عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصارصفحات 1263-1294
أهل الأثرالأرشيف العلمي

أيوب قال: حدثني عبد الرحمن بن زرين عن محمد بن يزيد بن أبي زياد عن عبادة بن نسي عن أبي بن عمارة - وصلى رسول

الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيته القبلتين - أنه قال: يا رسول الله، أمسح على الخفين؟.
قال: «نعم ويومين».
قلت: وثلاثة يا رسول الله؟.
قال: «نعم».
حتى بلغ سبعا.
ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نعم وما بدا لك».
ورواه يحيى بن معين قال: حدثنا عمرو بن الربيع قال: حدثني يحيى بن أيوب بإسناد مثله.
وقد روي أيضا من حديث أنس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثله.
وروي عن عقبة بن عمر أنه قدم المدينة فدخل على عمر

الخطاب رضي الله عنه - وعليه خفان في يوم الجمعة -، فقال عمر: منذ كم لبستهما أو تمسح عليهما؟.
قال: منذ الجمعة وهذه الجمعة.
فقال: أصبت السنة، والصحابي إذا أطلق السنة فهي سنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فإن قيل: ما استدللتم به من ظواهر الأخبار التي قبل حديث خزيمة وأبي بن عمارة فغناه عموم يخصها ما روي عن شريح بن هانئ قال: أبيت عائشة فسألتها عن المسح على الخفين.
فقالت: سل عليا، فإنه كان يسافر مع الني صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال: فأتيت عليا فسألته، فقال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة».
وروى صفوان بن عسال الرمادي قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «يمسح المسافر ثلاثة أيام لياليهن، والمقيم يوما ليلة».

وروى صفوان قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم.
وروى عوف بن مالك الأشجعي قال: كنت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة تبوك، فأمر المسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة.

قالوا: والاستدلال من هذه الأخبار من وجهين: أحدهما: أن الني عليه السلام فرق في المسح بين المسافر والمقيم، فسقط قول من قال: إنه غير موقت؛ لأنه لا يفرق بينهما.
والوجه الآخر: أن النبي عليه السلام جعل وقت المسح للمسافر محدودا بالثلاثة، وللمقيم يوما وليلة، والحد الوارد في الشرع إما يفيد أحد أمرين: إما المنع من النقصان عنه، أو المنع من مجاوزته، كآخر وقت الظهر، والميقات لما جاز قبله علم أنه للمنع من المجاوزة عنه، فلما تقرر أن للمسافر أن يمسح دون ثلاثة الأيام، وللمقيم دون اليوم والليلة علم أنه حد للمنع من مجاوزته.
ثم دليل الخطاب بخلاف المذكور فلا يجوز خلاف ما حد في أخبارنا.
قيل: عن هذه الأخبار أجوبة: أحدها: أن عبد الرحمن بن مهدي - إمام في الحديث -، وقد قال: لا يصح عن النبي عليه السلام في التوقيت في المسح على الخفين حديث.
وقال أيضا: حديثان لا أصل لهما، التسليمتان في الصلاة، والتوقيت في المسح على الخفين.
وأما حديث صفوان بن عسال فإنما رواه عاصم

عن زر عن صفوان.
وعاصم قد تكلم أصحاب الحديث في حفظه.
فقال يحيى بن معين على عاصم: روى الحديث فهو ضعيف.
وكذلك طعن على أي عبد الله الجدلي في روايته عن خريمة، فتكلم في دينه فقيل: إنه كان صاحب راية المختار بن أبي عبيد.

وإن كان في حديث لو مضى السائل في حديثه لزاده.
وجواب آخر: وهو أن في بعضها أنه خرج من النبي عليه السلام على سؤال سائل سأل عن جواز المسح ثلاثا، وسأل عن جواز المسح للمقيم يوما وليلة، فقال: نعم، لم يرد بهذا الحد الذي لا يتجاوز.
ولو لم ينقل أنها ردت على سؤال سائل لجاز أن تحمل على ذلك؛ لأنه قد روي عن الحسن أنه قال: كان أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يوقتون في المسح على الخفين.

وروى هشام بن حسان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يوقت في المسح على الخفين.

فإذا كان كذلك لم يثبت الحد بثمل هذا؛ لأن الحدود سبيله أن تثبت بما ثبت به المسح، فلو كانت كنفس المسح لوردت مورده، ولم يختلف فيها.
ألا ترى أن الحدود والمقادير لم تثبت بمثل هذا.
وجواب آخر: وهو أنه لو ثبت الحد فيما رويتموه لم يمتنع أن يكون متقدما، ثم يرد ما فيه زيادة حكم، وقد روينا عن أبي بن عمارة ما رواه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مضيه إلى السبعة، ثم قال: «نعم وما بدا لك»، وقوبل الزيادة في الحكم يجوز، فتستعمل الأخبار كلها، فمن اختار أن يمسح ثلاثا جاز، ومن اختار التجاوز جاز.
وجواب آخر: وهو أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تكلم على الغالب من أمر المقيم أنه يمسح يما وليلة؛ لأنه أكثر ما يلبس في الحضر، وأن الغالب من أمر المسافر أن يبقى خفه في رجله ثلاثة أيام وأمر بالاختيار من ذلك، ولم يرد منع من تجاوز ذلك، ولا جعله حدا لا يتجاوز، ولو أراد ذلك لأكده بأن يقول: ولا يجوز تجاوز ذلك؛ حتى لا يختلف فيه، فلما وقع خلاف الصحابة في ذلك علم أنه لم يرد الحد.
فإن قيل: فقد روى عبد الرحمن النبي عليه السلام أبي بكرة عن أبيه أبي بكرة أنه اقل: رخص رسل الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمسافرين ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم

في يوم وليلة إذا تطهر ولبس الخفين أن يمسح عليهما، وهذا أجود خبر لهم، والاستدلال لهم به من وجهين.
أحدهما: كما استدلوا به من الأخبار المتقدمة.
ووجه آخر: وهو أن الراوي قال: أرخص في المسح، والرخصة في ورود إباحة على أصل محظور، فعلم أن المسح على الخفين كان محرما محظورا، وإذا كان محظورا فالقدر الذي أبيح جاز فعله، فأما الزائد عليه فمحرم على أصل الحظر.
قيل: قد قلنا: إنه لا يصح في التوقيت حديث.
فإن صح هذا جاز أن يكون عليه السلام أرخص في هذا لم يمنع من الزيادة عليه بما ذكرناه، فيكون هذا أيضا جوابا لسائل سأل: هل يرخص له في هذا القدر؟، فخرج جوابه له عنه، لم يرد أن يكون ذلك حدا؛ إذ لو أراد الحد لم يزد على ذلك في حديث أبي بن عمارة.
وأيضا فيحتمل أن تكون الرخصة متوجهة إلى نفس المسجد دون أن يتعرض للتوقيت بالدلائل التي تقدمت.
وأيضا فإنه قد نبه على أنه رخصة للحاجة، وسائر الرخص مباحة ما دامت الحاجة، كالفطر والقصر في السفر، والتيمم للمريض، وشد الجبائر، وأكل الميتة، وما أشبه ذلك، ولم يقع فيها حد ما دامت الحاجة، فكذلك إن احتاج إلى لبس الخف أكثر من ذلك مسح ما دامت حاجته.

فإن قيل: المسح على الخفين رخصة كما ذكرتم، غير أنه عليه السلام أرخص للمسافر في ثلاثة أيام، وللمقيم في يوم وليلة، والرخص إنما تستباح على قدر الحاجة، فأما الزيادة على قدر الحاجة فلا، كأكل الميتة لما كان رخصة جاز فيه قدر الحاجة، ووجدنا الحاجة في المسح للمقيم تدعوه في يوم وليلة؛ لأنه إنما يستديم لبس الخف يوما وليلة، فأما استدامته في أكثر من ذلك فعليه فيه مشقة، فالحاجة هي في نزعه بعد اليوم والليلة، وفي المسافر ثلاثة أيام؛ لأنه وإن احتاج إلى المسح على خفيه فإنما يستديمه ثلاثة أيام، والمشقة عليه في نوعه في هذا القدر، فلم يجز أن يمسح في أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن لبسه أكثر من هذا غير محتاج إليه، وعليه في مشقة.
قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن لبس الخفين قد أبيح مع زوال المشقة، لولا هذا لما جاز لبسه إلا مع وجود المشقة، فإذا أرخص فيه مع عدم المشقة وجب أن يجوز المسح ما دام الإنسان مختارا للبسه.
والجواب الآخر: هو أنه لو ثبت أرخص فيه للمشقة، فإن الفطر والقصر في السفر أبيح لأجل المشقة التي تلحق، وليس ذلك محدودا، وقد يكون من الملوك الذين يترفهون في سفرهم أكثر من ترفه غيرهم في المقام، ويلبسون خفافهم أكثر من لبس غيرهم، وقد يحتاج المسافر إلى لبس الخف أكثر من ثلاثة أيام أيضا، خاصة في السفر في مواضع الثلوج، والجد في السفر، وغير ذلك، ألا ترى إلى

قول عمر رضي الله عنه لعقبة مستحب من الجمعة إلى الجمعة، فقولكم: إن المشقة تلحق في هذا القدر، وأن لبسه في الزيادة عليها فيه المشقة غلط، ونحن نعم أن العسكر في الغزوات قد يشتد خوفهم ليلا ونهارا، ويكون البرد شديد يثقل عليهم نزع خفافهم، ولو أنه بعد خمسة أيام، فلم يثبت ما ذكروه.
فإن قيل: إن لطهارة على ثلاثة أضرب: فطهارة ترفع الحدث عن جميع الأعضاء، وهي الطهارة بالماء، فيجوز أن يصلي بها غير موقت.
والثاني: طهارة لا ترفع الحدث عن جميع الأعضاء أصلا، وهو التيمم، فيصلي بها موقتا، لا يصلي به إلا صلاة واحدة، لا يجمع فيه بين صلاتي فرض.
والثالث: طهارة فيها المسح على الخفين فلا يرتفع الحدث عن الرجلين، فهو دون الطهارة بالماء في جميع الأعضاء، وفوق التيمم الذي لا يرفع الحدث أصلا، فلم يبلغ حكم الطهارة التي فيها المسح على الخفين مرتبة الطهارة بالماء في جميع الأعضاء، وكانت أبلغ من التيمم الذي لا يرفع الحدث أصلا، فجاز أن يصلي بها أكثر من صلاة واحدة، ولم تبلغ مرتبة الطهارة التي ترفع الحدث عن جميع الأعضاء في أنه يصلي بها غير موقت.
قيل: إن هذا التقسيم مليح في ظاهره، فاسد في باطنه؛ وذلك

أنه يفسد بالمسح على الجبائر، فإن المسح عيا لا يرفع الحدث عن العضو الذي تحتها، كما لا يرفعه المسح على الخف، وهو في المسح على الجبائر غير موقت، وليس حكمه حكم الطهارة بالماء في جميع الأعضاء، وهو أعلى رتبة من التيمم الذي لا يرفع الحدث أصلا، فسقط هذا.
وجوب آخر: وهو أن المسح على الخف تابع لنا في الأعضاء المغسولة، فالحدث يرتفع أصلا كما يرتفع بالماء، وكما هو في الجبائر، وليس يجوز أن يجمع في طهارة واحدة تطهير وحدث على ما بيناه فيمن معه ماء قليل لا يكفيه فإنه يتمم ولا يستعمله.
وجواب آخر: وهو أن المسح على الخفين أبيح مع القدرة على نزعهما، والجبائر أبيح المسح عليهما للضرورة، كما أبيح التيمم للضرورة، فصارت الرخصة في المسح على الخفين أبلغ منها في الجبائر، فإذا جاز أن يمسح على الجبائر غير موقت - وهو في معنى التيمم - كان في المسح على الخفين أولى بالجواز، وصار المسح على الخفين بمنزلة الغسل.
ألا ترى أن الجمع بين الصلاتين قد جاز بالمسح كما جاز بالغسل، وإن لم يجز ذلك في التيمم.
وأيضا فإن المسح جميع الرأس في الطهارة أعلى رتبة من مسح بعضه، وجوزتم الاقتصار على البعض مع قدرته على مسح كله، كما جاز مسح الفخين مع قدره على نزعهما وغسل الرجلين، فلما جاز أن

يصلي بمسح بعض رأسه غير موقت كان في مسح الخفين كذلك، ولا يلزم على هذا أن بمسح بعض الرأس بالماء يرفع الحدث، وليس كذلك المسح على الخفين؛ لأن هذا يلزم في الجبائر مثله.
وأيضا فقد كان ينبغي على ما وصفتموه أن الحدث عن الرجل وحدها لا يرتفع أن يجعلوا الثلاثة الأعضاء التي ارتفع عنها الحدث تقديرا على الحساب يكون له أن يصلي بها ثلاثة صلوات أو ثلاثة أيام في الحضر والسفر فيكون موقتا على هذا الوجه، فأما أن يكون للحاضر وقت، وللمسافر وقت، وقد اشتركا فيما ارتفع الحدث عنه، وفيما لم يترفع عنه لا معنى للتفرقة.
فإن قيل: ما ذكرتموه من حديث خزيمة عنه جوابان: أحدهما: أنه (إن) كان ظنا من خزيمة لا تحقيقا؛ لأنه ربما كان عليه السلام يزيد، وربما لم يزد.
كيف وقد نقل في الخبر أنه قال: ظننت أننا لو استزدناه زادنا؟.
والجواب الثاني: هو أنه لو تحقق أن النبي عليه السلام كان يزيدهم أن لو سألوه الزيادة فإنما يكون للزيادة حكم إذا فعله النبي عليه السلام وأمر به، فأما قبل أن يأذن فيه فلا حكم له، وإن تحقق منه أنه كان يزيد.
قيل: قد نقل في خبر خزيمة ما ذكرناه فلا يجوز أن يظن بالصحابي أن ينقل إلينا أن السائل لو استزاده لزاده، ويكون ذلك

تخمينا وظنا منه، فيقطع على حكم صاحب الشريعة أنه يفعل ذلك من غير علم منه قد سبق بذلك.
فإن صح أنه قال: ظننا، فإنه يجوز أن يكون الظن بمعنى اليقين، كما قال - تعالى -: ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾، وهذا كثير، فيطابق معنى ما قطع عليه في الخبر ولا يتنافى.
وأما الفصل الثاني فإن الصحابي إذا تحقق من النبي عليه السلام أنه كان يزيد السائل لو سأله عنه فقد تحقق جوازه، ولا يحتاج إلى إيجاد الفعل؛ لأننا قد نعلم جواز أشياء، وأنها مباحة في شرعنا فإن لم يفعلها، وقد نعلم إباحة الشيء من جهة النبي عليه السلام بعلم متقدم، وأن المسح أكثر من ثلاث يجوز، فلا يحتاج إلى أن يأمر به في كل وقت، ولو سئل عنه لأجاب بإباحته، فلم يلزم ما ذكروه.
فإن قيل: ما ذكرتموه عن أبي بن عمارة، فإننا نقل: إن الرجل إنما سأله عن جواز المسح لا عن كيفيته ومقداره.
ألا ترى أنه قال: يا رسول الله، أمسح؟، ولم يقل: كم أستديم المسح؟.
فالنبي عليه السلم بين له جواز المسح، ونحن نقول: إن المسافر يمسح أبدا يومين وثلاثة وسبعة، ولكن على الصفة التي نقولها، وخبرنا قصد به بيان المدة والوقت.

قيل: أبي بن عمارة سأل عن جواز لمسح وعن صفته له هو موقت أم لا؟ فقال له عليه السلام حين سأله عن اليومين والثلاثة: " نعم، وسبعا ما بد لك "، ففهم عنه أنه يجوز غير موقت.
هذا ظاهر الخبر، فحمله عليه، وحمل خبر الثلاثة على سؤال سائل أولى؛ لأن في هذا زيادة حكم مستفاد، ويشهد له سائر الرخص؛ لأنها ليست موقتة، وإنما هي على حسب الحاجة.
فإن قيل: خبر عقبة بن عامر مع عمر رضي الله عنه عليه سؤالان: أحدهما: أننا قد نقلنا عن الصحابة خلافه، فلا يكون قوله حجة.
والآخر: هو أنه قد اختلف فيه، فقيل: قد على أبي بكر، وقيل: إنه قدم على عمر، وفيه ألفاظ مختلفة.
قيل: إن صح نقلكم عن بعض الصحابة في التوقيت فهو متأول على ما تأولنا عليه قول النبي عليه السلام من سؤال سائل، ويكون جوابه لعقبة بأنه أصاب السنة أولى.
وأيضا فإن الإمام من الصحابة إذا قال في الخطبة بحضرة الصحابة مثل هذا كان أولى من قول غيره.

وأما اختلاف الرواية فيه عن أبي بكر أو عمر، فإنه يجوز أن يكون في سفرتين، إحداهما أنه قدم فيها على أبي بكر، والأخرى على عمر، ولو نسي الراوي القدوم على من كان منهما، وضبط حديث المسح على الخفين لما ضر ذلك؛ لأن الفائدة من الحكم المقصود جواز المسح المدة التي ذكرناها، وهذا بمنزلة أن يقول النبي عليه السلام قولا يتعلق به حكم، فقال أحد الراويين: أن النبي عليه السلام قاله في وقت، وقال الآخر: إنه قاله في غير ذلك الوقت، وقد ضبط القول الذي يتعلق به الحكم واتفقا عليه ولم يضر ذلك، ولزم العمل بالقول الذي قاله عليه السلام فكذلك ها هنا ... إذا ضبط الراوي القول في المسح ونقله، واختلف الرواة فيه، فقال بعضهم: هذا القول كان من أبي بكر، وقال بعضهم: إنه كان من عمر عمل عليه؛ لأن كل واحد منهما إمام يقتدى به، ويقبل قوله، مع جواز أن يكون القول قد تكرر منهما جميعا.
ويجوز أن نقول: هو ممسوح في الطهارة فوجب أن لا يكون محدودا، أصله مسح الرأس والجبائر.
وأيضا فإن الفرض متعلق بالرجلين إذا كانتا باديتين، فإذا سترهما الخف انتقل الفرض إليه على حسب أصله، كاللحية إذا نبتت على الوجه، وسترت بشرة الوجه، لما انتقل الفرض ... إليها من بشرة الوجه انتقل إليها على حسب ما أن متعلقا بالبشرة على التأييد من غير توقيت.
وأيضا فإن المسح مسحان: مسح على الجبائر، ومسح على

الخفين، فلما تقرر أن المسح على الجبيرة غير موقت فكذلك المسح على الخفين رخصة.
فإن قيل: مسح الرأس واللحية عزيمتان، ومسح الخفين ورخصة.
ألا ترى أنه لو مسح شعر لحيته ورأسه، ثم سقط شعره لم ينتقض حكم مسحه، ولو مسح على خفيه ثم بدت رجله انتقض حكم مسحه.
فأما مسح الجبائر فلا فرق بينهما وبين الخفين؛ لأن مسح الجبيرة ما دامت الحاجة، وقد بينا أن حاجة المسح على الخفين هي ثلاثة أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم.
قيل: أما قولكم: إن مسح الرأس عزيمة فلهذا لم يتوقت وليس كذلك مسح الخفين فجوابه: أنه لا يتأثر لهذه العلة؛ لأن الجبيرة ليست بعزيمة، وهي غير موقتة مثل العزيمة.
على أن العلة المتعدية أولى من غير المتعدية.
وقولكم: إن حاجة المسح على الخفين ما ذكرتموه فقد بينا فساده، وأن الحاجة قد تدعو إلى أكثر من ذلك فسقط أيضا، وصار كالجبائر وسائر الرخص، وبالله التوفيق.

[67]

مَسْأَلَة

التيمم لا يرفع الحدث عندنا وعند سائر الفقهاء.
وقال داود: إنه يرفع الحدث.
والدليل لقولنا وقول الجماعة: هو انه محدث قبل التيمم، فمن زعم أن حدثه ارتفع فعليه الدليل.
وأيضا ما روي عن عمر بن العاص أنه قال: ولاني النبي عليه السلام غزاة ذات السلاسل، فأجنبت فخشيت أن اغتسلت هلكت، فتيممت وصليت بالناس، ثم أتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرته.
فقال: «أصليت بالناس وأنت جنب؟».
فقلت: قال الله - تعالى -: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾.
فضحك مني.
فموضع الدليل: وهو أنه عليه السلام سوغ له التيمم،

وسماه مع ذلك جنبا.
وأيضا فلا خلاف أن الجنب إذا تيمم وصلى، ثم وجد الماء بعد ذلك فإنه يغتسل واجبا، ولولا الجنابة لم يجب عليه الغسل بعد التيمم لا الجنابة مستأنفة، فلما وجب عليه أن يغتسل بعد التيمم، لم تحدث منه جنابة مستأنفة علم أن الجنابة باقية؛ لأن وجود الماء ليس بجنابة، فلولا أن حدث الجنابة لم يرتفع لم يجب عليه الغسل.
فإن قيل: هذا الغسل عبادة مستأنفة لا الجنابة المتقدمة.
قيل: لولا الجنابة المتقدمة لم تجب هذه العبادة.
ألا ترى أنه لو لم يكن جنبا لم يجب عليه هذا الغسل.
وأيضا فإنها طهارة ضرورة فوجب أن لا ترفع الحدث، أصله طهارة المستحاضة.
وأصحابنا يختلفون هل الاستحاضة حدث عفي عن الوضوء بها أو ليست بحدث؟، والله الموفق.

[68]

مَسْأَلَة

ومن توضأ فغسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها في الخف الآخر، ثم أحدث لم يجز له أن يمسح على الخفين حتى يكون طاهرا الطهارة التامة قبل لبسهما، وليس أحدهما.
والجملة له في جواز المسح: أن ينزع الخف الأول ثم يلبسه، فيحصل لبسه حينئذ بعد كمال طهارته.
وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة، والثوري، والمزني: يجوز له المسح عليه، وهو

قول مطرف من أصحاب مالك.
وأبو حنيفة يخالفنا في أعظم من هذا؛ لأنه يعتبر في جواز المسح ورود الحدث على الوضوء، سواء لبس الخفين وهو محدث أو غير محدث؛ لأنه يقول: لو أن محدثا لبس خفيه، ثم غسل باقي أعضائه، ثم أدخل الماء في خفيه حتى انغسلت رجلاه، أو خاض في الماء، ثم أحدث بعد ذلك جاز له المسح.
والدليل لقولنا: كونه محدثا قبل ذلك، فمن زعم أن حدثه قد ارتفع بهذا الفعل فعليه الدليل.
وأيضا كون الصلاة والطهارة في ذمته بيقين، فمن زعم أنهما يسقطان بالمسح المستأنف بعد الطهارة الأولى فعليه الدليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿وأرجلكم﴾، فأمر بغسل الرجلين إذا قام إلى الصلاة ولم يخص صلاة من صلاة، فلا يجوز المسح إلا بدليل.
وأيضا قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن توضأ وغسل رجليه: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، فلا يجوز بغير الغسل حتى يقوم دليل.
وأيضا قوله: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه» إلى أن قال: «ويغسل رجليه»، فهو عموم لا تقبل صلاة عبد

حتى يغسل رجليه في وضوئه إلا أن يقوم دليل.
وأيضا قوله: «ويل للأعقاب من النار».
وأيضا ما رواه المغيرة بن شعبة من قوله: كنا في غزاة تبوك مع النبي عليه السلام فأهويت عند وضوئه أن أنزع خفيه.
فقال: «دعهما فإني لبستهما وهما طاهرتان»، فجعل كون العلة في جواز المسح وجود اللبس والرجلان طاهرتان، ولا يكن اللبس وهما طاهرتان إلا بعد غسلهما جميعا، وللبس بعد غسل إحدى الرجلين لا يكون لبسا وهما طاهرتان، وقبول خبر واحد محتمل وقياس على هذا يؤدي إلى إسقاط تعليل النبي عليه السلام، وما أدى إلى ذلك لم يقبل.
وفي رواية أخرى: «فإني لبستهما على طهر»، وفي حديث: «فإني أدخلتهما وهما طاهرتان»، وهذا في معنى قوله: «لبستهما وهما طاهرتان إنه، وهذا يقتضي أن تكونا طاهرتين قبل إدخالهما، ومن غسل أحدهما، ثم أدخلها في الخف فلم يدخلها طاهرة؛ لأنها لا تحصل طاهرة إلا بطهر الأخرى.
ألا ترى أنه لا يجوز له أن يصلي قبل غسل الأخرى، فهو في حكم المحدث حتى يفرغ من غسل الأخرى.
فإن قيل: فنحن نجيز له المسح على الخفين إذا لبسهما وهما طاهرتان، فقد قلنا بموجب الخبر.
قيل: لعمري إنكم تجيزون هذا، ولكنكم تجعلون الشرط في جواز

المسح ورود الحدث على الطهارة لا وجود اللبس على الطهارة، والنبي عليه السلام جعل شرط جوازه ورود اللبس عليهما بعد كونهما طاهرتين.
وأيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي بكرة أنه قال: أرخص رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة إذا تظهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما، وموضع الدليل منه: أنه ذكر الرخصة وذكر شرطها، فقال: «إذا تطهر ولبس خفيه»، وقوله: تطهر عبارة عمن تطهر طهارة كاملة.
والفاء بعد ذلك للعقب؛ لأنه قال بعد أن ذكر الطهارة: «فلبس خفيه أن يمسح عليهما»، فصار تقديره: أنه إذا تطهر الطهارة التامة ولبس الخف مسح.
وأيضا ما روي في حديث عمر وأنس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا أدخلت رجليك في خفيك وأنت طاهر فامسح عليهما، وصل فيهما ما لم تنزعهما أو تصبك جنابة»، فجوز المسح عليهما متى لبسهما وهو طاهر، فما عدا هذا الشرط بخلاف، ومن غسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف فقد أدخلها وهو محدث؛ لأنه لا يكون متطهرا وقد بقي عليه عضو مأمور بغسله؛ لأنه لا يجوز له أن يصلي.
ونقول: إن لبسه أحد الخفين بغسل إحدى الرجلين مقدم على كمال الطهارة، ولم يصادف تمام العبادة، فصار كمن لبس الخفين ولم يغسل إحدى الرجلين.

ولك أن تعبر عبارة أخرى فنقول: هو لبس قبل كمال الطهارة فوجب أن لا يجوز له المسح عليه، أصله إذا غسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف، وأدخل الأخرى الخف الآخر بغير غسل.
فإن قيل: المعنى فيه أنه لم يغسل إحدى رجليه.
قيل: هذه علة لا تتعدى فلا تصح على أصولكم، وعلى أصولنا نحن، والعلة المتعدية أولى منها.
ونقول أيضا: إن ما تعلق صحته بالطهر استدعى كماله قبل المتأخر مما يقتضى أفعاله، دليله الصلاة لم يصح فعلها والدخول فيها إلا بعد كمال الطهارة.
وأيضا فإن ابتداء اللبس وقع على غير كمال الطهارة الحكمية، فأشبه من لبس الخف وهو محدث.
وأيضا فإن اللبس يقتضي الطهر، وكل ما اقتضى ظهرا حكميا اقتضى كماله قبله، كالصلاة.
فإن قيل: قوله عليه السلام: «إذا أدخلت رجليك وهما طاهرتان» حجة لنا؛ لأنه إذا غسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلهما وهما طاهرتان.
قيل: إذا أدخل إحداهما قبل غسل الأخرى أدخلها غير طاهرة، وإذا أدخل الأخرى أدخلها وحدها طاهرة، وبعدهما صارتا طاهرتين، والنبي عليه السلام شرط أن تكون طاهرتين قبل لبسهما ولبس أحدهما.

على أن الطهارة حكم شرعي، ولا يكون كذلك إلا بعد كمالها، ولم يقل: أدخلتهما مغسولتين.
على أن الأحاديث الأخر تدل على ما نقول فلا احتمال، مثل قوله: «فإنني لبستهما على طهر، أو وأنا طاهر»، وفي حديث عمر: «إذا لبستهما وأنت طاهر فامسح عليهما»، وكذلك في حديث أبي بكرة على ما بيناه.
فإن قيل: قوله عليه السلام: «يمسح المسافر ثلاثة أيام، والمقيم، يوما وليلة» لم يفرق فيه بين أن يكن لبس الخف بعد كمال طهارته أو قبلها، فهو عموم في جواز المسح.
وش ما رواه عروة بن المغيرة عن أبيه المغيرة أنه قال: فأهويت أن أنزع خفيه عليه السلام فقال: «دعهما فإنني لبستهما وهما طاهرتان»، وإذا فرق الغسل واللبس فقد حصل لابسا لهما على طهر.
قيل: أما الخبر الأول ففيه رخصة المسح لا شرط الرخصة، وأخبارنا تقتضي شرط الرخصة، وهو موضع الخلاف.
وأما الخبر الثاني فقد جعلناه حجتنا؛ لأن قوله: «لبستهما وهما طاهرتان» يقتضي أن يكونا طاهرتين ثم يلبسهما.

فإن قيل: فأنتم لا توقتون في المسح فكيف تحتجون بالخير؟.
قيل: لا يمتنع أن يتضمن الخبر شيئين يقوم الدليل على إسقاط أحدهما ويثبت الآخر، وحديث أبي بكرة عن النبي عليه السلام تضمن التوقيت وتضمن شرط الرخصة في المسح، فقام الدليل على إسقاط التوقيت في المسح، ولم يقم دليل على إسقاط شرط الرخصة المسح، وعلى أي وجه يجوز.
فإن قيل: قد قال صفوان بن عسال: أمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة، لكن من غائط ونوم وبول، وهذا عام سواء لبسه على الوجه الذي تقولون، انو على ما نقول.
قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أنه عليه السلام أراد أن يعلمهم زمان المسح الذي سألوا عنه، ثم كيف يمسحون، على أي وجه يلبسون معلوم من الأخبار الأخر.
وجه آخر: وهو أن صفوان قال: أمرنا.
ولم يذكر من أمرهم حتى نعلم من الآمر، صاحب الشريعة أو غيره، فنلزم قول صاحب

الشريعة، وننظر في أمر غيره.
وأيضا فإنهم لا ينزعون خفافهم إذا كانوا قد لبسوا على الوجه الذي بيناه بالأخبار الأخر.
فإن قيل: فإنه حدث ورد على طهر كامل فجاز له المسح.
أصله إذا لبسهما بعد غسل رجليه وكمال طهارته.
وأيضا فإن لنزع الخف تأثيرا في منع المسح لا في إباحته وجوازه؛ بدليل أنه ل تطهر ولبس خفيه، ثم أحدث وهو لابس للخفين جاز له مسحهما، ولو أحدث ونزع الخف لم يجز له المسح عليه، فإذا كان كذلك، وأنتم تقولون: لو نزع الخف من الرجل الأولى ثم لبسه أباح له المسح بعد ذلك، وقد قلنا: إن نزعه يؤثر في منع المسح، وأنتم جعلتموه مؤثرا في إباحة المسح، لعم أن المسح كان جائزا له قبل النزع.
قيل: أما القياس الأول فالمعنى في جواز المسح هو أنه لبسه بعد كال طهارته فلهذا جاز.
فإن قيل: علتنا متعدية فهي أولى.
قيل: قد ذكرنا قياسا يعارض هذا فهو أولى؛ لأنه يؤدي إلى الاحتياط، وسقوط حكم الصلاة والطهارة بيقين بإجماع.
وأما الفصل الثاني وقولكم: إن للنزع تأثيرا في المنع على ما ذكرتم فإننا نقول: لنزعه تأثيرا في المنع من المسح إذا كان بعد الحديث، فأما إذا كان قبل الحدث فلا يمنع أصلا.
ألا ترى أنه لو تطهر ثم لبس

خفيه ونزعهما قبل أن أحدث، ثم لبسهما أيضا ثم نزعهما ثم لبسهما، ولو مائة مرة وهو على طهارته، ثم أحدث بعد لبسهما في المرة الأخيرة جاز له أن يمسح عليهما.
وجواب آخر: وهو أنا لم ندع أن الشرع أباح المسح إلا بعد وجود اللبس بعد كمال الطهارة.
فإن قيل: (فإن) لا فائدة في أن ينزع الخف الأول ويلبسه في الحال، فلما لم تكن فيه فائدة علم أن عدم نزعه لا يمنع المسح عليه.
قيل: فائدته أنه يحصل لا بسا له بعد كمال طهارته.
على أن هذا يلزمكم إذا اصطاد المحرم صيدا في حلا إحرامه، ثم حل من إحرامه فإنه يلزمه إرساله، ثم له أن يأخذه في الحال فيما الفائدة في إرساله؟ فإن قيل: فائدته أنه يصير ممسكا للصيد باصطياد مباح، ولو لم يرسله كان ممسكا له باصطياد محظور.
قيل: وكذلك أيضا إذا نزع الخف ولبسه يصير لابسا له بعد كمال طهارته، وقبل نزعه يكون لابسا له قبل كمال طهارته.
ومثل هذا قلتم في عبد كافر تحته أربع نسوة، ثم أسلم وعتق، فإنه يلزمه أن يفارق اثنتين ثم يتزوجهما في الحال، فما الفائدة في تخليتهما ثم يتزوجهما؟.
وعلى أنكم لا تنفصلون ممن يقلب هذا عليكم فيقول: ولبس الخف لا يحدث طهارة، فلا معنى للبسهما على طهارة، وكذلك لا

ينفصلون ممن يقول: لا معنى لنزعهما بعد المسح عليهما ثم لبسهما.
فلما كان لهذا كله تأثيرا علم أن حكم الطهارة يتغير باللبس والنزع على ما ورد به الشرع.
فإن قيل: فإن الطهر لما انتقض بظهور إحدى الرجلين بعد المسح على الخفين وجب أن يثبت حكم اللبس بلبس أحد الخفين.
قيل: هذه دعوى، لم وجب هذا؟.
على أنه قياس الضد، ومنا من لا يقول به.
وعلى أنه يلزمكم على هذا أن تقتصروا على طهر رجل واحدة، كما قلتم في جواز المسح وسقوط المسح.
وعلى أن المعنى في الظهور أنه إذا ظهر شيء من رجل واحدة وهو شيء كبير انتقض طهر الرجلين جميعا.
وليس كذلك اللبس؛ لأنه لا يصير بلبس بعض الرجل الواحدة لابسا على الرجلين جميعا، ولا يغسل بعض الرجل الواحدة غاسلا للرجلين.
فإن قيل: فإن استدامة اللبس كابتدائه.
ألا ترى أنه لو حلف إلا يلبس ثوبا فإنه يحنث إن أدام على لبسه.
قيل هذا باطل؛ لأنه لو أحدث بعد اللبس جاز له أن يمسح عليهما، ولو نزعهما ولبسهما ثم مسح عليهما، وكذلك إذا لبسهما

على كمال طهارته فله أن يمسح عيهما، ثم لو انقضت مدة المسح - عندكم - لم يجز له أن يمسح، فعلمنا من هذين الوجهين أن الانتهاء في باب اللبس ليس كالابتداء.
فإن قيل: فإن الحدث طرأ على لبس كامل بعد طهر شامل فجاز له أن يمسح.
دليله إذا لبسهما بعد كمال الطهارة.
قيل: قد تكلمنا على هذا، على أننا لا نسلم أنه كان على طهر كامل على الإطلاق؛ لأن اللبس طرأ على طهر غير كامل، فطرأ الحدث على لبس قبل كمال الطهارة.
وعلى أننا قد ذكرنا أن المعنى فيه: أنه ل سه وه ممن تجز له الصلاة، وليس كذلك إذا لبس أحدهما قبل كمال الطهارة.
وعلى أننا قد عارضنا بقياس مرجح على هذا باستناده إلى الظواهر والنصوص التي ذكرناها، وفيه احتياط للفرض، ولأن قياس الطهارة على الصلاة أولى؛ لأنها أحد أركانها.
وأيضا فإن الأصول مبنية على أن حك الإجازة والمنع إذا التقيا في حكم الرجل كانت الغلبة للمنه.
ألا ترى أنه لو نزع أحد الخفين بعد المسح صار إلى حكم الغسل، فكذلك لبس أحدهما والحدث في الأخرى قائم صار إلى حكم المنع.
وأيضا فإننا وجدنا المسح يقتضي لبسا، واللبس يستدعي طهرا، ورأينا الأصول مبنية على أن كل موضع يستدعي صحته طهرا

استدعى طهرا كاملا، كالصلاة لما استدعت طهرا استدعته كاملا قبلها، فصار قولنا لهذه الوجوه أولى.
ويجوز أن نعبر بعبارة أخرى فنقول: كل شيء يفتقر الجزء منه إلى الطهارة فإن جميعه يفتقر إليها، كالصلاة والطواف.
وبيان هذا هو أن أبا حنيفة يقول: إذا لبس خفه بالغداة على غير طهارة، واستدامه إلى الزوال وأحدث لم يجز له المسح عليه، ولو تطهر قبل الزوال وأحدث جاز له المسح عليه، فيعتبر أن يصادف الحدث بعض اللبس على طهارة، وهو اللبس الذي يتعقبه الحدث، واعتبرنا نحن جميع لبسه على الطهارة، والله أعلم.

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل