قيل: هو منتقض بالحجر الواحد له ثلاثة أحرف.

فإن قيدوه بالمساحات.
قيل: المعنى فيه أن الإنقاء لم يحصل، ويكون قياسنا أولى؛ لأنَّه يطرد وينعكس، فأين وجد الإنقاء أجزأ، وإن لم يوجد لم يجزئه الثلاثة بالاتفاق.
فإن قيل: قولكم: إن الاستنجاء اسم لإزالة النجو، فإذا انقلع النجو، بحجر واحد لم يبق هناك نجو خطأ؛ لأنَّنا نجد إزالة النجو بحجر ولا يسمى استنجاء، ألا ترى أن النجو يكون على الثوب والبدن فيزول بالحجر، ولا يسمى قلعه بالحجر استنجاء، وقد يسمى في موضع استنجاء ولا نجو هناك، مثل أن ينجي بحجر فيقال: قد استنجى، وإن لم يكن على ذكره نجو، فعلم أن الاستنجاء اسم لإمرار شيء على محل مخصوص.
قيل: إنَّما لم يسم قلع النجو على الثوب أو البدن بحجر استنجاء؛ لأنه أخذ عليه قلع أثر النجو مع العين فلم يخص باسم الاستنجاء وإنما يقال له: قد غسل وقلع النجو، ولما أخذ عليه في الاستنجاء قلع العين دون ألثر اختص باسم الاستنجاء قلع عين النجو.
وأما مسح الذكر بالحجر فالاسم المختص به الاستبراء لا الاستنجاء، فإن سمي بذلك فإنما هو لمراقبته موضوع النجو.

فإن قيل: قد سمي استجماراً، ,اخذ من اسم الجمار، واستعمال الأحجار فيها فروعي فيه العدد.
قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن رمي الجمار لا يجوز الزيادة على العدد المحدود فيها ولا النقصان منها، وليس كذلك الاستجمار؛ لأنَّه لو لم تزل العين بالثلاثة زاد عليها، وقد يجوز أن يقتصر على حجر واحد له ثلاثة أحرف.
والجواب الآخر: هو أن الأخص من أسماء مسألتنا إنما هو الاستنجاء، وعبر عنه بالاستجمار بالحجر، فلمَّا دخل استعمال الحجر ههنا سمَّى استجماراً، والغرض مه الإنقاء لا العدد بما ذكرناه من الزيادة على العدد إذا لم ينق.
ويجوز أن نقول: إن الاستجمار ههنا لم يؤخذ من الجمار بل أخذ من استعمال المجمرة يكون الجمر فيها بالبخور لطيب الرائحة، فلمَّا كان الحجر يقلع العين التي منها الرائحة جاز أن نقول: قد استجمر، والله أعلم.

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل