عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصارمَسْأَلَة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مبتدأة.
قلنا: لا يجوز، وبه قال الشافعي وأحمد.
والدليل لقولنا: الظاهر من قوله - تعالى -: ﴿وإن كنتم مضى أو على سفر﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، فعل التيمم بشرط المرض والسفر وعدم الماء، وهذا ليس بواحد منهم.
ونورد أسئلتهم التي سألونا عنها في الحاضر يصلي الفرض بالتيمم.
فإن قاسوا ذلك على الفرض فهم لا يقولون به في الفرض، وإن

ألزمونا ذلك على أصلنا فقد فرقنا بينهما بما تقدم.
وإن قاسوه على المسافر لزمهم الفروض في الحضر؛ لأن في عدم الماء يجوز التيمم للفروض في السفر وللمسنون وللمستحب، والحكم في الحضر يختلف - عندهم -، ولا يجيزون التيمم للفروض لا للتطوع ويجوزونه لصلاة الجنازة إذا خاف فواتها.
فإذا لم يجوزوا التيمم للفروض التي قد روعي فيها الوقت وهي متعينة على كل أحد ففي صلاة لجنازة أولى أن لا يصلي بالتيمم في الحضر.
فإن قيل: إن لصلاة الجنازة فضيلة على سائر النوافل، حتى إنه قد اختلف فيها، فقيل: هي فرض على الكفاية، وقيل: سنة مؤكدة، فإذا خيف عيها الفوات واستدراك فضيلتها جاز التيمم لها.

قيل: إن الجمعة آكد منها، وهو إذا أدرك الركعة الآخرة مع الإمام خاف فوتها، ولم يجز له أن يتيمم - عندكم -، فإذا يجز مع خوف فوات الأوكد كان في الأضعف أولى أن لا يجوز.
مع أننا قلنا: إنه لا وقت لها يفوت فيجوز أن يصلي على القبر.
فإن قيل: فقد قيل: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جعلت علي الأرض مسجدا وطهورا فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت»، وهذا عام فقي جنس الصلوات، وفي الحضر والسفر، وصلاة الجنازة من جنس الصلوات فقد تناولها ظاهر الخبر.
قيل: المقصود من الخبر بيان الفضيلة التي خص عليه السلام بها.
ألا تراه قد قال: «أوتيت خمسا لم يؤتهن أحد قبلي»، فذكر هذا منها.
على أنه لو ثبت العموم فهو مرتب على قوله عليه السلام: «التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء»، هذا واجد له، وعلى قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وهذا واجد للماء.
فإن قيل: إن صلاة الجنازة تترك لا إلى بدل، فيجوز أداؤها في الحضر بالتيمم كرد السلام.
ق قيل: صلاة الجنازة لا تفوت؛ لأن لا على - قلوكم - بدلين، إما

الصلاة عليها أو على قبرها.
ثم لو كانت كرد السلام لجازت بغير طهارة أصلا، كما يجوز في رد السلام، فإذا أن قد شدد في صلاة الجنازة حتى حصل من شرطها أن تصلى بطهارة جاز أن تستوفي بشرطها.
على أن هذا منتقض به إذا لم يخف فوتها.
فإن قيل: فهو دعاء، فجاز أن تصلي بالتيمم.
قيل: هو فاسد به إذا لم يخف فوتها، وهذا واجد للماء.
وعلى أنه يلزم أن تجز بغير طهارة أصلا، ومستقبل القبلة ومستدبرها، وبغير سترة، كما يجوز في الدعاء.
ثم نقلو: إن التيمم طهارة ضرورة، وصلاة الجنازة لا ضرورة بالإنسان إليها؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون وحده فيتوضأ ويصلي، أو يكون مع غيره ممن هو على [غير] وضوء، فإن ذلك الغير إذا صلى عليها كفى وسط من غيره.
ونقول أيضا: هي صلاة تفتقر إلى القبلة مع القدرة، ولا وقت لها معين يخاف فواته، وهو واجد للماء لا يخاف استعماله فلم تجز بالتيمم، أصله صلاة الخسوف والاستسقاء، وغيرهما.
ونقول: كل من لا يجوز له أن يصلي غير صلاة الجناة والعيدين لم تجز له صلاة الجنازة والعيدين، أصله إذا لم يتيمم

وهذه الأدلة تلزم الطبري.
وأيضا فإن النبي عليه السلام صلى علا الجنائز فسميت صلاة، وقد قال: «لا صلاة إلا بطهور».
وأيضا فإنها مفتقرة إلى التوجه والتكبير فهي كغيرها.

