عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصارفصل
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كلام على الشافعي في الملامسة لغير الشهوة.
قال القاضي: الدليل لقولنا: براءة الذمة من وجوي شيء إلا بدليل.
وأيضا فقد اتفقنا على كونه ظاهرا قبل أن يمس، فمن زعم أن طهارته انتقضت عليه بالدليل.
وإن عارضوا باستصحاب مثله وهو أن الصلاة عليه بيقين فلا تسقط بطهارة فيها لمس إلا بدليل.
قيل: إنما نسلم أن الصلاة عليه حتى يؤديها بطهارة من جهة الشرع، وهذا قد تطهر كما أمر بقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى آخر الأية وهذا قد غسل ما أمر به.
وأيضا قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا صلاة إلى بطهر).
وقد بين لنا كيف الطهارة من الكتاب وفعله، وهذا قد تطهر.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾، وقدرئ: ﴿لمستم﴾، فجعل اللمس كالأحداث المقرونة معه، وأوجب الوضوء، ولم يفرق بين لامس ولمس.
قيل: إن الصحابة اختلفت في هذه الآية على وجهين.

فقال علي وابن عباس وأبو موسى - رضوان الله عليهم -: إن المراد باللم الجماع.
وقال عمر وابن عمر وابن مسعود - رضي الله عنهم -: إن المراد اللمس لشهوة كالقبلة والجسة، ولم يقل أحد منهم: إنه اللم على كل حال، فمن حمله على اللمس لغير شهوة عن القولين فوجبا أن يسقط قوله.
وخلافهم في هذا وأنهم أرادوا اللمس على طريق الشهوة أظهر عندي من أن يستدل عليه؛ وذلك أن الذين قالوا هو للجماع، أرادوا به الغاية في بلوغ اللذة، وقال لهم من بإزائهم: إن دواعيه من الملامسة: لأنهم قالوا: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة.
أفترى أنهم قصدوا قبلته على طريق التحنن والرحمة إذا هي بكت فقيل رأسها، كما يفعل بأمه وابنته؟، وأرادوا إذا جسها بيده لمداواة أو غيرها؟ هذا لا يظن بهم، وإنما يكون الشيء من جنس الشيء إذا كان معناه فيه أو يقاربه، وليس تقارب قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة التي هي الجماع إلا إذا كان لشهوة.
وذا أمر إذا راعيناه أطرد في كل مس للشهوة على كل وجه من كل أحد؛ لأن فيه معنى من اللذة المقصودة بالجماع، المخالف لا يطرد قوله في كل مس لا يكون لشهوة؛ لأنه ينوعه في ذات المحارم وفي

الأصاغر، ويقول في بعضه قولين، وعلى وجهين، فيخرج عن مراعاة قول أحد ممن تقدم، وقولنا يصير كالعلة المستمرة في الطرد والعكس، كما قلنا لهم في تطهير الماء وتنجيسه: إن العلة التغير بالجنس، فيطرد في قليل الماء وكثيره، وبارتفاعها يكون الماء طاهرا في قليله وكثيره.
قيل: هذا لا يصح؛ لأنهم قالوا لمن قال إنه الجماع: هذا ضرب منه؛ لأن فيه بعض المعاني التي فيه من وجود اللذة.
وقد يقال: هذا الشيء من هذا المكان فيه معنى من معانيه أو يقاربه.
كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مولى القوم منهم)، (والأذنان من الرأس).
فإن قيل: إن المس معنى من معاني الجماع وإن كان لغير شهوة، وهو إلصاق البشرة بالبشرة.
قيل: هذا فاسد بذوات الماحرم والصغار وغيرهم،

وبظاهر الكف.
ويفسد أيضا؛ لأن للذة العظمى تحصل بالاحتلام، وهو الإنزال، كما تحصل بالإيلاج، ويجب فيه الغسل كما يجب بالإيلاج، وليس فيه إلصاق البشرة بمثلها، فثبت بهذا أن المراد على ما نراعيه من الالتذاد.
ولنا في المسألة: الظواهر التي ذكرناها لأصحاب أبي حنيفة، وظواهر آخر، مثل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، وهذا قد قرأها في صلاته، وإن مس.
وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك ويديك)، وهذا قد فعل.
وقوله: (لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء)، وفيه: (حتى يضع الوضوء مواضعه فيغسل وجهه ويديه)، وهذا قد فعل، وما أشبه هذا، فمن زعم أن المس قد أفسد عليه فعله المأمور به فعليه الدليل.
وأن أعيد بعض الظواهر التي تقدمت لأصحاب أبي حنيفة، وهي

حجة لنا على الشافعي.
فمنها ما روته عائشة - رضي الله عنها - أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقبلها وهو صائم ثم يصلي ولا يتوضأ، فقيل لها في ذلك، قالت: وأيكم أملك لإربه من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟.
وهذا نص لا محالة في أنه إذا كان لغير شهوة فلا حكم له.
فإن قيل: يحتمل أن يكون قبلها من فوق حائل.
قيل: حقيقة قولها: قبلني المباشرة، وفي الحائل: قبل ثوبي، والكلام محمول على الحقيقة.
فإن قيل: يجوز أن يكون عليه السلام مخصوصا بذلك.
قيل: قد عللته بقولها: وأيكم كان أملك لإربه منه؟.
أي إنما ذلك منه لأنه يملك إربه، ولو كنتم انتم تملكون إربكم فلا تلتذون ولكنتم كذلك.
والحديث الذي قالت فيه: فوقعت يدي على أخمص قدميه وهو يصلي، ولم يقطع الصلاة، ولو كان ذلك ينقض الوضوء لقطع الصلاة

وتوضأ، ولو فعل ذلك لنقلته عائشة، وإنما نقلت إلينا ما جرى لتفدينا أن ذلك لا ينقض الوضوء، ومحال أن تنقل ما يتعلق به حكم، وتترك ما هو أظم منه.
فإن قيل: إنما نقلت ذلك لتفدينا الدعاء الذي سمعته منه.
قيل: هو للجميع.
فإن قيل: هذه قضية في عين، فيحتمل أن يكون عليه السلام مخصوصا بذلك، ويحتمل أن يكون بينهما حائل، أو نحمله على أحد قولي الشافعي في الملموس، وخلافنا في الملامس.
قيل: قولكم: إنه مخصوص بالحجة لنا من فعله الذي هو على الوجوب، ولا نخصه إلا بدليل، وأيضا فلو كان الحكم يختلف لنقلت الحائل.
وأيضا فإن الأشياء التي تنقض الطهارات من الأحداث قد استوى حكمه عليه السلام وحكمنا فيها، مثل الغائط والبول والريح وغير ذلك فلا ينبغي أن نجعله مخصوصا بشيء منها بغير دليل.
والذي نخصه من هذا الباب هو أنه يملك إربه بخلافنا، وأنه في حال صلاته مقبل على ربه - تعلى -، مشغول بخشوعه، بخلاف الغالب منا؛ لأنه لا يتطرق عليه طرو الالتذاذ والشهوة باللمس، ونحن إن اتفق لواحد منا مثل ذلك في نادر الحال فهو في مثل حكم النبي عليه السلام، فلا ينتقض وضوؤه، كما فرقت عائشة بيننا وبينه عليه السلام في القبلة في الصيام، فقالت: وأيكم أملك لإربه منه عليه السلام؟.
أي الغالب منكم أنتم بخلافه، فإن قبلا نحن

لغير شهوة، فنحن وهو في الحكم سواء.
وقولهم يحتمل أن يكون بينهما حائل فلا تقول وقعت يدي على أخمص قدميه ويهما حائل، هذا هو الحقيقة.
وعلى أنه لو كان الحكم يختلف لذكرته، أو ذكره عليه السلام.
وقولهم: إنه في الملموس على أحد القولين، فهذا هو القول الضعيف منهما.
على أنه يفسد في الاعتبار؛ لأن اللذة تحصل تارة بلمسه، وتحصل تارة بأن يلمس، وتحصل الشهوة منهما جميعا، كما لو مكنته من الإيلاج، أو مكنها منه، وهذا تحكم في صرف المعاني عن حقائقها لنصرة المذاهب، وإنما ينبغي أن تبنى المذاهب على ما توجبه الأدلة، وإطراد المعاني فيها، وأن لا يفرق بين حقائقها مع الإمكان.
وأيضا فقد وافقونا على أن استعمال الأخبار واجب، ولا يطرح بعضها إذا أمكن الجمع لكثرة الفوائد.
فقد روينا حديث الذي قال للنبي عليه السلام: إني نلت من امرأة كل ما ينال الرجل من امرأته إلا الجمع، فأمره النبي عليه السلام بالوضوء، فإن قلنا: إن المسألة لم تقع إلا عن شيء التذ به، فهو ودجه صحيح؛ لأن الغالب أنه لا يشكل عليه أنه إن ضربها أو داواها، أو قبل رأسها رحمة لها أن هذا مما لا يقارب حكم الجماع، فيحتاج إلى المسألة عنه، وإنما سأل عما يداعب الرجل

به امرأته، ويتعرض لها مما يقارب معنى الجماع.
آلا ترى أنه قال: إلا أني لم أجامعها.
أي قاربت على ذلك.
ولو سلمنا أنه لذلك ولغيره لعارضه ما روي عن عائشة - رضي اله عنها - في وقوع يدها على أخمص قدميه، وحديث حمله لأمامة بنت زينب في الصلاة، فنستعمل الأحاديث كلها، ونجعل الموضع الذي أوجب فيه الوضوء إذا كان لشهوة، والموضع الذي لا وضوء فيه إذا كان لغير شهوة.
ويكون استعمالنا أولى من استعمالهم؛ لأنه يطرد في وجوب الوضوء في كل ملتذ، ويسقط الوضوء لفي كل من لا يلتذ، سواء كان لامسا أو ملموسا، صغيرا مكان الملموس أو كبيرا، إذا محرم أو غيره، من تحت حائل أو من فوقه، بباطن اليد وظاهرها، وهذا ترجيح قوي لترجيحنا العلة التي هذه سبيلها.
فإن قاسوه على المس بعلة أنه لمس من رجل لامرأته من غير حائل.
قيل: المعنى أنه لغير شهوة.
فإن قيل: هذه علة لا تتعدى، والمتعدية أولى منها.
قيل: هي تتعدى إلى الملموس واللامس، والحائل وغير الحائل، وأنتم لا تعدون علتكم إلى هذه الفروع.
على أننا نستخرج من أصله فنقول: اتفقنا أنه لو مسها من فوق حائل، أو مس شعرها، أو صغيرة ذات محرم على أحد القولين لم يكن

عليه وضوء، والمعنى فيه أنه لمس لغير شهوة.
فإن عارضوا بعلة أخرى.
قيل: إنها لا تتعدى، وعلتنا متعدية، كما قالوا في معرضتنا لعلتهم في أصلهم.
فإن رجحوا قياسهم بشيء.
فترجيحنا أولى باستمرار العلة في الإطراد والعكس، وفي الصغار والكبار، وذات المحارم وغيرهن، والحائل وغير الحائل، وهذا أقوى ما يكون من ترجيح العلل.
فإن قيل: إن شعر المرأة من جنس لا يلتذ به، فلاينبغي أن يجعل أصلا.
قيل: هو فيها منزلة عضو منها، ولستم تراعون اللذة، وإنما تراعون مسها في نفسها، وشعرها منها.
وعلى أن الشعر الحسن يلتذ بمسه والنظر إليه، في ثمن المملوكة كما يزيد في ذلك سمنها وغيره، حتى ربما ردت الجارية بالعيب في شعرها كما ترد بعيب في بدنها، ولو قال لها: شعرك طالق لطلقت، كما لو قال لها: يدك طالق.

ويقوي اعتبارنا في التفريق بين المس والقبلة لشهوة وبين عدم الشهوة: ما نقوله في القبلة لشهوة إنها تحرم الربيبة، ولو كان لغير شهوة لم تحرمها، وهم يوافقوننا على ذلك، فقد صارت القبلة لشهوة تعمل عمل الجماع في التحريم.
ونقول أيضا: هو لمس لم تقصد به الشهوة فلم ينقض الوضوء.
أصله مس الرجل للرج، والمرأة للمرأة.
فإن قيل: إن ما ينقض الطهر لا فرق فيه بين أن يوجد على وجه الشهوة أو غير وجه الشهوة، ألا ترى أن خروج المني لما نقض الطهر، لا فرق بين أن يخرج لشهوة، وهو عند الجماع، أو لغير شهوة وهو أن تكون به علة، أو يكون مغمى عليه، وكذلك البول والغائط، لما نقض الطهر لم يفترق الحكم بين خروجه لشهوة أو غيرها؛ لأن الإنسان إذا كان حاقنا بشدة البول التذ بخروجه، وكذلك لو سلس بوله فخرج لغير لذة.
قيل: أما ما ذكرتموه من المني فغلط؛ لأن الغسل لا يجب - عندنا - إلا في المني الذي تقارنه اللذة، فأما إن خرج لعلة ولم تقارنه لذة لم يجب فيه الغسل، فقد افترق الحكم.
وأما المغمى عليه فذلك كالنائم يجد اللذة ولكنه لا يعقل بها.
وأما والغائط فعنه جوابان:

أحدهما: أنه لا يلتذ به الجماع، ونحن نراعي في القبلة والمس لذة الجماع، كما راعيناه جميعا في تحريم الربيبة.
والجواب الآخر: هو أنه إذا خرج منه البول المعتاد نقض الطهر، وإذا سلس بوله وخرج من المعتاد لم ينقض الوضوء، وقد سبق الكلام على هذا، فسقط السؤال وبالله التوفيق.
فإن قيل المعنى في مس الرجل والمرأة هو أنه لمس من ليس له في مسه شهوة، ألا ترى أنه لو لمسه لشهوة لم يجب عليه الوضوء، وكذلك المرأة مع المرأة.
قيل: هذا غلط؛ لأن الرجل يلتذ بمس الغلام، ويجب عليه الوضوء - عندنا - إذا التذ، وكذلك المرأة مع المرأة.

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل