عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصارصفحات 771-810
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قد مضى في جملة الكلام على الأصم ما يلزم أبا حنيفة في الماء إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه من الورد أو الزعفران وإن كانت أجزاء الماء غالبة لأجزاء تلك الطهارات وأنا أفرد الكلام عليه.
فالدليل لقولنا: كون الإنسان على جملة الحدث، وكون الصلاة عليه بيقين فلا تقسط إلا بدليل.
وأيضاً قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً﴾، وقوله: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾، وقوله - تعالى - ﴿وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به﴾، فأطلق - تعالى - اسم الماء في هذه المواضع، وهذا فقد زال عنه إطلاق الماء حتى صار مقيداً بصفة مما حل فيه.
يدل على ذلك: أنه لو أمر غلامه بشراء ذلك، فجاءه بماء القراح عصاه، وحسن تعنيفه له، ولو قال له: اشتر لي ماء، وأسقني ماء، فجاءه بهذا الماء المتغير حسن تعنيفه له، وكان الغلام عاصياً بذلك.
وأيضاً قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لابن مسعود: "هل معك ماء؟ " فقال: لا، ولكن معي ماء نبذت فيه تمراً.
فلو كان اسم الماء في الإطلاق يتناوله لم يقل: ليس معي ماء.
لكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينكر عليه، ويقول: هذا ماء، وهو

أحسن حالاً من ماء الزعفران الذي قد تغير طعمه ولونه وريحه.
وأيضاً فقد اتفقنا على أن أجزءا الزعفران إذا غلبت على أجزاء الماء خرج الماء عن إطلاقه، ولم يجز الوضوء به، والعلة في ذلك: أنه ماء بان فيه لون الزعفران.
وأيضاً فقد وافقونا على أن الماء الباقلاء المطبوخ لا يجوز التوضؤ به، وفيه من غلبة الماء مثل ما في الزعفران.
ولنا القياس على نبيذ الزبيب؛ بعلة أنه ماء خالطه شيء يستغني عنه، وينفك منه غالباً، بان لونه أو طعمه فيه.
وأيضاً فإن الدموع والعرق لا يجوز الوضوء به، العلة فيه أنه مائع لا يعد للعطش، فكذلك ماء الزعفران الذي اختلفنا فيه.
فإن قيل: فإن إطلاق الاسم هو الأصل، والتقييد داخل عليه، كما أن الأصل هو التخفيف، والتثقيل داخل عليه، والأصل التذكير، والتأنيث داخل عليه، والأصل الحقيقة، والمجاز داخل عليه؛ لأن واضع اللغة لا يضع التقييد، وإنما يضع الاسم لجملة أشياء، يتقيد في بعضها بقلة الاستعمال، ويصير مطلقاً في بعضها لكثرة الاستعمال، فصار التقييد داخلاً في الوضع،

فمدعيه يحتاج إلى دلالة، كمدعي المجاز.
قيل: إنما يرجع في هذا إلى وضع اللغة، فما كان مطلقاً منها فهو معروف، وما قيدوه خرج عن الإطلاق، وقد قيدوا في مسألتنا فقالوا: ماء الخلوق، وماء الزعفران، وماء الأشنان، وماء الباقلاء، فعرف من قولهم هذا خلاف ما يعقل من قولهم ماء غير مقيد، وكذلك يعقل من قولهم ماء نجس، وماء مستعمل، وماء مشمس، وماء مغلي ما يعقل من قولهم ماء مطلق، فليس يحتاج في هذا إلى دلالة أكثر من تقييدهم.
ثم إن الشريعة بعد ذلك ميزت أحكام ما قيدوه، فما كان من المقيد بصفة لم ينفك منها، أو لم يؤثر في عينه شيء حل فيه أجرته مجرى المطلق.
وما أثر فيه مما حل فيه وليس من قراره.
فما كان طاهراً حصل الماء طاهراً غير مطهر، وما كان نجساً حصل الماء غير طاهر ولا مطهر.
فإن قيل: فإن ما تغير لونه بالزعفران يقال: إنه ماء وقع فيه زعفران، فيوصف أنه محل له، وهذا لا يؤثر في إطلاق الاسم، مثل وقولهم: ماء وقع فيه ثوب.
ولا يجوز أن يقال له: ماء الزعفران؛ لأن هذا الوصف لما اتخذ من الزعفران، كما يقال: ماء الفاكهة لما اتخذ منها، ولا يقال لما وقع فيه شيء من الفاكهة: إنه ماء الفاكهة، فكذلك إذا وقع ورد فاكتسب به رائحة لا يقال: إنه ماء الورد.
وإذا كان إطلاق الاسم بحاله تناوله قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾، وقوله:

" التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء"، وهذا واجد له.
قيل: إذا وقع الزعفران في الماء فهو على وجهين: إن لم يؤثر في صفاته قيل: هذا ماء قد وقع فيه زعفران؛ ليعلم من لم يعلم بذلك، وإن أثر فيه علم من طريق المشاهدة أنه ماء الزعفران، وقيل: ماء الزعفران، وهذا كما يقع فيه نجس ولا يؤثر في طعمه ولا ريحه ولونه فيقال: هذا ماء وقعت فيه نجاسة؛ ليعلم ذلك من لم يعلمه، وإذا تغير بلون أو طعم أو ريح قيل: هذا ماء نجس وإن لم يكن مستخرجاً من النجاسة وإنما حلت فيه نجاسة أثرت فيه.
فتأثير الزعفران في الماء كتأثير النجاسة في الماء، وإن كان هذا نجساً وذاك طاهراً.
وكذلك الثوب إذا وقع في الماء، فإن طال مكثه فيه حتى غير طعمه ولونه وريحه كان مضافاً كماء الزعفران، وإن لم يطل مكثه فيه ولم يتغيره فهو كالزعفران إذا لم يؤثر فيه، وكذلك ماء الفاكهة، وهذا كما الباقلاء ليس هو شيئاً استخرج من الباقلاء، وإنما الباقلاء غيره لما حل فيه.
فإن جوزوا الوضوء بماء الباقلاء فالكلام على الجميع واحد، وهم يجوزون الوضوء بماء الباقلاء الني إذا بيتوه فيه، ولا يجيزونه بماء الباقلاء المطبوخ، ولا يختلف أهل اللغة في تسمية ماء الباقلاء بهذا الاسم، وإن كان الباقلاء حل فيه، فكذلك ماء الزعفران إذا أثر فيه، وإذا كان هذا هكذا لم يتناوله قوله - تعالى -: {فلم تجدوا ماءً

فتيمموا}؛ لأن هذا ماء مطلق، وذاك ماء مقيد بالزعفران كما الباقلاء.
فإن قيل: فإننا نفرض الكلام في الماء إذا خالطه الأشنان فغير طعمه ولونه، فنقول: هو ماء خالطه ما يحصل به الإنقاء فلا يكون تغيير لونه مانعاً من جواز التوضؤ به مثل الطين.
قيل: هو فاسد بماء الصابون وماء الباقلاء: فإن الإنقاء يقع بالباقلاء المطحون ويقع بالصابون.
فإن جوزوا هذين قلنا: المعنى في الطين أنه من قرار الماء الذي لا ينفك منه غالباً، وله مدخل في الطهارات عند التيمم، فكأنه من جنسه.
على أن ما ذكروه ينتقض به إذا كانت أجزاء الزعفران غالبة على أجزاء الماء.
فإن قيل: المانع ههنا هو غلبة الأجزاء لا التغيير.
قيل: قوة الأجزاء هي المغيرة، وإنما يزيد في التغيير في الطعم واللون والريح، وأول جزء يصل به التغيير هو المؤثر ولا اعتبار بماء زاد عليه.
ألا ترى أن النجاسة إذا غيرت طعم الماء ولونه وريحه كان الحكم لها ولم يؤثر فيه تزايد النجاسة وقوتها في التأثير، فكذلك في الزعفران.
فإن قيل: إن كل تغيير حاصل في الماء يمنع جواز الوضوء به فإنه لا يختلف حكم المجاورة والمخالطة، يدلك عليه: اعتبار النجاسات، وفي

اتفاقهم على أن العود متى غير رائحة الماء لم يمنع من استعماله دلالة على أن مخالطته لا تمنع أيضا.
وأيضا فلو تغير الماء بمكثه في بقعة لم يمنع ذلك جواز الوضوء به، فكذلك إذا حصل بحادث، دليله الماء العذب إذا تغير بالملح.
أيضا قد يكون متغيرا في أصل خلقته فوجب أن يكون الحادث بمنزلته.
أصله الملوحة.
قيل: قولكم: إن كل تغيير يمنع جواز الوضوء لا يختلف حكم المجاورة والمخالفة كالعود يقع في الماء، فإننا نقول: العود إذا نقع في الماء حتى يتغير ريح الماس لم يجز الوضوء به، وإن لم يتغير جاز، وهذا كالنجاسة اليابسة إذا وقعت في الماء، وأخرجت ولم تغيره فهو طاهر مطهر، وإن أثرت في ريحه لم يجز الوضوء به.
على أن صفة المجاورة ليست هي بشيء تحل فيه ولكن الماء لو كان في إناء، مجاورا لشيء طيب، أثر ريح ذلك في الماء لم يمنع الوضوء به؛ لأنه لم يحل فيه من جسم الطيب شيء، وكذلك لو كان الماء في

إناء، والإناء مجاور لشيء فيه نجس له ريح، فأثر ذلك في ريح الماء المفرد في الإناء المجاور له لم يمنع الوضوء به؛ لأنه لم يحل من جسم النجاسة فيه شيء.
وقولكم: لو تغير الماء بمكثه لم يمنع جواز الوضوء به فكذلك إذا حصل بحادث منتقض بحلول النجاسة فيه إذا غيرته.
وكذلك قولكم: إن الماء قد يكون متغيرا في أصل خلقته فوجب أن يكون الحادث بمنزلته كالملوحة، فإنه أيضا منتقض بحلول النجاسة فيه إذا غيرته.
على أن الملوحة إن كانت من ملح طرح فيه حتى يغير طعمه فلو قلنا: لا يجوز الوضوء به لم تكن لكم حجة، ثم لو جوزناه لكان الملح من جنس الأرض؛ لأن التيمم يجوز عليه، فهو كالطين والرمل الذي هو من الأرض، لأن الملح من السباخ.
ويجوز أن يحتج في أصل المسألة بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه)، والاستدلال به من وجهين.
أحدهما: أن النجس في اللغة هو المبعد، فكأنه قال: الماء لا يبعده إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه، فينبغي أن يكون هذا الماء مبعدا لما غيره، وما يتوضأ به لا يكون مبعدا.
والوجه الآخر: هو أنه عليه السلام نبه على أن الشيء الذي يحل في الماء فيغيره له تأثير في منع الوضوء به؛ لاتفاقنا على أن أجزاء الطاهرات

إذا غلبت على أجزاء الماء كان كغلبة أجزاء النجاسة لأجزاء الماء فينبغي أن يكون الحكم فيها إذا غير الماء واحدا، والله أعلم.
فإن قيل: فإنه طاهر غلب على الماء ولم يخرجه عنه طبعه فجاز الوضوء به.
أصله الماء إذا تغير بالورق أو الطحلب أو بالطين أو الحمأة.
قيل: المعنى فيه أنه ماء غلب عليه ما ليس بقرار له مما ينفك منه الماء غالبا، وليس كذلك ما حصل فيه طحلب وطين فقد تعارضت العلتان.
ولنا أن نرده بهذه العلة إلى أصل آخر، وهو ماء الباقلاء المطبوخ.
ولا يلزم على علتنا الماء الذي يغريه الطحلب والطين والحمأة وما تساقط فيه من ورق الشجر؛ لأن الماء لا ينفك بهذه الأشياء غالبا، ولا يمنكن التحرز منها، وإذا تعارض القياسان أولى؛ لشهادة الأصول فيه كل شيء يحل في الماء مما ينفك منه غالبا، فلا فرق بين أن يغيره بتزايد أجزائه على أجزاء الماء أو بتزايد الماء عليه ولا فرق بين ماء الباقلاء الني والمطبوخ، كالماء الذي تحل فيه النجاسة فتغيره فلا فرق بين تزايد أجزائها على أجزاء الماء، وبين تزايد أجزاء الماء على أجزائها، وبالله التوفيق.

[37]

مَسْأَلَة

ولا يجوز الوضوء بالنبيذ، نيه ومطبوخه، مع عدم الماء ووجوده، تمريا كان أو غيره، فإن كان مع ذلك مشتدا فهو نجس، ولا يجوز شربه ولا الوضوء به، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو يوسف.
واستدل على أن هذا مذهب عمر وابنه عبد الله لما روي عنهما أنهما قالا: النبيذ نجس لا يجوز شربه.
فقد قالا: إن الوضوء لا يجوز به.
وقال الأواعي: يجوز التوضؤ بسائر الأنبذة، وروي مثل هذا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وقال أبو حنيفة: لا يجوز التوضؤ به في حضر ولا سفر مع وجود الماء.
فأما مع عدمه فيجوز بمطبوخ التمر إذا أسكر، فأما الني والنقيع يجوز التوضؤ به.

وذكر بعض أهل العراق أن ابن المبارك ونوح بن دارج رويا عن أبي حنيفة الرجوع عن ذلك.
فعلى الرواية التي يجوزه في المطبوخ فقد اختلفوا في الطبخ.
فقال بعضهم: حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه.
وحكيم عن الكرخي أنه شرط الطبخ ولم يوقت.
وحكيم بعضهم أنه ليس عن أبي حنيفة فيه رواية، وإنما اختلفوا هم، فمنهم من يجوز - أعني في مطبوخ التمر الحلو - ومنهم من قال: لا يجوز حتى يسكر.

وقال محمد بن الحسن: يتوضأ به كما قال أبو حنيفة ويتيمم معه.
ومعه غرضنا الكلام في تحريم النبيذ المسكر ههنا، وهو يجيء في كتاب الأشربة، وإنما القصد ههنا الكلام على من جوز التوضؤ به.
والدليل لقولنا: كون المحدث على حدث، وأن الطهارة واجبة عليه، فمن زعم أن حدثه يرتفع بالوضوء بالنبيذ فعليه الدليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾.
وأيضا فإن الله - تعالى - قال: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، وقال: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾، وقال النبي عليه السلام: (خلق الله الماء طهورا)، فجعل الماء المطلق هو الطهور دون غيره، فدل على أن غير الماء المطلق لا يكون طهورا.

فإن قيل: قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، نقلنا من الماء إلى الصعيد، وفي النبيذ، ماء لا محالة، فهو واجد لماء؛ لأنه قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ منكر، فلم يخص ماء من ماء، فيجوز التوضؤ بالنبيذ؛ لأن فيه ماء.
قيل: إنما قال - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، وهذا يقتضي الماء المطلق، ولم يقل: تجدوا ماء فيه ماء.
والماء الذي في النبيذ ليس بماء مطلق؛ لأن إنسانا لو حلف ألا يشرب ماء فشرب نبيذا لم يحنث، ولو حلف أن يشرب ماء فشرب نبيذا لم يبر، وكذلك لو أمر غلامه أن يشتري له ماء فاشترى له نبيذا كان مخالفا يجوز تعنيفه، ثم لو انطلق عليه اسم ماء لجاز استعماله مع وجود الماء.
فإن قيل، إن النبيذ وإن لم يقع عليه اسم الماء في اللغة فإنه يقع عليه في الشرع؛ لأن النبي عليه السلام قال للنبيذ الذي كان مع ابن مسعود: (تمرة طيبة وماء طهور).
قيل: عن هذا ثلاثة أجوبة: أحدهما: أن النبيذ لا ينطلقق عليه اسم الماء لا في اللغة ولا في الشرع، فأما قوله عليه السلام: (تمرة طيبة وماء طهور)، إنما سمي الماء باسمه ولم يسم النبيذ ماء؛ لأنه لم يكن معه نبيذ وإنما كان معه ماء نبذ فيه تمرا ولم يختلط؛ لأن مياه العرب كانت فيها ملوحة، فكانوا

يستعذبونها بالتمر.
ألا ترى أنه عليه السلام أفرد ذكر الماء فقال: (تمرة طيبة) فأرد ذكرها، وقال: (ماء طهور)، فأفرد اسمه، وذكر أنه طهور، فلو كان مختلطا قد امناع في الماء لكان يقول: نبيذ طيب طهور، وليس يجوز أن يقال: إن النبيذ يقع عليه اسم التمر في الشرع، فكذلك لا يقع عليه اسم الماء.
والجواب الثاني: هو أننا لو سلمنا أن اسم الماء يقع على النبيذ في الشرع لم يكن مرادا بالظاهر ولا تناوله اللفظ من وجهين.
أحدهما: أن النبيذ يقع عليه اسم ماء في الشرع، والماء المطلق يسمى ماء باللغة واللفظة الواحدة لا يجوز أن يراد بها ما يسمى في الشرع وما يسمى في اللغة في حالة واحدة بلفظة واحدة، كان المراد باللفظ أحدهما، وقد أجمعوا على أن الماء المطلق مراد بالآية فوجب أن يكون النبيذ غير مارد بها.
والجواب الثالث: هو أنه لو تناول الظاهر النبيذ كما تناول الماء المطلق لوجب أن يستوي مع الماء المطلق في جواز استعماله، فيكون مخيرا بين استعماله وبين استعمال الماء المطلق، كما يكون مخيرا بين ماءين؛ لأن اللفظ إذا تناول شيئين تناولا واحدا لم يفترقا في الحكم؛

لأن الجنس واحد، كألفاظ العموم.
مثل قوله - تعالى - ﴿فاقتلوا المشركين﴾، ﴿والسارق والسارقة﴾، فلما قالوا: إن النبيذ لا يجوز التوضؤ به مع وجود الماء المطلق علم أنه لم يتناوله اللفظ أصلا، وهذا السؤال أجود أسئلتهم على الآية.
وأيضا فإن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ روي عنه أنه قال لابن مسعود: (هل معك ماء؟).
فقال: لا، ولكن معي نبيذ.
فلو كان اسم الماء ينطلق على النبيذ لم يجز لابن مسعود أن يقول ليس معي ماء.
وهو من وجوه أهل اللغة، عارف بأسماء الشرع أيضا، وكان النبي عليه السلام أيضا ينكر عليه، ويقول هذا ماء في اللغة وفي شرعي.
فإن قيل: ليس يخلو من الذي كان مع ابن مسعود من أحد أمرين: إما أن يكون نبيذا كما نقول.
أو يكون ماء قد طرح فيه تمرا لم يمنع فيه.
فإن كان نبيذا فقد أنكر عليه بقوله: لا، وقال: (تمرة طيبة وماء طهور)، أو يكون ماء ولم ينمع فيه التمر، فقول ابن مسعود: ليس معي ماء محال.
قيل: لم يكن معه نبيذ على ما تقولون، وإنما قال: ليس معي ماء مفرد ولا ماء أعد للتوضؤ، وإنما معي ماء استعددته للشرب، ولهذا أفرد النبي عليه السلام ذكر الماء عن ذكر التمر، فقال: (تمرة طيبة وماء طهور)، ولو جاز لإنسان أن يسمي النبيذ ماء مطلقا؛ لأن النبي عليه السلام قال: (ماء طهور) جاز لآخر أن يسمي النبيذ تمرا؛ لأنه عليه السلام قال:

"تمرة طيبة"، ولو جاز أن يسمى النبيز ماء؛ لأن فيه ماء جاز أن يسمى الخل ماء؛ لأن فيه ماء.
وهذا أبو عبيد القاسم بن سلام - وهو إمام في اللغة - يقول: وقد ذكر النبيذ أنه لا يكون طهورا أبدا؛ لأن الله - تعالى - اشترط الطهور بشرطين لم يجعل لهما ثالثا، وهما: الماء والصعيد، وأن النبيذ ليس واحدا منهما.
ثم نقول: لو أن الأمر على ما ذكرتم، وأنه يسمى ماء لما فيه من الماء فإن العرف جرى بأن لا يطلق عليه الاسم، فسبيلنا أن نرجع إلى عرف اللغة والشريعة؛ لأن الألفاظ إذا أطلقت ووقع التنازع فيها كان الأول فيها أن تحمل على عرف اللغة والشريعة، كما قيل في قوله - تعالى -: ﴿وجعل الشمس سراجا﴾، ﴿والجبال أوتادا﴾، ثم إذا أطلق اللفظ من هذا حمل على العرف، والغالب من السراج الذي هو المصباح، والوتد هو الذي يوتد في الحائط، وكذلك قوله - تعالى -: ﴿فضحكت فبشرناها بإسحاق﴾، وإنما أريد به الحيض، وفيما بيننا

لو قال قائل لزوجته: إذا ضحكت فأنت طالق.
لم يتعلق الحكم إلا بالضحك المعقول في العرف.
هذا مذاهب الفقهاء جملة وإن كانوا في مواضع من الإيمان ريما حملوه على كل ما تقتضيه اللغة غير أنهم لا يخرجون به عن اسم الحقيقة.
ثم إننا نقول لهم: قد وجدنا اسم الماء قد ارتفع عن النبيذ بكل وجه حتى لا يسمى ماء مطلقا ولا مقيدا، وقد يسمى غيره من ماء الزعفران وماء الورد والباقلاء ماء بتقييد.
ثم نقول أيضا: أليس قد زعمتم أن الاسم الحقيقي لا ينتفي عن المسمى بوجه؟ فمتى انتفى عنه علمنا أنه ليس بحقيقة له، ولو قيل له: هل معك ماء؟.
فقال: لا، ولكن معي نبيذ لم يكن مخطئا، كما قال ابن مسعود للنبي عليه السلام.
فعلمنا بهذا أن إطلاق الماء قد بطل عنه.
ولنا أن نبني المسألة على أصلنا في أن النبيذ المشتد حرام نجس.
فإن سلموا ذلك فلا قول إلا قولنا، وإن لم يسلموه دللنا على صحته بقول النبي عليه السلام: (ما أسكر كثيره فقليله حرام)، وبالأدلة المذكورة في مَسْأَلَة النبيذ.
دلائل القياس: نقول: إن النبيذ مائع لا يجوز التوضؤ به مع وجد الماء فلا يجوز

التوضؤ به مع عدمه.
أصله ماء الباقلاء وماء الورد وقولنا: مائع احتراز من الصعيد.
ونقول: هو مائع لا يجوز التوضؤ به في الحضر فكذلك في السفر، أصله جميع الأنبذة.
ونقول: هو مائع غلب عليه طعم التمر ولونه فلا يجوز الوضوء به، أصله النبيذ الني.
أو نقول: هو اء غلب عليه لون التمر فأشبه الخل.
أو نقول: هو شراب مسكر فلا يجوز التوضؤ به أصله الخمر.
أو نقول هو مائع غلب عليه طعم ما يؤكل فأشبه الماء إذا بل فيه الخبز وإنماع فيه.
ثم إن الاعتبار الصحيح معنا؛ وذلك أن الماء في الخل أكثر منه في النبيذ؛ لأنهم يكثرون الماء في طبخ التمر حتى يرق فتسرع إليه الحموضة، فالتمر الذي فيه أقل منه في النبيذ، وماؤه أكثر، فلما لم يجز التوضؤ بما فيه الماء أكثر مع قلة التمر كان في الموضع الذي يقل فيه الماء ويكثر التمر أولى أن لا يجوز.
وأيضا فإننا رأينا الخل من جنس النبيذ؛ لأنه ماء مع تمر، فلما لم يجز التوضؤ بالخل مع الإجماع على طهارته وكونه من جنس النبيذ كان النبيذ أولى أن لا يجوز التوضؤ به.
وأيضا فإننا وجدنا الأصول كلها تدل على أن ما جاز التوضؤ به استوى حكم مطبوخه وغير مطبوخه.
ألا ترى أن الماء الطاهر يجوز الوضوء به طبخ أو لم يطبخ، والماء النجس لا يجوز الوضوء به طبخ أو لا.

فلو جاز الوضوء بالنبيذ لاستوى حكم مطبوخه وغير مطبوخه، فلما افترق حكم النبيذ - عندهم - في نيه ومطبوخه خرج عن الأصول.
وأيضا فإن الأبدال في الأصول موضوعة على ما هو أسهل وجودا وأهون من المبدلات، كالتراب في الطهارات، والإطعام في الكفارات.
والحكمة أيضا توجب ذلك، لأنه يبعد في الحكمة أن يؤمر من لا يقدر على أسهل الموجود وأهونه بالعدول إلى أصعبها مأخذا وأعزها مطلبا، ونحن نعلم أن النبيذ أشد تعذرا وأعز من الماء، فوجب أن يكون العدول إلى الصعيد عند عدم الماء هو البدل عنه؛ أسهل وأهون وجودا.
وأيضا: فإنه لا تعدو حال النبيذ في جواز التوضؤ به أحد أمرين: إما أن يكون أصلا أو بدلا.
فإن كان أصلا فيجب أن يترتب على العدم كالماء، أو يكون بدلا فيجب أن يكون أعم وجودا من الأصل، وأن يستوي فيه حكم الحدثين الأعلى والأدنى، وأن يختص باسم كالتيمم، فلما لم يوافق الأصل ولا البدل بطل أن كون له مدخل في التطهير.
ألا ترى أن الصعيد لما كان بدلا عن الماء استوى حكمه في الطهارتين جميعا الأعلى والأدنى، وهو الاقتصار على العضوين المخصوصين، وهم قالوا: يتوضأ بالنبيذ إن كان محدثا، ويغتسل به إن كان جنبا، فعلم بهذا أنه ليس ببدل عن الماء.
فإن قل: جميع الظواهر والاستدلالات والقياسات على ما قلتم، وإنما عدلنا إلى الخبر الصحيح المشهور الذي يترك لمثله قياس

الأصول، وهو ارواه أبو فزارة العبسي عن أبي زيد - مولى عمروا حريث عن ابن مسعود أنه قال: كنت مع النبي عليه السلام ليلة الجن، فقال: (يا عبد الله أمعك ماء؟).
فقلت: لا، معي نبيذ، فأخذه وقال: (تمرة طيبة وماء طهور)، فتوضأ به، وهذا نص، وهذا استدل به أبو حنيفة وشيوخهم.
والجواب: أن هذا الحديث ضعيف؛ لأن أبا فزارة وأبا زيد مجهولان، ولم يعرفهما أحد من أصحاب الحديث.

وقال موسى بن هارون: هذا حديث باطل، ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث عن ابن مسعود إلا أبا زيد هذا، وهو رجل مجهول، - وعندنا - أنه إذا لم يعلم إسلام الرجل وعدالته لم يجز قبول خبره.
وقد قيل: إنا أبا فزراة راشد بن كيسان كان نباذا بالكوفة، فروي هذا لنفق سلعته.
فإن قيل: فقد روى سفيان الثوري عن أبي فزارة، فدل على أنه ثقة معروف.
وأما بيعة النبيذ فلا يرد به خبره؛ لأن شرب النبيذ حلال كالماء، وليس هذا إلا كبيعه الخل وغيره من المائعات.

قيل: نقل الثوري عنه لا يدل على كونه ثقة، كما روى الشعبي عن حارث الأعور، قال: كان والله كذابا.
وأما جواز شربه - عندكم - فإن بيعه من الخاساسات والأكساب الدنيئة، وقد ترد شهادة من يسقط المروءة، وكذلك نقول فيمن يتعاطى شرب المسكر جهارا ويسقط مروئته، ولعل أكثر من يعتقد هذا المذهب لا يستحسن لنفسه الإدمان عليه، فضلا عن بيعه والمجاهرة بشربه، وبيعه على السفهاء الذين لا خلاق لهم يخونون به.
ثم قد وقع الاضطراب في الحديث أيضا فقيل: أبو زيد، وقيل؛ زيد، وقيل: أبو زياد، وأبو زيد.
وأيضا فلو كان الخبر صحيحا لنقله الثقات الإثبات من أصحاب

عبد الله بن مسعود مثل علقمة، والأسود؛ لأنه من مفاخر عبد الله انفراده مع النبي عليه السلام لية الجن بحث لم يحضراه أحد من الصحابة غيره، فلما لم ينقل هؤلاء الخبر علم أنه لا أصل له.
وأيضا فإن ابن مسعود سئل عنه فأنكره؛ لأنه روى إبراهيم النخعي عن علقمة قال: قلت لعبد الله: هل كنت مع النبي عليه السلام ليلة الجن؟.
فقالا: لا، وددت أني كنت معه.
قال: فقلت: إن الناس يقولون إنك كنت معه.
فقال: فقدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة، فقلنا: اغتيل أو استطيل - أي

قتل -، فبتنا بشر ليلة بات بها أهلها، فلما أصبح أقبل من ناحية حراء وذكر أن داعي الجن أتاه، فقرأ لهم القرآن.
فكما رووا عنه أنه قال: كنت معه، فقد روي عنه أنه قال: ما كنت معه، فتعارضنا.
فإن قيل: خبرنا مثبت فهو أولى.
ثم يجوز أن يكون نسى فقال: ما كنت.
وعلى أنه قد كان للجن غير ليلة، فلعل هذه الليلة التي قال فيها: ما كمنت، هي ليلة منها.
قيل: إن قولكم: إن خبرنا مثبت، فإنا كلانا نثبت؛ لأنه من روى أنه كان مع النبي عليه السلام أثبت كونه معه، ومن روى أنه لم يمكن معه أُبت كونه مع الصحابة فهما سواء.
وعلى أن هذا ليس من حيث المثبت والنفي؛ لأن الذي أثبت ههنا هو ابن مسعود، وهو الذي ينفي، ويقول: ما كنت.
وليس هو قول الراوي عنه: إنه كان، ويقول آخر: إنه لم يكن.
وقولكم: يجوز أن يكون ابن مسعود نسى، فهذا يبعد؛ لأن ليلة الجن مشهورة معروفة،

ولا يظن بمثل ابن مسعود حضورها فينسى، كما يبعد أن ينسى رجل امرأة ولدت له أولادا وماتت فورثها.
وقولكم: قد كانت للجن ليال فلعل ابن مسعود لم يحضر ليلة منها فسئل عنها فقال: ما كنت.
فإنا نقول: إن قال نقلة الأخبار والتواريخ إنها كانت ليالي نظرنا فيه.
على أن هذا لا يقع فيه نزاع بين أصحاب عبد اله حتى يسألوه.
فإن قيل: فإننا نستعمل الرواتين فنقول: من روى عنه أنه كان معه، أي في أول الليل، ثم رجع في آخره، ومن روى عنه أنه لم يكن، يعني في آخر الليل ووقت الصبح.
قيل: هذا غلط؛ لأن من روى أنه كان معه أثبت كونه معه في آخر الليل وقت الصبح.
فروى أبو فزارة عن أبي زيد - مولي عمرو بن حريث.

وقد روى أيضا من طريق آخر عن سعيد عن عمروا بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن ابن مسعود أنه كان مع النبي عليه السلام ليلة الجن.

وعن ابن المبارك عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عبد الله أن النبي عليه السلام ناداه ليلة الجن.

وعن عبد الله بن رجاء عن إسرائيل عن أبي إسحاق

عن أبي عبيدة عن أبيه قال: كنت مع النبي عليه السلام ليلة الجن فقال لي: (التمس ثلاثة أحجار)، فوجدت حجرين وروثة.
وعن معمر عن أي إسحاق عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود أن النبي عليه السلام ذهب لحاجته فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار.
فجاء بحجرين وروثة.

فأما حديث ابن عباس فرواه ابن مصفى عن أبي عمرو بن سعيد عن ابن لهيعة عن قيس بن

الحجاج عن حنش عن ابن عباس عن ابن مسعود الحديث، وقال فيه: فتوضأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: (هذا شراب وطهور).

وأما حديث أبي رافع فرواه أبو الحسين بن أحمد بن أبي بشر السراج، ومحمد بن عبدوس قالا: حدثنا محمد بن عباد المكي عن أبي سعيد - مولى

بني هاشم - عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود أن النبي عليه السلام قال ليلة الجن (أمعك ماء؟).
قال: لا.
قال: (معك نبيذ؟).
قال: نعم.
فتوضأ به.

وأما حديث أبي وائل فرواه أبو العباس الفضل بن صالح الهاشمي عن الحسين بن عبد الله

العجلي عن أبي معاوية محمد بن حازم عن الأعمش عن أبي وائل قال: سمعت عبد الله بن مسعود قال: كنت مع النبي عليه السلام ليلة الجن، فأتاهم فقرأ عليهم القرآن.
قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أمعك ماء يا بن أم عبد؟) قلت: لا والله يا رسول الله إلا إداوة فيها نبيذ.
فقال: (تمرة طيبة وماء طهور).
فتوضأ به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وحديث أبي زيد بإسناده معروف.

وقد روي هذا عن ابن عباس، وعكرمة، وأبي العالية، ولا نعلم أحدا من الصحابة روى عنه خلاف هذا.
والحديث عن علي أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ.
وعن الحسن مثل ذلك.

والجواب: أن الناس قد طعنوا على هذه الأحاديث المروية عن أبي زيد، وأنا أذكر ما قيل في كل واحد منها.
فأما حديث أبي رافع، فأبو رافع مجهول، وعلي بن زيد الذي روى عنه ضعيف.
وأما حديث أبي وائل فروايه الحسين بن عبد الله العجلي قيل: إنه يضع الحديث.

وأما حديث ابن عباس فرواه عنه حنش الصنعاني، وهو ضعيف ورواه عن حنش قيس بن الحجاج، وهو مجهول.
وأما حديث أبي عبيدة عن عبد الله فقد قيل: إنه لا يصح له سماع من أبيه.
والذي ذكروا من أن ابن مسعود قال: أتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحجرين وروثة، فإن هذا كان ليلة الجن، فقيل له: إن هذا حديث آخر عن وكيع عن إسرائل عن أبي إسحاق عن عبد الله قال: خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في طلب ثلاثة أحجار وذكر الحديث، فكيف يجوز أن يخلط هذا بليلة الجن؟؛ لأن هذا حديث معروف ليس فيه ذكر ليلة الجن.

والجواب عما ذكروه من الرواية عن علي وابن عباس وغيرهما، فإنه لا يعرف خلاف هذا، فأول ما يقال فيه: إن حديث علي رواه الحارث الأعور، فلا يلزم القول به، والمحفوظ عن علي رضي الله عنه خلاف هذا، وهو قوله بحضر الصحابة لا ينكره أحد: لا لا أوتى بشارب خمر أو مسكر إلا حددته، ولم ينقل عن أحد من الصحابة جوازه.
وقال: جماعة من علماء الحديث: إن الحديث المروي عنه في ذلك لم يثبت.
على أنه لو ثبت لم يخل إما أن يستدلوا به إجماعا أو توقيفا.
فإن استدلوا به إجماعا لم يصح؛ لأننا قد نقلنا عن عمر وابنه

عبد الله أنهما قالا: النبيذ نجس لا يجوز شربه، وإذا كان عندهما نجسا لم يجز عندهما التوضؤ به.
وإن استدلوا به من حيث التوفيق أنهم ما قالوا ذلك إلا توقيفا قلنا: يجوز أن يكونوا قالوه نم الظاهر؛ لأنه - تعالى - قال: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، فقالوا: في النبيذ ماء فجاز التوضؤ به.
أو يكونوا قالوا بجوازه لحديث عبد الله بن مسعود، وقد بينا فساد الدلالة منه بما بيناه من تركهم ماء البحر بالنبيذ، وأبو حنيفة لا يتركه به.
قيل: لم يرو هذا، وقد روي عن أبي العالية كراهية ذلك، فروي عنه أنه سئل عن رجل أجنب ولي عنده ماء أيغتسل بالنبيذ؟ فكرهه.

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل