قد تكلمنا على طهارة الكلب وسائر الحيوان، فإذا ثبت ذلك فسؤر جميع ذلك طاهر، لا يفسد الماء.
ورأيت أن أفراد الكلام على أبي حنيفة فإنه يقول: أسآر سائر سباع البهائم نجسة لا يجوز التوضؤ بما ولغت فيه بحال، كالكلب والخنزير فكذلك الأسد والفهد، وأما سباع الطير، وحشرات الأرض مثل الحية والفأرة وغير ذلك فكلها نجسة، ولكن عفي عن نجاستها؛ لأن الاحتراز منه لا يمكن فيكره التوضؤ بسؤره، ولكنه جائز، كذلك الهر قال: هي نجسة، ولكن عفي عن نجاستها فيكره التوضؤ بسؤرها.
وأما البغل والحمار فمشكوك فيه، فإن كان واجدا للماء لم يجز التوضؤ به، وإن كان عادما له توضأ بما فيه سؤره ويتيمم.
ووافقنا الشافعي على طهارة جميع ذلك إلا الكلب والخنزير،
وقد مضى الكلام على جميع ما فيه الحياة.
واستدل أصحاب أبي حنيفة ومن نصر قوله بما روي أن النبي عليه السلام سئل عن الحياض بين مكة والمدينة تردها السباع والدواب فقال: (إذا ولغ الماء قلتين لم يحمل خبثا)، فجعل ذلك نجسا خبيثا إذا كان دون القلتين.
وأيضا فإنه حيوان لا يؤكل، ويمكن حفظ الإناء منه فوجب أن يكون سؤره نجسا كالكلب، أو سبع يمكن الاحتراز منه فهو كالكلب.
ولنا ما رواه داود بن الحصين عن أبيه عن جابر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل فقيل له: أيتوضأ بما أفضلت الحمر؟.
فقال: (نعم، وبما أفضلت السباع كلها)، وهذا نص؛ لأنه عليه السلام جوز التوضؤ بسؤر
الحمار.
وهم يمنعون منه، وكذلك سؤر السباع كلها، وأبو حنيفة إما طأن يكرهها أو يمنع من ذلك.
وهذا الخبر يلزم الشافعي أيضا؛ لأن الكلب والخنزير من جملة
السباع، وقد روي فيه (والكلاب).
فإن قيل: المراد بقوله: (وبما أفضلت) مثل أن يشرب من نهر أو دجلة.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن هذا غير محتمل؛ لأن الفضل هو قليل من كثير، كما يقال: أكل زيد ففضل منه، فعلى هذا لا يجوز حمله عليه بقياس ولا غيره.
والثاني: أنه عام في كل فضل.
وأيضا فإن هذا لا يصح على أصلهم؛ لأن الماء القليل هو إذا حرك أحد جانبيه تحرك الآخر - عندهم - إذا شرب منه السبع نجس الماء كله، وإذا كان كثيرا بحيث لا يتحرك الجانب الآخر فالموضع الذي شرب منه نجس.
وبعضهم اليوم يقول: فيه رواية أخرى أنه لا ينجس.
ولنا أيضا حديث كبشة مع أبي قتادة لما أصغى الإناء للهر حتى شربت، وقال: سمعت النبي عليه السلام يقول: (الهر ليست بنجس إنها .....)، وما ليس بنجس لا يكره سؤره.
وأبو حنيفة يكره سؤر الهر.
وأيضا فإن النبي عليه السلام امتنع من دخول دار فيها جرو، ودخل دارا فيها هر.
فقيل له: دخلت دار فلان وفيها هر.
فقال عليه السلام: (الهر سبع)، فلما علل الهر بأنها سبع علم أن السباع كلها لا تجتنب، والكلب سبع، وإنما أراد أن يعلمهم أنه امتنع لسبب آخر في الكلب، وهو نهيه لهم عن اقتنائه.
وأيضا فهو إجماع الصحابة.
روي أن عمرو بن العاص وعمر بن الخطاب وردا على حوض فقال عمر: يا صاحب الحوض لا تخبرنا؛ فإنا نرد على السباع وترد علينا.
وروي أن أبا هريرة سئل عن الماء ترده السباع.
فقال: الماء لا ينجسه شيء.
وأيضا فإنه حيوان يجوز بيعه فوجب أن يكون سؤره طاهرا، أصله النعم.
ولا يلزمنا على هذا الكلب؛ لأنه يجوز بيعه، وإنما يكره.
ونقول: هو حيوان يجوز اقتناؤه بكل حال فوجب أن يكون سؤره طاهرا، أصله النعم.
ويجوز أن يحتج بالظواهر، نم قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾، فهو على أصل تطهيره حتى يقوم دليل.
وقول النبي عليه السلام: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه)، ونقول في الحمار: هو حيوان مركوب فأشبه الفرس والبعير.
ثم يقال لأصحاب أبي حنيفة لما شككتم في البغل والحمار وجب أن تتوقفوا فيه فلا تستعملوه أصلا.
قيل: تركتم الاحتياط؛ لأن الاحتياط هو أن يتيمم ويصلي، ثم يتوضأ منه ويصلي؛ حتى إن كان نجسا فقد مضت السنة بالتيمم، ولم تحصل على بدنه نجاسة يصلي بها.
فأما ما احتجوا به من الخبر فهم لا يعتبرون القلتين.
ثم يجوز أن يكون أراد تقليل الماء؛ لأنا قد بينا أن القلة تقع على الكوز فلا يحمل خبثا لم يغيره.
ثم قد قضي عليه ما رويناه من الحياض تردها السباع فقال: (لها ما شربت، وكم ما غبر شراب وطهور)، ولم يفرق بين صغير الحياض وكبيرها.
وبما روينا من النص على الحمار وما أفضلت السباع ولا يقضي على مثل هذا بالمحتمل، وقد بينا أن القلة اسم مشترك.
وقياسهم غير مسلم؛ لأننا نكره أكل الكلب ولا نحرمه.
وقولهم: إن الكلب يمكن التحفظ منه فإننا نقول: هو مثل الهر لا يمكن التحفظ منه، ثم البازي لا يمكن التحفظ منه، وسؤره - عندهم - نجس ما ذكروه، وبالله التوفيق.
[44]
مَسْأَلَة
غسل الإناء من ولوغ الكلب مسنون إذا أريد استعماله، وإن لم يرد استعماله لم يجب غسله، هذا مذهب الفقهاء إلا قوما من المتأخرين فإنه حكي عنهم: أنه يجب غسله سبعا، سواء أريد استعماله أم لا.
والأصل أنه لا يخلو أن يكون غسله إما لنجس أو لطهارة حدث أو لتعبد على ما نقول، وليس في الأصول ما يجب غسله إلا إذا أريد الشيء الذي من أجله وجب الغسل.
ألا ترى أن الوضوء وغسل الجنابة والحيض لا يجب إلا إذا أراد الإنسان الصلاة، وغسل سائر الأنجاس لا يجب إلا إذا أراد الصلاة في ذلك الشيء النجس، إما من بدنه أو غسله، وما كان غسله للعبادة، مثل الخلوق من ثوب المحرم لم يجب مما ليس فيه طيب لم يجب غسل الثوب الذي تركه وفيه الخلوق، فإذا ثبت هذا في الأصول لم يخرج غسل الإناء من ولوغ الكلب عنها.
وأيضا فإن الغسل المفروض في الطهارات التي تراد للصلاة لا تجب إلا إذا أراد الصلاة فالغسل المسنون في الإناء المراد غسله لأجل الصلاة أولى ألا يجب إلا إذا أراد استعماله.
فإن قيل: فإنه فرض - عندنا -.
قيل: فيكون كسائر الغسل المفروض للصلاة.
ويجوز أن نحرز هذا قياسا فنقول: هو غسل قد تعبدنا به فلا يجب إلا عند إرادة ما يغسل من أجله قياسا على غسل النجاسة نم الثوب أو طهارة الحدث.
ونقول أيضا: إن الأمر ورد بغسل الإناء من ولوغه تغليظا عليهم حتى لا يقتنوا الكلاب، فغلظ عليهم في غسل الأواني إذا أرادوا استعمالها.
ألا تراه عليه السلام قال: (طهور إناء أحدكم)، فسماه طهورا، والطهور يقتضي مطهرا، وهو الإناء الذي يطهره الماء، فهو كالإنسان الذي يلزمه أن يتطهر بالماء، ويكون به مطهرا للصلاة، أو يكون كالثوب الذي يطهره الماء من النجس فيصير مطهرا، ولا يجب ذلك إلا إذا أريد للصلاة.
فإن قيل: فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (فليغسله سبعا)، ولم يفرق بين أن يريد استعماله أو لا.
قيل: وكذلك قال الله - تبارك وتعالى -: ﴿وثيابك فطهر﴾، ولم يقل: إذا أردت الصلاة أو لم ترد، ومع هذا فلم يجب إلا إذا أرد الصلاة، فكذلك دل
الدليل على وجوب غسل الإناء إذا أريد استعماله، وهو ما ذكروه من الاستدلال والقياس.
فإن قيل: فإذا كان هذا ورد في الكلب تغليظا من بين سائر الأنجاس وجب أن يثبت التغليظ فيه، فسواء أريد استعماله أو لا، حتى يبين من نظيره مما لم يقع التغليظ فيه.
قيل: إن التغليظ ورد في غسله سبعا إذا أريد استعماله، وغيره من الأواني لم يغلظ فيه بعدد، فالتغليظ من هذا الوجه قد حصل، وليس إذا وجب التغليظ من وجه وجب من كل وجه؛ لأنه لو وجب ذلك لوجب غسل الإناء سبعا، وأن يمنع بعد الغسل من استعماله أصلا حتى يكون أغلظ، فلما سقط هذا، وجاز استعماله بعد غسله علمنا أن التغليظ قصد على الوجه الذي ذكرناه، هذا لو كان غسله لنجاسة، فكيف وقد بينا أنه عبادة؟، فهو كالوضوء الذي يراد للصلاة، أو كغسل الطيب من ثوب المحرم إذا أراد الإحرام فيه.
ثم قد بينا في قوله عليه السلام: (طهور إناء أحدكم) أنه كسائر الأشياء التي يجب تطهيرها إما لأجل الصلاة أو لتكون طاهرة إن جعل فيها ما يؤكل أو يشرب لم ينجس مثل سائر الأواني التي تستعمل فلا يجب غسل جميعها إلا إذا أريد استعمالها.
فإن قيل: يجب غسله سواء أراد صاحبه استعماله أو لا؛ لئلا يستعمله غيره ممن لا يعلم حاله.
قيل: فيجب أن يغسل ثوبه النجس وإن لم يرد استعماله؛ لئلا يصلي فيه من لا يعلم خبره، ويجب على الإنسان أن يكون على وضوء؛ لئلا ينسى فيصلي بلا طهارة، ويجب على الإنسان أن لا يكون في ثوبه طيب؛ لئلا ينساه فيحرم فيه، وكذلك يجب عليه أن وقت أصاب ثوبه نجس أن يبادر بغسله؛ لئلا ينساه فيصلي به، فلما كان هذا كله ساقطا سقط ما قلتموه، والله أعلم.
[45]
مَسْأَلَة
وما لا نفس له سائلة مثل العنكبوت والزنبور والعقرب والخنفساء والجعل والبرغوث وما يتولد من دود الخل والباقلاء والجبن والفواكه وغير ذلك فإنه لا يفسد شيئا من المائعات، الماء وغيره في ذلك سواء عندنا، وعند أبي حنيفة.
وقال أصحاب الشافعي: إن ما يتولد من شيء كالدود الذي ذكرناه فإنه إذا مات في ذلك الشيء الذي تولد فيه فإنه بموته ينجس، ولا
ينجس ذلك الشيء، بل إن أخرج الدود الميت منه فطرح في شيء نجسه، وما لم يتولد من ذلك الشيء مثل العنكبوت والعقرب والزنبور والذباب والبرغوث إذا مات في شيء من المائعات فإنه على قولين:
أحدهما: أنه ينجسه.
والثاني: أنه لا ينجسه وإن كان في نفسه نجسا.
والدليل لقولنا: هو أن ذلك المائع طاهر قبل وقوع هذه الأشياء فيه، فمن زعم أنه انتقل عن حاله فعليه الدليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، وقوله: ﴿وينزل عليكم من المساء ماء ليطهركم به﴾، فوصف الماء عموما بأنه طاهر مطهر لم يخص من جنسه شيئا، فمن زعم أنه انتقل عن طهارته فعليه الدليل.
وأيضا قول النبي عليه السلام: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه)، وهذا ماء لم يتغير فهو طاهر.
ولنا أن نفرض المسألة في مائع يؤكل وقع فيه شيء من ذلك
فنقول: قال الله - تعالى - ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾، فهو عام في كل شيء لا يكون ميتة، ولم يقل: إلا يكون في ميتة، وإنما حرم الميتة نفسها دون ما وقعت فيه، وهذا المائع ليس ميتة ولا دما ولا لحم خنزير فهو غير محرم.
وأيضا ما رواه سعيد بن المسيب عن سلمان أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فيه فهو الحلال أكله وشربه ووضوؤه).
وأيضا ما روي أنه عليه السلام قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم)، وفي حديث: (في طعام أحدكم فامقلوه؛ فإن في أحد جناحيه داء.
وفي الآخر دواء، وأنه يقدم الداء)، وقد يقع الذباب حيا فيموت بالمقل فيه، وقد يقع أيضا فيه ميتا كما يقع فيه حيا، فلو كان ينجس بموته، أو ينجس ذلك الشيء لم يأمر بمقله فيه.
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾، وهذا ميتة، والذم يقتضي وجوب الاجتناب منه والامتناع.
وما تلوتموه من القرآن في طهارة الماء فهو عموم لم يخص بتحريمه الميتة، وقوله: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غيره) محمول على الكثير منه.
قيل: ظاهر قوله - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ يتناول عين الميتة ولا يتناول ما وقعت فيه، وما يكون ميتة محرمة بإجماع تقع في الماء الكثير فلا تغيره هي ميتة محرمة بإجماع، والماء غير محرم فصارت الآية متوجهة إلى نفس الميتة لا إلى ما وقعت فيه.
ثم لو ثبت العموم لكان حديث سلمان عن النبي عليه السلام يقضي عليه، وكذلك حديث الذباب ومقله في الطعام.
فإن قيل: مقل الذباب فيه ليس بقتله فلهذا أباح مقله فيه.
على أنه ليس يمتنع أن يبيح ذلك وإن كان يخاف موته، وتنجس الطعام لغرض صحيح، وهو زوال الداء، كما أباح الكي في الحيوان، وقد يخاف منه الموت، وإتلاف المال، ولكن ما تعلق به غرض صحيح جازت إباحته.
قيل: إن قولكم: إن مقل الذباب ليس بقتله محال، فهو وإن سلم في شيء فليس يسلم في كل شيء مثل الشيء الحار والعسل والدهن وما أشبهه، والنبي عليه السلام لم يخص شيئا مما وقع فيه.
وقولكم: ليس يمتنع أن يبيح مقله فيه ويتنجس ذلك لغرض صحيح فإننا نقول: غرض فاسد؛ لأنه إذا كان في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء كان الدواء بإزاء الداء فلم يربح من هذا أكثر من فساد المائع حتى لا يصلح لشيء، ففيه إضاعة المال، وقد نهينا عنه، وإنما أعلمنا عليه السلام أن أكل ذلك الشيء لا يضرنا، ولا شربه؛ لأن الداء الذي في أحد جناحيه قد أزاله الذي الجناح الآخر، فلا يفسد علينا شيء مما وقع فيه.
وأما كي الحيوان فلنا فيه غرض صحيح لا يفسد علينا به شيء، فنظيره أن لا ينجس الماء، ولا يفسد علنيا ما وقع فيه الذباب.
ويؤيد ما قلناه: ما عليه المسلمون خلفهم عن سلفهم من لدن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى وقتنا هذا، فإنهم يستعملون ما وقع فيه البق والذباب والزنبور، ولا يجتنبونه ولا يكرهونه، ولا ينكر بعضهم على بعض ذلك، ولم ينقل عن أحد منهم فيه خلاف، وهذا يدل على أنه موضع إجماع، ولو وقع بينهم فيه خلاف أو حكي عن واحد منهم أنه
حرمه أو أنكره لم يخل من ينقله، ومن المحال أن يتنجس شيء من ذلك فلا يذكر حكمه عن أحد منهم مع عموم البلوي به.
ثم من المحال أن يموت دود الخل فيه فلا يتنجس، فيؤخذ ذلك الدود فيجعل في خل مثله أو غير الخل فيتنجس؛ لأنه لو تنجس ما ينقل إليه لكان ما هو فيه أولى أن يتنجس؛ لطول مكثه فيه، ونحن نعلم أن الباقلاء المطبوخ بالماء يكون في الباقلاء الدود والذباب الميت، فيتهوى في ماء الباقلاء بالطبخ، ولم يقل أحد من المسلمين: إن ماء الباقلاء نجس، وربما أكل الدود والذباب الذي فيه، خاصة العميان، ومن يفطر بالليل، ولم نسمع عن أحد إنكار ذلك.
ثم كيف يكون ذلك الماء طاهرا فيخرج منه الذباب - وقد تهوى بالطبخ فيه - فيجعل في ماء مثله فينجس ذلك الماء.
وإن كان هذا نجسا فالماء الذي كان فيه أولى بالتنجس، فلا يصح لهم الفرق ههنا إلا بأن يقولوا: إذا طبخ الباقلاء فإن ماءه ورد على نجاسة الدود والذباب الذي في الباقلاء، وإذا ورد الماء على النجاسة طهرها وإن كان دود القلتين، وليس كذلك إذا أخرج الدود في الباقلاء وطرح في ماء قليل؛ لأن هذه نجاسة وردت على الماء، وهذا قد تكلمنا عليه.
ثم نقول: هذا فاسد بالخل والمائعات غير الماء، فإن ورود النجاسة على المائع غير الماء كورود المائع على النجاسة، وهذا الخل الذي فيه الدود طاهر فينبغي إذا أخذ الدود منه وطرح في خل آخر ألا ينجس.
(وأن يتنجس بالخل الذي تولد فيه الدود أولى أن يتنجس).
وإذا أنصف الإنسان نفسه، واتقى ربه علم صحة هذا، ولم يخرج عن الإجماع فيه، ونحن نعلم أن الشافعي - رَحمَه الله - لم يقل في القول الآخر: إنه لا ينجس شيئا وقع فيه إلا وقد بان له الحق فيه، فينبغي أن يعمل على هذا القول، ونطرح القول الآخر، ولا نتعرض له.
ونقول أيضا: إنه نفس له سائلة فلا ينجس بموته، ولا ما وقع فيه كالجراد.
ويجوز أن نقول: إنه لا يمكن الاحتراز منه، وأن يقع الذباب والبرغوث والبق وما أشبهه في الماء والطعام فوجب أن يكون معفو عنه، كدود الخل والماء والجبن.
فإن قيل: فإنه ميتة لا يؤكل لا لحرمته فوجب أن يكون نجسا، أصله البهائم.
قيل: إن أردتم أنه لا يؤكل؛ لأنه محرم فليس هو محرما - عندنا -، ويجوز أكله، وإنما تعافه النفس، كالضب الذي لم يأكله النبي عليه السلام.
فإن قيل: فإن الحيوان على ضربين: ماله نفس سائله، وما لا نفس له سائلة، ثم ماله نفس سائلة منه ما ينجس الماء بموته، ومنه مالا ينجسه، مثل السمك والجراد، كذلك ما لا نفس له سائلة يجب أن يتنوع نوعين: نوع منه ينجس الماء بموته، ونوع لا ينجسه مثل دود الماء.
قيل: هذه دعوى بلا برهان، فلم يجب أن يكون إذا تنوع ماله نفس سائلة أن يتنوع مالا نفس له.
وأي شيء المعنى الجامع بينهما؟.
على أن الفرق بين السمك وما ذكرتم واضح؛ لأن السمك لما لم ينجس الماء الذي تولد فيه لم ينجس ما نقل إليه، فينبغي أن يكون دود
الخل إذا ل ينجس ما تولد فيه لم ينجس ما نقل إليه، فلما فرقتم بينهما كفانا هذا الفرق.
ثم إن السمك الذي مات في الماء الذي تولد فيه طاهر فلم ينجس الماء.
وأنتم تقولون: إن الدود الذي تولد في الماء نجس فينبغي أن ينجس الماء، وإن لم ينجس الماء الذي تولد فيه لم ينجس ما نقل إليه كالسمك.
وكل قياس توردونه فقياسنا أولى منه؛ لأن رد مالا نفس له سائلة إلى مثله من الجراد أولى، ولأنه يستند إلى استعمال المسلمين ذلك على ما بيناه.
فإن قيل: لا يمكن الاحتراز من البق والذباب، وخاصة في عمل الدبس، ووقوعه على التمر مع الزنبور، ولم يتحفظ أحد من ذلك فسقط هذا، وبالله التوفيق.
[46]
مَسْأَلَة
وليس يعتبر مالك - رَحمَه الله - في سائر الأنجاس قدر الدرهم، وقليلها وكثيرها سواء في حكم الإزالة إذا كان على وجه الصحة سوى الدم فإن قليله معفو عنه في دم الحيض وسائر الدماء.
وروى ابن وهب عنه أنه فرق بين دم الحيض وبين غيره من الدماء، فجعل دم الحيض قليله ككثيره، كما يقول في المني والمذي وسائر الأنجاس.
واعتبر أبو حنيفة في سائر الأنجاس قدر الدرهم البلخي فمتى كان دونه عفا عنه، وما كان مثله فكذلك، وما زاد على الدرهم لم يعف عنه.
وعند الشافعي أن سائر الأنجاس يستوي قليلها وكثيرها كقولنا، وخالف في الدم فقال: قليله غير معفو عنه ككثيره إلا في الموضع
الذي لا يمكن التحرز منه مثل دم البراغيث.
والدليل لقولنا: ما روي أن النبي عليه السلام خلع نعله في الصلاة، وقال: (أخبرني جبريل أن فيه قذارا)، ولم يبين هل كان قدر الدرهم أو أكثر، ولو كان يختلف لبينه.
وأيضا ما روي أنه عليه السلام مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير.
أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول)، وهذا عام في قليل البول وكثيره، ولو كان الحكم فيه يختلف لبينه، ونحن وإن كنا نقول: إن إزالة النجاسة ليست بفرض فإن المسنون في القليل والكثير واحد.
فإن قيل: هذا توعد منه عليه السلام وإخبار عن تعذيب، وأنتم لا توجبونه.
قيل: قد بينا حكمه فثبت منه حكم القليل والكثير، وأنه ممنوع
منه، ثم قامت دلالة على سقوط حكم التوعد وثبت أنه تغليظ، وصار كقوله: (من قتل عبده قتلناه)، فإنه تغليظ لمنع القتل.
ولنا أيضا ما روي أنه عليه السلام سئل عن دم الحيض يصيب الثوب فقال: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء)، ولم يفرق بين قليله وكثيره، ولا سألها عن مقداره، وهذا دليل للوجه الذي يقوله في دم الحيض، وأن قليله ككثيره.
وأيضا ما روي عنه عليه السلام انه صلى في ملحفة ثم رأى فيها لمعة من
دم فأنفذها إلى عائشة - رضي الله عنها - لتغسلها، واللمعة من الدم أقل من قدر الدرهم بكثير.
وأيضا ما رواه المقداد في قصة علي حين سأله عن المذي فقال: (اغسل ذكرك)، وموضع المذي من الذكر أقل من درهم.
وأيضا فقد اتفقنا وأبو حنيفة على الاستنجاء مسنون، إما بالماء أو بالأحجار، ونفس المخرج أقل من قدر الدرهم، فكذلك كل موضع من البدن والثوب إذا أصاب النجس منه هذا القدر.
فإن قيل: إنما وجب في هذا الموضع؛ لأن إزالته منه سنة، وسائر المواضع إزالته - عندنا - فرض.
قيل: الجميع - عندنا - سنة.
على أن هذا أولى أن يعفى عن قليله في الاستنجاء؛ لأن الموضع الذي عفي عنه إزالته سنة، والموضع الذي لم يعف عنه إزالته فرض، والعفو عن المسنون أولى، فلما لم يعف في الاستنجاء عن القليل كان في الفرض أولى أن لا يعفى عنه.
وأيضا: فإنه لما وجب غسل ما زاد على قدر الدرهم وما دونه في حكمه، لأنه من جنسه في الموضع الذي لا تتعلق بها ضرورة وليس غرضنا في هذه المسألة أن إزالة النجاسة فرض، ولا التفرقة بينها وبين إزالة النجو، وأن ذلك يزال بجامد والباقي مائع، وإنما الغرض الجمع بين القليل والكثير، فهو في النجو وغيره سواء في حكم الإزالة إما فرضا أو سنة فكذلك في سائر البدن إذا لم يتعلق بموضع ضرورة.
ولأن ما يخرج على طريق المرض فقليله وكثيره ربما اتفق وربما اختلف، وفي سائر الدماء سوى دم الحيض فقليله يخالف كثيره لموضع الضرورة، وهو أن الإنسان لا يخلو في غالب حاله من بثرة أو دمل أو ذباب أو برغوث فعفى عن القليل منه، ولأجل هذا حرم الله - تعالى - المسفوح منه فقال: (﴿أو دما مسفوحا﴾، فدل على أن غير المسفوح ليس بمحرم، وأحل - تعالى - من جنسه الكبد والطحال.
قالت عائشة - رضي الله عنها -) لو حرم قليل الدم لتتبع الناس ما في العروق، ولقد كنا نطبخ اللحم - البرمة تعلوها الصفرة -.
وليس الغالب من أمر الناس كون الغائط والبول وغير ذلك في ثيابهم وأبدانهم، لأن التحرز يمكن منه.
فإن قيل: قد يكون المخرج وما لا ينفك منه أكثر من قدر الدرهم، ثم قد جوزتم إزالته بالجامد في السنة، وعفوتم عن يسيره في سائر البدن حتى لا تجب إزالته بالنسبة لا بمائع ولا جامد.
فإن قيل: فقد روى يزيد ابن أبي حبيب عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة أن خولة أتت النبي عليه السلام فقالت: ليس لي إلا ثوب
واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟.
فقال عليه السلام: (إذا طهرت فاغسليه ثم صلي فيه)، فقالت: فإن لم يخرج الدم؟.
قال: (يكفيك الماء ولا يضرك أثره)، فلما أباحها الصلاة مع وجود أثر الدم دل على أنه جعله في حيز المعفو عنه لقتله، قالوا: وهذا يخص ظواهركم التي ذكرتموها، فتحمل ظواهركم على الكثير منه بهذه الدلالة.
قيل: عن هذا أجوبة:
أحدهما: أننا نوافقكم على العفو عن قليل الدماء، ومنها دم
الحيض على أظهر الروايتين عن مالك، فنقول بموجب هذا الخبر في الدم، وليس في هذا دليل على ما عدا الدم من سائر الأنجاس.
وجواب آخر: وهو أن الخبر حجة لنا على الرواية التي تحرم قليل دم الحيض وكثيره؛ لأنه قال لها: (اغسليه)، ولم يفرق لها بين قليله وكثيره، فأما إذا لم يخرج وبقي أثره فلا شيء عليها فيه؛ لأن سائر الأنجاس إذا غسلت وكان فيها ما يبقى أثره فلا ينقطع، وقد انقلعت عينه وريحه فقد مضى حكمه، ولو كان أثره بمنزلة عينه لم يأمرها بغسله؛ لأنه معفو - عندكم - عن عينه، كما هو معفو عن أثره، فلما أمرها بغسله ولم يفرق بين قليله وكثيره دل على ما قلناه، وليس في هذا ما يخص الظواهر التي ذكرناها، بل هو يؤكدها.
وجواب آخر: وهو أنهم لا يخلون معنا من أحد أمرين: إما أن يجعلوا هذا الخبر حجة علينا في سائر الدماء، ويحملوه على العفو عن قليله، فنوافقهم على إحدى الروايتين.
أو يجعلوه حجة علينا في دم الحيض على الرواية الأخرى، فقد قلنا: إنه عليه السلام قد أمرها بغسله أمرا ظاهره الوجوب، ولم يفرق لها بين قليله وكثيره، ولا يضر أن ينقلع أثره على ما بيناه.
ولو كان يختلف لقال لها: اغسليه إن كان كثيرا؛ حتى يعلم الفرق بين قليله وكثيره.
ثم لا ينفك من قدر القليل بدرهم بلخي ممن قدره بدرهم غير البلخي إما أصغر منه وإما أكبر؛ لأنه يقدره اجتهادا لا ينص، وإنما القليل ما يغلب على ظن الإنسان كالعمل القليل في الصلاة.
فإن قيل: فقد ثبت أن الدم نجس فإذا جاز العفو عن قليله جاز في سائر الأنجاس؛ لكونه نجسا قليلا.
قيل: قد ذكرنا الفصل بين الدم وسائر الأنجاس، وأن الله - تعالى - حرم المسفوح منه فدل أن غير المسفوح بخلافه، وإنما لم يحرم غير السفوح؛ لئلا يلحق فيه المشقة؛ لأن الإنسان لا يخلو في غالب حاله من أن يصيبه الذباب والبق والبراغيث والبثور وما أشبه ذلك، ومن أكله في اللحم والعروق، وليس كذلك الغائط والبول، فصار يسير البول في التحفظ منه مثل كثير الدم في التحفظ منه إذا لم تكن ضرورة، وكذلك دم الحيض على الرواية التي تحرم قليله؛ لأنه ليس الغالب منه إصابة الثياب، ومع هذا فيختص به النساء، وليس كذلك سائر الدماء، ولان قليله ينقض الطهر ويوجب الغسل، كالمني فلهذا فرق مالك بينه وبين سائر الدماء.
ويجوز أن يحتج بقوله - تعالى - ﴿وثيابك فطهر﴾، وهذا المراد به تطهير من نجس، ولم يفرق بين القليل والكثير فهو عموم إلا أن يخصه دليل.
[47]
مَسْأَلَة
ويغسل بول الصبي والصبية عند مالك وهما سواء في الحكم، وسواء أكلا الطعام أو لا.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يرش على بول الصبي، ويغسل بول الصبية.
واحتج لهما بما روي من حديث أم قيس بنت محصن، وأن النبي عليه السلام أمرها أن ترش على بول الصبي.
قال مالك: وهذا الحديث ليس بالمتواطأ عليه - عندنا -، ويعني على العمل به.
وهذا على أصل أبي حنيفة لا يستقيم ولا ينبغي أن يعمل عليه؛ لأنه مما يعم البلوى به، فكان سبيله أن ينقل نقلا مستفيضا منتشرا حتى يصير في معنى نقل الصلوات والزكوات وغير ذلك مما تقع البلوى به عامة، ولعل عموم هذا في النساء أكثر منه في الرعاف والقيء في الصلاة، وقد قيل في الجميع الحديث، ولم ينتشر نقله ولا استفاض.
ولا يستقيم أيضا على أصول الشافعي؛ لأنه لا يعدل عن قياس الأصول بقضية في عين تحمل وجودها من التأويل وهذا الخبر يخرج حكم هذا الجنس عن الأصول فيه؛ لأنه كسائر الأبوال النجسة التي لا فرق فيها في الكبار بين الذكر والأنثى.
وأيضا فإن كان ثفلهما جميعا نجسا فبولهما نجس، فينبغي أن يستويا في الغسل كالثفل، وإن كان بول الصبي وثفله ليسا بنجسين فكذلك في الصبية؛ لأن الأصول تشهد له، فالخبر محتمل إن صح لأمور منها:
أنه أمر بالرش عليه، والرش يكون في معنى الغسل، لأنه إذا كثر حتى تضاعف الماء عليه غلب عليه وأزاله، فيكون رشا هذه صفته، ولم يخصص النبي عليه السلام رشا من رش.
ويحتمل أيضا أن تكون هذه المرأة قد كثر عليها بول الصبي، ولا ثوب عليها غير ذلك الثوب، ويكون الزمان شديد البرد فلو كلفها غسله في كل نقطة تصيبه لحقتها المشقة التي لا تخفى، ونحن نجوز لها هذا وتصير منزلته منزلة العفو عن دم البراغيث، ومنزلة النجو الذي خفف إزالته بالأحجار.
ويحتمل أيضا أن يكون عليه السلام أراد أن يعلمنا أن إزالة النجاسة ليست بفرض حتى يسقط مذهب من يخالفنا في ذلك، وأمر بغسل بول الصبية على الأصل.
فإن قيل: فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرق بين بول الصبي والصبية فقال: (يرش على بول الصبي) فأفادنا بهذا الفرق بينهما.
قيل: إذا خرج هذا على سؤال سائل احتمل أن يكون عليه السلام عرف حال المرأة مع الصبي على ما ذكرناه، ولم تكن البلوى وقعت ببول الصبية على مثل ما وقعت ببول الصبي.
ولو أنه عليه السلام ابتدأ هذا على غير سؤال سائل احتمل أن يكون عليه السلام أراد أن ينبهنا على أن الرش يكون بمعنى الغسل؛ لأننا نعلم أن نقطة بول تصيب ثوب إنسان؛ ويشاهد موضعها، فيصرها في يده ويأخذ ماء فيرشه عليها فإننا نعلم أن هذا رش يغلب على حكم النقطة من البول، فيفهم بذكر الغسل في بول الصبية أن الرش على بول الصبي هذه صفته، ولم يرد عليه السلام الفرق بينهما في الحكم وإنما أتى بالمعنى بلفظين مختلفين، فلو قال فيهما جميعا: يرش عليهما، لاحتمل رشا كثيرا ورشا قليلا، فلما قرن الرش مع الغسل نبه على رش في معنى الغسل؛ لأننا نجد رشا هذه صفته، إذ لو أراد الفرق في الحكم لبين لأي معنى فرق بينهما؛ حتى يزول ما نعلمه من الجميع بينهما؛ لأن بوليهما نجسان كثفلهما، ولا يجوز أن يفترقا، فإما أن يكونا نجسين أو طاهرين، فإذا كان هذا مقدرا لم نزل عنه بخير محتمل.
وقد روى في الخبر أنه عليه السلام أمر بالنضح على بول الصبي،
والنضج وهو في معنى الغسل، كقوله عليه السلام للمقداد في قصة علي: (انضح فرجك)، وكما قال في دم الحيض: (انضحه)، فجعل النضح عبارة عن الغسل، ولا يمتنع أن يورد عليه السلام لفظين بمعنى واحد، فتستفيد الأشهر منه لمعنى واحد، ولا ينصرف عن قياس الأصول بمثل هذا؛ لأنه إن كان بول الصبي نجسا فبول الصبية مثله، فما وجب في بولها وجب في بوله مثله، كالذكر والأنثى الكبيرين، وكذلك في ثفلهما فيجب تساويهما في الحكم؛ لاجتماعهما في المعنى الذي نم أجله وجب غسل بول الصبية.
ويجوز أن تقول: هو بول آدمي فأشبه بول الصبية، ويستمر هذا في جميع بني آدم.
وأيضا فإنه مائع خارج من فرج آدمي على وجه الصحة فأشبه بول الصبية والكبير، وقد ذكرنا أن الفرض في هذه المسألة تساويهما في حكم الإزالة إما فرضا أو إما سنة، والله أعلم.
ويجوز أن يحتج بقوله - تعالى -: ﴿وثيابك فطهر﴾، وهذا تطهير نجس لم يفرق فيه بين أن يكون من صبي أو صبية، والتطهير واحد فيهما جميعا فينبغي أن تستوي صفة التطهير فيهما.
[48]
مَسْأَلَة
إذا نوى بوضوئه أن يصلي صلاة بعينها فرضا أو نافلة أو قراءة في مصحف أو صلاة على جنازة فإن حدثه يرتفع، ويجوز أن يصلي به سائر الصلوات، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وإن كان أبو حنيفة ليس من شرط صحة الطهارة عنده النية.
وحكي عن داود به استباحة صلاة بعينها دون غيرها من الصلوات فإنه على ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي.
وأجودها: أن حدثه يرتفع، ويستبيح به سائر الصلوات؛ لأنه نوى
استباحة صلاة، إذا ارتفع لصلاة ارتفع لجميع الصلوات.
والوجه الثاني: أنه لا يرتفع حدثه بهذا الوضوء فلا يصلي به أصلا؛ لأنه نفى أن يستبح به غير هذه الصلاة، والحدث إذا لم يرتفع لصلاة لم يرتفع لجميع الصلوات.
والوجه الآخر: منهم من قال: يجوز له أن يصلي به الصلاة التي نواها، ولا يصلي به غيرها؛ لأنه لو لم ينو رفع الحدث لم يجز له أن يصلي، ولو نوى رفع الحدث مطلقا جاز له أن يصلي، فيجب إذا نوى به استباحة صلاة دون غيرها أن يستبيح به ما نوى استباحته، ولا يستبيح غيرها.
وهذا أضعف الوجوه عندهم.
وهذا عندي يتخرج على الروايتين عن مالك فيمن اعتقد رفع النية في الطهارة بعد أن تطهر، فإذا قلنا: لا ترفع الطهارة فإنه يصلي الصلاة التي نوى لها الوضوء، ويصلي الصلاة الثانية؛ لأنه اعتقد رفع النية في الوضوء لها فلا ترتفع.
وإذا قلنا: إن طهارته تبطل صلى بالوضوء الصلاة التي نواها وبطلت بعد ذلك.
فلا يصلي بها هي صلاة أخرى؛ لأنه يصليها وقد رفع من طهارتها النية.
والدليل لنا على داود: قول الله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾، والألف واللام في الصلاة للجنس، وهذا قد غسل وجهه للقيام إلى جميع الصلوات.