والاستنجاء بما يقوم مقام الحجارة من الآجر، والخرق والتراب وقطع الخشب جائز، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي.
وقال داود: لا يجوز بما عدا الأحجار.
والدليل لقولنا: الظواهر من قوله -تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم﴾، وهذا إذا استنجى بغير الحجارة، وغسل أعضاءه فقد امتثل ما أُمر به.
وجميع الظواهر مثل قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وإنما لامرئ ما نوى».
ومن قوله: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وما أشبهها.
وأيضاً ما روي أنه عليه السلام قال: «إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب».
ورواه طاووس عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد خيِّر بين الأحجار والأعواد والتراب.
وروي عن أنس بن مالك أنَّه كان يستنجي بالحُرُض،
ويذكر أنَّه رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستنجي بالحرض.
,أيضاً قوله عليه السلام: «من استجمر فليوتر»، ولم يخص ما يستجمر به.
وأيضاً ما رواه أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «وليستنج بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة»، والدليل فيه من وجهين:
أحدهما: أنه لما نص على الروث والرمة بالنهي دل على أن ما عداهما بخلافهما، وإلا لم يكن لتخصيصهما بالذكر فائدة.
فإن قيل: إنما نص على الروث والرمة تنبيهاً على غيرهما، وأن ما عداهما وحكمهما.
قيل: هذا لا يجوز، لأن هذه التنبيه إنما يفيدنا إذا كان في المنبه عليه معنى المنبه وزيادة عليه، فأما أن يكون دونه في المعنى فلا يجوز، كقوله -تعالى -: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُمَا﴾، دخل فيه الضرب؛ لأن الضرب، فيه أف، وما هو أبلغ من أف، ولو نص على الضرب، لم يقع فيه التنبيه على المنع من أف؛ لأنَّه ليس في أف معنى الضرب، ولا يقع فيه التنبيه على المنع من أف؛ لأنَّه ليس في أف معنى الضرب، ولا الأذى به.
ألا ترى أنه لو قيل: فلان يخفر الأمانة في درهم أو دانق،
لكان فيه تنبيه على أنه يخفر في الدينار، وما هو أكثر منه؛ لأن في الدينار الدرهم والدانق، ولو قيل: إنَّه يخفر الأمانة في دينار لم يدل على أنه يخفرها في درهم أو دانق، لأنه ليس في الدرهم والدانق دينار، وقد قال -تعالى -: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾، فعلم أن من أدَّى الأمانة في القنطار كان أولى أن يؤديها في الدينار، ومن لم يؤدي الأمانة في الدينار، كان أولى أن لا يؤديها في القنطار، فكذلك أيضاً فيما عدا الروث والرمة من الظاهر، إذا ليس في الطهارات معنى الروث والرمة، فلم يقع التنبيه عليها، بل يقع التنبيه على ما في معناها من سائر النجاسات التي هي أعظم منها أو من الأشياء المبعدات المكرهات.
والوجه الثاني: هو أن قول الراوي: ونهى عن الروث والرمة استثناء من عموم قد تضمنه حكم اللفظ، ألا ترى أنه لو قال: استنجوا بثلاثة أحجار إلا الروث والرمة فلا تستنجوا بهما، [و] لكان المعنى تقديره كأنه قال: وليستنج بثلاثة أحجار، وبكل شيء جامد مثل الأحجار إلا الروث والرمة.
ولنا أيضاً حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رمى بالروثة
وقال: «إنه نكس»، فبين أن المعنى في إلقائه أنه ركس، وداود بقول: علة المنع من استعماله كونه غير حجر، فخالف تعليل النبي عليه السلام.
وأيضاً فقد روى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثا»، ولم يفرق بين الحجر وغيره.
وأيضاً فإنَّه جامد طاهر، ينشف رطوبات النجس، منقٍ فوجب أن يجزئ في حكم الاستنجاء به كالحجر.
فإن قيل: ينتقض بشيء من الصحف وبالخبز والدقيق وما يؤكل.
قيل: لم نقل فوجب أن يجوز، وإنما قلنا فوجب أن يجزئ إذا فعل، - وعندنا - أن هذا كله يجزئ وإن كنا نكره فِعْلَ ذلك.
فإن قيل: ينتقض بأصبعه؛ لأنَّه يجوز أن يستنجي بأصبعه.
قيل: لا يدخل على اعتلالنا؛ لأن أصبعه لا ينشف رطوبات النجس، بل تصقع كالعظم والعاج والصفر، وغير ذلك من الأشياء الصقيلة، ولو ترك على أصبعه تراباً أو حرضاً واستنجى به جاز، ولا يدخل على اعتلالنا الخل والماء ورد وسائر المائعات؛ لأننا قلنا جامد طاهر ينشف الرطوبات، وهذه الأشياء لو جمدت لم تنشف.
وأيضاً فإن الحجر منصوص عليه، فنقول: هو جامد طاهر منصوص عليه في إزالة النجس فجاز أن يقوم غيره مقامه فيه، أصله الشب والقرظ في الدباغ، فإنه يقوم قشر الرمان وغيره مقام الشب والقرظ.
فإن قيل: فقد روى سلمان أن المشركين قالوا: إن صاحبكم علمكم كل شيء حتى يوشك أن يعلمكم الخراءة.
فقال: أجل نهانا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الاستنجاء بالعظام والرجيع.
وقال: «لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار»، فأخبر أنه لا يكفي غير الحجر.
وأيضاً فإنه نص على العدد وعلى نصفه بعيون الأحجار، فلما لم يجز الإخلال بالعدد، كذلك الحجر هو شرط كالعدد.
وأيضاً فإنَّه عدد موصوف لا يجوز الإخلال به، فلا يجوز الإخلال بالصفة، كالشهادة، قال الله -تعالى -: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾،
وأيضاً فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نص في رمي الجمار على الحصى، فقال: «خذوا مثل حصى الخذف»، ثم لا يجوز رمي الجمار بغير
الأحجار والحصى فكذلك في الاستنجاء.
قالوا: ونقيس على ذلك فنقول: هو فرض يسقط بالأحجار فوجب أن لا يسقط بغير الأحجار كرمي الجمار.
والجواب: أما الخبر فقد روينا أنه قال «يكفي دون الثلاثة»، وتكلمنا عليه بقوله عليه السلام: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج»، وبالنص على ثلاثة أعواد أو ثلاث حثيات من تراب.
وأيضاً فإن المقصود من الخبر العدد، ألا تراه قال: «يكفي دون ثلاثة»، ولم يقصد الصفة، ثم لو تجرد جاز أن يجمل على الاستحباب.
على أن قولهم: إنه نص على العدد والصفة التي هي الأحجار،
فإننا نقول: الحجر ليس بصفة، وإنما هو اسم المسمى، وتعلق الحكم بالاسم لا يدل على أن ما عداه بخلاف -عند أكثر أصحابنا - وإنما يدل على أن ما عداه بخلاف إذا علق بالصفة دون الاسم، وأنا أقول بالوجهين جميعاً، ولكنا قد قلنا: إن الخبر الذي قيل فيه: نهى عن الروث والرمة، قد تضمن الأحجار وغيرها، فلم يسلم النص على الأحجار، وقد عارضناه بالخبر الآخر الذي فيه: «من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج»، فصار تقديره: من استجمر بالأحجار فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، وهذا راجع إلى العدد والأحجار جميعاً.
وقولهم: لا يجوز الإخلال بالعدد والصفة، غلط؛ لأنه يجوز -
- عندنا - الإخلال بالعدد، وقد دللنا عليها.
وأيضاً فقد وافقنا داود في جواز الاقتصار على حجر واحد فسقط السؤال على مذهبهم.
وعلى أن الفرق بين الشهادة وبين الاستجمار هو أن القلب على قول الشاهدين أسكن منه إلى قول الواحد إذا كرر الشهادة مرتين؛ لأن الاثنين إلى الصدق أقرب من الواحد، والمعنى الذي في الاثنين غير موجود في الواحد، وكذا قول العدل؛ إلى الصدق أقرب، والتهمة منه أبعد منها إلى الفاسق فلما لم يوجد في الفاسق معنى العدل لم يجز أن يقوم مقامه، وليس كذلك الأحجار؛ لأن المقصود منها قلع عين النجاسة؛ بدليل أن الثلاث لو لم تقلعها وجبت الزيادة عليها، والخرق والآجر وهذه الأشياء تعمل ما يعمل الحجر وأبلغ، فجاز أن تقوم مقامه لوجود معناها فيها.
وأما الجمار فعند داود أنه لو رماها بعصفورة ميتة جاز، -
وعندنا - هي عبادة لا يعقل معناها، والعبادة إذا لم يعقل معناها لم يجز القياس عليها، ثم ما قالوه ينتقض بالرجم في الجمار على أصلهم، وينتقض بالرجم في الزنا.
وأيضاً فإن الغرض في الاستنجاء إزالة النجو، لأنه أقيم مقام الماء الذي يزيل النجاسات، فلما أقيم الحجر في الاستنجاء مقام الماء، أقيم مقام الحجر غيره فيما يفعل فعله، وإنما خص النبي الحجر بالذكر؛ لأنه أغلب الموجودات من الجمادات عند أهل الحجاز لا أنه اختصه بالحكم، كما ذكر الله -تعالى - الرهن في السفر؛ لأن الأغلب فيه عدم الكاتب والبينة، والحضر بمنزلته، لأن الغرض منه التوثق، ولو منعنا الاستجمار في كل موضع إلاَّ بالحجر لشق، وتعذر على أكثر أهل البلاد؛ لأنه ليس كل البلاد تكون الأحجار فيها غالبة موجودة كوجود التراب وغيره.
فإن قيل: فإنها طهارة بجامد أقيم مقام مائع كالتراب في التيمم.
قيل: أنتم لا تقولون بالقياس فسقط.
وعلى أصولنا ليس التراب شرطاً في التيمم -عندنا -، والصعيد هو نفس الأرض سواء كان عليها تراب أو لا، أو كان عليها زرنيخ، أو جص أو غيره.
وعلى ا، المعنى في التيمم أنه غير مخير بين الماء والتراب، وليس كذلك الاستنجاء؛ لأنه مخير بين الماء والحجر.
وعلى أننا قد عارضناه بقياسات أخرى أولى؛ لاستنادها إلى ما ذكرناه من نص السنة على الأحجار والأعواد أو الحثيات بالتراب، ولأن الصول يشهد له؛ وذلك أن هذه طهارة موضوعة على الرخصة والترفيه والتوسعة والتخفيف، ألا ترى أنه مخير بين المائع الذي هو الماء وبين الجامد من الأحجار، وقد عفي فيها عن إنقاء الأثر، ويجوز فيها الاقتصار على الجامد مع القدرة على المائع، وهذه المعاني كلها معدومة في الطهارة الحكمية والعينية، فغير منكر أن يكون من أحدِ رُخَصِها أن تجوز بكل جامد يكون في المعنى الحجر.
وأيضاً فإن استعمال الجامد في هذا الموضع إنما دخل على سبيل الرخصة لكثرة البلوى، وفي أمرنا له باستعمال الماء في كل مرة يلحقه معه المشقة لتكرر ذلك منه، فلو كُلّف ألا يستعمل غير الأحجار للحقنة المشقة على ما ذكرناه من أن كثيراً من البلدان تخلو من الحجارة، فكانت تزول الرخصة المعتبرة في الأصل، وعلى هذا بني أمر الإبدال في الأصول، والله أعلم.
[20]
مَسْأَلَة
قال مالك -رَحمَه الله -: ولا يستنجي بعظم ولا روث، ويستحب بالحجارة، وذكر بعض أصحابنا أنه يجزئه، وليس ذلك كذلك، وإن كان نفس الإزالة غير فرض إلاَّ أنه إذا وجب من طريق السنة لم ينبغ أن يجزئه هذا الفعل من السنة، كما أن صلاة التطوع ليست بفرض، وإذا فعلت إلاَّ بطهارة بماء طاهر، كما أن الاعتكاف ليس بواجب، فإذا فعل فمن شرطه أن يقع في صوم.
وعند أبي حنيفة أن الاستنجاء بذلك يجزئ، ولكنه مكروه، قال الشافعي: لا يجزئه.
وهذا الذي نختاره، وإن كنا نختلف في نفس الإزالة.
والدليل لما قلناه: ما رُوِيَ أن النبي نهى عن الاستجمار بالروث والعظم، وأمر الاستنجاء بالحجر، وظهار النهي إذا تجرد يقضي فساد المنهي عنه أن يقوم دليل، وأمر بالحجر أمر ظاهر الوجوب إلاَّ
أن يقوم دليل، ودليله أن غير الحجر لا يجزئ حتى يقوم دليل.
وأيضاً ما رواه أبو هريرة أن النبي قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد، أعلمكم أمر دينكم».
وأمر أن يستنجي بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة، وهذا موضع تعليم فلا ينبغي عنه إلا بدليل، والاستدلال منه أيضاً كالاستدلال بما قبله.
وكذلك أيضاً قال لابن مسعود: «ائتني بثلاثة أحجار»، فأتيته بحجرين وروثة، فاستنجى بالحجرين وألقى الروثة، وقال: «إنها ركس»، وقيل في بعض الأخبار: «أما العظام فزاد إخوانكم من الجن، وأما الروث فزاد دوابهم»
ومن طريق المعنى: فإن العظم جسم صقيل، لا يزيل العين في غالب الحال، وقد أخذ علينا إزالتها وإن كان قد عفي عن أثرها، وكلك ينبغي أن يكون ما في معناه من الأجسام الصقيلة، مثل الزجاج والصفر والعاج، هذا لو تحققنا أن العظم ذُكي، فكيف وربما كان ميتة؟ فيلاقي النجس فيزداد نجاسة، وليس لشيء من النجاسات في الطهارة مدخل.
وأما الرواية فهي -عندنا - مكروهة، وعند قوم نجسة، فإذا لاقتها النجاسة الرطبة تنجست، ولم تكن لها قوة الطاهرات المتفق عليها فتدخل مدخلها في هذا الموضع؛ لأنه موضع رخصة قد أخذ علينا فيه إزالة العين، وعفى عن الأثر خوف المشقة، فلا ينبغي أن يدخل على الرخصة ما فيه رخصة أخرى لقول المخالفين إنه نجس.
وأيضاً فقد روى سلمان قال: نهانا رسول الله أن نستنجي بالعظم والرجيع.
وقد قال أبو عبيد: الرجيع ما رجع عن حالة الطعام، فهو عام في كل ما يسمى رجيعاً من جهة اللغة إلاَّ أن يقوم دليل.
وعند أبي حنيفة أن الروث نجس فيقال له: إنه أحد ما يستعمل في إزالة النجاسة فوجب أن لا يجوز استعماله فيها وهو نجس؛ أصله الماء؛ لأن النجاسة تزال بمائع وجامد، ثم إذا كان المائع نجاساً لم يجز، فكذلك إذا كان الجامد - عندك - نجساً.
وأيضاً فإن النجاسة تزيد في النجاسة ولا تزيلها، فوجب أن لا يجوز الاستنجاء به على أصلك.
وقد روى رويفع عن النبي أنه قال له: «عسى أن يطول بك العمر بعدي، فأخبر الناس أن من استنجى بالعظم والروث فقد برئت عنه ذمة محمد»، وقد رُوِيَ: «برئت ذمتي منه»، وهذا توعد، ولا يمتنع أن يكون التوعد في الفرع أشد منه في ترك الأصل، ألا ترى أنه لو ترك صلاة التطوع أصلاً لم يتوعد، ولو قام يصليها بغير أصلاً
مع القدرة كان متوعداً، وكذلك حج التطوع لم يتوعد عليه ثم لو دخل فيه وتعمد إفساده كان متوعداً.
فإن قيل: الغرض في الاستنجاء إزالة النجو مع بقاء أثره اللاصق، فمتى ذلك حصل الإجزاء.
قيل: هذا غلط؛ إنما الفرض إزالته بما يزيله من الأشياء الطاهرة الناشفة التي تقلع عينه، ولو كان على ما تقول لجاز أني زيله بالعذرة اليابسة كما يجوز - عندك - بالروث، ويجب أيضاً أن يجوز له دلكه بأنه كما يجوز بالعظم.
فإن قيل: فإن النبي علل فقال: «أما العظم فزاد إخوانكم من الجن، وأما الروث فزاد دوابهم»، فينبغي أن يكون زادهم مثل زادنا نحن، وهو -عندكم - يعمل في الاستنجاء ويجزئ.
قيل: لا يمتنع فيه معنى معقول قد عقلناه فلم يحتج إلى ذكره لنا، ثم بينهما على معنى آخر يزيد على ما عقلناه، فكأنه أعلمنا أن الذي نجتنبه نحن ونرمي به ونبتعد عنه يتزودونه هم، فينبغي ا، نتركه لهم، فهذا يؤكد ما نقول في ألا ينبغي أن نتعرض له، وأما زادنا فليس مقصوراً على شيء واحد كاقتصار الجن على العظام.
فإن قيل: ظاهر النهي في ذلك على الكراهية، كما نهى أن يستنجي الرجل بيمينه،
ويأكل بشماله، بدليلٍ وهو ما ذكرناه من المعنى في الإزالة.
قيل: ظاهر النهي على التحريم، وما ذكرتموه لم يستقم، وهو ساقط.
ورأيت هذا الإنسان من أصحابنا قد ألزم ظاهر النهي، وأنخه للتحريم كالنهي عن الذبح والظفر، فالتزم أن هذا محرم، فرّق بينه وبين العظم في الاستنجاء، ولم يكن ينبغي له ذلك؛ لأنَّ الذبح بالسن والظفر إن كان السن مركباً غير منزوع فإنما منع لأنه يقرض الحلقوم، وكذلك الظفر المركب إن كان رقيقاً فهو يثقب الحلقوم، فيكون فيه التعذيب للبهائم المنهي عنه.
وإن كان السن منزوعاً عريضاً يشق الحلقوم ويقطع الودجين فإنه يجوز، وكذلك الظهر مثله، وهذا
لا يكره ولا يراعى فيه أنه صقيل؛ لن السكين أصقل منه، ولا تراعى نجاسته، لأنه لو ذبح بسكين ملطخة بدم أو بغيره من النجاسات لوقعت الذكاة موقعها، والذي رؤي في إزالة النجو أن يكون المزيل طاهراً يقلع العين وينشف رطوبتها فإذا لم يقع بذلك لم يقع موقعه.
وهذا الذي ذكرته في السن والظفر في الذكاة قد ذكره جماعة من شيوخنا منهم أبو بكر وغيره.
فإن قيل: هذه المسألة فرع على أن ألاستنجاء غير واجب، ومتى ثبت ذلك صح جوازه بهذه الأشياء؛ لن أحداً لا يفصل بينهما.
قيل: هذا غلط، وقد بينا أنه قد يكون الأصل غير واجب، ثم إذا فعل كان فعله على صفة تجب لأجل فعله.
فإن قيل: إن الإبقاء الذي ندب الله غليه يحصل بهذا الفعل - عندنا -، وإن كانت الآلة التي حصل بها الإنقاء قد مُنع من استعمالها، كما أن إزالة الحديث تحصل بالماء المغصوب، وإن كان المستعمل له منهيًّا عن استعماله.
والذي يدل عليه: أنَّ المأمور به الإبقاء، وهذا معنى يرجع إلى المشاهدة وقد حصلت، ,لن النبي بيَّن العلة في الروث أنها علف دوابهم - يعني الجن - والعظم طعامهم، فدل ذلك على أ، المنع لم يثبت فيه لحق الله - تعالى -، وإنما ثبت لحق الغير، فلم يمنع الإبقاء، مثل مَنْ غصب حجر غيره فاستنجى به، أو ماء غيره فتطهر به.
وعلى أن النهي فيه غير متعلق لمعنى في نفس المنهي عنه فلا يفيد الفساد، مثل البيع يوم الجمعة عند إتيانها، والصلاة في الدار المغصوبة وقياساً على الحجر بعلة وجود الإنقاء.
قيل له: نظير مسألتنا الماء النجس؛ لأنه لا يزول به الحدث، والماء المغصوب يُمنع منه لأجل حق الآدمي، فلما كان النهي عن الماء النجس من اجل حق الله - تعالى - كان العظم والروث مثله.
وقولكم: إن الإبقاء موجود مشاهد، فهو يوجد أيضاً بالماء النجس، ومع هذا لا يجوز.
ثم لا نسلم أن الإبقاء بالعظم، يصقله ويلبده في مكانه.
وقولكم: إن النبي علل بأن العظم والروث ممنوع لأجل حق الغير من الجن عنه جوابان:
أحدهما: إنه قد يجوز أن يكون علفهم الأشياء النجسة؛ لأنه لا عبادة عليهم، وليس كل ما تعلق به حكم الغير يجوز أن يتطهر به.
ألا ترى أن الخمر يتملكها الكفار، ولا يجوز أن يزوال بها الحديث، وكذلك الدهن النجس - عندكم - يجوز بيعه وتملكه، ولا مدخل له في الطهارات، فسقط هذا.
وأما الحجر الغصب فهو كالماء الغصب، فلما جاز الوضوء بالماء الغصب جاز الاستنجاء بالحجر الغصب، ولما لم يجوز رفع الحدث بالماء النجس لم يجز الاستجمار بالنجس، وكذلك لا يجوز الاستنجاء بالماء النجس؛ فالاستجمار مثله لا يجوز بالنجس.
وقولكم: عن النهي غير متعلق بمعنى في نفس المنهي عنه غلط؛ لأنه لم يتعلق إلاَّ بمعنى في العظم، لأنه جسم صقيل لا يقلع العين ولا ينشف رطوبتها، وأما البيع يوم الجمعة - فعندنا - أنه يفسخ، فلم يلزم ما ذكرتموه.
[21]
مَسْأَلَة
عند مالك - رَحمَه الله - أن الذي يخرج من السبيلين نادراً غير معتاد لا ينقض الطهارة، مثل سلس البول، والمذي، ودم الاستحاضة والحجر والدود، وبه قال داود.
وقال أبو حنيفة والشافعي: إن الطهارة تنتقض بجميع ذلك، كما تنقص بالمعتاد.
وَوَافَقَنا أبو حنيفة في أن المني إذا خرج لغير شهوة لا يوجب الغسل.
والدليل لقولنا: هو أن الإنسان إذا تطهر قبل أن يحدث شيء من
هذا، فهو على طهارته، فمن قال: إن طهارته تنقص فعليه الدلالة.
وأيضاً فإن إيجاب الوضوء يحتاج على دليل شرعي، والأصل براءة الذمة.
فإن عورضنا باستصحاب حال أخرى، وهي أن الصلاة عليه بيقين فلا تسقط إلاَّ بدليل.
قيل: قد اتفقنا على أن الصلاة تسقط بفعل الطهارة مع سائر شروطها، واتفقنا على أن هذا قد تطهر للصلاة، فمن زعم أن الطهارة المتفق عليها - وقد فُعلت للصلاة - قد انتقضت فعليه الدليل.
وأيضاً قول النبي: «لا وضوء إلاَّ من صوات أو ريح»، فنفى
إيجاب الوضوء إلاَّ من هذين حتى يقوم الدليل.
وأيضاً ما رُوِيَ عنه عليه السلام أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصافة، إذا ذهب قدرها فاغسلي عند الدم وصلي»، فأمرها بغسل الدم فحسب، ثم تُصَلِّي ولم يأمرها بطهارة.
فإن قيل: غُسلها واجب، وهو طهارة.
قيل: «وصلي»، لا يختص صلاة دون صلاة، فقامت الدلالة على غسلها عند انقطاع الحيضة، ولم تقم دلالة على وضوء لكل صلاة.
فإن قيل: قوله لها: «وصلي»، أمر يقتضي ظاهره فعل مرة واحدة.
ولا يقضي التكرار إلاَّ بدليل، وقد اتفقنا على أنها تغتسل لأول صلاة بعد انقطاع الحيضة، فلم يبق في الخبر دليل على موضع الخلاف.
قيل: قد جعل إقبال الحيض دليلاً على ترك الصلاة، وجعل انقطاعها دليلاً على وجوب الصلاة، فعقل منه أنه اطراد الصالة التي بين الحيضتين كلتيهما، فتقديره: إذا فعل قدرها فصلي حتى تقبل فتتركي الصلاة.
+وأيضاً قوله عليه السلام لفاطمة بنت قيس في دم الاستحاضة: «إنما هو دم عرق وليس بالحيضة»، فعلل عليه السلام دم الاستحاضة بأنه دم عرق، أو خبر بأنه دم عرق، ودم العرق لا ينقض الوضوء.
وأيضاً فإنَّه خارج نادر فوجب ألا ينقض الوضوء، كما يخرج من غير مخرج الحدث.
وأيضاً فإن الخارج المعتاد إذا خرج من غير مخرج معتاد لم ينقض الوضوء، مثل أن يتقيأ أو يخرج من انفه، فكذلك يجب أيضاً إذا خرج ما ليس بمعتاد من مخرج ألا ينقض الوضوء حتى يكون الاعتبار بالعادة.
فإن قيل: هذا يد لعلى أن الاعتبار بالمخرج لا بالخارج.
قيل: الاعتبار بالمخرج وما يخرج منه، فإن خرج منه معتاد وهو معتاد، نقض الطهارة، ألا ترى أن دم الحيض يخرج معتاداً ففيه الغسل، ويخرج دم الاستحاضة فلا يجب فيه الغسل لخروجه عن العادة سقط الوضوء لخروجه عن العادة.
ويجوز أن نقول: دم الاستحاضة دم نجس خارج من البدن على غير وجه العادة فلا ينقض الطهارة، قياساً على دم القرح
والدمل والفصاد.
أو نقول: إذا خرج الدم من فرج الرجل، وهو شيء نجس خارج من بدنه على وجه المرض فلا يجب فيه الوضوء، أصله دم الرعاف، أو القرحة تكون على ظاهر البدن.
وأيضاً فإننا رأينا الأحداث التي تفسد الطهارة في غير الصلاة هي في حال الصلاة أغلظ؛ لأنه لأنه قد تفسد الطهارة في الصلاة أشياء لا تفسدها في غير الصلاة عند قوم من أهل العلم، مثل القهقهة في الصلاة، وهذا لِغِلَظِ أمر الصلاة فلو كان دم الاستحاضة حدثا يفسد الصلاة لوجب أن يكون في الصلاة أولى أن يوجب طهارة مستأنفة، فلما وجدنا المستحاضة تُصَلِّي وإن قطر الدم على الحصير، ولا تخرج فتتوضأ، وجب أن يكون في غير الصلاة أولى أن لا تنقض طهارتها، ولا يجب عليها طهارة مستأنفة.
فإن قيل: فإننا لو أوجبنا عليها أن تخرج من الصلاة وتتوضأ ودمها متتابع أدى ذلك إلى أن لا تُصَلِّي حتى يخرج الوقت.
قيل: وكذلك لو أوجبنا عليها قبل الصلاة أن تتوضأ كما رأت الدم الذي ينقض الوضوء، وهو يحدث بعد الوضوء، أدى على أن
لا تدخل في الصلاة، وخرج الوقت.
وجرى الكلام بيني وبين أبي الحسن المرزبان - رَحمَه الله - في هذه المسالة على هذا الفصل، فقال لي: إذا كان الم متتابعاً لا يمكن أن ينفصل يجعلها داخلة في الصلاة، بعد وضوئها إلاَّ بوجود الدم قبل دخولها في الصلاة، فلا فرق - عندنا - بين قبل الصلاة، وبين دخولها في الصلاة، في أنها لا تتوضأ.
وإن كان غير متتابع، وإنما هو المرة بع المرة، فإن حكمها في الصلاة وفي غير الصلاة واحد، في أن الوضوء واجب عليها قبل الصلاة، وإذا طرا في الصلاة خرجت فتوضأتـ فقلت له: الذي كنا نعرف ويحكيه شيوخنا عنكم الفرق بينهما من أنكم تراعون دخولها في الصلاة، بأن تتوضأ وتدخل فيها إما مع الدم أو قبل أن يحدث، فإذا دخلت ثم حدث
بها مضت، ونحن نعلم أن المدة التي بين وضوئها وبين دخولها في الصلاة مدة قريبة، فإذا توضأت فإن كانت مستحاضة وكان الدم ينقطع عنها هاذ القدر حتى تدخل في الصالة بالوضوء، فحال الصلاة أطول، فلا يمهلها الدم حتى تخرج من الصلاة، فإذا طرأ عليها في نصف الصلاة، فإن أوجبتم عليها الخروج من الصلاة وأن تتوضأ أدى إلى أن تُصَلِّي ويخرج الوقت؛ لأنها تتوضأ فيمهلها الدم حتى تدخل في الصلاة، ولا يمهلها إلى أن تنقضي الصلاة، فمن قال: لا فرق بين الحالين سقط قوله بها، وبان أن الدم الذي هذه صفته ليس بحدث ينقض الطهارة.
فإن قيل: فأوجبوا عليها الطهارة إذا الدم يمهلها بعد الوضوء حتى يتصل وضوؤها بدخولها في الصالة، وإن كان لا يمهلها حتى تنقي الصلاة.
قيل: لا فائدة في هذا؛ لأنه ليس بحدث - عندنا - إذ لو كان حدثاً لاستوى فيه حكم الجزء الأول من الصلاة، وحكم الجزء الأخير، والطهارة ترد للصلاة، وإن كان ذلك حدثاً معفُّواً عنه، فينبغي أن يعفي عنه في الجزء الأول من الصلاة، كما يعفي عنه في الجزء الأخير، فثبت بهذا الاعتبار أن العلة في سقوط الوضوء هي: أن هذا الدم خرج عن الصحة إلى حال المرض، فلا فرق بين الحالين قبل الدخول في الصلاة وبعد الدخول فيها، وصار في حكم دم الرعاف والدمل الذي يخرج عن الصحة.
فإن قيل: ألا جعلتم ها بمنزلة المتيمم الذي يجد الماء قبل الصلاة فيجب عليه استعماله، ولو وجده في الصالة مضى على صلاته.
قيل: إن روية الماء ليس حدثاً، وإنما قلنا: إن الأحداث التي تنقض الطهارة لا فرق بين طُرُوِّها قبل الدخول في الصلاة وبعد الدخول فيها، والمتيمم - عندنا - حدثُه لم يرتفع قبل الصلاة ولا بعدها، وإنما قلنا يرجع قبل الصلاة إلى الماء حتى يرفع حدثه؛ لأن الطلب لا يسقط حتى يدخل في الصلاة، فيسقط عنه، فيمضي بالتيمم الذي يستبيح به الصلاة، فالعلة ههنا هي الطلب، فإذا لم يسقط الطلب رجع إلى الماء، وإذا سقط الطلب مضى، وإن كان حدثه لم يرتفع، والعلة في دم الاستحاضة خروجه عن الصحة، فأي موضع وجد لم يجب استئناف الطهارة، وإذا عدم وجبت الطهارة.
ولنا أيضاً الاعتبار الصحيح بدم الحيض ودم الاستحاضة؛ وذلك أن هذا الدم إذا خرج في زمانه على وجه العادة تعلقت به أحكام منها: ترك الصلاة والصيام وامتناع الوطء والغسل عند انقطاعه، فإذا خرج عن هذا الوجه، وصار دم فساد على ما قاله صاحب الشريعة عليه السلام سقطت عنه هذا الأحكام، ولم يكون هذا إلاَّ لخروجه عن وجهه في العادة، فوجب أن تكون سائر الأحداث التي تتعلق عليها أحكام الطهارة
إذا خرجت عن وجهها في الصحة والعادة أن تكون كذلك في سقوط الأحكام المتعلقة بها.
فإن قيل: فقد استويا في كونهما نجسين يجب غسلهما عن الثوب والبدن.
قيل: لا يجب غسلهما وقد سبق كلامنا عليه.
وأيضاً فقد وافقونا على أن المستحاضة تجمع بين صلاتي نفل بوضوء واحد وفي الحديث المعتاد لا يجوز ذلك مع تخليل الحدث بين الصلاتين، فعلمنا بهذا أن الاستحاضة ليس بحدث، ولا تجب طهارة مستأنفة.
فإن قيل: إنما جوزنا هذا لأجل أن النفل أخف، كما جوزنا وأنتم أن يجمع بينهما بتيمم واحد، ولم يجوز ذلك في صلاتي فرض.
قيل: أمر النافلة وإن كان أسهل من الفريضة فقد اتفقنا على أنه لا يجوز أن يُصَلِّي صلاة نافلة بوضوء، ثم يطرأ عليه حدث معتاد قبل
دخوله في الثانية فيدخل فيها حتى يزيله، وقد جوزتم أن تدخل في الثانية وقد طرا عليها الدم قبل دخولها فيها، فعلمنا أنه ليس بحدث، وأما المتيمم فقد دخل فيها ببدل من الوضوء وهو التيمم، ولم تدخل المستحاضة بأصل ولا بدل.
فإن قيل: فقد قال الله -تعالى -: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فأوجب على كل قائم إلى الصلاة غسل هذا الأعضاء، وهذا عموم في كل صلاة.
قيل: عن هذا أجوبة:
أحدها: أن قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، يقتضى فعل مرة لكل الصلوات؛ الألف واللام في ﴿الصَّلَاةِ﴾، للنجس، فإذا تطهر عند
القيام إلى الصلاة فقد غسل اعضاءه لكل الصلوات، ولم يقل: اغسلوا لكل صلاة وأيضاً فإن المراد بالآية أحد أمرين: إما أن يكون أراد إذا قمتم من النوم على ما قيل في التفسير، أو أنتم محدثون على ما قيل فيه أيضاً، وهذا لم يقم من النوم، ولا هو - عندنا - محدث.
وأيضاً فإنه - تعالى - قال في سياق الآية ما يدل على ما نقول: وذلك أنه - تعالى - قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، فكنير بالغائط عما ينوب الناس في صحتهم من الحدث الذي اعتادوه، لا عن دم أو حصى أو دود، لأن هذه الأشياء تكون من البول تجب عن غلبة، وليس لها موضع يقصد فلا تدخل تحت الكناية بالغائط.
فإن قيل: فقد روى في حديث صفون بن عسال المرادي
أنه عليه السلام قال في نزع الخف: «لكن من غائط وبول ونوم»، ولم يفرق بين بول معتاد وبين سلس البول، وأمَرَ بالمسح على الخف من البول عموماً.
قيل: هذا أيضاً إشارة إلى ما يعتاد الناس من الغائط والبول والنوم؛ لأنه قرن البول بغيره من المعتاد، والكلام أيضاً يخرج على الإطلاق، ومن جرت عادته بالبول إذا بال قيل فيه قد بال: وإذا سلس بوله قيل: قد سلس بوله، والنبي عليه السلام لم يقل: لكن من سلس البول، ثم لو ثبت العموم لقضى عليه بعض ما ذكرناه.
فإن قيل: فإنه خارج من مخرج معتاد للحدث فوجب أن ينقض الوضوء أصله الخارج المعتاد.
قيل: هو ينقض بالمستحاضة كلما طرأ عليها في الصلاة.
فإن قيل: طهارتها تنتقض، ولكن عفي لها عن الطهارة في الصلاة.
قيل: وكذلك نقول نحن فيها قبل الصلاة، للمعنى الذي تقدم على أن المعنى في الأصل كونه حدثاً معتاداً خرج من مخرج معتاد.
فإن قيل: فإن حديث فاطمة بنت قيس إنما سألته لاعن حكم الاغتسال، فقال: «إنه دم عرق»، في أنه لا يوجب الغسل.
قيل: ولا الوضوء أيضاً؛ لأنه قال لها: هو دم عرق فأحالها على دم العروق الذي يعلم أنه لا ينقض الوضوء، لولا هذا لكان يبين لها، ويقول: هو بخلاف دم العروق؛ لأنَّه يوجب الوضوء وإن لم يوجب الغسل، فلما شبهه لها بدم العرق الذي لا غسل فيه ولا وضوء علمنا أنه لم يرد الغسل والوضوء جميعاً.
فإن قيل: فقد رُوِيَ أنه قال لها في بعض الأخبار: «وتوضئي لكل صلاة».
قيل: هذا ليس بصحيح، فإن صح حملناه على طريق الاستحباب بالدلائل التي ذكرناها أو نحمله على الوجوب إذا كان مثل المرة بعد المرة، إذا ندرت وبينها وبين الحيض زمان لا يحكم له بالحيض، فإن
هذا قد يكون عادة في النساء، ولا يكون مرضاً فتتوضأ واجباً، فأما إذا كان يجيئها مثلاً ساعة وينقطع ساعة فهو مرض لا يجب عليها فيه الوضوء بل يستحب.
وهذا الذي خرجته يدل عليه قول مالك - رَحمَه الله -؛ لأن ابْن الْقَاسِمِ حكى عنه فقال: ومن اعتراه المذي المرة بعد المرة فليتوضأ إلاَّ أن يستنكحه ذلك فإن الوضوء فيه مستحب.
وهذا يدل من قوله على ما ذكرناه، فإن لم يحمل على هذا فالمسألة وفاقٌ بيننا وبين الشافعي؛ لأنهم يقولون بوجوب الوضوء في المرة بعد المرة، وإن كان متصلاً متتابعاً لم يجب على ما حكيته فيما تقدم عن ابن المرزبان.
فإن قيل: فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قصة علي رضي الله عنه لما قال
للمقداد: سله لي عن المذي، فقال عليه السلام: «كل فحل مذاء، فاغسل ذكرك وتوضأ»، ولم يفرق بين المذي لشهوة وعزبة، ولا بين غيرها فثبت بهذا وجوب الوضوء.
قيل: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجاب عن الوجه الذي سئل عنه، وهو الذي يعتاد الإنسان، ألا ترى أنه قال: «كل فحل مذاء»، فخرج كلامه على عادة الفحول.
أفترى أنه أراد أن كل فحل يسلس مذية، ويخرج على وجه المرض؟ ولعل هذا يكون في خلق عظيم، وهو قضية في عين يحتمل أيضاً هاذ الذي ذكرناه فيحمل عليه، ولو ثبت العموم فيه لجاز أن يحمل على وجه الاستحباب، أو على من اعتراه المرة بما تقدام من الاعتبار.