[61]

مَسْأَلَة

كل من خاف التلف من استعمال الماء جاز له تركه أن يتيمم بلا خلاف من فقهاء الأمصار.
وأما إن خاف زيادة في مرضه أو تأخير برئه، أو حدث مرض وإن لم يخف من التلف فعندنا يجوز له أن يتيمم، وبه قال أبو حنيفة، وداود.
وقال أبو يوسف ومحمد: يتيمم ويصلي وعليه الإعادة إن كان مقيما، وإن كان مسافرا فلا إعادة عليه.
واختلف قول الشافعي، فقال مثل قولنا، وقال: لا يعدل

عن الماء إلا أن يخاف التلف.
وقد روي عن مالك - رَحمَه الله - مثل هذا.
وقال عطاء والحسن البصري: لا يستباح التيمم بالمرض أصلا، وإنما يجوز للمريض التيمم إذا عدم الماء، فإما مع وجوده فلا.
والدليل لجواز التيمم وإن لم يخف التلف: قول الله - تعالى - ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ إلى قوله ﴿فتيمموا﴾، ولم يفرق بين مرض ويخاف من التلف أو مرض يخاف زيادته، فهو عام في كل مرض وكل مريض إلا أن يقوم دليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، أي:

ضيق، فنفي الضيق عنا في الدين، واستعمال الماء مع الخوف من زيادة المرض ضيق.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، ومن العسر وجوب استعمال الماء مع خوف المرض أو زيادته.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، وزيادة الضنى والعلة من التهلكة، فهو ممنوع منه ومن كل سبب يؤدي إليه.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿لا تقلتا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾، وزيادة المرض ربما أدى إلى قتلنا.
وأيضا ما روى عن عمر بن العاص أنه قال: ولاني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزاة ذات السلاسل، فاحتملت في ليلة باردة، فقلت: إن اغتسلت هلكت، فتيممت وصليت بالناس فأتيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال «صليت بالناس وأنت جنب».
فقلت: سمعت الله - تعالى - يقول ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾.
فضحك النبي عليه السلام، لم يقل شيئا.

ففي هذا الخبر فوائد كثيرة.
أحدها: جواز التيمم للخائف من استعمال الماء، وقد يقول الإنسان: هلكت ولم يمت لم يخف الموت، مثل من يقع في شدة فيقول: هلكت.
والفائدة الثانية: جواز التيمم لجنب خلاف ما روي عن عمر، وابن مسعود.
والثالثة: أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأنه عليه السلام قال له: «صليت بالناس وأنت جنبي؟».
والرابعة: جواز التيمم لأجل البرد.

والخامسة: أن التيمم يصلي بالمتطهرين.
وأيضا ما ري في حديث جابر قال: خرج أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجابر فيهم - في غزوة، فأصاب أحدهم حجر فشجه، فاحتلم، فقال لهم: هل تجدون لي رخصة؟.
فقالوا: لا نجد لك رخصة.
فاغتسل فمات، فأتوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره به، فقال: «قتله قتلهم الله، هلا سألوا إذ لم يعلما؛ فإن شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يعصب رأسه ويتيمم، أو يمسح على العصابة ويغسل سائر جسده»، وفي هذا دليل على جواز التيمم للمشجوج إذا خاف ضرر الماء، ولو كان الحكم يختلف فيه لبينه عليه السلام، وقال: إنما كان يكفيه أن

يتيمم إن خاف التلف من استعمال الماء، وفي الابتداء لم يعلم له كان يخاف التلف أو الزيادة في العلة؟.
وفي ها الخبر أيضا دليل على جواز المسح على العصائب.
وفيه أيضا دليل على أن الغسل والتيمم لا يجتمعان في وجوبهما عليه في حالة واحدة.
ونقول أيضا: إنه يستنصر باستعمال الماء فيجب له جواز التيمم.
أصله إذا خاف التلف.
وأيضا فإنه إذا خاف التلف جاز له التيمم فكذلك إذا خاف زيادة المرض؛ لأن خوف التلف موجود فيه؛ إذ لا تلف إلا من زيادة المرض.
أيضا فإن الرخص كلها تستباح بلحوق المشقة، ولا تقف على خوف التلف، كالفطر وترك القيام في الصلاة، وما أشبه ذلك، فإن المريض يفطر إذا شق عليه الصوم، ولا يجوز أن يقال له لا تفطر حتى تخاف التلف، وكذلك إذا شق عليه القيام في الصلاة جاز له القعود وإن لم يخف من القيام التلف، كذلك المريض يتيمم للمشقة وخوف المرض أو الزيادة فيه إن استعمل الماء، وكذلك المضطر يأكل الميتة إذا لحقه الجوع الشديد وإن لم يخف التلف، وكذلك خائف اللصوص وقطاع الطريق والخوف من الجراح وأخذ المال قد رخص له في ترك الحج، وحرمة النفس أعظم من حرمة المال، فإذا كانت الرخص على ما قلنا، والأصول تشهد له صح ما قلناه.
فإن قيل: آية التيمم لا حجة لكم فيها من وجهين:

أحدهما: إنها تضمنت حكم المريض العادم للماء، نحن نجوز له التيمم، ومسألتنا غير هذه، وهي في المريض الواجد للماء، وليس في الآية حكمه.
والوجه الآخر: هو أن ابن عباس - رحمة الله عليه - فسر الآية فقال: المراد بالمريض القرح المجروح الذي يتلف من مس الماء.
قيل: أما الوجه الأول فساقط باتفاق، وبالظاهر أيضا؛ لأن من لم يجد الماء فالتيمم له جائز لعدمه الماء لا لأجل المرض، وإنما خص المريض بالذكر ليخص بالحكم، فيكون مرضه في جواز التيمم مخالفا للصحيح، سواء وجد الماء أو عدمه، وإلا فهو داخل في جملة المحدثين إذا عدموا الماء مسافرين وغيرهم.

وأما تفسير ابن عباس فلا يلزم؛ لأنه لم يذكره عن الله - تعالى -، ولا عن رسوله، والظاهر أولى من التفسير؛ لأنه ليس بمجمل فيحتاج إلى تفسير.
على أن قوله: الذي يتلف من مس الماء لا يعلمه إلا الله، وهذا قطع على أنه يتلف من مسه وإنما يغلب على ظنه أنه يتلف، وقد يغلب على ظنه زيادة في المرض تجر إلى التلف، فأسباب التلف أيضا ممنوع من فعلها كما يمنع من التلف، وما ذكرناه من الرخص وشهادة الرخص أولى.
فإن قيل: قياسكم على الخائف من التلف لا معنى له؛ لأنه يخاف التلف، ومن خاف الزيادة في المرض لم يخف التلف، وقد يباح عند خوف التلف ما لا يباح عن عدمه.
وقولكم: إن الخوف من الزيادة في المرض كالخوف من التلف؛ لأن سبب التلف هو الزيادة في المرض فليس من مسألتنا؛ لأن الذي يخاف زيادة في المرض وهي مؤدية إلى التلف يجوز له التيمم - عندنا، وإنما كلامنا فيمن يخاف زيادة في المرض فقط، مثل: أن يكون في رجله قرح إن أصابه الماء زاد في وجعه ومرضه، ولا يخاف التلف من زيادته.
قيل: قولكم: إن من خاف الزيادة في المرض لم يخف التلف فإنه ليس كذلك؛ لأن كل عليل خائف من التلف يخوفه تزايد علته، وهذا كله اجتهاد، وقد يعلم أن من بدا به المرض يخاف الموت ما لا يخافه وهو صحيح، فكلما تزايد مرضه تزايد خوفه، كله مخافة الموت.
وقولكم: إن كلامنا فيمن يخاف زيادة المرض فقط فإن هذا أمر لا

يعلمه إلا الله - تعالى -، كل من خاف زيادة المرض لا يتحقق زيادة تقف دون زيادة تزيد وتقوى فتؤدي إلى التلف، بل الطباع مجبولة على أن أول العلة يخاف معها التزايد الذي يؤدي إلى التلف، والحذر كله من الموت، ومن برجله قرح يخاف تزايده يمس الماء، فليس يخاف تزايده إلا خيفة أن تؤدي إلى التلف.
فإن قيل: هذا يلزم في المحموم والمصدع.
قيل: الغالب من أمر المحموم المصدع أن ينفعه الماء.
ألا ترى أن النبي عليه السلام قال: «اكسروها بالماء»، وليس كلامنا فيمن لا يخاف استعمال الماء، ولا فيمن يستشفى بالماء، وإنما كلامنا فيمن يخاف أن يحدث به مرض، أو يخاف زيادة مرضه فقد أرخص الله له - تعالى - أن يعدل إلى الرخص، كما ذكرناه في فطر العليل وتركه القيام في الصلاة المفروضة.
فإن قيل: الفرق بين فطر المريض وتركه القيام في الصلاة وبين

تيممه حيث قلنا له: لا تتيمم وأنت واجد للماء إلا أن تخاف الماء من استعماله من وجهين.
أحدهما: أنه إنما جاز له أن يفطر وإن لم يخف التلف على نفسه إذا لحقته المشقة في الصوم؛ لأن للمسافر أن يفطر إذا لحقته في الصوم مشقة وإن لم يخف التلف، ولما لم يجز للمسافر الواجد للماء أن يتيمم إلا إذا خاف التلف من استعمال الماء، كذلك المريض مثله، فيجعل حكم المريض كحكم المسافر في الفطر والتيمم جميعا؛ لأن الفطر مباح للمريض والمسافر كما يباح التيمم للمريض والمسافر.
الفرق الثاني: وهو الفقهي أن المريض إنما جاز له أن يفطر ويقعد في الصلاة عن لم يخف التلف منه على النفس؛ لأن عذره موجود في الحال متحقق؛ لأن وجود المشقة في الصيام والقيام حاصلة، فكان له أن ينتقل عنه، وليس كذلك في مسألتنا إذا خاف زيادة المرض؛ لأنه لم يتحقق العذر الذي هو زيادة المرض، وإنما يخاف وجوده فيما يأتي، وقد يوجد وقد لا يوجد، فلما لم يتحقق العذر لم يجز له أن يتمم إلا في الموضع الذي هو تعزير بالنفس، وهو أن يخاف التلف؛ لأن التغرير بالنفس ممنوع منه.
قيل: أما الفرق الأول فغلط، ولا فرق بين المسافر والمريض، لأن المسافر إن خاف من استعمال الماء حدوث مرض جاز له أن يتيمم وإن لم يخف التلف، كما يجوز له إن خاف التلف، كالمريض سوءا فسقط هذا الفرق.
وأما الفرق الثاني وقولكم: إن المريض عذره موجد متحقق؛ لأن

وجود المشقة في الصيام والقيام في الصلاة حاصلة، وأن الزيادة في المرض لا يتحقق فإن هذا ليس بشيء، وليس فطر المريض إلا لرجاء برئه أو خوف زيادة مرضه.
ألا ترى أن المشقة في الصيام تلحق الصحيح ولا يجوز له الفطر حتى يخاف مرضا يحدث - عندنا -، أو يخاف التلف من الصوم، وإنما الاعتبار مشقة تؤدي إلى المرض أو التلف.
وعل أن المريض الخائف من استعمال الماء عذره في المرض موجود متحقق، وما يخافه من الزيادة هو المراعى، كما أن مرضه موجود وخوفه من الصوم مراعى، فلا فرق بينهما.
فإن قيل: فقد روى في حديث أبي ذر أن النبي عليه السلام قال: «الصعيد الطيب ضوء المسلم ول لم يجد الماء عشر سنين، فإذا جد الماء فليمسه بضرته»، فأمره بإمساس الماء البشرة إذا جده، ولم يفرق بين أن يخاف التلف، أو الزيادة في المرض، أو كيف ما كان، فهو على عمومه حتى يقوم دليل.

قيل: هذه الآية مرتبة على قوله - تعالى -: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ أي من ضيق، واستعمال الماء للمريض الذي يخاف هو من أشد الضيق.
مرتبة أيضا على قوله - تعالى -: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، من أشد العسر استعمال الماء الذي تخاف منه زيادة المرض.
ومرتبة على قل النبي عليه السلام في المشجوج: «إنما كان كيفيه أن يتيمم».
ويؤيد هذا: ما ... ذكرناه من الرخص وشهادة الأصول والقياس الذي يخص الظاهر، فيصير تقدير قول النبي عليه السلام: «فليمسسه بشرته»، إذا لم يخف الضنى وزيادة المرض، كما لو خاف التلف.
فإن قيل: فإنه واجد للماء لا يخاف من استعماله التلف فوجب أن لا يجوز له التيمم ولا يعتد به.
أصله إذا كانت به حمى أو صداع.
قيل: إن كان الصداع يصره الماء البارد الشديد البرد حتى يخاف

منه تزايد الصادع فله أن يتيمم، فإما أو كان الصداع من شدة الحمى ينفعه الماء فإنه يستعمله، وكذلك الحمى التي تكسر بالماء، فالمعنى في هذا النوع أنه لا يخاف مرضا ولا زيادة فيه، بل هو ينفعه.
فإن جعلوا العلة في الصحيح.
قيل: إن كان الصحيح يخاف أن تحدث به علة، مثل النزلة من شدة برد الماء إن اغتسل وهو جنب، أو يخاف حمى فإنه يتيمم، وإن لم يخف شيئا من ذلك فالمعنى فيه أنه غير خائف، وليس كذلك المريض الذي يخاف تزايد ما به؛ لأن تزايده من أسباب التلف، وقياسنا أولى بشهادة الأصول له.
فإن قيل: إن الله - تعالى - ما أباح للمريض التيمم إلا وأباح للمسافر التيمم؛ لأنه قال: «﴿وإن كنتم مضى أو على سفر﴾، ثم تقرر أن المسافر الواجد للماء لا يجوز له أن يتيمم إلا عند الخف من التلف.
قيل: عن هذا جوابان: أحداهما: أن المسافر إذا خاف العطش فليس يخاف التلف، وليس كل عطش يخاف منه التلف، وله أن يحبس الماء خوف العطش، والإنسان لا يعلم مقدار ما يحدث له من العطش، فينبغي أن يكن المرض الخائف من حدوث المرض أو تزايده، كالخائف من العطش أو تزايده.

الجواب الآخر: هو أن المسافر لو لم يخف العطش، وخاف استعمال الماء لحدوث مرض فإنه يتيمم، فلم يلزم ما ذكروه.
ووجه قول مالك في الرواية الأخرى أنه لا يتيمم إلا عند خوف التلف ما ذكرته من الحجاج للمخالفين، والله أعلم.
وقد تضمن حجاجنا فيما مضى من الكلام على عطاء والحسن فتؤخذ من خبر عمرو بن العاص حين ولاه النبي عليه السلام الغزاة، وأنه تيمم لما خاف التلف، وأخبر النبي عليه السلام بذلك، فقال له: «أصليت بالناس وأنت جنب؟» فاحتج بالآية، فتيمم مع وجد الماء، ولم ينكر عليه، ولا أمره بالإعادة.
وبما ذكرناه أيضا من تغيير الفروض بلحوق المشقة وإن لم يخف معها التلف، مثل الصائم يفطر وإن لم يخف التلف إذا كان مريضا يخاف الصوم، ومثل صلاته جالسا وإن لم يخف التلف من القيام، ومثل ما ذكرناه من قطاع الطريق وترك الخروج إلى الحج، والسعي إلى الجمعة، ففيه كفاية، والله التوفيق.
وما قاله محمد وأبو يوسف من أنه وإن كان مقيما تيمم وصلى وأعاد تكون الحجاج عليه ما احتججنا به على الشافعي في الحاضر إذا عدم الماء فتيمم وصلى؛ لأنه قد أدى ما كلف ووجب عيه من التيمم والصلاة، وكل من صلى على ما أمر به سقط فرضه ولم تجب عليه الإعادة، والله أعلم.

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل