وينبغي أن يكون الجمعة متصلا بالرواح، وهذا هو المستحب والمسنون، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي.
وقال قوم: إنه إن اغتسل قبل الفجر أجزأه.
قالوا: إنه لا خلاف أنه لو اغتسل للعيد قبل الفجر أجزأه واعتد به، فكذلك الجمعة؛ لأنه غسل عيد.
والدليل لقولنا: ما رواه ابن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال كمم من جاء إلى الجمعة فليغتسل»، وفي خبر: «من راح إلى الجمعة»، «من أتى إلى الجمعة»، فقرن الغسل بالمجيء والرواح، المجيء والرواح قرنا بالغسل أيضا.
وكذلك في حديث حفصة أنه عليه السلام قال: «على كل مسلم أن يروح إلى الجمعة فمن راح إلى الجمعة فليغتسل»، فجعل وقته وقت الرواح خلاف التغليس والبكور.
وأيضا قد روى أبو سيعد الخدري أن الني عليه السلام قال: «الغسل واجب على كل محتلم يوم الجمعة»، ففيه دلالة على أنه لا يجزئ قبل الفجر؛ لأنه قال: «يوم الجمعة»، وقبل الفجر ليس من يوم الجمعة.
فإن قيل: ففي هذا دلالة عليكم؛ لأنه جعل جميع النهار وقتا له.
قيل: كل النهار ليس وقتا للجمعة؛ لأن غسل الجمعة هو قبلها، فعلم أنه أراد قبل الزوال لا قبل الفجر.
فإن قيل: قد علمنا أنه عليه السلام لم يرد الغسل بعد الرواح والمجيء وإنما معناه: من أراد المجيء والرواح فليغتسل، وهذا قبل الفجر وبعده يريد الرواح فيغتسل.
قيل: فينبغي إذا عزم وأراد المجيء إلى الجمعة يوم الخميس أو ليلة الجمعة أن يغتسل، وهذا مثل قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾، أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا عند القيام، كذلك هذا يغتسل عند الرواح، ولولا أن دلالة قامت في جواز تقديم الوضوء لما زلنا عن الظاهر وهو وجوب الوضوء عند القيام إلى الصلاة.
وأيضا فإنه غسل للجمعة قبل يومها فوجب ألا يعتد به، كما لو اغتسل يوم الخميس.
وقال الشافعي: إنه [إن] غسل في يوم الجمة لها قبل فعلها فوجب أن يعتد به، أصله إذا اغتسل قبل الرواح.
قيل: هو معتد به، وإنما الاستحباب ما قلناه.
ثم لو قلنا: إنه لا يعتدد به من السنة إذا تأخر مضيه إلى الجمعة؛ لأننا قد عرفنا المعنى الذي من أجله أمروا بالغسل فينبغي أن يكون متصلا بالرواح؛ ليكون رواحه متصلا بالنظافة وقطع الروائح من العرق وغيره؛ لأنه بعد رواحه ينتظر الصلاة، ولعله يعرق، وتفوح له رائحة فكل ما كان غسله متصلا برواحه كان أقطع لما يحدث منه بعد الرواح.
يقوي هذا: أنه لا يجزئه الغسل قبل الفجر؛ لبعده عن المعنى المراعى.
يقوي هذا: ما روي أن الناس كانوا عملا أنفسهن، فكانا يروحون بهيئتهم، فتفوح روائحهم، قيل: «لو اغتسلتم».
ويجوز أن نقول: قد اتفقنا أنه لو اغتسل لها قبل الفجر لم يجز؛ بعلة أنه غسل سن لأجل الاجتماع للجمعة، ولقطع الروائح عنهم، فلما لم يتصل ذلك بالرواح لم يجزئه من غسل الجمعة، كذلك هذا؛ لأن غير متصل بالرواح.
ونقول أيضا: لو جاز تقدمة الغسل ويكون هو المسنون إذا لم يتعقبه المجيء إلى الجمعة عن كان مشترطا بالمجيء ليجوز تقدمة الغسل قبل يوم الجمعة وإن كان مشترطا في الجمعة، فلما لم يجز ذلك؛ لأنه خلاف الشرط المأمور به كذلك في مسألتنا، وبالله التوفيق.
ومن كتاب الحيض
[77]
مَسْأَلَة
أقل الحيض عند مالك - رَحمَه الله - فيما تترك له الصلاة والصيام هو أقل ما يوجد في النساء، وذلك لمعة أو دفعة من دم.
وقال أبو حنيفة: أقله ثلاثة أيام بلياليها.
وبمثل هذا قال محمد بن مسلمة في العدد.
وحكي عن مالك مثله في العدد والاستبراء لا في ترك الصلاة.
وقال الشافعي: أقله يم ليلة.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: {ويسألونك عن المحيض قل هو
أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} فسماه أذى وأمر بالاعتزال فيه، ولم يفرق بين قليله وكثيره، فكل دم خارج ممن يجوز أن تحيض في زمان يصلح فيه فهو دم حيض ... إلا أن يقوم دليل.
فإن قيل: المحيض ليس هو الحيض، وإنما هو مكان الحيض الذي هو الرحم، فإذا ثبت أنه محيض صح ما قلتم، ولا نسلم أنه يسمى محيضا بخروج دفعة من دم.
قيل: إنما كني باسم المحيض عن الدم؛ لأنه يخرج منه، ولم يجعله كناية عن دم مخصوص، فمن زعم أنه كناية عن دم كثير دون دم قليل فعليه الدلالة.
وأيضا فقد بين النبي عليه السلام صفة دم الحيض فقال: «هو أسود ثخين له رائحة»، فعلمنا أن المحيض كناية عن الدم الذي هذه صفته،
قليلا كان أو كثيرا إلا أن يقوم دلالة.
وأيضا فإذا كان اسم المحيض كناية عن الرحم فهو يستحق الاسم في حال خروج الحيض وفي خلاله، فالظاهر يقتضي أن نعتزل هذا المكان على كل حال، في حال الدم وفي خلاله، كان الدم قليلا أو كثيرا إلا أن تقوم دلالة.
وعلى أنهم لا يخالفوننا في اعتزالها في هذا الدم القليل، ولكنهم يراعون أي وقت ينقطع.
فإن انقطع دون المدة التي جعلوها حدا لأكثر الحيض كان حيضا.
وإن زاد كان حيضا واستحاضة، ويكون الحيض منه هو المحدود في أقل الحيض - عندهم - على اختلاف بينهم فيه.
وإن انقطع دون يوم وليلة - عند الشافعي - أو ثلاثة أيام - عند أبي حنيفة فهو غير حيض.
ولنا أن نستدل في ابتداء المسألة بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة»، وهذا إنما ذكره عليه السلام؛ ليعلمنا أن الحكم بتعلق بوجود الدم الذي صفته، ولم يفرق بين قليله وكثيره؛ إذا لو كانت المدة صفة فيه لم يحذفها منه، كما لو يحذف علامات الدم نفه عام إلا أن يقوم دليل.
وأيضا فما رواه عروة عن عائشة - رضي الله عنها - أن فاطمة بنت
أبي حبيشة قالت: يا رسول الله، إني أستحاض فلا أطهر.
فقال: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت وأذهب وقدرها فاغسلي عنك الدم وصلى»، وإقبالها إنما تعرفه بأمارته ولونه، فلولا أن الجزء الأول الذي تعرفه من الحيض، ومحكوم له بحكمه لم يأمرها بترك الصلاة في إقبالها، ولكان يقول لها: إذا عرفت الدم وأقبل فلا تتركي الصلاة حتى يمضي يوم وليلة أو ثلاثة أيام.
وأيضا فإنه لما كان دم النفس تتعلق بالأحكام بوجوده من ترك الصلاة والصوم والامتناع من الوطء، ولم يكن لأقله حد غير وجوده وجب أن يكون دم لحيض مثله؛ لمشاركته إياه في علته.
فإن قيل: فقد روي في حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لها: «اتركي الصلاة يوم حيضتك يوم محيضك»، فوجب أن يكون
اليوم مقدرا فيه.
قيل: هذا دليل لنا؛ وذلك أنه أراد وقت حيضتك، أي في يوم الذي تحيضين فيه، كما تقول: كلم زيدا يوم يقدم فلان، فإنما معناه في اليوم، أي: وقت قدومه منه، ولم يقل: دعي الصلاة بعد يوم حيضتك وبعد ليلته، فصار هذا حجة لنا.
وأيضا فإن أصل دم الحيض والنفاس المرجوع فيه إلى الوجود في النساء؛ لأنه يختلف فيهن بحسب طباعهن، وبحسب أسنانهن، وبحسب اختلاف الأزمنة عليهن، وباختلاف الحرارة فيهن؛ لأنه يقل ويكثر وينتقل، فجعل ذلك معتبرا بوجوده منهن وفيهن، وقد يوجد من تحيض دفعة، كما يوجد من تحيض أكثر من ذلك، ووجد من تحيض أكثر من صاحبتها، فينبغي أن يحكم في ذلك يقدر ما قد وجد ويوجد.
وأيضا فإن النبي عليه السلام سمى دم الاستحاضة لما خرج من عادة النساء دم عرق وفساد، وهو الزائد على خمسة عشر يوما، أو عشرة أيام، فوجب أن يكون ما دونه دم حيض قليلا أو كثيرا.
والدليل على صحة قولنا أيضا: أننا لا نعلم خلافا أن المرأة المبتدأة بالدم تترك الصلاة لرؤيته، فلولا أن ذلك دم حيض لم يجز
لها ترك الصلاة التي عليها بيقين بدم مشكوك فيه، فثبت بهذا أن رؤية الدم بالمبتدأة دم حيض إلا أن يتبين أنه ليس بحيض بدليل يقارنه، وهو أن يزيد على خمسة عشر يوما.
فإن قيل: قد روي أن النبي عليه السلام قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «دعي الصلاة أيام أقرائك»، وأقل مما يقع عليه اسم أيام ثلاثة.
قيل: هذا إنما هو خطاب لا المرأة بعينها، وفتوى لها، ولا يجب إذا كانت امرأة على صفتها أن يكون حالها كحالها، وخلافنا في امرأة ليست لها أيام، وهي مبتدأة، أو تكون لها أيام فيما مضى ثم تتغير، وقد علمنا اختلاف أحوال النساء، واختلاف أحوال الدم عليهن من زيادة ونقصان، وانتقال من زمان إلى زمان.
وعلى أن هذا أمر منه ألا تزيد على الأيام التي كانت تعتادها، ولم
يعترض للنقصان.
فإن كنتم تستدلون من دليل الخطاب، وأن دون ما يسمى أياما لا تترك له الصلاة فأنتم لا تقولون بدليل الخطاب، ولو قلتم به لم يمتنع أن يلحق المسكوت عنه بالمنطوق به بدلالة، قد ذكرنا أدلة.
ونقول أيضا: لما كان دم الحيض دما تزجيه الرحم يمنع الصوم والصلاة جاز أن يكون أقله ساعة، ودفعة من دم، ودليله دم النفاس.
ونقول أيضا: إن الحيض مما يسقط الصوم والصلاة إذا دام ثلاثة أيام، فوجب أن يحكم لما دونه بحكمه إذا وجد على صفته كدم النفاس.
أو نقول: الحيض يتغير به حكم الطهر كالنفاس، فيجب أن يستوي حكم قليلهما؛ لاشتراكهما في العلة.
وهذه القياسات بعينها تلزم أصحاب الشافعي أيضا في اليوم والليلة.
فإن قيل: فد روي عن عثمان بن أبي العاص، وأنس في الحيض أنهما قالا: أقله ثلاثة أيام، وأكثره عشرة، وما بعد ذلك فهو استحاضة.
قيل: الراوي لحديث أنس هو: الجلد بن أيوب، وهو مجهول لا يعرف، فإن صح ذلك فيحتمل أن يكون في امرأة بعينها، كان أقل.
حيضا ثلاثة أيام وأكثره عشرة؛ حتى يتفق مع ما قدمناه من الدلائل.
فإن قال قائل من أصحاب الشافعي: فإنه قد روى عن علي رضي الله عنه أن ما زاد على خمسة عشر يوما فهو استحاضة، واقل الحيض يوم وليلة.
قيل: يجوز أن يصرف هذا أيضا في امرأة بعينها بدلالة، يوجز أن يكون هذا في العدة.
على أنه قد روي عنه أنه حضر رجلا خاصم امرأة له طلقها منذ شهر عند شريح، فالت: انقضت عدتي.
فقال علي رضي الله عنه لشريح: قل.
فقال شريح: إن انقضت عدتها بما يعرفه الناس فقد بانت منه.
فقال علي: قالون.
أي قد صدقت، فدل هذا على أن ما قل قد يكون حيضا.
فإن قيل: فأنتم لا تجعلون دفعة من دم تعتد بها في العدة.
قيل: القياس هذا.
ومن أصحابنا من قال: لا فرق بين العدة وغيرها إذا كان الطهر بين الحيضتين تاما، وإنما يستحسن الاستظهار في العدة احتياطا للفرج والنسب حتى يخرج من الخلاف، وهذا سمعته من الشيخ أبي بكر - رَحمَه الله -.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «أقل الحيض.
. . .
في غالب الوجود، والعرف الدائم في الغالب، فأما دونه فمحكوم له بحكمه؛ لأنه قد وجد، كما أنه ليس في الغالب من تحيض خمسة عشر يوما، ولها الحكم هو من دون ذلك، ونحمله على ما ذكرناه بالدلائل التي تقدمت أيضا.
فإن قيل: فقد قال الله - تعالى -: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾، فاحتمل أن يكون أراد كل دم موجود خارج عن العرف العام والخاص، واحتمل أن يكون أراد دما موجودا متعلقا بالعرف الخاص أو العام، فلما اتفقوا [على ذلك دل] على أن ما زاد على خمسة عشر يوما أو سبعة عشر لا يكون حيضا عن كان الدم موجودا، علم أنه أراد بذلك الوجود المعتاد لا الوجود النادر الشاذ.
قيل: هذا يلزمك في اليوم والليلة، ويلزم من يقول الثلاث؛ لأنه
ليس هذا هو المعتاد، بل هو نادر، والمعتاد في غالب أحوال النساء السبع والثماني إلى العشر، وما نقص عنه أو زاد إلى الخمسة عشر فهو نادر فثبت أنه - تعالى - أراد الموجود المعتاد على حسب اختلافه فيهن.
فإن قيل: فإن قوله - تعالى -: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾، فإنما جعل الحيض أذى، ولم يجعل الأذى حيضا، فبينوا أولا أن هذا حيض حتى نسلم لكم ما تقولون.
قيل: قوله - تعالى -: ﴿قل هو أذى﴾، أي ما تتأذون هب كناية عرفنا صفته، ولم يفرق فيما يتأذى به بين قليله وكثيره.
وعلى أنه قد بينه النبي عليه السلام بقوله: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة»، فكأن الله - تعالى - قال: قل هو أذى إذا كانت صفته ما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فإن قيل: فإن قياسكم دم الحيض على دم النفاس لا يستقيم؛ لأن العلة في دم النفاس أنه يجوز أن يزيد على خمسة عشر يوما.
وأيضا فإن أقله قد وجد.
قيل: علتكم هذه لا تتعدى، ولا تصح على أصل أبي حنيفة، وعلى أصحاب الشافعي تصح، ولكن علتنا المتعدية أولى منها.
ثم إذا جاز أن يكون أقل النفاس دفعة من كان في الحيض أجوز؛ لن دم النفاس يجتمع في الرحم على الحمل ويكثر، فكان ينبغي أن لا يتعدى بقليله بل يزاد في أقله كما زيد في أكثره، وأن ينقص من قليل الحيض كما نقص في أكثره عن النفاس، فلما اعتدل بالأقل في النفاس كان في الحيض أولى.
وما ذكروه من أن دفعة من دم قد وجد في النفاس، فمثله قد وجد في الحيض، وما حجتنا فيه إلا الوجود.
فإن قال شافعي: إن الأصول تشهد لقولنا، وذلك أن الحيض يسقط الصوم والصلاة فوجب أن يكون أقله محيطا بإسقاط هذه الفرائض، وأقل زمان يسقط هذه - عندنا وعندكم - يوم وليلة.
قيل: هذه دعوى.
على أن جنس الحيض يسقط جنس الصلاة والصيام، ولما لم يتخصص بصلاة دون صلاة في أكثره لم يتخصص بزمان دون زمان في أكثره ولا في أقله.
على أن هذا يلزم في أقل النفاس.
فإن قيل: أكثره مقدر فكذلك أقله.
قيل: دفعة من دم مقدرة فهي كالنفاس سواء، وهذا ينقض ما قالوه، وبالله التوفيق.
[78]
مَسْأَلَة
قال مالك - رَحمَه الله -: ويستمتع من الحائض بما فوق إزارها، ولا يقرب أسلفها، فأما الاستمتاع بما دون الإزار، هو ما بين السرة والركبة إلى الفرج فظاهر قوله أنه محرم، به قال أبو حنيفة وأبو يوسف فيما حكاه الطحاوي عنهم، وهو ظاهر قول الشافعي.
وقال محمد بن الحسن: يجوز فيما دون الفرج، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، وحكى أن الشافعي قد أشار إليه.
قالوا: لما روى أيوب عن عكرمة عن بعض زوجات النبي عليه السلام أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا أراد أن يباشر امرأته هي حائض أمرها أن تلقي على فرجها ثوبا، والثوب على الفجر لا يحول بينه وبين ما عداه، فدل على جوازه.
وأيضا: فقد قال عليه السلام لعائشة - رضي الله عنها -: «ناوليني الخمرة من المسجد»، فقالت: إني حائض.
فقال: «ليست الحيضة في يدك»، فبين أن كل موضع لا يكون موضعا للحيض لم يتعلق به حكم الحيض، قالوا: وهذا نص.
قالوا: ولأنه لما منع من الإيلاج في الموضع المكروه - وهو الدبر - لم يمنع مما قاربه، وكذلك الفرج في حال الحيض لما منع منه لم يمنه مما قاربه.
والدليل لقولنا: ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: كنت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الفراش، فحضت، فقال: «مال لعلك قد
حضت؟».
فقلت: نعم.
فقال: «ائتزري وارجعي»، فأمرها أن تأتزر لتحول بينه وبين ذلك الموضع، فعلم أن مباشرة ذلك الموضع - اعني ما دون الإزار - محرم.
ولنا من الظاهر قوله - تعالى -: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، فأمر باعتزالهن جملة في المحيض، لم يقل: فاعتزلوا موضع لحيض.
فإن قيل: قوله: ﴿المحيض﴾ هو موضع الحيض، فكأنه قال: فاعتزلوهن في موضع الحيض، وكذا نقول.
قيل: المحيض كناية عن الحيض، فالمارد زمان الحيض الذي يصح أن يكون ظرفا لما يقع الاعتزال فيه، وهو زمان يطرأ فيه الحيض، قد تقدم، وهو ظرف لنا نحن أيضا فيه نعتزلهن، والرحم ظرفا لنا، فالمقصود الزمان الذي هو ظرف لنا وللنساء وللحيض جميعا، ولو أراد - تعالى - موضع الدم لقال: فاعتزلوا موضع الدم، وقد أكد ذلك - تعالى بقوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾، وهذا يقتضي أن لا نقربهن جملة، ولكن لما سئل النبي عليه السلام فقال له السائل: ماذا يحل لي من امرأتي وهي حائض؟.
فقال: «لتشد عليها إزارها، وشأنك
بأعلاها، فأعلمنا أن ما فوق الإزار يجوز أن يقرب، وهو حلال، ودل على أن أسفل الإزار حرام؛ لأنه قال له: ماذا يحل لي من امرأتي، فلما أحل له الفوقاني دل على أن السفلاني حرام، وبقوله - تعالى - ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾.
وهذا الخبر يصلح أن يكون دليلا مبتدأ في هذه المسألة إذا رتب هذا الترتيب.
ثم مع هذا فنحن نعلم أن النبي عليه السلام كان أملك لإربه من كل أحد عن المحارم، فلو كان الممنوع منه هو موضع الدم لم يقل النبي عليه السلام.
لعائشة - رضي الله عنها -: «شدي عليك إزارك»، لأنه لا يخاف منه التعرض لمكان الدم الممنوع منه، ولكنه امتنع مما قارب الموضع؛ لأنه من دواعيه فامتنع منه لذلك، وقد وقع الامتناع في الشريعة من دواعي الشيء المحرم لغلظه، من ذلك: الخطبة في العدة، ونكاح المحرم وتطيبه؛ لأن ذلك يدعو إلى شهوة الجماع المفسد للحج.
وأيضا فقد روي عن علي رضي الله عنه، رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل فقيل له: ما يحرم على الرجل من امرأته وهي حائض؟.
فقال: «ما تحت الإزار»، فهذا نص.
فإن قيل: الإزار عبارة عن المئزر، وعبارة عن الجماع والفرج؛ بدليل حديث سعد فكشفنا عن مؤتزرهم، فمن أنبت قتلناه، ومن لم ينبت جعلناه في الذراري.
ومما يدل: على أن الإزار كناية عن الجماع قول الشاعر:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء لو كانت بأطهار
أراد يشدون مآزرهم، أي يمتنعون من الجماع.
قيل: قد يقع اسم الغزار على ما ذكرتم على طريق المجاز والكناية، وإنما يحمل الخبر عليه إذا احتمله، والخبر لا يحتمله؛ لأنه لم يقل شدي على فرجك، وإنما قال: «شدي عليك إزارك»، وقال: «سيحرم ما تحت الإزار»، والذي تحته الفرج وما قاربه، ولا يجوز أن يكون أراد به الجماع؛ لأنه لا يكني عنه بقوله: «شدي عليك إزارك».
وأيضا فإن الإيلاج في الفرج في حال الحيض محرم لأجل الأذى، قال الله - تعالى -: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، فإذا ثبت المنع من الرج للأذى وجب أن يكون ممنوعا مما قاربه؛ لأنه في الغالب يصيبه الأذى؛ إذ دم الحيض يسيل باختياره ويستمسك باختياره.
فإن قيل: علة الفرج دائمة؛ لأن الأذى فيه قائم دائم، والذي يقاربه يجوز أن يصيبه أذى ويجوز أن لا يصيبه.
قيل: لا فرق بينهما؛ لأن الأذى ليس بدائم في الفرج، وإنما ينصب من الرحم إلى الفرج، فتارة يكثر وتارة يقل، وتارة يمسك، فإذا خرج فالغالب منه ملاقاة ما قاربه.
فإن قيل: دم الحيض إنما منع ملاقاته في محله وموضعه، فأما إذا زايل موضعه لم يمنه من ملاقاته في محله وموضعه، فأما إذا زايل موضعه لم يمنع من ملاقاة وجهها؛ لأن الدم ليس في محله، كذلك لا يمنع من ملاقاة ما قارب لفرج وإن أصابه دم الحيض.
قيل: وعن ها جوابان:
أحدهما: أنه يمنع من ملاقاة دم الحيض إذا كان جاريا، فكذلك إذا كان على الوجه منع منه؛ لأن مباشرة النجاسة لا تجوز.
والجواب الثاني: أن دم الحيض إنما يمنه من ملاقاته إذا سأل من محله جرى من موضعه، وعلى ما يقارب الفجر يسيل من موضعه، فأما على وجهها فلا يسيل من موضعه، فلم يثبت حكم المنع من ملاقاته.
وعلى أن ما يقارب الشيء قد يكون في حكمه، ويفارق ما بعد منه.
فأما حديث أيوب عن عكرمة فهو حجة لنا، لأنه عليه السلام أمرها بأن تلقي الثوب على فرجها، وقد علم أن الثوب إذا حصل على الفرج
غطاه وغطى غيره مما يقاربه، فصار كالمئزر.
وأما قوله لعائشة - رضي الله عنها -: «ليست الحيضة في يديك»، فنما كان كذلك؛ لأن ما يصيبه من سيلان الجم من الفرج فهو في حكمه.
على أن الذي قال لها هذا هو الذي قال لها: «شدي عليك إزارك وعودي إلى مضجعك»، وقال للرجال: «شأنك بأعلاها»، وقال: «ما تحت الإزار حرام».
فإن قيل: فإنما منه من وطئها من أجل الدم هو الحيض فوجب أن يكون المنع مقصورا على موضعه.
قيل: لو وجب هذا لوجب أن يكون الغسل مقصورا على ذلك الموضع؛ لأن الغسل وجب لأجل الدم، فلما وجب غسل جميع البدن دل على أن الدم قد أحدث في جميع البدن حكما، وأوجب منه الوطء في
الموضع ما قاربه خوف الذريعة، كما قال عليه السلام: «ومن رتع حول الحمى يوشك أن يواقعه»، وقال في الفأرة تقع في السمن: «تطرح وما حولها»، فحكم لها قاربه بحكمه.
وقد روى عمير - مولى لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟.
فقال: «لك منها ما فوق الإزار، وليس لك ما تحته».
فإن قيل: قد روي عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي عليه السلام كان يباشر نساءه وهن حيض في إزار واحد.
وروي أنها قالت: كل شيء منها له حلال إلا الجماع.
وعن أنس مثله.
قيل: لا دلالة في هذا؛ لأنه عليه السلام كان يقسم لنسائه لا يأتي إحداهن في يوم الأخرى، فإن أرادات أنه كان يباشر كل امرأة في إزار واحد وعليها مئزرها، فليس فيه أنه يستمتع بما دون الإزار، وقد ثبت عنه تحريم ما دون الإزار.
وأما قلها: كل شيء منها حلال إلا الجماع، فهو حجتنا: لأن الجماع يكن في الفرج وخارجه وما قاربه، فكأنها قالت: كلها حلال إلا ما تحت الإزار، وهو موضع الجماع، ويصلح له بدلالة ما ذكرناه، وبالدلائل الأخرى.
وأيضا فقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولى من قول الصحابي.
وأيضا فإنه يحظر وخبر الصحابي يبيح، فالحظر أولى، والله الموفق.
[79]
مَسْأَلَة
إذا انقطع دم الحائض لم يجز وطؤها حتى تغتسل، سواء انقطع قبل تناهي حيضها أو بعد أكثره، وهو مذهب الشافعي، وأكثر الفقهاء.
وقال أبو حنيفة: إن انقطع لأكثر الحيض - الذي هو عنده عشرة أيام - جاز وطؤها قبل غسلها، وإن انقطع لدون أكثر حيضها في دن العشر لم يجز وطؤها حتى تغتسل، أو يمر عليها وقت صلاة؛ لأن الصلاة تجب - عنده - بآخر الوقت، فإذا مضى آخر الوقت جبت عليها الصلاة، فعلم أن الحيض قد زال؛ لأن الحائض لا تجب عليها الصلاة.
وقال الأوزاعي: إن غسلت فرجها جاز وطؤها، وإن لم تغسله لم
يجز وبه قالت طائفة من أصحاب الحديث.
واحتجوا بقوله - تعالى: ﴿ولا تربوهن حتى يطهرن﴾؛ أي ينقطع دمهن، فمنع - تعالى - من قربان الحائض، وجعل للمنع غاية هي انقطاع الدم، فعلم أن الحكم بعد الغاية بخلافة قبلها.
قالوا: ولأنها أمنت من معاودة دم الحيض فجاز وطؤها، كما لو اغتسلت، أو لأن الصوم قد حل لها فجب أن يحل لها فوجب أن يحل وطؤها، كما لو اغتسلت.
قالوا: وأيضا فإن الحكم إذا وجب لعلة زال بزوالها، كذلك ها هنا إنما كان المنع لأجل الحيض - وقد زال - فوجب أن يزول المنع.
قالوا: ولأن الحيض قد زال إنما بقي عليها استحقاق الغسل، استحقاق الغسل لا يمنع من الوطء كالجنابة.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، والاستدلال من هذه الآية من وجهين.
أحدهما: إنها قد قرئت بقرائتين ﴿حتى يطهرن﴾ مخففة،
و ﴿حتى يطهرن﴾ مشددة، أي يتطهرن بالماء، فأراد انقطاع دمهن وتطهرهن بالماء وإلا تناقض.
والدليل الثاني منها: (أنه - تعالى - قال: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، أي يفعلن الطهارة، فأضاف فعل التطهر إليهن، وانقطاع الدم ليس إليهن فعله، فعلم أنه أراد التطهر بالماء.
ثم إنه - تعالى - أثنى على من فعل هذه الطهارة فقال: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾، الثناء لا يقع إلا على فعل يصدر من جهتهن، وانقطاع الدم ليس من جهة المرأة فلا يقع الثناء عليه.
قال الله - تعالى -: ﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾، فإذا تقرر أن المرد به فعل الطهارة بالماء صار كأنه - تعالى - قال: ولا تقربوهن حتى يطرهن، أي ينقطع دمهن، ويتطهرن بالماء، لأنه قال: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾ أي تطهرن بالماء، وهذا كقوله: لا تعط زيادا شيئا حتى يدخل الدار فإذا دخل الدار وقعد فأعطه درهما يقتضي آن لا يستحق الدرهم إلا بوجود الشرطين، هما دخول الدار من غير قعود فلا يستحق به شيئا.
فإن قيل: هذا غلط في اللغة، وخلاف موجبها؛ لأن قله: ﴿حتى يطهرن﴾ شرط، وقوله: ﴿فإذا تطهرن﴾ جواب الشرط، وجواب الشرط يتعلق بما يتعلق به الشرط، فقوله - تعالى -: ﴿فإذا تطهرن﴾
أي انقطع دمهن؛ حتى يكونا جوابا لقوله: ﴿حتى يطهرن﴾؛ إذ لا يصح أن يجعل جوابه فإذا اغتسلن؛ لأنه خلاف اللغة، كقولهم: لا تعط زيدا حتى يدخل الدار فإنه دخل الدار فأعطه، فقوله: فإذا دخل يقتضي أن يكون الدخول هو الدخول المشرط لا صفة أخرى.
قيل: عن هذا جوابان:
احدهما: أن جواب الشرط يقتضي أن يكون ما تعلق به الشرط لا صفة أخرى ومعنى آخر كما ذكرتم، ولكنه لا يحتمل أن يكن قوله: ﴿فإذا تطهرن﴾ جواب له أصلا؛ لما ذكرناه من الوجهين، وذلك أنه - تعالى - أضاف الفعل إلى النساء، وأثنى على من فعل ذلك، وهذا لا يحتمل انقطاع الدم، فإذا لم يحتمل أن يكون هذا جوابا له؛ ولا بد للشرط من جواب، علم، جوابه مضمر فكأنه قال: ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا طهرن وتطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، فلا تحل إلا بوجود شرطين.
والجواب الثاني: هو أن الشرط في الآية الطهارة بالماء بالقراءة التي ذكرناها ﴿حتى يطهرن﴾، [فقوله: ﴿فإذا تطهرن﴾، وهذا يسقط كلامهم أصلا.
فإن قيل: قولكم ﴿فإذا تطهرن﴾، أضاف الفعل إليهن، ولا يجوز أن يعود إلى انقطاع الدم غلط، لأن ﴿يطهرن﴾ بمعنى يفعلن، كما يقال: ينكسر وإن لم يكن هو فعل ذلك فمعنى قوله: ﴿تطهرن﴾ أي طهرن.
قيل: هذا غلط، لأن الفعل أضيف إلى الحائض لا إلى الدم.
على أن الحقيقة معنا في ذلك فلا ننقله إلى المجاز.
ويفيدنا أيضا منع الوطء إلا بيقين؛ لغلظ أمره.
فإن عادوا أدلتهم من الآية، وأن التحريم تعلق بغاية هي انقطاع الدن، والحكم إذا علق بغاية دل على أن ما عداها بخلافها.
قيل: هذا صحيح إذا كانت الغاية واحدة، فأما إذا علق على غايتين وشرطين فإنما يكون الحكم بخلافه بعد وجود الشرطين جميعا لا بعد أحدهما.
فإن قيل: فإننا نستعمل القراءتين جميعا في قوله - تعالى -: ﴿حتى يطهرن﴾، و ﴿تطهرن﴾، فنحمل الخفيفة على انقطاع الدم الذي هو أكثر الحيض، ونحمل ﴿تطهرن﴾ على من انقطع دمها في دون العشر فلا يجوز وطؤها حتى تغتسل.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن القرائتين جميعا لم يتجردا عن قوله: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾ أي تفعلن، فحصلت الإباحة في القرائتين بشرط ثان مصرحا ومستدلا عليه بقوله: ﴿حتى يطهرن﴾، لم يتجرد قوله - تعالى -: ﴿حتى يطهرن﴾ فخفف من القراءة الأخرى بالتثقيل، ومعناها غير معنى المخففة، وإنما المثقلة للاغتسال، فينبغي أن يجمعا؛ بين قوله: ﴿يطهرن﴾ و ﴿يطهرن﴾، فلا يجوز الوطء إلا بعدهما جميعا؛ لعلة قوله: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، وهذا
كقوله - تعالى - ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾، يقتضي عقد النكاح، ثم أضيف إلى العقد الوطء بالدلالة من السنة فإضافة الغسل إلى انقطاع الدم أولى بالدليل المتصل به من القرآن، وهو قوله - تعالى -: ﴿فإذا تطهرن﴾.
فإن قيل: ما قلناه أولى؛ لأنه يفدي حكمين في حالين مختلفين.
قيل: حكمهما على قلتم.
. .، لأنه - تعالى - علق الشرطين في جميع ذوات الحيض إذا انقطع عنهن الجم في القراءتين جميعا، فاستعمال أحدهما فيهن جميعا ينفي الشرط الآخر فيهن.
فإن قيل: تحمل القراءة الخفيفة فيهن جميعا على الجواز، والثقيلة على الاستحباب، وهو أن يكون الوطء بعد الغسل.
قيل: إنما يجوز ذلك لو تجردت القراءتان من قوله - تعالى -: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾، فأما وقد جعل شرط الإباحة هو الاغتسال بقوله: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾ فلا يجوز أن يحمل على غير الوجوب.
ويجوز أن نقول: إن بقاء حكم حدث الحيض يمنه من وطئها حتى
تغتسل، كما إذا انقطع دمها قبل العشر، لما تغتسل ولم يمر عليها وقت صلاة.
فإن قيل: هو منتقض بها إذا انقطع دمها ولم تجد الماء فتيممت فإن حكم دم الحيض باق؛ لأن حدثها لا يرتفع وهو باق، ومع هذا فيجوز وطؤها قبل أن تغتسل.
قيل: هذا غلط علينا، لا يجوز له وطؤها بالتيمم؛ لأنه حين يولج ينتقض حكم تيممها فتكون في حكم الحيض كما كانت قبل التيمم.
ويجوز أن نقول: هي ممنوعة من الصلاة بحكم الحيض مع قدرتها على الغسل فلم جز وطؤها، أصله ما ذكرناه من انقطاع الدم قبل العشر وقبل مضى وقت صلاة.
فإن قيل: العلة الأولى منتقضة بالكتابية تحت المسلم إذا انقطع دمها ثم اغتسلت فإن حدثها لا يرتفع؛ لأنه لا نية لها صحيحة في العبادة، ومع هذا فإن زوجها يطؤها.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن حدثها بالحيض قد ارتفع بغسلها، عن كانت ممنوعة من الصلاة؛ لأنه لا يمتنع أن يكون الغسل لمعنيين: أحدهما: استباحة الزوج الوطء، والأخر: للصلاة، فيرتفع منع الزوج وبقى المنع من الصلاة.
ألا ترى أن الزوج يطأ الجنب المحدثة بغير الحيض، وهي لا تصلي.
فإن قيل: المعنى في المنع من وطئها قبل العشر إذا انقطع دمها هو: أنها لا تأمن معادة الدم الذي هو حيض فلهذا لا يجوز وطؤها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة.
قيل: هذا باطل به إذا اغتسلت أو مر عليها وقت صلاة فإنها لا تأمن معاودة الدم، وقد جاز وطؤها فسقط هذا.
ونقول أيضا: هذه مسلمة يجب الاغتسال عليها عن حيض سابق فلا يجوز وطؤها حتى تغتسل، دليله إذا انقطع دون العشر.
وإنما احترزت بقولي: مسلمة؛ لا اختلاف الراوية عن مالك - رَحمَه الله - في الكتابية فإنه قال: لا تجبر الذمية على الغسل من الحيض ويطؤها زوجها.
ونقول أيضا: كل معنى حرم الوطء وغيره فإن الوطء لا يحل مع بقاء شيء مما حرم معه، أصله الحج والصوم؛ لأن الإحرام بالحج يمنع الوطء القبلة واللباس المطيب والمباشرة، ثم لا يحل الوطء مع بقاء شيء من هذه المحرمات، وكذلك الصوم.
وأيضا فإن كل موضع حرم الوطء وغيره ساوى ما حرم معه فيه في وجوب الكفارة وانفرد هو بالإفساد، وكذلك الصوم لما حرم معه فيه في وجوب الكفارة وانفرد هو بالإفساد، وكذلك الصوم لما رحم فيه الوطء وغيره من الأكل والشرب ساوى الوطء فيه سائر ما حرم عليه وانفرد الوطء بالكفارة عند بعض الفقهاء، وكذلك من طلق امرأته ثلاثا حرم عليه وطؤها وقبلتها والتلذذ بها، ثم ساوى الوطء ما حرم معه في الحكم، وانفرد الوطء بتحليلها للزوج الأول، فكذلك الحيض لما منع الوطء والصلاة والصوم فإن لم تكن للوطء مزية على غيره مما حرم معه فلا يحل إلا بعد أن تحل الصلاة مع رفع الحد أو يكون مثلها.
فأما ما احتجوا به من الآية فقد جعلناها حجة لنا من الوجه التي ذكرناها.
وأما قياسهم فدق عبروا عنه بعبارتين.
إحداهما أن قالوا: يجوز لها أن تصوم فجاز أن توطأ، وهذا ينتقض بها إذا انقطع دمها في دون العشر وقبل الفجر فإنها تصوم إذا طلع الفجر الثاني ثم لا يحل وطؤها حتى تغتسل أو تطلع الشمس؛ لأن وقت الصلاة يمضى ويفوت إذا طلعت الشمس.
والعبارة الأخرى: أنها أمنت معاودة الدم إذا انقطع بعد العشر فنقول: لا تأثير لهذه العلة؛ إذا اغتسلت فسواء أمنت من معادة الدم أو لم تأمن فإن وطأها يجوز.
ألا ترى أن الدم إذا انقطع قبل العشر ثم
اغتسلت فإنه يطؤها؛ وهي لا تأمن من معاودة الدم.
على أن المعنى في الأصل إنها اغتسلت عند انقطاع دمها، يشهد لذلك غسلها قبل العشر.
وقولهم: إن الحكم إذا وجب العلة زال بزوالها فإننا نقول: العلة قد تزول تخلفها علة أخرى، كما تقولون في النجس يزال بالبول، وكما نقول جميعا: إن الصائمة لا يجوز وطؤها لأجل الصوم، ثم لو حاضت في خلال الصوم زال حكم الصوم، وانتقل منع الوطء بالصوم فصار ممنوعا بالحيض، فكذلك أيضا يكن ممنوعا من وطء الحائض لأجل الحيض، ثم يزول الحيض، وصار المنع باقيا لأجل الغسل.
وجواب آخر: وهو أجود من الأول - هو أن العلة المانعة - عندنا - هي بقاء حكم الحدث الحيض وهذا لا يزول إلا بالغسل له.
وقولهم: إن استحقاق الغسل لا يمنع الوطء كالجنابة عنه جوابان:
أحدهما: أن الذي يمنع الوطء هو بقاء حكم حدث الحيض.
والجواب الآخر: هو أن الجنابة حجة لنا؛ لأن الوطء لا يمنع الوطء فكذلك أيضا حدثه لا منع الوطء، وحدثه هو الجنابة، ولما كان الحيض يمنع الوطء جاز أن يكون حدثه مانعا من الوطء، والله أعلم.
وعلى أن اعتبارنا أولى؛ لأن رد الوطء إلى الوطء أولى، ولأنه يصح فيه الوجود والسلب، ويرجع إلى الاحتياط في باب الفروج، ويستند إلى ما قبله من استصحاب الحال في المنع من الوطء قبل انقطاع الدم،
وإلى ظاهر القرآن.
ثم نقول: إنهم لو اعتبروا الاعتبار الصحيح لكان ينبغي أن يجري الأمر على خلاف ما رتبوه؛ لأنه إذا انقطع دمها فيما دون العشر فلا يخلو أن يون الذي يحل وطأها هو انقطاعه الدم، أو مجيء وقت صلاة يبيح الوطء وإن لم تغتسل؛ لأن مجيء الوقت ليس إليها ولا يمكنها فعله، والله - تعالى - علق إباحة الوطء بشرط أن تفعله هي وهو التطهير بقوله: ﴿فإذا تطهرن﴾، ولم يقل: فإذا جاء وقت صلاة، ولقد كان ينبغي أن يكون ممنوعا من وطئها إذا جاء وقت صلاة ولم تغتسل أشد من منعه قبل ذلك؛ لأنها قبل مجيء وقت الصلاة لا تكون عاصية بترك الغسل؛ لأن الصلاة لا تلزمها، وإذا حضر وقت صلاة ولم تغتسل كانت عاصية فكان ينبغي أن تكون بمنع الوطء أولى، فثبت بهذا أن الذي يبيح وطأها هو الغسل بعد انقطاع الدم، سواء انقطع قبل العشر أو بعده، حضر وقت صلاة أو لم يحضر.
وقد قال مجاهد وعكرمة في تفسير قوله - تعالى -: ﴿فإذا تطهرن﴾ قالا: يغتسلن بالماء.
وكذلك ابن القاسم سلام ابن عبد الله، وعطاء، وسليمان بن بيسار،
والقاسم والليث بن سعد، والزهري، وغيرهم: إنه لا يجوز وطؤها حتى تغتسل، وبالله التوفيق.