عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصارصفحات 1033-1086
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قد تقدم كلامنا في أن المني إذا خرج يغير لذة لا يوجب الغسل، وسواء خرج قبل البول أو بعده، فإذا خرج منه بقية المني بعد أن اغتسل سواء بال قبل الغسل أولم يبل فإن الظاهر من قول مالك - رَحمَه الله - أن عليه فيه الوضوء واجبا.
وذكر بعض أصحابه أن الوضوء منه مستحب لا واجب.
قال: لأنه مني، والمني على وجهين: أحدهما: أن تقارنه اللذة فالغسل منه واجب.
والوجه الآخر: إذا لم تقارنه اللذة فهو على وجه المرض فلا يجب

به الغسل ولا الوضوء، وهذا مني قد خرج عن حال العادة فينبغي أن لا يكون فيه وضوء واجب كدم الاستحاضة الذي سقط الغسل فيه فسقط الوضوء فيه لخروجه عن أصله.
قال: وأيضا فإن هذا بقية مني قد اغتسل منه، وإنما منع من خروجها مرض وعلة، لولا ذلك لخرج في جملة المني الذي قد اغتسل منه، وقد قامت الدلالة على أن ما خرج من السبيل على وجه المرض فليس بحدث ينقض الوضوء، ولولا هذا لوجب فيه الغسل كأصله.
والذي - عند أن الوضوء منه واجب على ظاهر قول مالك، وهذا الذي كان الشيخ أبو بكر - رَحمَه الله - يختاره، وأصول مالك تدل عليه، وقد بينته في مَسْأَلَة الأحداث إذا خرجت عن وجه العادة واتصلت وتتبعت، والفرق بينها وبين ظهورها المرة بعد المرة فعليه الوضوء إلا أن يستنكحه ذلك فإن الوضوء فيه مستحب؛ وذلك أن هذا قد يكون غالبا في الناس، وهو أن يبقى في القضيب من المني الذي تقارنه اللذة بقية تظهر عند البول، وبعد ساعة، وذلك كالمعتاد أيضا، فينبغي أن يكون فيه الوضوء واجبا؛ لأن الغسل قد تقدم في الدافق منه، وقد قارنته اللذة فمضى حكم الغسل وصار كدم الاستحاضة الذي أصله قد اغتسل منه، وهو يجيء مرة بعد مرة، وقد قال مالك: فيه الوضوء، كم اعتراه المذي المرة بعد المرة.
ولا يمتنع أن يجب فيه الوضوء؛ لأنه مائع قد يخرج من السبيل على وجه العادة وإن لم تقارنه اللذة، وصار في حكم دم الاستحاضة على ما بيناه، فإذا سقط فيه حكم الطهارة العليا لم يمتنع أن تجب فيه

الطهارة الصغرى؛ لأنه من ذلك الجنس خرج عن أصله إلى عادة فيه، ولا مشقة في الوضوء منه، فإن اتصل وتابع تحققنا أن لمرض؛ لخروجه عن عادة الناس فيه.
مع شدة الكلفة في الوضوء منه، وليس إذا لم يكن معتادا لجميع الناس يخرج عن أن يكون معتادا لأكثرهم أو كل لبعضهم، ويحكم له بحكم العادة.
كما أن دم الحيض ليس الغالب في كل النساء أن يحضن خمسة عشر يوما، ولكنه قد يكون معتادا في بقية هذا الماء معتادا في أكثر الناس أو في بعضهم فيحكم له بحكم عادته، وكذلك دم الاستحاضة قد يكون خروجه مرة بعد مرة عادة في بعض النساء فيكون الحكم جاريا عليها على عادتها فيه، فيجب عليها فيه الوضوء منه؛ لأن الدلالة قد أخرجته عن حكم الغسل ولم يتحقق فأحسن أحواله أن يكون بمنزلة سائر الأحداث من البول والمذي والودي.
ألا ترى أن من خالف فيه يستحب الوضوء منه ولا يستحب الغسل، فهو كدم الاستحاضة الخارج عن أصله من دم الحيض، والله أعلم.

[52]

مَسْأَلَة

حكي عن ابن وهب عن مالك - رَحمَه الله - أن من جس أو قبل أو فعل فعلا التذ به وأكسل ولحقته الفترة ولم يظهر منه الإنزال حتى توضأ وصلى ثم اندفق منه الماء فإنه يجب عليه الغسل وإعادة الصلاة.
والظاهر من مذهب مالك - رَحمَه الله - أن هذا المني إذا لم تقارنه اللذة في حال خروجه أنه لا غسل منه ولا تعاد الصلاة التي مضت قبل خروجه.
ومن أصحابنا من قال: يغتسل من هذا المني، ولا يعيد ما صلى.
وهذا معناه - عندي - إن خرج مقارنا للذة أخرى زيادة على التي تقدمت.
والحجة لرواية ابن وهب قوله - تعالى -: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾،

وقوله: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، والمجانبة في اللغة المباعدة والمفارقة، فهو عموم في مفارقة الماء موضعه سواء خرج أو لم يخرج، وعموم في مفارقة الرجل المرأة بعد لمسه أو جسه أو إيلاجه؛ لأنه مجامع لها فإذا فارقها فقد جانبها إلا أن يقوم دليل، وهذا كقوله عليه السلام: (الكذب مجانب الإيمان)، أي مفارقه، فكل من فارق شيئا فهو مجانب له.
وأيضا قول النبي عليه السلام: (الماء من الماء)، وهذا ماء قد ظهر فيجب أن يغتسل منه إلا أن يقوم دليل.
فإن قيل: فإنما ووجب الغسل منه إذا خرج ولا يعيد الصلاة الماضية.
قيل: إنا خرج بلذة متقدمة، هي معدومة في حال خروجه، فأنتم بين أمرين: إما أن يجب الغسل لأجل اللذة المتقدمة فقد صحت المسألة، أو يجب لظهوره مع تعريته عن اللذة فهو خلاف مذهب مالك؛ لأن المني - عنده - إذا لم تقارنه لذة لم يجب منه غسل، فإذا ثبت ذلك فإنما يجب بظهوره مع شيئ آخر، وهو اللذة، وقد تقدمت لهذا الماء فيجب منه الغسل كما يجب بمقارنته، وإذا وجب ذلك وجبت إعادة الصلاة لوجود الشرطين من اللذة والإنزال.

ووجه الرواية الأخرى - وهي الصحيحة -: هو أنه طاهر غير جنب قبل ظهوره فلا يحكم له بحكم الجنب إلا بدليل، وما صلاة فلا تجب إعادته؛ لأنه أداه على ما كلف.
وأيضا فإن النبي عليه السلام قال: (لا صلاة إلا بطهور)، و (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، وهذا قد تطهر وصلى وقرأ فصحت له الصلاة.
وأيضا فإن الجنب في الشريعة هو الذي لا يجوز له دخول المسجد مع القدرة على الغسل، ولا الصلاة، ولا قراءة القرآن ولا مس المصحف، وهذا قبل ظهور المني منه تجوز له هذه الأمور كلها إذا توضأ للجسة والقبلة التي قارنتها اللذة، فإذا توضأ فليس بجنب، وقد جاز له فعل جميع ما ذكرناه وصلى، وله أن يصلي وإن لم يغتسل قبل ظهور هذا المني، فلس يتناوله اسم جنب بحق الإطلاق.
وأيضا فقد دللنا على أن وجود المني إذا عري عن اللذة لا يوجب الغسل، ولا يكون به جنبا، فكذلك إذا عريت اللذة عن ظهور المني لم يكن لها حكم، وصار الحكم واجبا بوجودهما جميعا مقترنين في حالة واحدة، وكذلك حكم سائر الأحداث لا تعتبر فيه مفارقة الحدث موضعه، وإنما يعتبر خروجه.
ألا ترى أن الطعام ينهضم بعد استحالته فينحدر إلى المعي السفلي، وكذلك يستحيل الماء ثم ينحدر إلى

المثانة، ولم تعتبر فيه مفارقة مستقرة، بل اعتبر فيه خروجه على وجه الصحة والعادة، ولم يحكموا له بحكم النجاسة إلا بعد ظهوره.
وأيضا فإن الصحابة اختلفت على وجهين، فقالت الأنصار: الماء من الماء، فحكموا بالغسل عند خروجه، ولم يحك عن أحد أنه رد عليهم ذلك، ولا قالوا ولا قيل لهم: إن الغسل يجب بمفارقة الماء موضعه، وخالفهم الباقون في الوجه الآخر وهو التقاء الختانين، كما قالوا بالغسل من الماء ولم يقولوا ولا واحد منهم: إن اللذة قد تقدمت، وفارق الماء موضعه وقد كان هذا أولى من أن يستخرجوا إلى الخبر، ويقولوا: قال النبي عليه السلام: (إذا التقى الختانان وجب الغسل)؛ لأن الحجة كانت عليهم أقوى إذا قالوا لهم: الماء من الماء سواء فارق موضعه أو خرج من مخرجه وتأولنا نحن قولهم: الماء من الماء إذا خرج مقارنا للذة.
فإن قيل: فإنه ظهر الماء بعد تقدم الفترة قلنا: إنه كمان جنبا، فانكشف لنا ذلك عند طهور المني.
قيل: هذا يلزم في سائر الأحداث إذا ظهر الحدث بخروجه علمنا أنه كان محدثا لمفارقة الحدث موضعه؛ لأن الإنسان قد يعلم ضرورة إذا لحقه الحقن الشديد، ودافع الأخبثين أن الحدث قد

فارق موضعه، ولا يكاد يعلم بوجود الفترة والإكسال أن المني قد فارق موضعه، فإذا لم يحكم للمحتقن بحكم الحدث حتى يظهر كان فيما يشك فيه أولى أن لا يحكم له بحكمه حتى يظهر.
على أننا قد بينا أن الحكم يتعلق بوجود الشرطين معا في حالة واحدة، وهو خروج المني مقارنا للذة، ولا يجب بوجود أحدهما منفردا على الآخر.
ومن جعل من أصحابنا في وجود هذا المني الغسل ولا تعاد الصلاة، وفرق بينه وبين ما يظهر إذا لم تتقدمه لذة أو فترة بأن هذا قد تقدمته فترة وإكسال لم ينفك من رواية ابن وهب؛ لأنه قد جعل الفترة المتقدمة شرطا، كما أن ظهوره شرط، وإن افترقا فلابد أن يكون للفترة المتقدمة قسط في إسقاط حكم الصلاة صلاها فتجب إعادتها، والله أعلم.

[53]

مَسْأَلَة

إذا حاضت المرأة الجنب فلا غسل عليها للجنابة حتى تطهر، ثم يجزئها غسل واحد , هذا مذهب جميع الفقهاء إلا أهل الظاهر فإنهم يوجبون عليها غسلين.
والدليل لقولنا: أن هذه المرأة إذا انقطع دمها وكانت جنبا فاغتسلت جاز لزوجها وطؤها لقوله - تعالى -: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأوهن من حيث أمركم الله﴾، فإذا سميت متطهرة يجوز لزوجها وطؤها وصلت قبل الوطء فقد دخلت تحت قوله عليه السلام: (لا صلاة إلا بطهور).
فإن قيل: فإنها جنب وقد قال الله - تعالى -: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، وقال: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾، فوجب أن تتطهر وتغتسل للجنابة.

قيل عن هذا جوابان: أحدهما: أن ظاهر الآية يتناول جنبا مفردا، وهذا جنب حائض ولم يرد لها ذكر، فدليله أن الجنب الحائض بخلاف ذلك.
وأيضا إن هذه قد اغتسلت وفعلت ما سميت به طاهرة لقوله - تعالى -: ﴿فإذا تطهرن﴾، وليس في الظاهر: فاطهروا للجنابة دون الحيض، وكذلك قوله - تعالى -: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، ولم يقل: تغتسلوا للجنابة دون الحيض، وهذا قد اغتسلت.
وأيضا فليس في الظاهر وإن كنتم جنبا، وفيه تنازعنا، فدليله بخلافه.
وعلى أن الظواهر كلها وردت بلفظ يتناول الذكور أو الذكور والإناث، وليس فيها ذكر الإناث منفردات، وقد ذكرنا نحن ما يتناول الإناث منفردات بقوله - تعالى -: ﴿فلا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن﴾، فهذا خاص فيهن فلا يقربن حتى يطهرن بالماء، سواء تطهرن للجنابة أو للحيض؛ لأن المرأة هي التي يجتمع فيها الأمران جميعا الجنابة والحيض.
على أن الأصول كلها تدل على أن الأحداث إذا كان موجبها واحدا واجتمعت تداخل حكمها، وناب موجب أحدها عن الآخر، كاجتماع البول والغائط والريح والمذي ينوب عن جميعها وضوء واحد، وكذلك لو وطئ دفعات كثيرة أجزأه غسل واحد، وكذلك لو حاضت امرأة ثم

جنت أو برسمت، والدم ينقطع ثم يعود.
أو تعمدت ترك الغسل حتى حاضت دفعات، ثم اغتسلت أجزأها غسل واحد، فقد استوى حكم سائر الأحداث المختلف منها والمتفق إذا اتفق موجبها في أن الوضوء الواحد أو الغسل الواحد ينوب مناب صاحبه، ويدخل حكم بعضها في بعض، وكذلك مثل هذا في الحدود إذا اجتمعت وكان موجبها واحدا سواء اتفقت أنواعها أو اختلفت، مثل أن يسرق مرارا، أو يشرب الخمر مرارا، أو يقذف مرارا، أو يشرب خمرا ويقذف، فإن حدا واحدا ينوب عن الآخر، وكذلك المحرم إذا قتل صيدا في الحرم فإن عليه جزاء واحدا، وإن كان لو انفرد بقتله محرما دون الحرم وجب عليه جزاء واحد، ولو قتل حلال في الحرم وجب عليه جزاء، ثم إذا قتله محرم في حرم وجب فيه جزاء واحد، فكذلك يجب على الحائض الجنب غسل واحد؛ لأن الموجب واحد، وبالله التوفيق.

[54]

مَسْأَلَة

ومن معه إناءان أحدهما نجس والآخر طاهر، واختلطا عليه فلم يعرف النجس من الطاهر، ولا يقدر على غيرهما، وقد حضر وقت الصلاة - وهو على غير وضوء - فظاهر قول أهل المدينة أن الماء لا ينجس إلا أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه على ما تقدم بيانه في الكلام في الماء.
وقال عبد الملك بن الماجشون: إنه يتوضأ من أحدهما ويصلي ثم يتوضأ من الآخر ويعيد الصلاة.
وقال محمد بن مسلمة: يتوضأ من أحدهما ويصلي، ثم يغسل أعضاءه نم الآخر، ثم يتوضأ منه ويعيد الصلاة.
وقال أبو حنيفة: لا يتحرى في الإناءين ويتركهما ويتيمم، وبه

قال المزني.
قال أبو حنيفة: يتحرى في ثلاث أوان أو أكثر.
وقال الشافعي: يتحرى أحد الإنائين، فإذا غلب على ظنه طهارة أحدهما تطهر منه وأراق الآخر.
وذهب عبد الملك ومحمد بن مسلمة في هذا إلى التغليظ في الماء القليل إذا حلته نجاسة ولم يتغير، وقد شدد مالك الكراهية فيه، وإن كان الأصل في المياه على ما ذكرناه؛ لقوة الخلاف فيه.
ووجه قول عبد الملك ومحمد: أنه إذا عمل هذا حصل وضوؤه بماء طاهر بإجماع؛ لأنه إن كان الأول هو الطاهر فقد مضت صلاته

صحيحة باتفاق، وحصل ما بعدها ملغي، وإن كان الأول هو النجس فاستعماله الثاني يزيل أثر الماء الأول، وتصح الصلاة به، وخاصة إن غسل الأعضاء ثم توضأ، ويكون الأول النجس لغوا.
وكذلك يقولان في الثوبين أحدهما نجس، والآخر طاهر.
وكذلك يقول أبو حنيفة في الثوبين، ويفرق بينهما وبين الإناءين قال: لأنه لو صلى في ثوب نجس أجزأه، ولو توضأ بماء نجس لم يجزئه، وهذا يلزمه في ثلاث أوان وأكثر.
وأيضا فقد ثبت أنه لو نسي صلاة من يوم وليلة لا يدري أي صلاة هي من الخمس الصلوات كلفناه أن يصلي الخمس الصلوات؛ ليكون قد أدى الفرض بيقين، فكذلك ينبغي في الماء.

فإن قيل: فإنها عبادة تؤدى تارة بيقين، وتارة بالظاهر فجاز دخول التحير عليها عند الاشتباه، أصله القبلة، اليقين فيها أن يكون بمكة في المسجد معاينا للكعبة، أو بالمدينة فتصلي في محراب النبي عليه السلام فهذا يقين، وأما الظاهر فهو أن تكون في بعض البلدان أو القرى فتشاهد مسجدا فيه قبلة فيجوز أن تصلي إليها على الظاهر، مع جواز أن تكون القبلة غير تلك الجهة.
وأداء الطهارة بيقين مثل أن تتوضأ من دجلة فتتيقن أن الماء طاهر، وأما الظاهر دون اليقين فمثل أن يجد ماء في إناء على الشط فيجوز له أن يتطهر منه، وهذا الماء في الظاهر طاهر لا بيقين؛ لجواز أن يكون قد حلت فيه نجاسة من ولوغ كلب قد أكل نجاسة هي على فمه أو غير ذلك من بول خنزير أو ترشيش فيه من بول آدمي فيجوز التحري في الإناءين، كالقبلة يصلي إلى جهة تغلب على ظنه، وليس عليه أن يصلي إلى الجهات كلها.
قيل: الفرق بينهما هو أن القبلة قد جوز تركها والصلاة إليها مع القدرة في الصلاة التطوع في السفر , وللمسايف في وجه العدو وغير ذلك، وأما الماء النجس فلا يجوز الوضوء به على وجه، فلهذا

طلب اليقين فيه كما قلنا فيمن نسي صلاة من خمس صلوات أنه يصلي الصلوات كلها حتى يأتي على اليقين؛ لأن الصلاة لا يجوز تركها مع القدرة ولا مع العذر.
والدليل على أبي حنيفة: هو أن هذا الإنسان معه ماء طاهر بيقين يمكنه الوصول إليه وأداء الصلاة به من الماء النجس فوجب أن يجوز له التحري فيه، أصله الثلاث الأواني.
وأيضا: فإن التحري في الإناءين أمكن منه في الثلاث لوجهين: أحدهما: أنه بالتحري يطلب الطاهر، ولا يتوصل إلى معرفة الطاهر إلا بمعرفة النجس؛ لأه يطلب العلامة والأثر، والعلامة والأثر قد يكون على الماء النجس من أثر الرجل أو قلة الماء وكثرته وما يشبه ذلك، فصار كأنه لا يطلب إلا النجس، فإذا كان كذلك فتمييز الشيء بين شيئين أمكن وأقرب منه نم الثلاث وأكثر، كما أن تمييز عبد أشكل أمره من بين عبدين أمكن منه وأسهل من بين مائة عبد.
والوجه الثاني: هو أن التحري أن ينظر في كل إناء على الانفراد، ويضبط صفاته ويحفظها حتى إذا وجد اختلاف الصفة حكم حينئذ إما بنجاسة أو طهارة، فإذا ضبط (ذلك فهو إذا ضبط) صفة الإناء ثم نظر في الآخر كان أقر عهدا بالأول منه أن ينظر في ثالث.
فإن قيل: فأنتم لا تتحرون بل تأمرون باستعمال الجميع.

قيل: نحن نقول يتحرى أولا فيتوضأ بما يغلب على ظنه أنه طاهر ويصلي، ثم يتوضأ بالآخر ويصلي احتياطا؛ لأنه قد يجوز أن يخطئ اجتهاده في الأول فإذا احتاط بالثاني أصاب لا محالة.
فإن قيل: يلزمكم هذا في أكثر من إناءين حتى لو كانت أواني كثيرة وجب أن يستعملها كلها، وهذا يشق.
قيل: إذا خرج إلى المشقة تركنا ذلك وتحرى الواحد.
ألا ترى أنه لو اختلط على إنسان أو أشكل أمر امرأتين وثلاث في أن إحداهن أخته من الرضاعة منعناه أن يتزوج إحداهن، وقلنا له: احتط واترك الجميع، ولو اختلطت عليه بأهل بلد جاز أن يتزوج إحداهن؛ لأن منعه من ذلك يشق، وكذلك لو اختلطت عليه شاة ميتة باثنتين وثلاث من المذكاة وجب أن يمتنع من الجميع، ولو اختلطت بشيء كثير جاز له أن يأكل.
فإن قال عراقي: إن هذا يشهد لنا؛ لأننا لا نتحرى في إناءين ونتحرى في أكثر، كما قلتم في المرأتين إحداهما أخته من الرضاعة، وشاتين إحداهما ميتة.
قيل: قد فرقتم أنتم بين الموضعين؛ لأنكم لا تجيزون له أن يتزوج إحدى عشرة فيهن أخته من الرضاعة، كما لا يتزوج واحدة من اثنتين، ولا تعملون في الأواني كذلك؛ لأنكم لا تجيزون التحري في

إناءين، وتجيزونه في ثلاث.
فإن قال الشافعي: فقولنا أولى؛ لأنه يستمر في إناءين وثوبين، وفي اجتهاد الحاكم والقبلة في أنه ليس عليه أن يحكم بالاجتهادين، ولا الصلاة إلى جهات القبلة كلها.
قيل: أما الحاكم فإنه ينظر لقطع الخصومات، فإذا غلب على ظنه الحكم لأحدهما حكم، فلو قلنا له: احكم للآخر أدى ذلك إلى إحكام الخصومة بينهما، ولعل خصومتهما قبل هذا الحكم تكون أسهل، فلا يجوز أن يفعل ذلك، والصلاة حق محضة لله فنعمل بما ذكرناه، وقد ذكرنا الفرق بين الإناءين وبين القبلة بما فيه كفاية.
ويجوز أن نستدل على أبي حنيفة في تركه الإناءين وعدوله إلى التيمم بقوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، وبقوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ما ليطهركم به﴾، وظاهر هذا طهارته، وبقول النبي عليه السلام: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه)، وهذا ماء لم يغيره شيء من ذلك، وقد قال - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، ولم يخص ماء من ماء، وهذا واجد للماء فلا يجوز العدول عنه إلى التيمم إلا بدليل.

[55]

مَسْأَلَة

من التيمم الصعيد عند مالك - رَحمَه الله - هو الأرض، فيجوز التيمم على كل أرض طاهرة، سواء كانت حجرا لا تراب عليها أو عليها تراب، أو رمل أو زرنيخ أو غير ذلك.
وبه قال أبو حنيفة محمد وأبو يوسف إلا على صخر لا تراب عليه فإن أبا يوسف قال: لا يجزئه.
وقال الشافعي: لا يجوز التيمم بغير التراب أصلا، إذا تيمم فلا بد أن يعلق بيده منه شيء يمسح به وجهة وذراعيه، ولا بد عنده من التيمم على التراب ومن الممسوح به.

والدليل على لقولنا: قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾، والصعيد اسم للأرض.
قال - الله تعالى - ﴿فتصبح صعيدا زلقا﴾، قيل: إنها أرض زلقة.
وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «يجمع الخلائق يوم القيامة على صعيد واحد» أي أرض واحدة، فالاسم الأخص من الصعيد يتناول الأرض نفسها، ولم يخص - تعالى - صعيدا من صعيد.
فأي أرض كانت فهي صعيد.
وأراد بقوله: ﴿طيبا﴾ أي طاهرا.
وقد قيل: إن الصعيد لما تصاعد من الأرض، فليس يختص بموضع منها دون موضع، والصخر متصاعد من الأرض، وكذلك الرمل وغيره، فهو عموم في كل ما تصاعد منها إلا أن يقوم دليل.
وقد ذكر ابن الأعرابي أن الصعيد اسم للأرض، واسم للتراب،

واسم للطريق، واسم للقبر.
فإذا كان يتناول كل واحد من هذه حقيقة فإما أن نجعله للعموم فيتناول جميعها، أو يكون من الأسماد المشتركة، كقولهم: عين ولسان لون.
فقوله تعالى: ﴿فيتمموا صعيدا طيبا﴾ اسم نكرة في إثبات لا يكون عموما، بل يكون شائعا في الجنس لا يتناول صعيدا بعينه، بل يتناول كل ما يقع عليه اسم صعيد على طريق البلد، والأرض والتراب والطريق والقبر من جنس أحد، فأي صعيد قصد جاز التيمم عليه إلا أن يقوم دليل، بمنزلة قولك: اضرب رجلا، فإنه لا يختص برجل دون رجل فأي رجل ضربه قد امتثل المأمور به، وإن كان الجنس مختلفا فلاسم مشترك لا يمكن ادعاء العموم فيه، لا صرفه إلى وجه دون وجه لا بدليل، فدل على أنها من المراد، وأن المراد جميعها.
وقد قام الدليل على أن الأرض مقصودة، وما تصاعد منها مقصود، وذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «جعلت لي الأرض مسجدا طهرا، فأينما أدركتني الصلاة فتيممت وصليت»، فذكر الأرض ولم يخص

موضعا منها، وجمع بين الصلاة والتيمم عليها، ثم آكد ذلك بقوله: «فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت».
وقد تدركه في موضع من الأرض لا تراب عليه، وفي موضع فيه رمل أو جص أو غير ذلك كما تدركه في أرض عليها تراب.
ولنا أيضا ما رواه العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «فضلت على الأنبياء بست» فذكر أشياء، إلى أن قال: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، فأخبر أن

الطهور من الأرض هـ ما كان مسجدا، وقد ثبت أن الصلاة جائزة على كل موضع من الأرض، فكذلك التيمم، ولا يختص بموضع عليه تراب من غيره.
وأيضا: ما روي عن عبد الله بن عمر أنه مضى إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - فكان في حديثه أن قال: بال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائما، فأتاه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى قام وضرب بيده على الحائط ومسح بها وجهه، ثم ضرب أخرى ومسح بها كفيه، ومعلوم

أن الحائط لا تراب عليه، فدل على أن التيمم لا يفتقر إلى مسموح به.
وأيضا ما رواه سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه عن عمار أنه قال: أجنبت فتمعكت فأخبرت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «إنما كان يكفيك هكذا، وضرب بيده على الأرض، ثم أدناها منه ونفخ فهيا، ثم مسح بها وجهه»، فحكى أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفخ في يديه ومسح بهما وجهه، وهذا نص على أن التراب ليس من شرطه؛ إذ لو كان من شرطه لما نفخهما.

ولنا أيضا ما رواه عمرو بن دينار عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن قوم جاءوا إلى رسل الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: إنا نكون في الرمال فلا نقدر على الماء ثلاثة أشهر وأربعة أشهر، وفينا النفساء والحائض والجنب.
فقال: «عليكم بالأرض»، وهذا يدل على جواز

التيمم بالرمال؛ لأنها أرضهم، ويتناوله اسم الأرض، ولو كان اسم الأرض لا يقع إلا على التراب لقال لهم: انتظروا وصولكم إلى الأرض، فلما قال لهم: «عليكم بالأرض» أي أرضكم التي أنتم بها دل على ما قلناه.
وأيضا فإن أحدا لا يمتنع أن يقول: جلسنا على الأرض، ونزلنا بأرض مصر والبصرة والحجاز وبني فلان، وإن كان موضع الجبال والحجر.
وأيضا فإن التيمم ثبت على وجه الترفيه والرخصة فيما كان مضيقا على من تقدم من الأمم فوجب أن لا يختص بموضع التراب كالصلاة، وهذا الذي دل عليه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا».
وأيضا فإن ما جاز أن يكون قرارا لماء جاز أن يتيمم به.
أصله موضع التراب، وهذا موجود في موضع الرمل.
وأيضا فإن موضع يجوز السجود عليه فأشبه موضع التراب.
فإن قيل: قوله تعالى -: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، فأمر بالمسح من الصعيد، فشرط الممسوح به؛ لأنه لا يقال: مسح منه إلا بأخذه جزءا منه.
واقتضى هذا أيضا أن يكون الصعيد ما يمكن الأخذ منه، وهو اللين الناعم، وهذه صفة التراب،

وأنتم تجعلون الجبل صعيدا، وهو لا يمكن الأخذ منه.
وأيضا فإن قوله: ﴿منه﴾ يدل على التبغيض؛ لأن من للتبعيض والهاء في ﴿منه﴾ كناية عن مذكر فهي ضمير التراب لأنه يذكر.
أحدها: أنه يجوز أن يكون ﴿منه﴾ صلة في الكلام، كقوله: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة﴾، والقرآن شفاء.
جواب آخر: وهو أننا لو سلمنا أنه أراد غير الصلة فإنما أراد به ﴿منه﴾ الموضع الطاهر من الصعيد، والهاء كناية عن الصعيد - وهو مذكر - فتقديره من بعض الصعيد، وهو المكان الطاهر الذي يجوز السجود عليه، وقد يذكر بعض أسماء المواضع ويؤنث، مثل بدر وحنين

وواسط ودابق، وهذه مواضع من الأرض.
وأيضا فإن كل ما ليس له فرج فإنه يجوز أن يذكر ويؤنث، فيقال: أطفئ نارك، وأطفئت نارك، وهدم دارك، وقد قال تعالى: ﴿وأخذ الذين ظلموا الصيحة﴾، ﴿وأخذت الذين ظلموا الصيحة﴾.
وأيضا فلو أراد - تعالى - بالصعيد الطيب التراب لقال: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم به، ولم يقل: منه، فلما قال: دل على أنه أراد من الأرض أو مما تصاعد من الأرض، فلا يخص بعض ما تصاعد منها من بعض، وقد يتصاعد منها الرجل والجص وغير ذلك.
وأيضا فقد ورد القرآن في هذه الآية بقوله: ﴿منه﴾، ووردت

آية أخرى قيل أخرى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾، وإن تيمم بتراب جاز بقوله: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾.
فإن قيل: يبنى المطلق على المقيد، فالمطلق قوله: ﴿فامسحا بوجوهكم وأيديكم﴾، والمقيد: ﴿منه﴾.
قيل: لا يبنى المطلق على المقيد إلا بدليل.
يحتمل أيضا أن يكن قوله - تعالى -: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾.
أي من المقصود، ولأن معناه: اقصدوا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم من المقصود الذي هو الصعيد، وقد ذكرنا أن اسم الصعيد حقيقة إما أن يكون لنفس الأرض على ما ذكرناه، أو لما تصاعد منها فهو المقصود، ولا يخص التراب منه دون غيره، وإن كان الصعيد اسما للأرض ولما تصاعد منها فذلك مقصود لا يختص موضع تراب من موضع غيره.
فإن قيل: فقد روى أبو عوانة عن أبي مالك

الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت لنا الأرض مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا».

وروى عن سعيد بن مسلمة بهذا الإسناد عن حذيفة أنه عليه السلام قال: «جعل ترابها طهورا»، وهذا نص؛ لأنه عليه السلام خص التراب بالطهور وما عداه فليس بتراب، فدليله أن غير التراب ليس بطهور.
قالوا: وهذه زيادة في الخبر على قوله: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، فكان الزائد أولى.
قالوا: وأيضا فإن قوله عليه السلام: «جعلت الأرض مسجدا وطهورا» مطلق، وقوله «وترابها طهورا»، مقيد، فيبنى المطلق على المقيد، كما علمناه وأنتم في الشهادة في قوله: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ بنيناه على قوله - تعالى -: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، وكذلك أطلق - تعالى - قوله في موضع في الكفارة فقال: ﴿فتحرير رقبة﴾،

وقيدها في موضع بالإيمان، فلا يجوز من الرقاب في الكفارات إلا مؤمنة.
قيل: أما قولكم: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نص على التراب فإننا نقول بموجبه.
ويجوز التيمم على التراب.
فأما دليله فلا يلزم: لأن الأرض هي غير التراب، والتراب غيرها فلا يخص دليل الخطاب ما ليس من جنسه.
ألا ترى أنه لما قال عليه السلام «في سائمة الغنم الزكاة» كان دليله ألا زكاة في عاملة الغنم، ولا في عاملة البقر، فكذلك دليل قوله: «ترابها طهورا» أن غير ترابها مما يضاف إليه ليس بطهور، وكما لو قال: رملها طهور.
لكان دليله أن ترابها ليس بطهور، وكذلك لو قال: صوف الغنم طاهر.
دل على أن لحمها وجلدها وقرنها ليس بطاهر.
فأما أن يكون نفسها ليس بطاهر فلا.
وإن جاز أن يكون في دليل الخطاب ما يعم الجنس وغير الجنس فهو ضعيف، وقضى عليه القياس الذي ذكرناه فيحلق المسكوت عنه بالمنطوق به.
وقولكم: إن في خبركم زيادة هي ذكر التراب فإننا نقول بالزائد وبالمزيد عليه، فنجوز الأمرين جميعا، وهذا زيادة في الحكم لا محالة فهو أولى من الاقتصار على الزائد حسب.

وقولكم: إنما يبنى المطلق على المقيد في هذا فهو غلط من وجهين: أحدهما: أنه يحتاج إلى دليل.
والوجه الآخر: هو أن الأرض المطلقة ليست هي تراب، والتراب ليس هو الأرض: لأن التراب من الأرض بمنزلة الصوف من الغنم، والصوف ليس هو الغنم، فكذلك التراب ليس هو نفس الأرض.
وأما الشاهد المطلق فهو المقيد بالعدالة، وكذلك الرقبة نفسها مقيدة بالإيمان.
فإن قيل: ما روي عن عمار، وأن النبي عليه السلام ضرب بيديه الأرض ثم نفخهما يجوز أن يكون نفخ حتى ذهب الغبارة وأثره، فيجوز أن يكن نفخ حتى جف الغبار ولم يذهب الأثر، وهذه فعلة واحدة تحتمل، فإذا لم يعلم على أي وجه وقت لم يصح الاحتجاج بها، ولا يدعي في ذلك العموم.
قيل: هذا خرج مخرج التعليم فلا يجوز أن يغفل بيانه، ولو كان الحكم فيه يختلف لبين لعمار الحكم فيه، كان عمرا وغيره ممن حضر ينقلون تفصيل ذلك، هل النفخ يزول معه الأثر أولا؟، وقد روي أنه قال لعمار: «أنفخ يديك»، ولم يفصل له صفة

النفخ، وروي أنه عليه السلام نفض يديه.
فإن قيل: فقد روي أنه عليه السلام قال لأبي ذر: «التراب كافيك ". قيل: قد روي: «التيمم كافيك»، وليس في قوله: «التراب كافيك وأن لم تجد الماء عشر حجج» أكثر من أنه أعلمه أن التيمم يكفيه، هذا هو الغرض، ويجوز أن يسمي له الأرض باسم التراب؛ لأن الغالب أنه يكون عليها.
وعلى أننا نقول بموجب الخبر، فيجوز التيمم بالتراب.
فإن قيل: دليله أن غير التراب لا يكفي.
قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن الحكم علي باسم له لم ين ما عداه بخلافه - عندكم -، وإنما ذلك في الشروط في الأوصاف، والتراب اسم، ثم قد بينا أن الأرض غير التراب، دليل التراب هو الرمل وغيره، فإن اقتضى دليله أن التيمم على الرمل لا يجوز سلمت لنا الأرض التي لا تراب عليها، وإذا جاز التيمم على الأرض التي لا تراب عليها سلمت المسألة.

وعلى أنه لو سلم الدليل لكان القياس الذي ذكرناه يخصه، فيصير تقديره، أن غير التراب من الذهب والفضة والنحاس والحيوان وغير ذلك لا يجوز إلا في الأرض الحجر وغير ذلك ما عدا الأنواع التي ذكرناها.
وقد روي: «الصعيد كافيك»، وإذا أمكن استعمال الجميع كان أكثر الفوائد.
فإن قيل: فإنه ممسوح في الطهارة فوجب أن يكون من شرطه ممسوح به.
أصله مسح أو الرأس في الطهارة.
وأيضا فإنه معدن في الأرض فوجب أو فلا يجوز التيمم له - يعنون الجص وغيره - أصله سحالة الحديد والذهب والفضة.
وأيضا فإن ذلك يتمول على وجه العادة فوجب أن لا يجوز التطهر

به.
أصله المائعات كلها من الخل وغيره.
وأيضا فإن الطهارة تتعلق بجامد ومائع، ثم لما تعلقت الجامد وجب أن تتعلق بأعمها وجودا.
قالوا: وإن شئنا جوزنا فقلنا: هو أحد جنسي ما يقع به التطهر فوجب أن يتعلق بأعمها وجودا.
أصلها الماء.
قيل: أما القياس على مسح الرأس في الطهارة فلا نسلم قولكم: ممسوح في طهارة؛ لأن التيمم ليس بطهارة على الإطلاق.
وعلى أن المعنى في الطهارة بالماء أن الحديث يرتفع، لا يتعرف في التيمم.
ألا ترى أن كل عضو من الأعضاء مثل الوجه واليدين لا بد أن يلاقيه الماء في جميع أجزائه، وليس من شرط التيمم ملاقاة التراب لكل جزء من الوجه واليدين.
وأيضا فإذا سقط مسح الرأس والرجلين في التيمم أصلا كان سقوط الممسوح به في الوجه واليدين أخف.
وقولكم: إنه معدن في الأرض فلا يجوز التيمم به كالحديد والذهب والفضة فإننا نقول: إن الصعيد - عندنا - هو الأرض نفسها، فالتيمم يقع عليها، سواء كانت جصية أو رملية، فأما على الكحل مفردا عن الأرض، وكذلك الجص وبالزرنيخ فلا يجوز التيمم عليه، فلا يلزم ما ذكرتموه.

وقولكم: إنه يتمول في العادة، فإنه في حال ما يتمول لا يجوز التيمم به فإما مع كونه مع الأرض فالمقصد الأرض لا هو.
وعلى أن الذهب والفضة كالمودعين في الأرض فليسا من جنسها.
وأما المائعات غير الماء فلا مدخل لها في شيء من الطهارات.
ألا ترى أن الاستنجاء بها لا يجوز، ويجوز بما (من جنس الأرض.
وأما قولكم: إن لطهارة هو لما تعلقت بالمائعات تعلقت بأعمها وجودا، وهو الماء، فإننا نقول: إن الأرض في التيمم أعم وجودا، فهي في أن أحدا لا ينفك منها كانت أعم وجودا من الماد، كما إنها عامة في الصلاة عليها، وشرط التيمم - عندنا - أن يكون على الأرض دون ما ينفصل منها إلا في موضع ضرورة.
مثل أن يكون في مركب لا يقدر على الماء ولا على الأرض ومعه فإنه يتيمم به؛ لأجل كون التراب مختصا من بين سائر ما ينفصل من الأرض فجوزناه للضرورة.
وعلى أننا إذا سبرنا قول المخالف في كون التراب شرطا كالماء وجدناه فاسدا: لأن المأخوذ علينا في الطهارة بالماء أن يلاقي كل جزء من الأعضاء جزء من الماء، وهذا غير مأخوذ علينا في التيمم؛ لأن المتيمم إذا ضرب بيده على التراب ثم أمرها على وجهه فهو إلى أن يبلغ حد الذقن لا يبقى في يده من التراب شيء، وكذلك إذا مسح يده اليمنى بيده اليسرى فإلى أن يبلغ المرفق ويديرها على باطن ذراعه لا يبقى منه شيء أيضا.
وإذا كان هذا هكذا جاز في الجزء الأول ما يجوز في الأخير، أو لا يجوز في الجزء الأخير إلا ما يجوز في الأجزاء الأول، فلما لم توجبوا وجود التراب في الجزء الأخير وجب أن يكون

الأول مثله، هذا مع قوله - تعالى -: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، فعم الوجه واليدين في المسح منه، ولم يقل: ببعض وجوهكم وبعض أيديكم.
ومعنى آخر: وهو أن التيمم أخف أمرا من التطهر بالماء، لأن الماء يرفع الحدث، والتيمم لا يرفعه.
ألا ترى أن غسل جميع البدن في الجنابة يجب بالماء، ثم مع التيمم يسقط جميع حكم البدن إلا في الوجه واليدين، فإذا سقط ذلك في باقي البدن وهو الممسوح والممسوح به جاز أن يثبت المسح في الوجه واليدين وسقط الممسوح به وهو التراب.
ويجوز إذا كنا مسئولين أن نبني المسألة على جواز ضربة واحدة في التيمم للوجه واليدين.
فإن سلموا ل صحت المسألة: لأن كل عاقل يعلم أن الضربة الواحدة إذا مسح بها الوجه خلت اليدان من التراب، ومع هذا فيجوز

أن يمسح بهما الذرعين، فلو كان التراب شرطا في كل جزء منه لما جاز ذلك.
وإن لم يجوزوا ذلك ولا سلموه لنا نقل الكلام إليه.
والدليل عليه: قوله - تعالى -: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾.
وأيضا قول النبي عليه السلام لعمار: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفضهما ثم تمسح بهما كفيك ووجهك»، هذا موضع تعليم وبيان لا يجوز أن يهمله.
وكذلك روي أن عمارا حكى أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضرب بيديه على الأرض، ثم نفشهما، وقيل: نفخهما مسح بهما كفيه ووجهه.
فقد تضمن هذه الخبر أدلة على المخالفين.
منها: أنه عليه السلام قال لعمار: «اضرب بيديك على الأرض» ولم يذكر له التراب، فأكد الأمر فيه: ليعلمنا أن التراب ليس شرطا؛ لقوله: ثم ينفضهما.

ومنها: أنه جمع الوجه والكفين في ضربة واحدة.
ومنها: جواز ترك الترتيب؛ لأنه قال: «تمسح كفيك ووجهك»، وفي حديث «ثم وجهك».
ومنها: جواز الاقتصار في المسح على الكفين دون الذراعين، وجميع ذلك مذهبنا.
وقد روى عن عمار أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين».

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل